جميعهم يرحلون. مُلقى على الأرض في غرفة مظلمة بوجه ملئ بالكدمات، ويتنفس بصعوبة نظرًا لضرب الواقف أمامه له، وينظر له بِشر. شادي بصوت متقطع: أنا آسف.
لم يسمع ياسين أية كلمة مما قال، فكل ما يراه الآن هو والدته فريدة التي اغتُصبت من قِبل ذلك الحقير جمال. ذلك اليوم بالتحديد لم ولن ينساه أبدًا. فريدة التي صرخت بكل ما أوتيت من قوة، ولم يستطع والده إنقاذها لأنه كان بين الحياة والموت. قام بركل شادي بقوة واستمر في ضربه له، وصرخات فريدة مستمرة في مسمعه. *** في صباح اليوم التالي:
تقف تنظر لوالدة روان التي تُطعم ابنتها بحنان فيه دفء الدنيا بأكمله، أما أباها فقد دخل وارتسمت ابتسامة لطيفة على الرغم من القهر الذي يشعر به. ابتسمت مريم بحزن على الدفء العائلي الذي كانت تتمنى أن يدوم للأبد، ولكنه القدر. استفاقت عندما تحدث والد روان بقهر. والد روان بغضب: آه لو قابله بس، كنت قتلته بإيدي الاتنين دول، حسبي الله ونعم الوكيل.
هبطت دموعه من مقلتيه وهو ينظر لروان التي بدأت تبكي مرة أخرى هي ووالدتها أيضًا. حاولت مريم أن تتماسك وتمنع دموعها من الهطول، وخرجت من الغرفة زافرةً بعمق. استندت على حائط بجانب الغرفة تنظر أمامها بشرود. تشعر بالحزن الشديد على ما يحدث حولها. كثُر الظلم واختفى العدل، لا تدري ماذا حدث بهذه الحياة؟ ماذا حدث بهذا الزمن؟ هي أيضًا أحد ضحايا الفساد. لا تدري متى سينتهي كل ذلك؟
انتبهت لهؤلاء الشرطيين اللذان اقتربا نحوها، عقدت حاجبيها بغضب لأنها تذكرتهم. الشرطيان اللذان حاولا إلقاء القبض عليها منذ عدة أيام، والذي أنقذها من تلك الواقعة كان "ياسين المغربي". وقفت مريم أمام باب غرفة روان مانعة إياهما بالدخول. مريم: جايين ليه؟ مش كفاية اللي قولتوها آخر مرة؟ تحدث أحد الشرطيين بهدوء: بعد اذنك يا دكتورة إحنا جايين للآنسة روان، عندنا أخبار حلوة ليها.
نظرت لهم مريم قليلًا ثم سمحت لهم بالمرور، ودخلت الغرفة خلفهم. بعد مرور القليل من الوقت، نظرت مريم وروان ووالديها للشرطيين بعدم استيعاب. مريم: اعترف؟ هز أحدهما رأسه بموافقة وتحدث بجدية. الشرطي: لقيناه مرمي عند باب القسم وملامحه لا تبشر بالخير، يعني كان مضروب بشكل مبالغ فيه وعنده كسور في جسمه. بس كان كل اللي بيقوله إنه اغتصبها، وقعد يترجانا إننا نحبسه. الشاب حالته صعبة و...
تحدث والد روان بغضب شديد: إن شاء الله يموت، هو إيه اللي حالته صعبة دي؟! إزاي ده يصعب عليكم؟! وبعدين تحبسوه إيه؟! ده يتعدم في ميدان عام ابن ال**** ده.
رد الشرطي بهدوء: أنا متفهم موقفك، بس أنا محتاج أكمل كلامي. الشاب بعد ما اعترف فقد الوعي بسبب اللي حصله، معرفناش ناخد أي أقوال تانية منه. بس بعدها بساعتين قبضنا على الدكتور اللي زور التقرير بعد ما عرفنا مكانه واتحبس. كده الحمد لله بنتكم هتاخد حقها. وبنتمنى إنها تقوم بالسلامة عشان تشوف حقها بيتاخد.
كانت مريم تنظر لهم بسخرية فهي لم تتعجب من ما يحدث. فبالطبع وراء كل ذلك أحد له سلطة ونفوذ قام بكشف الحقيقة وبالتالي سوف يصدقونه. ومن غيره بالطبع "ياسين المغربي". تحدث والد روان بضيق: الواد ده فين؟ الشرطي: مرمي في القسم ولحد ما يفوق تكون النيابة حكمتله بالحكم اللي يستحقه، وأنتوا طبعًا عارفين إيه هو؟ الموضوع ده بقى قضية رأي عام. والد روان: لازم أحضر تنفيذ الإعدام بتاعه، لازم أشفي غليلي منه.
الشرطي: هننفذ الإجراءات دي وهنطالب بحضور الضحية وأهلها، نستأذن إحنا. خرج الشرطيان من الغرفة، ونظرت مريم لروان ووالديها الذين شعروا بالأريحية قليلًا من ذلك الخبر. مريم بهدوء وابتسامة: أقولك مبروك طيب ولا إيه؟
ابتسمت روان ابتسامة بسيطة واحتضنتها مريم، ثم استأذنت بالخروج لاستكمال عملها، ولكنها في الحقيقة تريد أن تهرب بتفكيرها قليلًا. أخذت تمشي بين ممرات المشفى بشرود. حقًا انتشر الظلم والفساد. لا توجد سوى كلمة واحدة هي الفيصل بين كل ما يحدث وهو النفوذ أو السلطة. لولا تدخل ياسين، كان سيهدر حق روان وكانت ستظل حالتها سيئة هكذا حتى من الممكن أن تتطور حالتها وتحاول الانتحار. ولكن! أنقذها ياسين بشكلٍ آخر. أعليها أن تكون ممتنة له؟
أو أن تكون مستاءة منه لأنه من ذوي السلطة والنفوذ وكلمته سيف على الجميع؟ استفاقت من شرودها على صوت التلفاز العالي بالاستقبال.
المذيع: في تلك الفترة الأخيرة قد زادت حالات القتل التي لا نعرف سببها حتى الآن، حيث أنه قد تم اكتشاف عدة جثث لبعض رجال الأعمال وبجانب كل شخص دليل يثبت إدانته بقضايا كانت مرفوعة عليه مسبقًا وقد نجا منها. ومن الواضح أنه في كل مرة القاتل هو نفس الشخص عن المرة التي تسبقها، حيث أنه قد نصب نفسه قاضيًا ويظن أن دافعه الوحيد هو إظهار الحقيقة، ولكننا لم نستطع حتى الآن الوصول لهذا القاتل ليأخذ عقابه لقتله كل هؤلاء الضحايا.
نظرت مريم بلامبالاة إلى الأخبار ثم هزت رأسها بيأس على ما يحدث في هذه الحياة، عادت بتفكيرها لياسين مرة أخرى، فمن الواضح تلك المرة أنها يجب عليها أن تشكره بشدة لمساعدته لروان. نعم ستنتظر قدومه للمشفى وستشكره. مرت الأيام ومريم في انتظار قدوم ياسين للمشفى ولكنه لم يأتِ، اختفى مثلما يختفي الجميع. تم تنفيذ حكم الإعدام وقد حضرت روان ووالديها التنفيذ، وذلك أراح قلبهم كثيرًا لأنه يستحق. حزنت مريم لذهاب روان والذي كان وداعهما
لبعضهما مؤثرًا، ولكن مريم كانت تقوم بتهدئة نفسها دائمًا أنهم في النهاية جميعًا يرحلون. حتى ذلك الطفل الذي قامت بإجراء عمليته لم تستطع التحدث معه كثيرًا لأن رجال ياسين أخذوه من المشفى بعد أن تم شفاءه. كل هذا وياسين لم يظهر بعد ولا تعرف كيف ستقابله. في أحد الأيام، كانت مستلقية بسريرها بغرفتها ممسكة هاتفها تبحث عن غرفة للإيجار بمكان قريب من المشفى حتى لا تبتعد كثيرًا. تبحث وتبحث لكنها لم تجد شيئًا. تنهدت تنهيدة بسيطة ثم
جاء في خاطرها هشام الذي اختفى نهائيًا من حياتها. وضعت يدها على مكان قلبها تُكابر وتعاند الشعور الذي تشعر به وهو الاشتياق واللهفة. ثم وبضعف قامت بإلغاء الحظر له وفتحت صفحته الشخصية على ذلك التطبيق الذي تستخدمه. وجدت أن آخر ظهور له كان قبل دقائق، وآخر منشوراته كانت صورًا له منذ يوم وهو يضحك على الشاطئ بسعادة، وصورة أخرى له وهو يقود يختًا وسط البحار، ويقوم بنشر النكات التي عليها تفاعل كبير على صفحته. أخذت دموعها تهطل
بغزارة دون أن تشعر. يعيش سعيدًا، أما هي وحيدة وحزينة ليس لها أحد، لا أحد يبقى معها. ندمت كثيرًا على إلغائها الحظر وتتمنى أنها لم تلغيه، وتريد أن تُرجعه مرة أخرى وللأسف يجب أن تنتظر أربعة وعشرين ساعة لتفعيل الحظر له مرة أخرى. خرجت من صفحته وأخذت تتصفح هاتفها بشرود على ذلك الموقع، ولا تعلم كم مر من الوقت على ذلك. تمر المنشورات أمامها حتى قابلها خبر على أحد الصفحات الإخبارية جعلها تعقد حاجبيها بتعجب.
الخبر: إلقاء القبض على سيدة تتهرب من الضرائب منذ سنوات عديدة تُدعى "ميرفت محمود عباس". توقفت أمام ذلك الخبر قليلًا لا تصدق ما تراه أمامها. هل حقًا أخذت العدالة مجراها تلك المرة؟ أم أنها تحلُم؟
تنهدت مريم بشفقة على تلك المرأة ثم أغلقت هاتفها. لا تستطيع أن تقول أنها تستحق. ولكن لا أحد يقف أمام العدالة. هذا إذا كانت فعلًا العدالة. أغمضت عينيها بهدوء تحاول النوم، وبالفعل أخذها النوم إلى أجمل الأحلام التي تهرب بها من الواقع. أحلامها بذلك الفارس المجهول، ولكن تلك المرة ليست ككل مرة. تلك المرة تحلم بضمّة دافئة تحتويها بقوة. تستند برأسها على صدر أحدٍ وهي نائمة، وكل ما تشعر به هو الراحة والهدوء كأنها تعيش في عالمٍ
آخر، عالمٍ خالٍ من ضغوط الحياة. تتنهد بارتياح وهو يداعب شعرها الأسود المموج برقة. تتمنى لو تظل هكذا في أحضان من يحتويها ولا تبتعد عنه أبدًا. ابتسمت مريم أثناء حلمها في غرفتها المظلمة. هكذا هي دائمًا. تعيش مع أحلامها الغريبة هربًا من واقعها المحتوم.
*** في صباح اليوم التالي: تتابع المرضى بالمشفى بكل نشاط وحيوية وابتسامة جميلة بها أمل فيما هو قادم، لا تعلم ماذا سيحدث يومًا ما. بعد ذلك الحلم الذي أشعرها بالراحة النفسية قليلًا شعرت أنها أصبحت بخير. لا تعلم من ذلك الفارس الذي كان في حلمها، ولكن! أيتحكم المرء بأحلامه؟ ابتسمت ابتسامة خجولة وهي تمارس عملها بإتقان، ثم عادت لجديتها مرة أخرى تحاول نسيان ذلك الحلم الرائع. *** بعد الظهيرة:
تنظر في بعض الملفات بيديها وتقرأها بحرص وهدوء وهي تسير بأحد ممرات المشفى. ثم تنهدت تنهيدة عميقة وأغلقت الملفات وأكملت سيرها وهي تقوم بتعديل شعرها الأسود ورميه للخلف لأنها كان يغطي وجهها. وفي تلك الأثناء ظهر ياسين في الممر، وهنا تجمدت مريم بمكانها متفاجئة بوجوده. لا تستطيع تفسير نبضات قلبها السريعة عندما تراه في كل مرة. ولكن تفسيرها الوحيد هو الخوف. كانت تظن أنه سيكمل سيره ولكنه توقف. وبالتحديد توقف أمامها ينظر لها بهدوء.
ياسين بهدوء: مساء الخير يا دكتورة. رمشت مريم سريعًا بعدم استيعاب تحاول إيجاد الحديث، ولكنها تشعر أن لسانها قد شُلّ تمامًا. ظلت تتهته قليلًا تحاول التحدث ثم وأخيرًا استطاعت الحديث. مريم: مم... مساء الخير حضرتك. نظر ياسين للملفات بيدها ثم أعاد نظره لها. وتوسعت عينيها بذهول عندما تحدث. ياسين: أنا منتظرك في مكتبي. تركها. نعم تركها وذهب. ظلت تتساءل: هل حقًا تحدث معها؟ هل حقًا تحلم أنه أتى؟ لماذا لا تصدق؟
هل لأن عينيها كانت تبحث عنه في الفترة الأخيرة وتوقعت غيابه وتفاجأت لوجوده؟
استيقظت من خيالاتها تلك وهزت رأسها بعنف، ثم أخذت نفسها عميقًا واتجهت نحو مكان مكتبه، أو بالأحرى المكتب الوحيد الذي يطل على الحديقة بنافذة زجاجية كبيرة. وأثناء سيرها تفكر بما يمكن أن يتحدث فيه معها، وهنا تذكرت أنها تريد أن تشكره على ما فعله لروان. توقفت وذهبت سريعًا نحو أي غرفة يوجد أمامها باقات ورود تأتي للمرضى بالمشفى بها أمنيات الشفاء العاجل. اقتطفت وردة بيضاء جميلة تعتذر بها له عما فعلته بالمرة الأخيرة وأخذت نفسًا عميقًا ثم تحركت نحو مكتبه.
وقفت أمام المكتب تشاور عقلها هل تدخل أم لا؟
ولكنها قررت أن تطرق على الباب وتدخل. وبالفعل طرقت على الباب ودخلت ولا تعلم لماذا شعرت بالارتياح عندما دخلت تلك الغرفة ولكن دون أن تشعر أغلقت الباب خلفها. أخذت تبحث عنه بعينيها حتى وجدته يقف أمام تلك النافذة الكبيرة، يعطيها ظهره. نظرت لسترته المعلقة بانتظام على كرسي مكتبه الضخم. نظرت بدون وعي لهيئته، قميصه الأبيض المتناسق على جسده المليء بالعضلات كأنه صمم خصيصًا له. تنظر لتلك التحفة الفنية الموجودة أمامها، ولا تدري لماذا اتجهت أفكارها نحو شيء خاطئ وهنا استفاقت على صوته العميق وهو ما زال معطيًا ظهره إياها.
ياسين: اتفضلي يا دكتورة، ماتقفيش كتير. حمحمت بإحراج وجلست على كرسي أمام مكتبه محتضنة الوردة بيديها المستندة على ركبتيها. التفت بهدوء وجلس على كرسيه، نظر ياسين لها وتحدث بهدوء. ياسين: عندك إيه محتاجة تقوليه يا دكتورة؟ نظرت له بتعجب، فكيف علم أنها تريد التحدث إليه؟ هل قرأ أفكارها؟ هل فُضِح أمرها؟ نظرت أرضًا بإحراج ضاغطة على الوردة التي بيدها وتحدثت.
مريم: أنا بس كنت محتاجة أعتذر عن اللي حصل مني، أنا عارفة إن مكنش ينفع أزعقلك قدام حد، أو إني أزعق بشكل عام، بس غصب عني، أنا انفعلت لإنها كانت مظلومة. رفعت رأسها ونظرت لعيني ياسين التي تنظر لها بهدوء في المقابل. شردت بعينيه التي تنظر لها بعمق، لماذا في تلك اللحظة شعرت بالهدوء والراحة الشديدة؟
شعرت بالاحتواء. قشعر جسدها وعادت بنظرها أرضًا وقامت بإرجاع خصلة من شعرها خلف أذنها بتوتر، تشعر أنها كالطفلة الصغيرة التي ارتكبت خطأ ما وتقوم بإصلاحه باعتذارها. لأول مرة تشعر بذلك. تحدثت بهدوء. مريم: أنا آسفة.
عم الهدوء في المكتب، هي تنظر أرضًا بإحراج طفلة صغيرة، أما هو ينظر لها بهدوء. عكف حاجبيه بضيق فكيف صار هادئًا هكذا بعد أن أقسم لنفسه كثيرًا أنه سوف يريها جميع ألوان العذاب بعد ما فعلته به أمام الجميع وليس هكذا فقط، بعد أن أمرته بإبقاء عماد في المشفى كأنها مالكة المشفى الآمرة وليس هو. استفاق من تفكيره عندما ظهرت تلك الوردة البيضاء أمامه، كانت تنظر للأرض رافعة يدها تقدم له تلك الوردة البيضاء. مريم: أتمنى تقبل اعتذاري.
ياسين بصوت رخيم: النقاء والسلام والهدوء والطمأنينة. رفعت مريم رأسها متفاجئة من حديثه. تنهد ياسين آخذًا منها الوردة البيضاء ثم أعاد نظره لها. ياسين بهدوء: أتمنى تكوني عرفتي غلطتك، ياريت ماتتكررش تاني. كادت أن تتحدث ولكنها عقدت حاجبيها بضيق عندما استأنف حديثه. ياسين بهدوء: عشان ماقطعش لسانك المرة الجاية. كادت أن تتحدث ولكن نظرته لها كانت جدية، نظرته أسكتتها عن الرد والتحدث بوقاحة. ياسين باستفسار: حاجة تانية؟
مريم: آه، في... *تحدثت بابتسامة هادئة* ... عماد أخباره إيه؟ هو كويس؟ ياسين ببرود ونظرة ثلجية: كويس. تنهدت مريم بارتياح واستقامت من كرسيها. مريم: شكرًا لحضرتك، آسفة لو سببت ليك أي إزعاج. لم يجبها وظل ينظر لها بهدوء. تفهمت صمته بأنه يريدها أن تذهب وعندما اتجهت نحو الباب أوقفها صوته. ياسين: عماد محتاج رعاية طبية. التفتت مريم له سريعًا متفاجئة من حديثه وتحدثت بقلق. مريم: ماله عماد؟ مش حضرتك قولت إنه كويس؟
ياسين بهدوء: هو كويس، بس محتاج رعايتك إنتي، مش متقبل رعاية أي حد غيرك. مريم بتفكير: هو حضرتك ماينفعش تجيبه هنا؟ نظرته لها كانت ردًا على استفسارها وهو الرفض. توترت مريم قليلًا لا تعرف ما الحل، تشتاقه كثيرًا. استفاقت على صوته. ياسين: تقدري تنوريني في القصر بتاعي يا دكتورة مكانك موجود. نظرت له بعدم فهم وتحاول استيعاب ما قاله. ياسين برفق: مش هجبرك على حاجة، فكري كويس، تقدري تتفضلي.
ظلت واقفة بمكانها لعدة ثوان، تنظر له تائهة بحديثه ولكنها استفاقت وخرجت من مكتبه. تمشي تائهة، هل ما قاله حقيقي؟ يريدها أن تعمل لصالحه؟ هي بالفعل تعمل لصالحه فهو مالك المشفى. لكن مستقبلها؟ أحلامها؟ أغبية أنتي مريم؟ كيف لم تردي عليه؟ تكونين أمامه مثل "الكتكوت المبلل". جبانة، لا، لا لست كذلك. هو يفعل شيئًا ما يجعلني خاضعة له بهذا الشكل، يسحرني بعمق عينيه؟!!
هزت رأسها بعنف وغضب من تفكيرها الغريب ذاك. ظلت تشاجر نفسها وهي تسير في ممر المشفى بغضب ولم تنتبه للمتجه نحوها حتى اصطدمت به وأمسكها بكتفيها ينقذها من أن تقع أرضًا. مريم بغضب: مش تفتح يا...
اتسعت عينيها عندما رأته، إنه هو، الذي أرهق قلبها عشقًا وكانت نتيجته ألمًا شديدًا، ولكنه الآن يظهر على حقيقته أمامها، نظراته الباردة لها، الخالية من الحب والعشق الذي عهدته دائمًا منه. ابتعدت عنه سريعًا كأن لدغها عقرب. أما هو ظل واقفًا ينظر لها بأعين خالية من المشاعر، ثم مر بجانبها كأنه لم يقابلها. كُسِرت!
ذلك وصف للشعور الذي شعرت به عندما تجاهلها هكذا. حاولت أن تمنع دموعها من الهطول محدثة نفسها "استفيقي مريم إنه كاذب ومخادع، يلعب بقلوب النساء". أكملت سيرها بحزن. مقابلتها له أماتت الشغف في قلبها، الشغف الذي تطلعت له ليالٍ حتى أتى هذا الصباح ولم يبق لساعات كثيرة فقد تدمر بسبب رؤيتها إياه. يستند على حائط أحد الممرات بعد أن مثّل تجاهله لها، ملامحه حزينة جدًا بسبب ما فعله لها، قلبه يدق بعنف كم يتمنى أن يضمها بقوة ويذهب الجميع للجحيم، ولكنه خائف عليها، يعلم أنه آلمها بقوة ولكن ذلك لأجلها وليس لأجله.
هشام بحزن شديد: انسيني يا مريم، انسيني. ذهب في طريقه معلنًا انسحابه من طريق مريم نهائيًا، عازمًا على جعلها تنساه. في القصر: يجلس على كرسيه المتحرك أمام النافذة الزجاجية بغرفته محتضنًا إطارًا زجاجيًا به صورة بالأبيض والأسود لفتاة شابة بمنتصف العشرينات، يبكي وهو يُملس على صورتها بيديه. عماد ببكاء: وحشتيني يا ألفت، ياسين بقى وحش أوي، ابنك بقى وحش أوي.
عاد بذكرياته للماضي وهو ينظر لعمق عينيها بصورتها، زوجته الراحلة ألفت، أجمل من رزقه الله بهذه الحياة. كانت من ألطف الفتيات اللواتي قابلهن أثناء شبابه. يتذكر كم تعب للحصول على حبها، ويتذكر كم كانا سعيدين جدًا بحياتهما حتى حينما رزقهما الله بمولودهما الوحيد ولكن تلك السعادة لم تدم. فقد توفي ابنهما وهو بالخامسة عشرة من عمره بمرض خطير. وقد مرت ألفت بصدمة نفسية صعبة، فقد كانت ترى ولدها حولها في كل مكان وتصرخ باسمه "ياسين"،
المراهق الذي كان سر سعادتهما في هذه الحياة ولكن مع وفاته كان الحزن هو المنتشر في حياتهما. وياليته لم يأتِ ذلك اليوم، اليوم الذي ذهب فيه بزيارة لإحدى دار الأيتام لحضور حفلٍ ما. وهنا قابله، طفل ينظر بعينين تائهتين للجميع ومن حوله، هادئ وصامت تمامًا لا يُصدر أي ضجة على عكس الأطفال الباقين، وجهه منطفئ لا يبتسم، فقط شارد وتائه. كان يجلس وحيدًا لا يشارك الأطفال الاحتفال، ولا يتحدث مع أي أحد. ترك عماد الاحتفال وذهب للجلوس
بجانب ذلك الطفل الشارد.
عماد باستفسار ومزاح: الحفلة مش حلوة صح؟
لم يجبه الطفل وظل ينظر أمامه بشرود. حاول عماد أن يلطف حديثه قليلًا. وضع يديه على ظهر الطفل وكاد أن يتحدث ولكن انتفض الطفل بألم ونظر لعماد بفزع ثم فرّ من الحفل صاعدًا لغرفته بالدار. تعجب عماد من حال ذلك الطفل ولكنه أكمل الاحتفال مع باقي رجال الأعمال المتبرعين لتلك الدار. ولكن من بعدها لم يخرج الطفل من مخيلته وظل يفكر به لعدة أيام حتى قرر أن يذهب هناك مرة أخرى. ذهب للدار ووجد ذلك الطفل يجلس بعيدًا عن الأطفال ينظر
للكراس التي بيده ويرسم بهدوء كأنه في عالم آخر. اقترب عماد منه بهدوء ونظر لما يرسم. كانت رسمة طفولية غريبة، شخصٌ يقف ممسكًا بسكين ويوجد شخصان ملقيان أرضًا وتقطر منهما الدماء. عقد عماد حاجبيه بتعجب، لأن الطفل يرسم شيئًا مثل ذلك. وما انتبه إليه هو دموع ذلك الطفل المستمرة في الهطول وهو يرسم، ولكن على رغم ذلك فهو هادئ.
امرأة: براء. انتفض براء واقفًا عندما سمع صوت تلك السيدة التي تناديه. نظر عماد للسيدة التي تقترب نحوهما حيث قامت بإمساك ذلك الطفل المدعو براء وتحدثت بغضب. امرأة: مش أنا قولت ماترسمش الحاجات دي تاني؟ يلا ورايا. ثم نظرت لعماد الذي كان يقف بجانب براء. امرأة: أنا آسفة إنك شوفت المناظر دي.
أمسكت ببراء عنوة عنه وسحبته خلفها وصعدت به إلى غرفته ورمته أرضًا. أخذت أحد الأحزمة الجلدية وهو ابتعد إلى ركن بالحائط وكادت أن ترفع الحزام لتبدأ في ضربه ولكن منعتها يد شخص ما. نظرت لذلك الشخص الذي ينظر لها بغضب شديد. عماد بغضب: "إنتي إزاي تضربيه؟ تحدثت الفتاة: "إسكت إنت، أنا بشوف شغلي." ألقى ذلك الحزام أرضًا، ممسكًا إياها من ذراعها بقوة. عماد: "أنا مش هسكت على كده، أنا هوديكي في داهية. إنتي إزاي تتعاملي كده مع طفل؟
تحدثت الفتاة: "ده طفل متخلف عقليًا، مش فاهم حاجة ولازم يتربى." قام عماد بصفعها بقوة: "إنتي إللي عايزة تتربي."
صرخت بألم من صفعته لها، ثم تركها واتجه نحو براء الذي احتضن نفسه وبدأ بهز جسده بهيستيريا، ناظرًا أمامه بشرود. اتجه عماد نحوه واحتضنه، ولكنه انتفض بفزع وابتعد عن عماد الذي عقد حاجبيه بتعجب مرة أخرى من ذلك الطفل. ولكنه حاول أن يجعله يشعر بالأمان، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل. قام عماد برفع قضية على تلك الدار وأثبت أن الطفل يتم تعذيبه بشكل مستمر بسبب آثار الضرب الموجودة على ظهره. وقرر أن يكفله لعل الطفل يجد الأمان معه ويُسعد زوجته الحزينة قليلًا. لعلها تنسى موت ابنهما الوحيد به.
دخل عماد منزله ممسكًا بيد براء صاحب النظرات التائهة والشاردة، أو الخالية من الحياة كما هو الواضح. وقف أمام زوجته التي تجلس بالحديقة تقوم بعمل ثوب لطفل بالتريكو وتدندن بأغنية للمغنية شادية. ولكنها التفتت له عندما سمعت صوته. عماد: "ألفت." نظرت له بهدوء ولفت نظرها ذلك الطفل الواقف بجانبه. اهتزت مقلتيها باشتياق عندما نظرت في عينيه، واقتربت منه بهدوء وهبطت لنفس مستواه تنظر له بحنان أمومي، ملست على وجهه برقة.
ألفت بحب: "ياسين؟ إنت جيت يا روح ماما؟ عماد بهدوء: "اسمه براء. بس نقدر نسميه ياسين ما فيش مشكلة. بيقولوا إنه عنده 12 سنة. أنا راجعت أوراقه اسمه باسم العيلة بتاعه كان لطفل مات وهو عنده أربع سنين، يعني هو مالوش أوراق. ممكن يكون هو إللي اختار الاسم ده. لو كده ممكن نعمله ورق قانوني ونسميه فيه باسم ياسين ونشوف لقب ليه سوا."
لم تنتبه ألفت لحديثه، فكل ما كانت تفعله هو أنها تلتمس وجنتي براء الناعمة. أما براء ينظر لها بهدوء في المقابل. مرت السنوات مع وجود براء في حياتهما. كان قليل التحدث وهذا كان يقلقه، ولكن ألفت لم تلتفت لكل ذلك. كل ما كان يهمها أن ابنها ياسين قد عاد إلى أحضانها مرة أخرى.
يتذكر ذلك جيدًا. اختفاء ياسين بشكل متكرر بعد انتهاء وقت الجامعة. لا يعلم أين يذهب وماذا يفعل، ولكن غيابه ملحوظ في الفترة الأخيرة. حتى قرر أن يقوم بمراقبته ويعلم بما يفعل. وبالفعل قام بمراقبته ووجد أن ياسين يتتبع ويراقب أحدهم. أحد رجال الأعمال. ومن الواضح أن ذلك الشخص له سُلطة ونفوذ وذلك واضح من الحرس حوله. لا يدري لماذا ياسين يراقب ذلك الشخص باستمرار لأنه ظل يراقبه في الفترات الأخيرة. حتى قرر أن يواجهه ويعلم السبب منه. استدعاه في مكتبه في الفيلا التي يسكنون بها. يقف ياسين بهدوء وبرود ناظرًا لعماد الجالس أمامه ولم ينتبها أن ألفت تستمع لحديثهما.
عماد باستفسار: "أنا عايز أعرف إنت بتروح فين في الفترة الأخيرة دي؟ اختفائك بقى ملحوظ يا ياسين ومحتاج أعرف منك الصراحة ومش عايزك تكذب." عقد ياسين حاجبيه بغضب من تلك الكلمة ولكنه ظل صامتًا. عماد: "بتروح فين؟ ياسين ببرود ولا مبالاة: "أنا مش في استجواب. أنا أروح في أي مكان أنا عايزه." عماد بغضب: "رد عليا باحترام يا ولد، أنا باباك." ياسين ببرود: "إنت مش بابايا. ومش هتحل مكان بابايا أبدًا."
حزن عماد كثيرًا بسبب حديثه ولكنه حاول التماسك. عماد بحزن: "طب ممكن نتكلم سوا زي أي اتنين صحاب، أنا نفسي أنا وإنت نتصاحب وتكون أسرارنا مع بعض." ياسين بهدوء: "أنا معنديش أسرار." عماد بغضب: "لا عندك، وبطل تكذب عليا." اقترب منه ياسين بغضب وأمسكه من تلابيبه. ياسين: "أنا قولت إني معنديش أسرار. إنت إللي مسألتش أنا عندي إيه أحكيه عشان أحكيه. أنا بكره الكذب والخيانة وبكره إللي يجيب سيرتهم."
كادت أن تدخل ألفت المكتب لمنع ذاك النقاش الحاد بينهم، ولكنها أرادت أن تظل هكذا لتعرف المزيد عن ياسين. ابتعد عماد عن ياسين بصعوبة وبدأ بالتحدث. عماد: "قول طيب واحكيلي مين إللي بتراقبه ده؟ ممكن أساعدك لو حكيتلي." نظر ياسين له قليلًا ثم ابتسم ابتسامة مخيفة بالنسبة لعماد. ياسين بهدوء: "ده إللي نصب على بابايا وسرق منه كل إللي هو فيه ده، ده حقي ودي فلوسي. و...
(قبض يديه بقوة عندما تذكر مقتل والديه، محاولًا التحكم بأعصابه وأخفى كل ذلك الألم بداخله ولم يُكمل حديثه باستفاضة، ولكنه لم يكذب) "... وأخد مني كل حاجة. ماتوا بقهرتهم." عماد بحزن على حاله: "طب أخد منهم كل حاجة إزاي؟ ممكن أعرف؟ ياسين وهو يمط شفتيه متذكرًا أحداث ماضيه الأليم: "كانوا أصحاب وكذب عليه وخانه." عماد: "أنا مصدقك يا ياسين وعارف إنك مش ممكن تكذب أبدًا، وآسف لو ضايقتك بكلامي."
ياسين بلامبالاة: "ما طلبتش منك تصدقني بس ما تكذبنيش." تنهد عماد بتفكير وتحدث. عماد: "لازم تنسى يا ابني وتعيش حياتك. الراجل ده مصيره هياخد جزاءه. لكن إنت ذنبك إيه إنك تفضل حاطه في دماغك. صدقني هتتعب." ياسين بغضب: "وحقي؟ إنت بتتكلم كده ليه، إن عادي حقي يروح؟ عماد بتوضيح: "مش قصدي بس... قاطعه صوت ألفت التي ركضت لياسين الغاضب تربت على كتفيه بحنان أمومي.
ألفت: "يا عماد يا حبيبي، ما تزعلش ابننا عشان خاطري. اعمله إللي هو عايزه، عايز ياخد حقه ساعده ياخده، لكن ما تعامليهوش كده أبدًا، ده مهما كان ابننا." نظر عماد لها قليلًا وكاد أن يتحدث. ياسين ببرود: "أنا مش ابنكم، أنا بابايا اسمه مصطفى ومامتي اسمها فريدة. وأنا مش محتاج مساعدتكم. أنا هاخد حقي بإيدي." تركهما ببرود واتجه لغرفته. تنهدت ألفت بحزن وهي تنظر في أثره، استفاقت على صوت عماد. عماد: "شوفتي قلة الأدب؟
أدي آخرة دلعك ليه، سبتيه يعمل إللي هو عايزه ويعيش حياته براحته وما نتحكمش فيه. جيل مش متربي." ألفت بتبرير: "يا عماد أرجوك ما تزعلش منه، هو بس أكيد متضايق بسبب الموضوع ده ومش هيرتاح غير لما ياخد حقه بإيده. (اقتربت منه برجاء) عشان خاطري ساعده وغلاوتي عندك يا عماد." زفر بعمق يهز رأسه موافقًا على حديثها. أما ياسين يجلس بغرفته يخطط لما سيفعله بذلك المدعو "جمال صدقي".
بدأ عماد بمساعدة ياسين وبما أنه رجل أعمال أيضًا ولكن ليس بنفس نفوذ جمال، قرر أن ينضم لأحد المشاريع الخاصة بشركة جمال. وبدأت اجتماعاته المتكررة مع جمال محاولًا كسب ثقته. وكان من الواضح أن جمال شخص خبيث جدًا. ونوعيته من الأشخاص الذين يلقون بنقودهم بأي مكان. رجل ذو علاقات متعددة. كل ذلك كان ما يعرفه عماد عن جمال في الفترة الأخيرة. أما ياسين يعلم شيئًا آخر، يعلم ما يقوم به جمال والذي يخالف القانون.
وفي يوم ما، كان عماد في اجتماع بينه وبين جمال والذي يبدو من الواضح أنه أسرف في الشرب قليلًا. عماد: "كنت محتاج إنك توقع على الورق ده." كان يمسك بيده أوراقًا وكان يحاول إخفاء ارتجافه الذي بدأ أن يظهر بسبب توتره. تحدث جمال بسُكْر. جمال: "شغل إيه دلوقتي يا عماد؟ الحياة حلوة وجميلة، ليه نبوظها بالشغل والمسؤوليات؟ إحنا جايين الدنيا عشان ننبسط." ضحك على إثر سُكْره، أما عماد حاول أن يُخفي توتره. وقدم له تلك الأوراق.
عماد: "يا جمال بيه عايزين نخلص المشروع ده على خير. هنكسب ما تقلقش." تأفف جمال آخذًا من الورق موقعًا بغضب. ثم ألقى بالورق في وجهه متحدثًا بضيق. جمال: "يلا امشي مش ناقص قرف." خرج عماد سريعًا من غرفة مكتب جمال الذي رفع سماعة هاتف المكتب وبدأ بالتحدث مع إحدى فتيات الليل. جمال: "أنا جايلك يا جميل." يقف عماد أمام ياسين الذي ينظر له ببرود ويقوم بتقديم تلك الأوراق له.
عماد: "دي الأوراق إللي تقدر تاخد بيها حقك. ده كده تنازل من جمال ليك عن كل ممتلكاته، ناقص بس توقيعك." أخذ ياسين الورق منه ثم نظر له يتمعن يقوم بقراءته. ثم ابتسم بهدوء وقام بتوقيع الورق وهنا تنهد عماد بارتياح شديد. عماد: "الحمد لله، حقك رجع أهو. يلا يا ابني سيبك من إللي إنت فيه ده وركز في مستقبلك، عايزك تبقى أحسن شخص في البلد دي وتفرح ألفت بيك."
هز ياسين رأسه موافقًا واتجه لغرفته ممسكًا ذلك الورق بقوة. أما عماد توجه لزوجته ألفت وحدثها عما فعله. ألفت بهدوء: "المهم إن ياسين يكون مرتاح." عماد بهدوء: "أتمنى." مرت الأيام وجمال لم يعلم بأمر تلك الأوراق وحتى الآن ياسين لم يفعل بها أي شيء وما زال يراقب جمال، وكل ذلك تحت أعين عماد الذي عاد لمراقبة ياسين مرة أخرى، ولا يعلم لماذا يستمر ياسين بمراقبته فقد أخذ حقه منه.
وفي يوم ما، خرج جمال من شركته ولحقه ياسين مما جعل عماد يلاحقه أيضًا. توقفت سيارة جمال أمام مستودع كبير. خرج من سيارته ودخل ذلك المستودع وتحرك ياسين خلفه، ولكن عماد لم يستطع اللحاق به لوجود ذلك العدد الكبير من الحرس. وقف ياسين على بُعد من جمال وبعيدًا عن أعين حراسه، يراقب ما يحدث وانتبه لصوت صرخات في المكان ومن الواضح أنها صرخات أطفال. سمع حديث جمال مع أحدهم.
جمال: "الأطفال دول لازم يخرجوا من هنا بسرعة وأهم حاجة ياخدوا المخدر عشان نقدر ناخد منهم كل حاجة." تحدث أحد الرجال: "ما تقلقش يا بيه، كله تحت التخطيط." دخل جمال الغرفة ناظرًا للأطفال الموجودين بها. نظر لهم بتشفٍ. فأغلبهم أطفال شوارع أما الباقون تم خطفهم من عائلاتهم. خرج من تلك الغرفة وتوجه لغرفة أخرى خاصة به. ياسين بقوة: "جمال." تسمّر جمال في مكانه عندما سمع صوته. هذا الصوت يعلمه جيدًا. أيُعقل؟ كيف؟
التفت جمال بعدم استيعاب مما سمعه. رآه.. إنه هو.. مصطفى صديقه القديم ولكنه ممسكًا بعيار ناري. كاد أن يتحدث جمال ولكن قاطع حديثه ذلك الطلق الناري الذي أصاب صدره. اقترب ياسين من جمال بغضب وهبط لمستواه على الأرض ممسكًا إياه بقوة. ياسين: "مش هسيبك ترتاح، لازم تتعذب." جمال: "مم... مص... طفى." بدأت أصوات الطلقات النارية بالانتشار وذلك بسبب رجال جمال الذين انتشروا بالمكان بسبب صوت الطلق الناري. ياسين بغضب وصراخ ممسكًا
بتلابيبه: "ليه؟! ليه قتلتهم؟! ليه؟! ليه قتلت مصطفى وفريدة؟! ليه قتلت بابا وماما؟! سأل ياسين آخر سؤال والدموع تهبط من مقلتيه. نظر له جمال بعينين مفتوحتين على مصراعيهما. ولكنه تحدث. جمال وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: "كانوا يستاهلوا." عمى الغضب بصيرة ياسين أكثر وهنا أخذ السكين الذي كان يخفيه وقام بطعن جمال عدة طعنات ويتساءل بهستيريا عن السبب. ياسين بصراخ: "ليه؟!
دخل رجال جمال المستودع وبدأوا بإطلاق النار ولكن استطاع ياسين أن يبتعد عن جمال سريعًا. واختبأ بأحد أركان الغرفة. وهنا فقد انتبه لهؤلاء الأطفال الخائفين بالغرفة الأخرى ويحاولون الاختباء. كان يحمل سكينه الملئ بدماء جمال وينظر أمامه بشرود ونظرات خالية من الروح. تذكر كل شيء أسوأ اللحظات بحياته.. موت والديه، الذي أشعل الغضب بداخله أكثر وزاد رغبة الانتقام أكثر، على الرغم من أنه قام بقتل جمال ولكن الغضب بداخله ينمو بشكل
أكبر. رمى سكينه أرضًا والتقط مسدسه وبدأ بإطلاق النار على رجال جمال واحدًا يلي الآخر. وبعد أن انتهى من الأعداد التي دخلت فقط تنفس بصعوبة وذلك نظرًا للمجهود الذي قام به. وضع سلاحه بجيبه وخرج من الغرفة التي قتل بها جمال، وكاد أن يتحرك نحو بوابة الخروج أمسك أحد بقدمه. نظر ياسين للذي أمسك به وإذ بها طفلة تبدو في العاشرة من عمرها تبكي بكاءً شديدًا ويبدو أنها شبه فاقدة للوعي لأن رأسها ينزف يبدو أن رأسها ارتطم بشيء. كاد أن
يتركها ولكنها وقعت أرضًا وفقدت الوعي، نظر ياسين لها ثم عاد بنظره نحو بوابة الخروج من المستودع وباقي رجال جمال أصبحت تتضح أصواتهم شيئًا فشيئًا مما يدل على أنهم قادمين. حملها بقوة بين يديه ثم عاد بنظره نحو الأطفال الموجودين بالمكان ولحسن الحظ أنهم أحياء، انتشرت الطلقات النارية مرة أخرى وفزعت الفتاة التي يحملها بخوف ورفعت رأسها كأنها تحاول النظر إليه ولكنها فقدت الوعي مرة أخرى مستندة برأسها على صدره. اتجه بها ياسين نحو
الخارج من مخرج آخر وهنا قابل عماد الذي ينظر له بغضب. لم ينظر له ياسين وألقى تلك الفتاة بجوار شجرة تستند عليها. وقام بالربت على شعرها يحاول إيقاظها.
ياسين: "أنا هدخل هناك آخد الباقيين. هرجعلك، ما تخافيش." هزت رأسها بتيه أما هو استقام في مكانه وأخذ مسدسه وعاد للمستودع بثبات وقوة متجاهلاً نداء عماد له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!