الفصل 6 | من 24 فصل

رواية القاتل الراقي الفصل السادس 6 - بقلم سارة بركات

المشاهدات
26
كلمة
3,584
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

يقف عماد في مكانه، وواضح بملامحه الضيق الشديد بسبب ياسين ومما فعله، والذي استنتجه من تلك الدماء التي كانت بملابسه، مما يجعله متيقنًا أنه قتل جمال. هز رأسه بيأس وخذلان، ونظر أرضًا يؤنب نفسه تأنيبًا شديدًا لأنه السبب في كل ذلك. غاب ياسين بالداخل، وكل المسموع هو أصوات طلقات النيران المستمرة. نظر لساعة يده يحسب الوقت الذي تأخره، وقلق عليه كثيرًا. هدأ صوت إطلاق النيران، ولكن ياسين لم يخرج.

انتفض عماد عندما سمع صوت سيارات الشرطة تقترب من المكان، وبدون وعي هرول سريعًا نحو ذلك المستودع للبحث عنه، تاركًا تلك الفتاة الملقاة بجانب الشجرة وحيدة. عندما دخل ذلك المكان، وجده عبارة عن كومة من الجثث، وبدأ بالبحث عن ياسين في غرف ذلك المستودع وبين تلك الجثث حتى وجده واقفًا ينظر أمامه بشرود. شعر عماد بالهلع والفزع مما يراه حوله، وكيف يقف ياسين هكذا، وكيف فعل كل ذلك؟

التفت ياسين بهدوء، بوجه وملابس مليئة بالدماء، ولكن بالتأكيد تلك ليست دمائه، ونظر لعماد الذي ينظر له بخوف. عماد بخوف: "إنت عملت كل ده إزاي؟ إنت إزاي عرفت تعمل كل ده؟ إنت إزاي قتلت دول كلهم؟! تحرك ياسين خطوة نحو عماد الذي ابتعد عشرة مقابلهم. تحرك ياسين خطوة أخرى، ولكنه ركع أرضًا من الألم الذي يشعر به، ووضع يده في جنبه، ونظر لعماد الذي ينظر له بالمقابل. ياسين بألم: "كان لازم ياخدوا جزائهم، قصتي ماينفعش تتكرر."

أغمض ياسين عينيه من الألم الذي يشعر به، وهرول عماد نحوه سريعًا. عماد: "إسند نفسك عليا." وبالفعل، اتكأ ياسين على عماد وخرجا من المستودع في نفس الوقت الذي انتشرت به الشرطة في المكان. حاول عماد الإسراع قليلًا ليصلا إلى سيارته ويتحركا قبل أن تصل الشرطة لهما، ولكن كبر سنه لا يساعده، وأيضًا جسد ياسين فهو ثقيل بالنسبة لعجوز مثله.

استفاقت الفتاة الصغيرة ووقفت في مكانها تنظر حولها. وجدت نفسها وحيدة بالخارج، لا تعلم أين تذهب وأين الشخص الذي حملها للخارج. تحركت بتيه لعلها تجده في طريقها ويساعدها في العودة للمنزل. تحركت عدة مترات بسيطة وتوقفت عندما وجدت أمامها رجال الشرطة والذين هرولوا نحوها سريعًا.

وصل عماد لسيارته، ووضع ياسين الذي يعي لما حوله بنصف وعي للخلف، ثم تحرك بسيارته. كان ياسين مستندًا برأسه على زجاج السيارة، وهنا رأى الفتاة من على بعد وهي تركب إحدى سيارات الشرطة، وهناك عدد من الأطفال يركبون معها أيضًا، وهنا أغلق عينيه بهدوء واستسلم للنوم.

ينظر بشرود من خلال نافذته الزجاجية. يتذكر ما عانته زوجته ألفت بسبب خوفها من فقدانها ابنها ياسين مرة أخرى، فقد هرولوا نحو المشفى لإنقاذه سريعًا قبل أن يفقد دماءً كثيرة وقد أنقذوه. يتذكر جيدًا كم ترجته ألفت ألا يؤذي ياسين. يتذكر بكائها الشديد بسبب خوفها من فقدانه بأي شكل. استسلم لرجاء زوجته، وبدأ بمتابعة قضية مقتل جمال دون أن يلاحظ أحد ذلك، ولدهشته وصل الشرطة أن الهجوم الذي حصل بالمستودع ما هو إلا هجوم عصابات مما جعل الجميع موتى.

يتذكر جيدًا الكوابيس التي حلم بها ياسين بعد ذلك الحادث. يتذكر صراخه باسم والده ووالدته. يتذكر صراخه وهو يعزم على قتل جمال في أحلامه. ظلت كوابيس ياسين تقلق راحته هو وألفت، ومما يدهشهم أيضًا أنه عاد لصمته الذي كان ملازمًا له منذ صغره.

وفي يوم ما، خرج من جامعته حاملًا كتبه، وبدلًا من أن يتجه لسائق عماد الذي ينتظره، اتجه لطريق آخر وتحرك السائق خفية خلفه. دخل ياسين صالة رياضية كبيرة ولم يلقِ التحية على أحد كعادته، اتجه نحو خزانة ملابس معينة وقام بتغيير ملابسه وارتدى ملابس رياضية بديلة. وقام بربط كفي يده جيدًا استعدادًا للملاكمة.

وقف عماد أمام الصالة الرياضية التي أخبره بها سائقه ودخل الصالة وبدأ بالسؤال عن ياسين، ثم اتجه لصالة الملاكمة. كان يتعرق بشدة وهو يلكم حقيبة الملاكمة بقوة، وكل ما يراه أمامه هو جمال وليس تلك الحقيبة. يرى جمال أمامه وهو يقوم باغتصاب والدته. قام ياسين بضرب حقيبة الملاكمة مرة أخرى بغضب. وكل ما يسمعه هو صرخات والدته المستمرة. ظل يضرب في حقيبة الملاكمة بكره وشر كبير، مما لفت انتباه جميع من بالصالة ونظروا له بتعجب وهو يضرب الحقيبة بغل.

عماد: "ياسين." توقف عندما سمع صوت عماد ونظر له بنظرات خالية من الحياة. عماد: "أنا محتاج أتكلم معاك. لازم نتكلم أنا وإنت، ممكن نطلع بره؟ تركه ياسين ثم اتجه لغرفة تبديل الملابس. أما عماد تنهد بيأس وانتظره بالخارج. يجلسان بمطعم يطل على النيل الذي كان ينظر له ياسين بشرود. عماد: "ياسين." نظر له ياسين بهدوء منتظرًا حديثه. عماد: "أنا مقدر إنك واحد خسر عيلته، وشوفت أهلك بيموتوا قدام عينيك. بس ده مش مبرر للي إنت عملته."

قلب ياسين عينيه بملل وتأفف من حديثه. عماد بضيق حاول إخفاءه: "احترم كلامي واسمعني، أنا عارف إنك خايف، واللي بيحصلك ده من الخوف، بس أرجوك اهدى كده وارجع ياسين اللي أنا عرفته من صغره." كان ياسين ينظر لعمق عينيه وهو يتحدث. عماد: "أرجوك ارجع ابني اللي مسكت إيده وأنا داخل البيت وبقدمه لمراتي على إنه ابننا الجديد." وهنا خرج ياسين عن صمته قائلًا: ياسين: "إنت عايش في أوهام كبيرة يا عماد." عقد عماد حاجبيه بغضب من حديثه.

عماد بغضب: "أنا عايز أعيش وأنا بالي مرتاح، أنا مش عارف أنام بسبب إني عارف إن في قاتل في بيتي، ارجع يا ياسين عن اللي إنت بتعمله، أنا مباقتش مطمنلك، القدر أنقذك من أول جريمة إنت عملتها. من الآخر، أنا مباقتش حابب وجود قاتل في بيتي، يا ترجع لعقلك يا تخرج بره بيتي." ظل ياسين ينظر له بهدوء، أما عماد كان يتنفس سريعًا نتيجة لغضبه. عماد: "قولت إيه؟ ياسين ببرود: "أنا فعلًا واعي للي بعمله."

عماد برجاء: "يبقى أرجوك أنا محتاج أنام وأنا مرتاح، مش عايز أبقى خايف عشان في قاتل عايش معايا في نفس البيت." همهم ياسين موافقًا. استفاق عماد من شروده في ذكرياته وأغمض عينيه بإرهاق لا يعلم كم من الوقت ظل هكذا. ضغط زر استدعاء الخدم وقد أتى اثنين منهم، قام أحدهم بتحريكه بالكرسي أم الآخر جهز له الفراش لكي يستريح قليلًا.

تجلس بسريرها في غرفتها يملؤها الحزن مما حدث اليوم. فقد رأت هشام، رأت من حاولت أن تنساه تلك المدة ولكن رؤيتها له أثبتت أنها لم تنساه. لا زالت تحبه. هبطت دمعة من عينيها ولكنها قامت بمسحها سريعًا، فليس ذلك وقت البكاء على الأطلال. عقدت حاجبيها بإصرار على أنها قوية. "أنتِ قوية يا مريم، لن يؤثر بك هشام أو غيره. أنتِ تعيشين لنفسكِ فقط." ظلت هكذا تشجع نفسها بالكلام قليلًا.

تسطحت على سريرها تحاول أن تلهي أفكارها عن أحداث اليوم، وأتى على تفكيرها: "ياسين المغربي". فهو على الرغم من أنه يبدو شخصًا شديدًا قليلًا إلا أنه لطيف بالنسبة إليها. فقد سعدت اليوم بمحاورتهما. يبدو أنه شخص متفهم، صارم يحب عمله. يبدو ذكي جدًا، كبير في السن قليلًا، يبدو أنه في بداية الأربعينات، لكنه وسيم، وذو أعين جذابة و... وسعت عينيها بدهشة عندما انتبهت لأفكارها السيئة.

مريم بغضب من نفسها: "إيه اللي بتعمليه ده يا مريم؟! فوقي بقا.. فوقي." تأففت بضيق وحاولت النوم ولكنها لم تستطع. وتذكرت عرض ياسين لها، وهو أن تقوم برعاية عماد. لكنها هزت رأسها بنفي، فذلك مستقبلها لن تترك العمل بالمشفى. سوف تخبر ياسين بقرارها حينما تراه في المرة القادمة.

كان هشام يجلس بأحد المطاعم، ينتظر أحدهم طلب لنفسه مشروبًا. نظر لساعته يحسب الوقت حتى أتت. نظر لتلك الفتاة التي دخلت المطعم وابتسمت له ابتسامة كبيرة، وبادلها الابتسامة، واستقام من مقعده وعندما اقتربت منه: بسعادة: "هشام." ضمته بشدة أما هشام بادلها بفتور. ابتعدت ونظرت له بشكل كلي. : "إنت اتغيرت جدًا. إحنا بقالنا كام سنة ما تقابلناش؟

هشام: "اقعدي ارتاحي يا رضوى. إنتي لسه راجعة من السفر، هنتكلم على راحتنا ما تقلقيش، يلا اقعدي." ابتسمت له رضوى وجلست قبالته، ثم نظرت لملامحه الهادئة أو المرهقة. رضوى باستفسار: "مالك يا هشام؟! لما كنت بتكلمني كان صوتك باين منه إنك مخنوق، قولت لازم أرجع مصر بسرعة عشان أشوفك لإنك واحشني وتاني حاجة عشان أقدر أتكلم معاك. احكيلي بقا.. مالك فيك إيه؟ تنهد هشام ثم نظر لها قليلًا ولكنه لم يتحدث. رضوى باستفسار: "يا ابني في إيه؟!

مالك؟! ساكت ليه؟ هشام بتنهيدة: "تتجوزيني؟ تتقلب بسريرها باستمرار. قلقة ولا تستطيع النوم. لا تعلم لماذا تشعر بالأرق ولماذا تشعر بانقباضة قلبها. وضعت يدها على مكان قلبها تحاول أن تهدأ. مريم بتوتر: "خير.. خير." ظلت هكذا قليلًا حتى هدأت وغطت في نوم عميق. رضوى بعدم استيعاب: "نعم؟ هشام بهدوء وتكرار: "تتجوزيني؟ ضحكت رضوى ضحكات عالية فهي لا تصدق. هشام يعرض عليها الزواج؟! منذ متى وهشام صديق طفولتها يفكر بذلك الأمر نحوها؟!

ظلت تضحك لعدة ثوانٍ لكنها صمتت عندما وجدت ملامحه جادة. رضوى بعدم استيعاب: "إنت بتتكلم بجد؟! هشام بهدوء: "بتكلم بجد، وأتمنى إنك تسعديني بموافقتك. *أغمض عينيه قليلًا ثم نظر لها*، من صغرنا وأنا بتمنى إننا نكون سوا." لا تدري لماذا هي سعيدة هكذا، هل لأنها قد نالت أخيرًا ما تريده منذ البداية؟! هشام يريدها زوجةً له!! رضوى باستفسار: "طب إنت فاتحت أونكل طارق وبلقيس في الموضوع ده؟

هشام بابتسامة هادئة: "هما عارفينك كويس وبيحبوكي. لما يلاقوني قررت إننا نتجوز هما أول ناس هيفرحولنا." إنتِ لحد دلوقتي ما قولتيش قرارك يا رضوى. رضوى بابتسامة رقيقة: موافقة طبعًا. في صباح اليوم التالي: تقف أمام مرآتها تقوم بتجهيز نفسها بكل ثقة لليوم. خرجت من غرفتها وبدأت عملها. وصل بسيارته أمام المشفى وبجانبه رضوى سعيدة بوجودها معه. هشام بابتسامة: يلا بينا. رضوى بابتسامة: يلا.

دخل المشفى ممسكًا بيد رضوى بقوة ويبحث بعينيه عن مريم. توقف نحو الاستقبال وقام بجمع أغلب طاقم المشفى هناك. كانت مريم تسير نحو الاستقبال في ذلك الوقت، وهنا تجمدت بمكانها عندما رأتهم. نظرت لأيديهما ثم عادت بنظرها لهشام الذي ينظر لرضوى بابتسامة جميلة وبدأ بالتحدث: هشام: أعرفكم برضوى خطيبتي.

شعرت بأن الزمن توقف فجأة عندما سمعت تلك الكلمة.. "خطيبته". توجهت التهنئة والمباركات لهما. أما هي كانت تشعر بالدوار، تشعر بأن المكان يدور حولها. حاولت أن تبتعد عن ذلك التجمع قدر المستطاع حتى لا يرى أحد ضعفها. تشعر بضيق التنفس بالإضافة إلى ذلك الدوار الذي يجتاحها. تحركت وحاولت أن تتماسك حتى ابتعدت عن ذلك الجمع. هبطت الدموع من مقلتيها وهي تحاول أن تتماسك وتتغلب على الدوار ولكنها لا تستطيع، ألم قلبها يزداد. يا ليتها لم تحبه، يا ليتها لم تقابله حتى. لا تريد أن تبقى هنا بعد اليوم. أثناء سيرها اصطدمت بأحدهم، رفعت رأسها وكان ياسين المغربي، عاقدًا حاجبيه بتعجب من خطبها.

مريم باختناق وبكاء: خدني من هنا، مش قادرة.. خدني. تمسكت بسترة بدلته محاولة التماسك أكثر. مريم ببكاء شديد: أنا محتاجة أمشي، مش قادرة أشوفه.. مش قادرة. هز رأسه بهدوء وابتعد عنها قليلًا وأمسك بيدها لكي يذهب بها لمكان تهدأ به ولكنه انتبه أنها ستقع. حملها بين يديه متجهًا نحو غرفتها ووضعها فوق سريرها. ياسين بهدوء: إنتِ محتاجة ترتاحي يا دكتورة، نامي.

ظلت تنظر إليه وهي تغيب عن الوعي حتى أغمضت عيناها بتعب وإرهاق. أما هو كان ينظر لها بشرود ثم استقام وخرج من الغرفة متجهًا نحو الاستقبال. كان هشام يبحث عنها بعينيه، أين ذهبت؟؟ غابت عن أنظاره. يتمنى أن تنساه هكذا.. يتمنى.. أخذ الجميع وقتًا في التهنئة والمباركات لهما وكان طارق يقترب نحوهما وسعيدٌ مما سمعه. طارق: ألف مبروك يا حبايبي. لم يعره هشام أي اهتمام، ولكن رضوى اقتربت من طارق وقامت باحتضانه.

طارق: آه يا وحشة إنتِ.. رجعتي مصر من غير ما تقوليلي، وكمان تفاجئوني بخطوبتكم؟! رضوى بضحك: هشام حب يعملهالكم مفاجأة وبالمرة يفاجئ زمايله هنا. طارق بحزن مصطنع: مالوش حق. نظر هشام لطارق بكره. كان الاستقبال مليئًا بصوت الموظفين ووشوشاتهم ولكن تلك الضوضاء اختفت شيئًا فشيئًا. صمت الجميع في حضور.. "ياسين المغربي".. والذي نظراته لا تبشر بالخير. ياسين بهدوء: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه اللي مجمعكم كده؟

طارق بابتسامة: ده الدكتور هشام ابن أختي خطب وزمايله بيباركوا له. نظر ياسين لهشام ذلك.. ذلك الشاب الذي كان ممسكًا بيد الطبيبة مريم قبل عدة أسابيع. ظل ياسين واقفًا بمكانه نظراته باردة لا يوجد بها أي مشاعر. ينظر لهشام بلامبالاة. ثم عاد بنظراته لطارق. ياسين: في اجتماع في مكتبي. لم يعر هشام أي اهتمام واتجه لمكتبه منتظرًا طارق. أما الجميع عادوا لعملهم في صمت. رضوى بتنهيدة صعبة: هو في إيه؟؟ مين ده؟؟

أنا كنت خايفة من وجوده معانا، أنا كنت حاسة إنه شوية وهيقتلنا. هشام بابتسامة: ما تقلقيش ده صاحب المستشفى.. هو دايمًا كده. تحرك طارق خلف ياسين حتى صارا في مكتبه. وقف ياسين أمام نافذته، أما طارق يقف خلفه ينتظره أن يتحدث. ياسين بهدوء: المستشفى مش هتفضل من غير مدير.. عايز حد يحل محل مرتضى. طارق: أكيد.. أنا فعلًا بشوف مدير للمستشفى في الفترة الأخيرة. همهم ياسين وظل ينظر لحديقة المشفى بهدوء.

طارق بحمحمة: حضرتك محتاج حاجة تانية؟ ياسين: استقالة الدكتورة مريم.. تكون موجودة على مكتبي، أنا اللي همضيها. طارق بذهول: نعم؟؟! استقالة؟! التفت ياسين له عاقدًا حاجبيه. ياسين: هتقدم استقالتها وأنا اللي همضيها، تقدر تجهز لها مرتبها عشان هتمشي النهاردة. عقد طارق حاجبيه بتعجب من حديث ياسين. ولكنه حاول أن يبدو طبيعيًا. طارق: حضرتك طيب تؤمر بخدمة تانية؟

ياسين: ذكرى افتتاح المستشفى هيكون بعد شهر.. هنجهز حفلة لطاقم المستشفى كله وللمتبرعين.. زي كل سنة. طارق بتفهم: تمام. ياسين: تقدر تمشي. خرج طارق من الغرفة متعجبًا لما يحدث؛ يتعجب لصيغة حديث ياسين عن تلك الطبيبة التي تدعى مريم. تنهد بضيق ثم قام باستكمال عمله. أما ياسين، فقد اتجه لغرفة مريم والتي كانت نائمة كما تركها. جلس بكرسي بجانب سريرها منتظرًا استيقاظها. بالقصر:

ينظر لصورة زوجته باكيًا ويتمنى لو يعود به الزمن إلى الوراء وألا يأتي بياسين أبدًا. ولكن ما حصل قد حصل. جاء ياسين وحول حياتهما إلى الجحيم. يتذكر كيف مرضت زوجته كثيرًا بعد أن رحل ياسين وابتعد عنهما وعاش وحده. يتذكر كم ترجته باكية أن يعيد ياسين لها مرة أخرى ولكن تلك المرة رفض بشدة. حيث أن جرائم القتل وقتها كانت انتشرت في الفترات الأخيرة وخاصة من بعد اختفاء ياسين من حياتهما. علم أنه القاتل. علم جيدًا من الجملة التي قالها

له ياسين أن قصته لا يجب أن تتكرر؛ فكل الضحايا في الآونة الأخيرة كانوا رجالًا إما متهربين من العدالة أو قد برأتهم العدالة في جرائم قاموا بارتكابها بالفعل. علم أن ياسين لن يصمت. علم تمام المعرفة أن تلك أصبحت حياة ياسين، والتي بدونها لن يكون حيًا؛ فهو يعيش على القتل. قاتل.. مجرم.. يستحق الموت. حاول أن يغير منه ومن سلوكه وأن ينقذه ولكن ياسين لم يسمع سوى صوت الانتقام الذي بداخله. قتله لجمال لم يفد بشيء لأن نشوة الانتقام

لم تقل أبدًا بل بالعكس زادت بداخله أكثر؛ فكان يرى جمال في كل مجرمٍ هارب من العدالة. توفيت زوجته من حزنها على اختفاء ياسين من حياتهما، أما هو الحزن تملكه وقد شاب مبكرًا. وقف ياسين في عزائها بجانب عماد الذي كان يجلس بكرسي ولا يستطيع الوقوف وساءت حالته حتى أصيب بذبحة صدرية في ذلك اليوم، ومن هنا تولى ياسين رعايته رغمًا عنه. يتذكر كم حاول عدة مرات الهروب منه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. كم مرة حاول الانتحار ولكنه فشل

أيضًا. ترجى ياسين أن يقتله ولكنه لم يفعل. رآه يتعذب فقط. لم يفعل له أي شيء.

استفاقت مريم من إغمائها شاردةً لما حصل لها، لا تصدق ما فعله هشام، لماذا يصرّ على جرحها؟ ماذا فعلت له؟؟؟ استفاقت من شرودها على صوت أحدٍ بغرفتها. ياسين: مساء الخير يا دكتورة. نظرت له بعدم استيعاب. جالس بغرفتها وهي نائمة.. كيف؟؟ انتفضت فزعة وحاولت الاعتدال وحمحمت بإحراج. مريم بتوتر: مساء النور. ياسين باستفسار: بقيتي كويسة؟

نظرت له باستفسار وتحاول تذكر ماذا يقصد. وعندما تذكرت أنها ظلت ممسكةً به وتبكي وحمله لها حتى غرفتها، احمر وجهها بشدة من الخجل والإحراج في آن واحد. كيف يراها الآن يا ترى؟؟ ياسين بهدوء: دكتورة مريم. نظرت له بتوتر: أنا كويسة.. أنا كويسة. استقام ياسين من مقعده وارتدى سترة بدلته الراقية التي لفتت انتباه مريم وقام بارتدائها برقيّ وهدوء. ياسين بابتسامة هادئة جعلتها تتوتر أكثر: أتمنى تكوني فعلًا كويسة، بعد إذنك.

كاد أن يتحرك خارج الغرفة ولكنها أوقفته. مريم: أنا موافقة أمشي، موافقة إني أكون موجودة عند حضرتك في القصر، أنا هكتب استقالتي دلوقتي وهاجي لحضرتك. ياسين بهدوء: أنا مش هكون موجود هنا، هبعتلك السواق يوصلك، وهشوفك بكرة هناك.. بعد إذنك. مريم بإحراج: اتفضل. خرج ياسين من الغرفة. أما مريم ظلت بمكانها لا تدري هل كانت تحلم أم أن ياسين ظل معها في غرفتها حتى استفاقت. هل يعقل؟؟

عادت بذاكرتها نحو ما جعلها تنهار هكذا. كان يجب أن تتوقع هذا من هشام. فهو حقير. يومًا يكون معها والآخر يكون مع غيرها. عقدت حاجبيها بغضب. كيف انهارت هكذا. ولكن لحسن الحظ أنه لم يراها في حالتها تلك. ولكنها في الحقيقة تشعر بالإحراج مما حدث. فلم تكن تتوقع أن يراها ياسين في تلك الحالة. ولم يكن ذلك فقط. لقد حملها إلى هنا.. إلى سريرها كالطفلة الصغيرة. تذكرت نظراتها المشوشة له وهو ينظر بعينيها ويخبرها أن تنام فهي تحتاج للراحة. تتذكر كيف استسلم جسدها وخارت قوته. كأنها ستجد الراحة فعلًا في النوم. استفاقت من شرودها وتنهدت بقوة؛ فالآن ستقوم بكتابة استقالتها والرحيل من هنا.

نعم، يجب أن ترحل ولا ترى هشام مرة أخرى؛ فقد أصبح هذا المكان يحبس أنفاسها، لا تريد البقاء فيه بعد اليوم. بعد مرور وقت ليس بقصير، طرقت غرفة طارق وسمح لها بالدخول. مريم بهدوء: "مساء الخير يا دكتور." رفع طارق حاجبيه وتحدث بسخرية: "مساء النور يا دكتورة، أفندم؟ مريم: "إتفضل حضرتك." قدمت له استقالتها، أما هو فقام بتمثيل اللامبالاة وهو ينظر للورقة. طارق بسخرية: "ليه كده؟! ده إحنا هنخسر دكتورة شاطرة زيك."

مريم بهدوء: "دي رغبتي." طارق بهمهمة: "طبعًا، لقيتي الطريق مقفول ناحية هشام فقولتي تنسحبي." مريم بغضب مكتوم: "أنا مسمحلكش تتكلم معايا كده." طارق مكملًا حديثه: "وأكيد برده معرفتيش توقعي ياسين المغربي؛ فعشان كده قدمتي استقالتك و.." مريم بغضب مقاطعة له: "إنت مين إنت عشان تحكم عليا؟ طارق بشفقة: "يا خسارة ما حدش هيبص لك." حاولت أن تتحكم في غضبها. مريم: "أنا جايه هنا عشان أدي لحضرتك استقالتي وأمشي."

طارق برجاء مصطنع: "مش هنقدر نكمل من غيرك يا دكتورة، المستشفى هيقف حالها من بعدك." عقد حاجبيه وتحدث بجدية أكثر: "استقالتك مقبولة طبعًا." مريم عاقدة حاجبيها بغضب: "مش مستنيه رأيك بخصوصها، أنا كده كده ماشيه."

خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها. أما طارق فحاول كتم غضبه، ولكنه أمسك الكوب الموجود على مكتبه ورماه أرضًا. بعد مرور وقت قصير كانت عند الاستقبال تقوم بتسجيل خروجها وتحمل بيدها ظرفًا به دخلها الخاص بهذا الشهر، وهنا قابلت هشام الذي اتجه للاستقبال أيضًا. حاولت أن لا تعيره أي اهتمام وترحل سريعًا دون أن تلتفت له. قامت بتسجيل الخروج ثم حملت حقائبها والذي جعل هشام ينتبه لهم. سجل خروجه أيضًا وخرج خلفها. هشام: "مريم."

تجمدت بمكانها عندما سمعت صوته والتفتت له بهدوء. هشام بابتسامة واستفسار: "إنتي ما باركتيليش؟ مريم بلامبالاة مصطنعة: "آه ألف مبروك، معلش كنت مشغولة." هشام: "تمام، لو تقدري تيجي الخطوبة يا ريت هفرح جدًا، هتكون بعد يومين في الفيلا عندنا وأكيد تعرفي العنوان." حاولت أن تتماسك أكثر من ذلك، حاولت أن لا تبكي أمامه. مريم بابتسامة مصطنعة: "هشوف كده." كادت أن تذهب من أمامه. هشام باستفسار: "رايحه فين كده؟

حاولت أن تتحدث بلامبالاة مذكرة نفسها أنه أكبر وغد قابلته بحياتها. مريم بابتسامة مصطنعة: "قدمت استقالتي وخلاص ماشيه." هشام باستفسار وانتباه: "ليه كده؟! في إيه؟ إيه اللي حصل؟! مريم بابتسامة: "جالي عرض أحسن، رعاية طبية في قصر ياسين المغربي." عقد هشام حاجبيه باستفسار، أما هي فحاولت إغاظته أكثر.

مريم بابتسامة وكذب: "أصل ما أقولكش، اتحايل عليا أكتر من مرة إني أجي أراعي عماد، بس أنا كنت بقوله شغلي هنا في المستشفى أهم، حياتي هنا أحسن، بس صعب عليا من كتر ما بيتحايل عليا قولت خلاص أهو أجرب حاجة جديدة." هشام باستفسار وتعجب: "وإنتي من إمتى في بينك وبين ياسين المغربي كلام؟! اللي أعرفه إنه مش بيتعامل مع حد غير دكتور طارق ومرتضى قبل ما يتسجن." مريم بضحكة مصطنعة: "أنا مش أي حد."

حرك هشام رأسه لليمين بتعجب من حديثها. أما هي فشعرت أنها ستفضح أكثر من ذلك. مريم بتلقائية: "تقدر تقول في اهتمام متبادل بينا إحنا الاتنين، إعجاب يعني."

حاول هشام أن يكتم ضحكاته فمن الواضح أنها تكذب فعلًا. حاولت أن تتحكم في غضبها منه فمن الواضح أنه كشف كذبتها. كادت أن تتحدث ولكن الاثنين انتبها لتلك السيارة السوداء الفاخرة التي وقفت بجانبهما. تم إنزال زجاج السيارة للمقعد الخلفي والذي ظهر خلفه ياسين المغربي الذي ينظر لهما بهدوء. تعجبت مريم لوجوده فقد أخبرها أنه لن يكون متواجد وسيقابلها غدًا هناك. لماذا غير رأيه؟!

ياسين بابتسامة هادئة: "دكتورة مريم، أنا انتظرتك كتير، يلا بينا نتحرك." نظرت مريم لياسين معقودة اللسان ثم تحركت دون وعي منها وركبت السيارة دون أن تنظر لهشام حتى. تم إغلاق الزجاج الخلفي بعدما ركبت مريم بجانب ياسين وتحركت السيارة. أما هشام فكان يقف بمكانه يحاول التحكم بغيرته التي شعر بها. كيف؟! متى حدث ذلك؟! كيف لها أن تفعل ذلك؟! كيف تخونه؟!

عقد حاجبيه بغضب. كان يعتقد أنها تكذب، ولكن انتظار ياسين لها يعني أن هناك شيئًا بينهما. لا يستحيل أن تحب مريم أحدًا غيره.

تجلس بجانب ياسين وتشعر بالذهول مما حدث، نظرت بطرف عينيها لياسين الهادئ بجانبها والذي ينظر أمامه بنظرته الخالية من الحياة تلك. نظرت حولها فالسيارة كبيرة وفاخرة بالفعل ورائحتها جميلة ولكن رائحة ياسين تطغى عليها. رائحته كانت جميلة جدًا. أغمضت عينيها تستنشق رائحته وهنا ياسين انتبه لها عندما سمع صوت استنشاقها. ياسين: "دكتورة."

لم تنتبه له وظلت تستنشق رائحته وبدون وعي منها اقتربت منه واستنشقت رائحته من خلال سترته. عقد حاجبيه بتعجب. ياسين: "دكتورة مريم." وهنا استفاقت وفتحت عينيها ورفعت رأسها ووجدت أنها بموضع غير لطيف وهي أنها منحنية على سترته وأيضًا تقوم باستنشاقها. اعتدلت سريعًا وحمحمت بإحراج به بعض الخجل ولم تتحدث. هز رأسه بيأس ثم عاد بنظره للأمام. ولكنها تحدثت. مريم: "حضرتك استنيتني." نظر لها ياسين باستفسار.

مريم بتوضيح: "قصدي إن حضرتك قولت إنك مش هتكون موجود وهنتقابل بكره، فأنا مستغربة إن حضرتك موجود." لم يجبها وعاد بنظره للأمام. مريم: "أنا بتكلم على فكرة." أغمض ياسين عينيه بغضب. مريم: "تعرف إن ريحة البرفيوم بتاعتك حلوة، عجبني اسمه إيه؟ لم يجبها أيضًا. مريم بتنهيدة بسيطة واستسلام من تجاهله: "طيب، عمومًا شكرًا إنك استنيتني أنا كنت في ورطة وحضرتك اللي أنقذتني منها."

نظرت له قليلًا ولم تجد أي رد منه. نظرت أمامها بضيق ولا تعلم سبب رغبتها الشديدة في الحديث معه. فهي منذ أن جلست بجانبه وهي تشعر أنها ترغب بالحديث بشكل مستمر معه. ياسين بهدوء: "خططي اتغيرت؛ عشان كده استنيتك." نظرت له مريم بابتسامة كبيرة، ثم تحدثت بامتنان. مريم: "شكرًا مرة تانية، حضرتك ذوق جدًا." نظر لها بطرف عينيه ثم تحدث بصوت هادئ يكاد يكون مسموعًا. ياسين: "وإنتي رغاية جدًا."

ظلا هكذا طوال الطريق هي تحاول التحدث ولكنه صامت كعادته حتى وصلا لمدخل قصر "ياسين المغربي".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...