انتفض قلبه وقد رآها. أما هي، فقد كانت في عالم آخر، كأن أحدًا ما صعقها أو سُكب على رأسها دلو من الماء البارد. "نور؟ ملامحه تحمل كل شيء من الحنان، عيناه قد حملت بالدموع. بدأ متأثرًا، لطيفًا، حنونًا. فيض من المشاعر حل على قلبه، أصبح وديعًا. الجميع ينظر لهم بشيء من الاستغراب، حتى أخته التي استغربت رد فعله باتجاهها. فنظرت له بغيظ: "يلا يا بكر، عاقبها على اللي عملته فيا...
هي دي مش واحدة غيرها، دي ضربتني، هات لي حقي منها. يلا مستني إيه؟ كإنه لم يسمعها، نظر لها، ثم وجه نظره إلى تلك التي تقف بذهول. وعاود النظر لأخته وأردف: "حاضر، هعاقبها." ثم وجه نظراته لنور وأقبل عليها، وهم باحتضانها. حتى لم تستطع أن تسحب نفسها من بين ضلوعه، فقط تبكي بكاءً فقط. انهمرت عيناها ككبت الأنهار. لم تستوعب ما يحدث لها الآن. ظنت أنه ذهب في طي النسيان، لكن لا، تلك رائحته العطرة عادت من جديد. هل أخبركم شيئًا آخر؟
هذا أول حضن منه، تلك الضمة الأولى. لم يستطع سيف منع نفسه من ضمها لقلبه. كانت بالسابق كل شيء بالنسبة له، كانت طفلته المدللة الرائعة التي تغير يومه بأكمله. سحبت نفسها من أحضانه. كلاهما في شوق عاصف، حنين. أما أخته فقد ذُهلت لما فعله، فنظرت له بغيظ دفين: "إيه اللي أنت عملته ده؟ هو ده العقاب؟ "دي نور، مقدرش أعمل فيها حاجة، دي سبب كل حاجة حلوة في حياتي."
ثم عاود أنظاره لها وسحبها من يدها وخرجوا لمكان عام. هواء النيل قد جعل خصلاتها تتطاير بتمرد، بدت رائعة، أنيقة، وجميلة. "ليه سبتيني؟ ليه بعدتي عني؟ كل ده بسبب تافه؟ كنت فاكر أنها مشكلة عادية، خناقة بسيطة زي كل مرة بتبعدي، لكن كان العكس، كان العكس يا نور. بعتي أكتر قلب حبك، سبتيه. اتجوزت وطلقت، وكل بنت بشوفك فيها مش قادر أنساكي ولا قادر أعيش من غيرك. طيب هعيش من غيرك إزاي؟
أنتي كنتي ومازلتي كل حياتي. بس الحمد لله إنك رجعتيلي، وحشتيني يا عمري! "أنا مرجعتش يا بكر، ولا هرجع. وهكمل اللي ابتديته. الحب لوحده مش كفاية." "إيه العلة؟ الحب لوحده أساس كل حاجة وأي حاجة، وأنتي حبي وقلبي، أنتي كل حاجة. نبض قلبي، كل دقة أنتي. عرفتي بقي إنك كل حاجة." "صدقني مش هينفع، مش هينفع خالص بجد. وأنا مش هكمل." "أنتي كرهتيني يا نور؟ ولا اتجوزتي؟ ولا بتحبي حد تاني؟ "لأ يا بكر، أنا مش اتجوزت ولا بحب." "كرهتيني؟
"مقدرش. ربنا عالم أنا لما شوفتك حصلي إيه، كإني خفيفة، زي الفراشة اللي في الهوا طايرة. بكر أنا عمري ما نسيت حنيتك، مقدرش. أنت طيب أوي، وحنين أوي." "وبحبك أوي، بعشقك، عشق." "طيب أنا همشي." "تمشي إيه؟
ده أنا ما صدقت، ما صدقت لقيتك يا نور. نتجوز يا بت، هعيشك ملكة. نور، إحنا بعد ما سبنا بعض سافرت إيطاليا، اشتغلت وجيت اشتغلت هنا. دورت عليكي في كل مكان، ملقتكيش، بس لقيتك في قلبي، فعشت بيكي، عشت على كده. يا أجمل ما دخل قلبي." "بكر، أنا معدش فيا طاقة لخناقاتنا كل شوية، معدش ليا طاقة، ولا عندي. مش هقدر أكمل. خليني ذكرى. أنا حبيتك، بس أنت آخر مرة خدت ركن بعيد عني. تجاهلتني. قفشتك بتكلم صحبتي، منتظر مني إيه؟
أقولك باشا، روق على نفسك. أنت كنت محكم كل حاجة عليا بغيرتك. أقولك بقالنا سنة مخطوبين؟! "إمتى هنتجوز؟
"تقولي لما أكون نفسي. أقولك مش محتاجة كتير، كفاية. هكون معاك طول الوقت. كنت بتبعد، والمفروض مكنتش سامحتك من الأول على كل ده. المفروض مكنتش عملت كده. بس كنت بعمل كده وبسامح عشان بحبك. كنت بتفادي غلطاتك وعيوبك. كنت بتشرب، وكثير اتخانقنا عشان كده. أقولك يا بكر، عاوزة أبني حياتي وحياتنا على رضا. وبردو مع كل ده سامحتك. لكن هسامحك لما ألاقيك بتكلم صحبتي وتخرج معاها. أنا مستحيل أرجع. حتى نظرة الحب اللي في عيونك مش هتشفعلك. ولا حبي ليك هيشفع. ولا حبك ليا هيشفع. عرفت إن في حاجات أكبر من الحب."
"مهما تقولي كلام من ورا قلبك، أنا بحبك. هنتجوز وهنعيش حياتنا يا أجمل ما في العمر. هتجوزك وهعيشك ملكة. آه، هو أنتي كنتي عند أختي بتعملي إيه؟ وكنتي بتتخانقي معاها لي أصلاً؟ "كنت في شغل يا بكر، كنت هغني. بس أختك قلت بيا. وكله إلا كرامتي، وأنت عارف ده كويس. مبحبش حد يدوس على كرامتي." "بتغني يا نور؟ بتدبهدلي وأنا عايش؟ مغنية في البيوت؟ وأكيد الليالي وأنا على وش الدنيا؟ "معلش، وأنت إيه علاقتك بكده؟ هتصرف عليا ليه؟
بأي صفة تعمل معايا كده؟ لو لقيت رد مقنع قولي." "بأي صفة يا ستي، حبيبك، خطيبك، هبقى جوزك." "جوزي؟ ثم تعالت ضحكاتها مما استدعى الآخر للابتسام بهيام. "أيوه يا نور، جوزك. الأسبوع الجاي نكتب وأعملك فرح ما يتعمل لحد." "موعودكش يا بكر، مش هقدر أكمل معاك. لو كملت هيجيني الضغط، فـ خلينا أخوات وحبايب." "نور، أنا دلوقتي غني، ومعايا فلوس، وبحبك قبل كل حاجة."
"أنا عمري ما بصيت لفلوس ولا بصيت عندك إيه. أنا ببص لعقلي قبل قلبي عشان متعبش." "قلبك بيحبني وده اللي متأكد منه." "جايز وأكيد. بس تعرف، قلبي لا يبالي كده، مكسل يخوض مشاكل، مش عنده طاقة لتعب أو مجادلة. كفاية هموم الدنيا. بس رغم أي هم، أنا بحترم قلبي وحبيت نفسي وابتديت أخاف عليها. حب النفس مش وحش زي الناس فاكرة، بالعكس، ده بيحافظ على كرامتك وعلى كل حاجة فيك." ثم تنهدت وأكملت مضطرة: "أمشي وأشوفك بالخير دايما."
"استني ي نور، هوصلك." "عارفة طريقي كويس." جلست والدته بجواره، كان وسيمًا، رائعًا، خلابًا حينما كان يدقق في حاسوبه. عيناه رائعة، طالته كـكلمة مميزة. تنظر والدته له، بدت كأنما تريد خوض مناقشة كلامية. أحست أنها ربما تكون غير مجدية. "اتكلمي ي أمي، عاوزة تقولي إيه؟ "من غير مط في الحديث، عاوزاك تتجوز ونفسي أشوف عيالك يا سيف." أغلق الحاسوب ونظر لها: "مانا أكيد هتجوز." استبشرت ملامحها وشعت بالفرح، مما أعطاها
حماسة لمواصلة حديثها: "منيح، ريحت قلبي." "بس مش دلوقتي." ظهر الإحباط على ملامحها مجدداً: "ليه مش دلوقتي؟ ناقصك حاجة ياك؟ ومعدتش صغيرة، اللي قدك عندهم عيال." "مش حكاية عيال، مش ده الموضوع." "أومال حكاية إيه؟ بنت عمك وموجودة وبتحبك وبتحبها؟ آخر كلامها استدعى انتباهه، فعقد حاجبيه وتبدلت ملامحه للاستغراب: "بنت عمي إيه دي؟ زي أختي، وكمان مش زيها، دي أختي فعلاً. وأول واحد هيقفلها في جوازها هو أنا."
بدت غاضبة الآن وارتفع صوتها قليلاً: "أنت موقف حالها، كل ده عشان زي أختك؟ رافض عرسان البلد عشان هي أختك. اسمع يا سيف، أنت وهي هتتجوزوا عشان أفرح بيكم، وأنت هتلاقي زيها فين؟ "أهدي طيب ي أمي، آية مش بشوفها إلا أختي، أتجوزها إزاي عاد؟ "اسمع يا سيف، آية بتحبك ومش هتحب تتجوز غيرك، وأنت عارف إنها بتحبك. ولو كان بيجيلها عرسان كانت بترفض، حتى لو أنت هتوافق. فـ هي مش شايفاك أخوها يا ابني، دي شيفاك راجلها. اعقل واتجوزوا."
"لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله، ي أمي أنا مش منجذب ليها كرجل، افهمي عاد. مش هقدر أتجوزها، دي زي أختي قولتلك." "طالما مش عاوزها هيا ولا غيرها، يبقى مش هتتجوز عاد." "لا حول ولا قوة إلا بالله. هـ... هتجوز بس لما ربنا يريد يا أم العمدة." "طيب أنا هسيبك، وهي عاوزة تقعد معاك حبة. هخرج وهتدخل." "طيب، هي عاوزة إيه؟ "معرفش يا ابني، تبقا تقولك." وخرجت وتركت الباب مفتوحاً، ودقائق وكانت آية أمامه. "مساء الخير."
"وعليكم السلام يا آية." "نورت الثرايا يا سيف." "تسلمي، الله يخليكي ي رب. ها، محتاجة حاجة؟ "تسلم، أنت مش مخليني ناقصني حاجة. بدت متوترة، مرتبكة، خجولة، وهذا أيضاً ينطبق عليه. بس في حاجة عاوزة أقولهالك، نفسي فيها ومكسوفة." "مكسوفة مني؟ لأ، متتكسفيش، طلباتك أوامر." تشجعت وأغمضت عيناها وقالت مرة واحدة: "سيف، أنا عاوزة أتجوزك ونفسي أبقى مراتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!