الفصل 11 | من 24 فصل

رواية القاتل الراقي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة بركات

المشاهدات
24
كلمة
3,943
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

ظلت واقفة أمامه تنظر إليه بعدم فهم من تلك الجملة التي قالها للتو: "أنا قاتل؟! " وما أثار فضولها هو ابتسامته الهادئة تلك، هل يراها مجنونة؟ غبية؟ حسنًا، هي غبية لكن ليس لدرجة الجنون. تنهدت مريم ثم أردفت بمزاح من حديثه. مريم باستفسار: هو أنت شايفني عيلة هبلة واقفة قدامك؟ إيه *قامت بتقليده* "أنا قاتل يا دكتورة" دي. ثم قهقهت كثيرًا على تلك الجملة ولكنها صمتت وهدأت عندما اختفت ابتسامة ياسين وعادت ملامحه للبرود مرة أخرى.

مريم بابتسامة هادئة: أنا عارفة إنك بتهزر معايا، *أكملت بتفكير* عشان اللي أعرفه إن القاتل عمره ما يعترف إنه قاتل، لأنه بيكون مريض نفسي واللي أعرفه أو قرأته في علم النفس هو إن المريض مش بيعترف بإنه مريض. ياسين وهو ينظر بعمق عينيها: وليه بتفترضي إن القاتل لازم يكون مريض نفسي؟ ما ممكن يكون مجرم وبيقتل لغرض معين؟ توترت مريم من نظراته تلك قليلًا ولكنها أكملت بثقة. مريم: بس أنت عمرك ما تكون قاتل. ياسين باستفسار: ليه؟

مريم بأمل متعلقة بعينيه: عشان أنت أنقذتني، وعشان كمان أنت أنقذت الطفل الصغير اللي كان موجود في المستشفى، هو محكاش حاجة بس ده اللي أنا استنتجته، وجبت حق روان من اللي اغتصبها أنا مش عبيطة أنا واخدة بالي من كل حاجة، لأن من بعد ما حضرتك اتدخلت والولد اتعدم، ده غير إنك سجنت مرتضى بسبب اللي عمله، كل ده دليل يثبت إنك مش قاتل *ضحكت ضحكة خفيفة* وبعدين هو في قاتل تعامله راقي ولطيف كده؟ بيتعامل كأنه في عصر الستينات مثلًا؟

زمن سعيدة يا هانم؟ بونسوار؟ أكيد لا طبعًا ما فيش الكلام ده، ده أنا على كده بقى أسميك "القاتل الراقي" لو الكلام ده صح. قهقهت ولكنها هدأت وظلت تنظر له بهدوء منتظرة ردًا أو تعليقًا منه على حديثها. أما بالنسبة لياسين فظل واقفًا أمامها لم يجبها بأي شيء ولم يعلق على حديثها، ينظر لها بهدوء ولكن يبدو على ملامحه أنه شارد وهو ينظر إليها ولكنه استفاق من شروده سريعًا وعادت ملامحه إلى بروده المعتاد.

ياسين بهدوء: في حاجة طيب أقدر أساعدك فيها يا دكتورة؟ تحولت ملامحها للاستفهام ولكنها استوعبت أنها ما زالت موجودة بغرفة مكتبه ويبدو أن وجودها يزعجه فهي من اقتحمت غرفته. مريم بإحراج: أنا آسفة، نسيت خالص إني المفروض أخرج بس أنا سألت حضرتك سؤال ومحتاجة رد عليه. ياسين ببرود: أنا بالفعل رديت يا دكتورة. مريم باستسلام وتفهم: تمام من الواضح إنك في مهمة ولو قولت حاجة أكيد كل حاجة هتبوظ.

عقص ياسين حاجبيه من تفكيرها الغريب ذاك. تنهدت مريم ثم أردفت. مريم باستفسار: هشام فين طيب؟ ياسين بهدوء: تقدري تعرفي بنفسك يا دكتورة، اتفضلي. أشار نحو طريق الخروج من الغرفة، هل قام بطردها للتو؟! ظلت واقفة لعدة ثوانٍ تقوم باستيعاب ما يحدث، هل ضايقته في شيء لكي يقوم بمعاملتها هكذا؟!

لكن لا، لن تسمح له بأن يشعرها أنه قام بإهانتها للتو، رفعت رأسها بشموخ وابتعدت عنه ثم خرجت من غرفة المكتب وهي تشعر بالضيق من شعور أنها تريد أن تبقى معه أكثر من ذلك. لا تصدق أنها تعيش مع منقذها في نفس المنزل. بعد خروجها من غرفته توجه ياسين نحو فراشه وتسطح به وأغمض عينيه بنعاس لأنه لم ينم منذ أمس. ************* دخلت غرفتها ولكنها تفاجأت بوجود عماد ينتظرها في الغرفة. عماد بقلق من ملامحها: مريم، أنتِ كويسة؟

أنا كنت قلقان عليكي من إمبارح أنتِ ما رجعتيش ليه؟ وبعدين أنتِ كنتي فين أصلًا؟ وإيه اللي عامل في وشك كده؟ تنهدت مريم وابتسمت له بهدوء وأمسكت بمقبض كرسيه وجعلته أمام فراشها والذي جلست عليه بعدها. مريم ممسكة بيده: أنا كويسة الحمد لله، ما تقلقش عليا، بالنسبة لباقي الأسئلة دي مش عايزاك تشغل بالك بيها. عماد بضيق: إزاي مشغلش بالي بيها؟! أنتِ مش شايفة نفسك يا مريم، ردي عليا إيه اللي حصل؟

تنهدت مريم بصعوبة ثم أخذت تسرد له ما حدث. وبعد أن انتهت من حديثها، ظل عماد صامتًا لم يعلق على أي شيء مما قالته. مريم: عماد. استفاق عماد من شروده ونظر لها باستفسار. مريم باستفسار: أنت ليه ما قولتليش إنك تبقى أبوه؟ عقص عماد حاجبيه ولكنه تنهد. عماد: ما كنتش حابب أحكي حاجة، أنا وياسين علاقتنا مش كويسة أبدًا. كادت أن تتحدث ولكن قاطعها عماد.

عماد بجدية: ما تسأليش عن أي حاجة تاني يا مريم تخصني وتخص ياسين، حافظي على سلامتك وبس، وحاولي على قد ما تقدري تبعدي عن ياسين. مريم بعدم فهم واستيعاب لنفسها: إزاي أبعد عنه بعد ما لقيته؟ تحولت ملامح عماد للاستفسار مما سمعه وكاد أن يسألها ماذا تقصد، تنهدت بصعوبة فمخاوفه تلك عادت مرة أخرى، قررت أن تسايره. مريم بهدوء: ماشي، هبعد عنه حاضر. ابتسم عماد لها بحب أبوي وقام بالربت على يدها.

عماد: أنتِ غالية عندي أوي يا مريم، وطالما أنتِ كويسة فأنا مرتاح. ابتسمت له باطمئنان، وكانت تريد أن تسأله ماذا يعمل ياسين؟ ولكنها احترمت رغبته في عدم التحدث عنه. ******************** كان يقف أمام غرفة مكتوب على بابها "المشرحة". ويشعر بالتوتر والقلق ويتمنى أن يكون كل هذا كابوس يحلم به فقط. خرج الطبيب من الغرفة وتحدث له بهدوء. الطبيب: اتفضل حضرتك.

دلف طارق للغرفة ووقف أمام جثة مغطاة بغطاء أبيض. نزع الطبيب ذلك الغطاء وشهق طارق بفزع عندما وجده هشام، ابن أخته وابنه الوحيد الذي حظي به في هذه الحياة على الرغم من فارق السن بينهما إلا أنه كان بمثابة ابنه الوحيد فهو من حضر ولادته عندما كان مراهقًا وهو من حمله بين يديه وقام بتربيته ورعايته مع أخته الوحيدة. ارتجف جسده وانهمرت الدموع سريعًا من مقلتيه. اقترب طارق بخطى مرتعشة نحو جثمانه. طارق: هشام.

أمسك وجه هشام بين يديه يحاول إيقاظه. طارق ببكاء: اصحى يا ابني. ظل يناديه لكي يستيقظ ولكنه لم يستيقظ أبدًا. صرخ طارق بألم من فراقه. طارق: أنا السبب يا ابني، أنا السبب. بكى طارق بنحيب وهو يحتضن جثمان هشام بقوة. وبعد عدة دقائق، كان يجلس في الممر على كرسي ينظر أمامه بشرود وفي ذات الوقت تستمر دموعه بالهطول. التقط هاتفه يحاول التحكم في شهقاته وقام بالاتصال بأخته "بلقيس". بلقيس: ألو. لم يستطع التحدث.

بلقيس: طارق ما تقلقنيش أنت كمان، أنا بحاول أوصل لهشام من إمبارح ومش عارفة أوصله. لا يعرف كيف يخبرها؟ لا يعلم ماذا يفعل؟ سمعت صوت شهقاته. بلقيس بقلق: طارق، في إيه؟ إيه اللي حصل؟ هشام كويس؟ بكى طارق بنحيب لم يستطع كتمانه أكثر من ذلك. بكت بلقيس أيضًا بسبب قلقها. بلقيس: أرجوك، طمني على ابني. طارق بصوت متقطع: هشام... هشام... مات.

رمي ذلك الخبر على سمعها كالصاعقة. فقد كانت ملامحها تعبر عن الصدمة التي تشعر بها، سقط الهاتف من يدها إثرًا لفقدانها الوعي. طارق: ألو... بلقيس، ردي عليا.

لم تجبه ولكنه توقع ما يمكن أن يكون قد حدث لها قام بالاتصال بأحد خدم الفيلا للاهتمام بها حتى يعود من الإسكندرية. ظل ينظر لهاتفه وشعر بقلبه يحترق وكأنه يريد حرق ما حوله أو الانتقام. قام بتدوين رقم هاتفها وقام بالاتصال بها. كانت تتحرك في غرفتها ذهابًا وإيابًا تحاول الوصول لهشام ولكن هاتفه مغلق. تأففت مريم، لا تعلم ماذا حدث له. نظرت لهاتفها عندما سمعت صوت رنينه. وجدته رقم خاله. عقصت حاجبيها بضيق وقامت بالرد بتأفف.

مريم: نعم؟ عايز إيه؟ طارق بشرود: عايشة حياتك صح؟ تعجبت مريم من سؤاله. مريم: إيه لازمته السؤال ده؟ وبعدين مش أنا قولت ما تتصلش هنا تاني؟ طارق بألم: أنتِ السبب، هشام مات بسببك، اتقتل بسببك. صدمت مريم من حديثه، ماذا قال؟ مات؟ قتل؟ انتبهت لجملته الأخيرة قبل أن يغلق المكالمة الهاتفية بينهما.

طارق: هييجي اليوم اللي هشوف فيه قلبك بيتحرق على أقرب الناس ليكي، هييجي اليوم اللي هتخسري فيه كل حاجة يا دكتورة، وأنا هبقى أول الشمتانين. أغلق المكالمة ثم استقام عندما اقترب الطبيب منه، وقام بتوقيع بعض الأوراق كإجراء روتيني. الطبيب: تقدر تستلم الجثة، وبالنسبة للقضية، فإحنا بعتنا تقرير الطب الشرعي للشرطة عشان يبدأوا التحقيق. طارق بهدوء: شكرًا لحضرتك، أنا هكمل من هنا. *******************************

تجلس بفراشها بملامح مصدومة، هل مات هشام؟! لا تصدق!! كيف؟!! من قتله؟ هل من اختطفوها هم من قتلوه؟ أم؟ هزت رأسها بنفي لتوقعها أن ياسين من قام بقتله. لأن هؤلاء الرجال هم من وصلوا لها أولًا. لم تشعر بالدموع التي تهبط من مقلتيها، وعماد الذي يسألها ماذا هناك؟ ولكنها لم تسمعه حتى. عماد بقلق: مريم، في إيه؟ إيه اللي حصل؟ أمسكها بكتفيها وجعلها تنظر له. عماد باستفسار: في إيه؟ مريم بعدم استيعاب: هشام مات!

حزن عماد لذلك الخبر. وبكت مريم بشدة. ضمها عماد لصدره وقام بالربت على ظهرها. وهي كل ما تفعله تبكي. تبكي على صديق مقرب لها. في المساء:

كانت تنظر لسقف غرفتها بشرود، حزينة على فراقه، حزينة على عائلته، تريد توديعه. التقطت هاتفها وقامت بالبحث عن صفحة هشام الشخصية، ووجدت منشورًا يعلن عن وفاته وعن تفاصيل جنازته التي ستقام صباح الغد. ظلت في غرفتها هكذا حتى أشرقت الشمس، فلم يجافيها النوم منذ أن علمت بخبر وفاته من خاله. وحينما اقترب موعد جنازته، قامت بارتداء ثياب سوداء ثم خرجت من غرفتها وهبطت لأسفل القصر ومرت من أمام غرفة الطعام التي يجلس بها ياسين وعماد.

قام عماد بمناداتها عندما رآها، ولكنها لم تجبه وخرجت من باب القصر. ترك ياسين الشوكة من يده ومسح فمه بهدوء ثم نظر نحو عماد الذي عاد ينظر لصحنه بحزن. ياسين: كل يا عماد. عماد بغضب وهو ينظر إليه: أنت السبب، أكيد أنت السبب في كل اللي بيحصلها. استقام ياسين من مقعده ولم يجبه وتركها وحيدًا في تلك الغرفة. مشت مريم نحو أحد السائقين. مريم بصوت متحشرج: لو سمحت، محتاجة إنك توصلني لـ ******. أجابها

السائق بحزن لرفضه طلبها: أنا آسف بس ياسين بيه أمرنا ما تخرجيش في أي مكان الفترة دي. عقصت مريم حاجبيها بتعجب. قامت بسؤال سائق آخر ولكنه اعتذر أيضًا. مريم للسائقين بضيق: مش عايزين توصلوني؟! تمام، أنا هوصل نفسي.

قامت بالمشي في الطريق بين القصر والبوابة الرئيسية وتشعر بالغضب والضيق من تصرف ياسين. ظلت هكذا تمشي في طريقها مرتدية نظارتها الشمسية السوداء، وعندما وصلت للبوابة الرئيسية وجدت عددًا كبيرًا من الصحافيين بالخارج. اندفع الصحافيون عندما رأوها تقترب منهم وحاولوا الاقتراب أكثر من البوابة الرئيسية، ولكن رجال ياسين الواقفين بالخارج يمنعوهم من الاقتراب أو التصوير، ولكنهم على الرغم من ذلك يحاولون التقاط الصور لها. انتبهت مريم للسيارة القادمة من القصر والتي توقفت بجانبها. قام ياسين بتنزيل زجاج سيارته ونظر لها بهدوء.

ياسين: ارجعي للقصر يا دكتورة، من فضلك ما تعصيش أوامري. مريم بغضب: لا مش هرجع، وهروح للمكان اللي أنا عايزاه ومش محتاجة مساعدة من رجالتك، ولا حتى منك، أنا أقدر أعتمد على نفسي. كانت تتحدث بنبرتها الباكية نظرًا لتأثرها بموت هشام. تركته واقتربت أكثر من البوابة والتي تم فتحها لسيارة ياسين للتو. خرجت من البوابة وانهالت الأسئلة عليها من الصحافيين: عن "ما علاقتها بياسين المغربي؟! " "هل هي عشيقته؟ " "هل هي خطيبته؟

" ابتعدت عنهم ومشت مترات قليلة ولكن توقفت بجانبها سيارة ياسين مرة أخرى. ياسين بهدوء: اركبي يا دكتورة، هوصلك. زمت شفتيها بضيق كالأطفال ولكنها استسلمت للأمر الواقع وركبت بجانبه ولكنها لم تنظر له ولم تتحدث إليه. ياسين باستفسار هادئ: هتروحي على فين يا دكتورة؟ مريم بشهقات خفيفة وهي تنظر للجانب الآخر من الطريق: رايحة عند مقابر ******.

أمر ياسين سائقه بالتحرك نحو المكان الذي ذكرته. ظلت صامتة طوال الطريق، كل المسموع في السيارة هو صوت شهقاتها. ينظر لها ياسين بطرف عينيه، فهي لم تكف عن البكاء طيلة الطريق. حمل ياسين علبة المناديل الورقية الخاصة به وقام بتقريبها نحو مريم التي تزداد شهقاتها بسبب بكائها المستمر. ياسين: اتفضلي يا دكتورة.

نظرت نحوه وقامت بأخذ تلك العلبة وأخذت منديلًا مسحت به دموعها، ونظرت من خلف النافذة للشوارع التي يتحركون بها، ولكنها أردفت باستفسار وكسرت ذاك الصمت. مريم: أنت اللي قتلته؟ نظر لها بهدوء ووجدها تنظر له في المقابل برجاء منها أن يجيبها بالنفي. ظل الصمت هو سيد الموقف بينهما، ينظران في أعين بعضهما البعض، حتى قطعت مريم الصمت مرة أخرى. مريم ببكاء: أرجوك رد عليا.

لم تنتبه مريم لملامح ياسين التي تبدلت للحزن لثانية ولكنه عاد للجمود والبرود مرة أخرى. ياسين: لا، مش أنا. ثم أبعد عينيه عنها ونظر أمامه، أما هي تنهدت بارتياح. ظلا هكذا حتى وصلت مريم للمكان المنشود وقبل أن تخرج من السيارة نظرت لياسين. مريم: شكرًا إنك وصلتني. لم يجبها ولكنه أمر سائقه بالتحرك. للمرة الثانية تسأل نفسها، هل ضايقته في شيء؟ لماذا تركها ورحل؟! لماذا تعامله الفظ هذا؟!

استفاقت من شرودها وقامت بالاقتراب من المقابر ووقفت بعيدًا مرتدية نظارتها السوداء تتابع تشييع جنازة هشام. يبكي الجميع، الأصدقاء والأهل والأقارب. تصرخ والدته على فراقه، حتى خاله يبكي. قام الشيخ بالدعاء للميت وقام الجميع بالدعاء معه. تبكي مريم بنحيب وهي تقوم بالدعاء له، لا تدري لماذا تشعر وكأن هناك خطبًا ما؟!

كل ذلك الحب الذي يحبه الجميع له ويبكون على فراقه كان لشخص محبوب، شخص لطيف مثل هشام الذي كانت تعرفه طوال فترة علاقتهما السابقة، وليس هشام الذي ظهر بالفترة الأخيرة. ظلت تنظر لهم وتتابعهم حتى رحل كل شخص يلي الآخر وتبقى في النهاية طارق الذي يحتضن أخته بلقيس والتي تبكي بشدة على فراق ابنها الوحيد. خرجا من المقابر وكاد أن يتحرك طارق نحو سيارته ولكنه انتبه لمريم التي تقف بعيدًا في الجهة الأخرى من المقابر. استمر طارق في طريقه وقام بجعل أخته تجلس بسيارته، ثم تركها وتحرك في اتجاه مريم التي لم تعرف ماذا تفعل أو تقول.

طارق باستفسار: عايزة إيه؟! جاية ليه؟! مريم بتفهم لحالته: جاية أحضر عزا شخص كنت بحبه في يوم من الأيام. طارق بضيق: والشخص ده مات، عايزة إيه تاني؟ مريم محاولة التحكم في بكائها: أنا آسفة. طارق: أسفك خليه لنفسك، أنا هاخد حقي منك وأنا عارف هاخده إزاي. كاد أن يتحرك أوقفته مريم. مريم: أرجوك ما تحكمش عليا، هشام كان خاطفني و... طارق بغضب مقاطعًا لها: وخلاص ابني مات، فمين السبب؟! إنتي؟! ولا ياسين المغربي بتاعك؟!

نظرت له مريم ولم تستطع الإجابة فهي السبب الأساسي لما حدث، لو لم يختطفها لما قُتل لأن من قتله كانوا يريدونها هي فقط. نظرت أرضًا وبدأت بالبكاء. مريم ببكاء: أنا آسفة. لم يجبها طارق وتركها ورحل. أما هي اقتربت من قبر هشام وجلست بجانبه. مريم ببكاء: أنا آسفة يا هشام، يا ريتك ما كنت كلمتني عشان نتقابل، يا ريتك كنت نسيتني وكملت حياتك، أنا السبب في اللي حصلك، سامحني.

ملست على قبره بهدوء ولم تنتبه لذاك الذي يراقبها جالسًا في سيارته. يتابعها ياسين بعينيه، يرى بكائها على هشام. هل كانت تحبه لتلك الدرجة؟! لم تنساه قبلًا؟!

لم يرحل، بل بقي يراقبها ويراها تبكي على فراق حبيبها السابق الذي لم ولن تنساه. لقد خانتك مشاعرك مرة أخرى يا "براء"، خانتك مشاعرك الغبية الطفولية. ارتدى نظارته السوداء وعاد لبروده مرة أخرى ثم أمر سائقه بالتحرك. بعد أن انتهت من حديثها معه عند قبره قامت بالدعاء له، فحتى وإن كانت علاقتهما في الفترة الأخيرة سيئة إلا أنه سيظل أجمل صديق قد حظت به من قبل. غادرت وتحركت بسيارة أجرة لعنوان القصر.

مرت الأيام وصارت مريم حبيسة غرفتها، تشعر بالاكتئاب لتأثرها بوفاة هشام. كثرت الإشاعات والأقاويل عن علاقة ياسين بمن تسكن معه بنفس القصر. اختفى ياسين من القصر، فلم يأتِ منذ أن رآها تبكي على هشام. كان عماد يحاول مواساة مريم وجعلها تضحك، فكان يبقى بجانبها في غرفتها بعد استيقاظها ويتركها حينما تنام. وفي يوم ما، كانت مريم تنظر إلى نافذتها بشرود وعماد ينظر. عماد: اللي يشوفك كده، يقول إنك كنتي لسه بتحبيه.

نظرت مريم له بهدوء وأردفت بصوت مرهق. مريم: أنا فعلًا كنت بحب هشام، كان في بينا أيام حلوة، كانت ذكريات جميلة عايشة في خيالي وبحاول أحافظ عليها عشان صورته ما تبقاش وحشة في نظري، لكن تصرفاته في الفترة الأخيرة كانت مخلياني مش طايقاه، وفعلًا تخطيته، بس ده بني آدم واتقتل بسببي يا عماد، أنا من يومها حاسة بتأنيب الضمير، هشام كان يستحق فرصة تانية، كلنا نستحق فرصة تانية. هبطت الدموع من مقلتيها ولكنها قامت بمسحها فورًا.

مريم مستأنفة حديثها: كان ونعم الصديق، كان بيضحكني وبيقف جنبي، كنت بحس إني مطمنة وأنا معاه، قبل ما أقابلك يا عماد كان هو كل حاجة، بحكيله يومي ماشي إزاي؟ كنت بشاركه تفاصيل حياتي كلها، أنا مسامحاه ومش زعلانة منه أبدًا وبتمنى إنه يسامحني عشان ضميري بيأنبني من وقتها وأنا مش قادرة أعيش بالشكل ده. عماد وهو يربت على يديها: إنتي محتاجة ترتاحي يا مريم. تنهدت مريم وصمتت قليلًا ثم نظرت نحو عماد وأردفت.

مريم: أنا حاسة إني ضايقت ياسين بيه الفترة الأخيرة، وبقاله فترة مش بييجي القصر، ما تعرفش هو فين؟ محتاجة أتكلم معاه وأعتذرله. عماد بضيق من الحديث عن ياسين: ما أعرفش. مريم بتنهيدة: طيب، ممكن تروح تنام عشان إنت ترتاح؟

هز عماد رأسه لها بهدوء ثم قبل مقدمة رأسها وخرج من الغرفة. نظرت مريم نحو التلفاز وقامت بتشغيله لعلها تتسلى قليلًا وتنسى ما تمر به، ولكن لم يكن هناك أي شيء سوى الأخبار، ولكنها تعجبت من عدم وجود أخبار عن حالات القتل التي قام ياسين بها، والتي هي بالطبع تابعة لعمله. مريم: طبيعي ظابط، وبيتستروا على اللي حصل.

أغلقت التلفاز والتقطت هاتفها تحاول البحث عن رقم لياسين لتتحدث معه ولكنها لم تجد أي رقم له. تأففت بضيق واستقامت من مقعدها وخرجت من غرفتها تبحث عن أحد رجاله ليعطيها رقم هاتفه ولكن لتعجبها لقد رفضوا جميعهم. ماذا يعني ذلك؟! هل هذا يعقل؟ لقد أخبرها سابقًا أنها إذا احتاجت إلى التحدث معه فرقم هاتفه يوجد مع رجاله، ماذا تغير؟! عادت لغرفتها وقامت بارتداء ثياب لتخرج بها وطلبت من أحد السائقين إيصالها لشركة ياسين.

بمرور الوقت، دلفت للشركة وقام رجال الأمن بإيقافها. باستفسار: "على فين؟ مريم بهدوء: "أنا جاية لياسين المغربي، أنا أبقى دكتورة والد الأستاذ عماد، محتاجة أتكلم معاه شوية بخصوص حالته."

نظر رجال الأمن لها قليلًا ثم قاموا بالاتصال بطاقم حرس ياسين ليخبروه ويقوموا بإيصال رده، وبعد دقائق وصلهم رده بالقبول، ثم سمحوا لها بالدخول. صعدت للطابق الذي يوجد به مكتبه كما تذكر من المرة السابقة، فكما تذكر كان في ذلك الطابق غرفتان كبيرتان، إحداهما كانت غرفة الاجتماعات والأخرى بالطبع هي غرفة مكتبه. توقفت أمام الغرفة الأخرى وقامت بالطرق على بابها. لا تدري لماذا ينبض قلبها بشدة هكذا، هل لأنها ستراه؟

وقفت لثوانٍ قليلة ثم دخلت الغرفة، وأول ما رأته كان هو، يقف أمام الحائط الزجاجي خلف مكتبه معطيًا إياها ظهره، ويضم يديه الاثنتين خلف ظهره. واضعًا سترة حلته الراقية كالعادة على كرسي مكتبه الضخم، يرتدي قميصًا أبيض يناسب جسده تمامًا وبنطال أسود ذو قماشٍ رائع. من أين يأتي بثيابه؟ استفاقت مريم على صوته الهادئ والغريب نوعًا ما. ياسين: "اتفضلي يا دكتورة، عماد ماله؟ مريم بتردد: "بصراحة أنا مش جاية عشان عماد."

ياسين باستفسار: "جاية ليه يا دكتورة؟ مريم بدقات قلب عنيفة: "جاية عشانك." التفت ياسين لها بهدوء. كم كان يبدو وسيمًا بالنسبة لها، أو أنه ازداد وسامة عن ذي قبل. مظهره رائع ومنظم كعادته، رقيه الذي اعتادت عليه. نظرات عينيه الهادئة والباردة في آنٍ واحدٍ، تيقنت الآن أنها اشتاقت إلى عينيه وإلى رؤيته أمامها، ولكن تلك المشاعر خاطئة، فهي لا تليق به. هي تعمل لديه لا أكثر ولا أقل. استفاقت من شرودها على صوته الجاف.

ياسين: "كان ممكن تنتظريني لما أرجع القصر يا دكتورة." اقتربت مريم منه قليلًا. مريم وهي تنظر بعمق عينيه: "بس أنت مرجعتش." ياسين وهو ينظر لعينيها في المقابل: "جاية لحد هنا ليه؟ مريم: "جاية أعتذر لك، على أي سوء تفاهم حصل بينا، أنا الفترة الأخيرة ما كنتش كويسة، كنت تعبانة نفسيًا، آسفة جدًا لو ضايقتك، أو اتكلمت بأسلوب مش كويس معاك." ظل ينظر لها بهدوء ولم يجبها أو يتحدث. مريم: "أنت ساكت ليه؟

ياسين: "عشان ببساطة عاجبني تمثيلك." مريم بعدم فهم: "مش فاهمة؟ ياسين باستفسار: "إيه هي اللعبة اللي بتلعبيها عليّ يا دكتورة؟ مريم بعدم استيعاب: "أنا ما بلعبش عليك ولا حاجة، أنا عادي جاية أتكلم معاك شوية عشان بقالي فترة ما شوفتش حضرتك، وأعتذر لو كان في سوء تفاهم حصل بينا، هو ده مش من حقي؟ ياسين باستفسار: "وده بقى حقك من إمتى يا دكتورة؟ كادت أن تتحدث ولكنه قاطعها ببرود جرح قلبها. ياسين: "أنا اللي أقول ده حقك ولا لأ."

مريم بعدم فهم: "أنا مش فاهمة أنت بتتعامل معايا كده ليه؟ أنا عملت إيه؟ ياسين باستفسار: "وهو أنا كنت بعاملك إزاي من الأول يا دكتورة؟ استفزتها تلك الكلمة التي لا ينفك بمناداتها بها. مريم بضيق: "أنا ما اسميش دكتورة، اسمي مريم." ياسين بهدوء: "لازم أحتفظ باللقب، مهما يكن فأنتِ دكتورة والدي."

حاولت مريم التحكم ببكائها فآخر ما تتمناه هو أن لا يعاملها بتلك الطريقة، هي بحاجة إلى التحدث إليه لكي تهرب من تأنيب الضمير الذي تشعر به، ترى أنه السبيل الوحيد لمساعدتها، هو أملها وبطل حياتها، فكم كانت تتمنى لقاءه والتحدث إليه والبقاء معه. تحدثت بصوتٍ مهزوزٍ قليلًا. مريم: "تمام اعمل اللي تحبه، بس أنا محتاجة أتكلم معاك." ياسين وهو يشير لكرسيٍ أمام مكتبه: "اتفضلي." جلست مريم بهدوء وهو جلس بكرسيه أيضًا.

مريم بتنهيدة: "هشام.. قصدي من يوم ما مات وأنا حاسة إن أنا السبب، وآسفة لو انفعلت على حضرتك أو اتعاملت بشكل مش لطيف، أنا بس تعبانة وحاسة بتأنيب ضمير من وقتها، مات بسببي." ياسين بهدوء ناظرًا لعمق عينيها: "لا يا دكتورة.. اطمني مات بسببي أنا، تقدري ترتاحي." صمتت مريم قليلًا وهي تنظر إليه، ثم أردفت بهدوء. مريم: "بس مش ده اللي أنا بتكلم فيه، أنا بوضح لك موقفي لو اتعاملت مع حضرتك بشكل مش حلو."

ياسين بابتسامة هادئة: "أنا متقبل أسفك يا دكتورة، اطمني." يدق قلبها بعنفٍ أكثر وهو يتحدث وعندما يبتسم لها أيضًا، يدق قلبها لمجرد رؤيته فقط، ماذا هناك؟ ماذا يحدث لها؟ ياسين باستفسار: "محتاجة تقولي أي حاجة تانية يا دكتورة؟ مريم بإحراج من استفساره: "هو أنت عايزني أمشي؟ ياسين بتفهم: "دكتورة مريم." مريم: "نعم؟ ياسين بهدوء: "أنا مقدر إنك في صدمة نفسية، وإن الشخص اللي بتحبيه توفى و... مريم بصدمة مقاطعة له: "الشخص اللي بحبه؟!

ياسين بهدوء مستأنفًا حديثه: "أنا مقدر إنك محتاجة حد يقف جنبك ويخرجك من اللي أنتِ فيه، بس ده مش أنا، أنا مستحيل أفكر فيكِ يا دكتورة." لماذا هي مصدومة هكذا؟ فهي من استنتجت كل ذلك منذ البداية وكانت تمنع نفسها من التفكير به. فهي تعمل لديه، ومن المستحيل أن يكون بينهما شيء. حاولت جاهدة أن ترسم ابتسامة مصطنعة واستطاعت ذلك. مريم: "أكيد طبعًا كلامك صح، أنا بس كان قصدي إني بأثق في حضرتك وكنت محتاجة أتكلم معاك شوية."

أكملت بداخلها: "كنت محتاجة أشوفك، كنت محتاجة أطمن". استقامت من مقعدها وأردفت بصعوبة محاولة التحكم بحزنها بسبب جرح قلبها. مريم: "آسفة لو ضيعت وقت حضرتك." وقفت أمام باب مكتبه، تشعر بالغضب بسبب رفضه لها. لا تستطيع أن تستسلم لشعور الهزيمة الآن. التفتت له مرة أخرى ووجدته ينظر لها بهدوء. مريم بضيق: "على فكرة أنت مستفز." ذهل ياسين من كلمتها تلك، فكيف تتحدث معه هكذا؟ عقص حاجبيه واستقام من مقعده واقترب منها حتى صار أمامها.

ياسين: "عيدي كلامك تاني يا دكتورة، قولتي إيه؟ مريم بهدوء وهي تنظر بعينيه: "زي ما سمعت، أنت مستفز." ياسين بهدوء أخافها: "ليه؟ مريم بتوتر: "عشان كلامك ده." ياسين بغضب مكبوت: "وهو معقول يا دكتورة تعيطي على قبر الشخص اللي بتحبيه وبعدها تيجي تقوليلي إنك محتاجاني جنبك؟ أنتِ كده خاينة ليه هو." مريم بغضب: "ده مش حبيبي، كان حبيبي... كاان." ياسين: "بس اللي أنا شوفته النهاردة يثبت غير كده يا دكتورة، حضرتك لسه بتحبيه." مريم

بغضب وهي تنظر بعمق عينيه: "إزاي لسه بحبه وأنا بفكر فيك أنت؟ أنت ما تتخيلش أنا كان نفسي أقابلك قد إيه من زمان! أنا ما صدقت إنك أنت اللي أنقذتني، لإني من يوم ما قابلتك وأنا متلخبطة ومش فاهمة إيه اللي بيحصلي، و...

اقترب ياسين منها وقاطع حديثها بقبلة عميقة بث من خلالها عقابه وعتابه لها على رفع صوتها كما حذرها من قبل. استسلمت له ولقبلته تلك. لأول مرة تستسلم لرجل يقترب منها هكذا. بعد ثوانٍ انقطعت أنفاسهما فيها ابتعد ياسين عنها بهدوء، كانت تتنفس بصعوبة بسبب تلك القبلة العنيفة وتشعر بالسعادة في ذات الوقت، ولكن تبخرت سعادتها عندما رأته ينظر لها ببرود كأن ما حدث بينهما منذ ثوانٍ عديدةٍ لم يكن شيء من الأساس. وقتلها ما قاله الآن.

ياسين ببرود بنظرات خالية من الحياة: "أنا ياسين المغربي.. مستحيل أفكر فيكِ يا دكتورة.. واعتبري اللي حصل بينا ده من شوية ما حصلش، اتفضلي." أشار بيده لباب مكتبه، أما هي تنظر له بعدم فهم، لقد قبلها؟! كيف لها أن تنسى تلك القبلة؟ كيف لها أن تنسى الشعور التي شعرت به وقتها؟ خرجت مريم سريعًا من المكتب غاضبةً مما حدث، كيف يفعل بها هذا؟

انهمرت الدموع من مقلتيها بسبب رفضه لها. لقد استسلمت له وسمحت له بتقبيلها. كيف يجرح قلبها هكذا؟ ظلت هكذا تقوم بمعاتبة نفسها حتى خرجت من الشركة وهي تقوم بمسح دموعها المنهمرة، ويا للصدفة العجيبة لقد كان هناك عددًا كبيرًا من الصحافيين بالخارج واندفعوا نحوها بالأسئلة عندما رأوها. "إيه هي علاقتك بياسين المغربي؟ أنتِ عشيقته؟ سأل شخص آخر. "إيه اللي بينكم؟ إيه سبب إنكم عايشين مع بعض في نفس المكان؟

انهالت عليها الأسئلة وكل ما كانت تشعر به نحو ياسين هو الغضب وأنها تريد الانتقام منه على رفضه لها. فكيف يخبرها أنه لن يفكر بها مطلقًا؟ تنهدت مريم بعمق واقتربت نحو الصحافيين بهدوء وبدأت في التحدث. مريم: "عايزين تعرفوا علاقتي بياسين المغربي عاملة إزاي؟ كان ردهم جميعًا بالموافقة. مريم بابتسامة هادئة: "أنا وياسين المغربي مخطوبين وفرحنا بعد شهر وكلكم معزومين طبعًا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...