"لكل جريمة شاهد" كانت أشرقت تحاول الوصول لمريم عدة مرات، ولكنها أغلقت هاتفها منذ البداية. لا تستطيع حتى الوصول إليها. أشرقت بتأفف: "لا.. أنا لازم أروحلها."
خرجت من مكتبها في نية منها للذهاب إلى القصر. أما مريم كانت تبكي بهيستيريا في أحضان ياسين الذي يربت على ظهرها بهدوء، وما زال ينظر لذلك الاسم المنقوش على ذلك القبر. إذا قلنا أن هناك بعض الذكريات نحاول أن ننساها لكي نستطيع أن نعيش، فتلك تكون حقيقة. لم تعلم كم مر من الوقت وهي تبكي هكذا حتى ابتعدت عنه، ولكنها ظلت قريبة منه. نظرت في عمق عينيه وبدأت تتحدث بصوت متحشرج. مريم: "خدني من هنا، أنا محتاجة أرتاح، مش قادرة أمشي."
استقام ياسين وحملها بين يديه. استندت برأسها على صدره وأغمضت عينيها لعلها تهدأ من ذلك الصراع الداخلي الذي تعيش به. نظر ياسين للقبر مرة أخيرة ثم خرج من المقابر وهي نائمة بين يديه. ****************** في المساء: كان عماد يجلس بكرسيه المتحرك ينظر لتلك الفتاة التي تريد التحدث مع مريم بشدة. فقد كان يقف بكرسيه في باحة القصر. كانت إحدى الخادمات تتحدث إليها.
الخادمة: "الهانم نايمة عشان تعبانة شوية، وياسين بيه أمر ما حدش يزعجها." أشرقت: "الموضوع حياة أو موت أرجوكي، أنا محتاجة أشوفها." كادت أن تتحدث الخادمة ولكن أوقفها صوته. ياسين: "اتفضلي يا دكتورة." أشرقت بإصرار: "أنا محتاجة أتكلم مع مريم." ياسين برقي: "اتفضلي اتكلمي معايا أنا." نظرت له قليلًا بتوتر ثم نظرت للخادمات الموجودات بالمكان. أشرقت: "طب ممكن أتكلم مع حضرتك على انفراد."
هز رأسه وتحرك وهي تبعته حتى دخل لغرفة منعزلة ودخلت خلفه. التفت لها ينظر إليها باستفسار. أشرقت: "دكتور طارق جالي النهاردة المكتب وقال... سردت عليه كل ما أخبرها به طارق اليوم. وبعد أن انتهت همهم ياسين وتعجبت أشرقت من صمته هذا. أشرقت: "حضرتك مش هتقول حاجة؟ مش هتعمل أي حاجة؟! ياسين بابتسامة هادئة: "هتصرف طبعًا يا دكتورة، تقدري تتفضلي."
شعرت بالإحراج من تعامله ذاك وقررت الانسحاب أما ياسين ظل واقفًا لثوانٍ ثم خرج من الغرفة وخرج بعدها من القصر. كانت نائمة بفراشها تنظر أمامها بحزن وشرود، هبطت دمعة من مقلتيها وهي تتذكر أختها الكبرى. تتذكر كم كانتا دائمًا معًا ولا يتفرقان أبدًا. كانت كالأم بالنسبة إليها لأنها من قامت بتربيتها والعناية بها أثناء انشغال والديهما بالعمل وعندما توفى والدهما بحادث تحملت سارة مسئوليتها مع والدتهما. كان بينهما وعد وهو أن لا يتفرقا أبدًا، سيظلان سويًا حتى النهاية. لم يخفيا أي شيء عن بعضهما البعض، ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان أدى إلى فراقهما.
منذ اثنا عشر عامًا: كانت مريم في السادسة عشر من عمرها تقوم بمراجعة دروسها في غرفتها في جو هادئ، ولكن بعد دقائق من الهدوء سمعت صوت شجار خارج الغرفة. استقامت سريعًا من مقعدها وخرجت من الغرفة ونظرت لوالدتها التي تتشاجر مع سارة التي ترجوها في شيء. سارة ببكاء: "يا ماما، أرجوكي اسمعيني أنا بحب كريم وهو كمان بيحبني جدًا ومستعد يعمل المستحيل عشاني، أرجوكي وافقي." ردت
والدتها نادية بغضب وضيق: "قلتلك مليون مرة الولد ده مش شبهنا، سمعته زي الزفت، سألت عليه يا بنتي صدقيني مش شبهنا نهائي، واستحالة أرميكي لواحد زي ده." كادت أن تهم بالرد عليها ولكنها قاطعتها وهي تربت على كتفها.
نادية بهدوء ورجاء: "يا حبيبة قلبي ما تزعليش، ربنا هيقدملك كل اللي فيه الخير وهيبعتلك واحد أحسن منه بمراحل، إنتِ بس ركزي في حياتك بكرة آخر يوم امتحان ليكي في الجامعة ركزي الله يباركلك عايزين نعوض السنة اللي راحت عليكي بسبب الشغل عشان أختك، ما تخليش واحد زي ده ياكل عقلك بكلمتين." ابتسمت بحنان وقامت بضمها واستأنفت: "وبعدين مش عايزة حد ياخدك مني دلوقتي، عايزاكي جنبي شوية، عايزة أشبع منك يا روح ماما...
مريم بحنق وغيظ مقاطعة لها: "طب وأنا؟ قهقهت والدتها وابتعدت عن سارة التي ابتسمت أثناء بكائها. نادية: "تعالي يا أروبة." احتضنت مريم والدتها وقامت بإخراج لسانها لسارة تقوم بإغاظتها. مريم: "ماما بتحبني أكتر منك." نادية بابتسامة وهي تبتعد عنها: "كلكم عندي واحد، حتى اسألي سارة." تبدلت ملامح مريم للضيق أما سارة قهقهت ضحكًا فمعنى حديث والدتها أن سارة هي الأحب إليها وهذا المعنى تجهله والدتها. مريم بغيظ: "طيب يا ماما."
نادية: "طيب يا حبايبي أنا هروح المطبخ أحضر العشاء وإنتوا روحوا كملوا مذاكرة." دلفت للمطبخ بينما الاثنتان ظلتا واقفتان تنهدت سارة بحزن ثم اتجهت لغرفتها وجلست بفراشها، تبعتها مريم للغرفة وأغلقت الباب خلفها وجلست بجانبها على الفراش. مريم باستفسار: "هتعملي إيه؟ سارة بتنهيدة: "هعمل اللي ماما قالته، هنهي علاقتي بكريم ربنا يوفقه مش عايزة أزعل ماما مني كفاية إنها تعبانة في شغلها عشانا."
مريم باستفسار: "تفتكري بابا الله يرحمه لو كان عايش كان هيوافق عليه؟ سارة بابتسامة حزينة: "لا ما كانش هيوافق عليه، ماما بتفكر بنفس تفكير بابا الله يرحمه، وهو ده الصح أصلًا." مريم ممسكة بيدها: "طب ممكن ما تزعليش؟ نظرت مريم ليد أختها الممسكة بيدها وبكت دون إرادتها احتضنتها مريم وربتت على ظهرها. مريم: "ما تزعليش، كله هيعدي... ابتعدت قليلًا ونظرت في عينيها: "مش إنتِ دائمًا بتقوليلي كده؟ هزت رأسها وابتسمت.
سارة بتصميم: "بكرة بإذن الله هنهي كل حاجة بينا بعد ما أخلص امتحان." ابتسمت مريم لها بهدوء. ولكن سارة نظرت إليها باستفسار. مريم بتعجب: "إيه؟ في إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟ سارة: "إنتِ قاعدة بتعملي إيه هنا؟ مش بتذاكري ليه؟ كادت أن تجيبها. سارة بصرامة: "روحي ذاكري." مريم بتأفف: "حاضر." خرجت من الغرفة أما سارة ابتسمت بعد خروجها وأمسكت إحدى كتبها لكي تقوم بالمراجعة. ******************** في اليوم التالي:
خرجت سارة من الامتحان مبتسمة لأنها قد أجابت جيدًا في امتحانها ووقفت مع إحدى زميلاتها. سارة بسعادة: "أخيرًا آخر امتحان في المسيرة التعليمية اللي إحنا فيها دي." هلهلت زميلتها بسعادة معها، شعرت سارة باهتزاز هاتفها بحقيبتها أخرجت الهاتف من الحقيبة وابتسمت عندما وجدتها والدتها. سارة: "ألو." نادية وهي جالسة بمكتبها في العمل: "أيوه يا حبيبتي عملتي إيه؟ سارة: "كله تمام يا ماما الامتحان كان حلو."
نادية: "الحمد لله، لما تروحي حضري الغداء عشان مريم أكيد هترجع من الدروس جعانة." سارة بابتسامة: "حاضر." أغلقت مع والدتها وأشارت لزميلتها أنها ستخرج من الجامعة. بعد دقائق كانت تقف أمام الجامعة تنتظر أحدهم. ولكن مرت الدقائق وبعدها دقائق أخرى حتى رن هاتفها وجدته رقمًا غير مدون لديها، قررت أن تجيب. سارة باستفسار: "ألو؟ المتصل: "سارة معايا؟ سارة: "أيوه." المتصل: "أنا أحمد صاحب كريم، هو عمل حادثة ومحتاج يشوفك ضروري."
لم تشعر سوى بالتخبط والقلق عليه. سارة بقلق وتوتر: "طب ممكن العنوان؟ أخبرها بالعنوان وهي هرولت لتراه وتقوم بالاطمئنان عليه متناسية انتهاء علاقتها به. وصلت للعنوان الذي أخبرها به صديقه وصعدت للمبنى السكني وقامت بالطرق على باب الشقة. بعد عدة ثوانٍ فتح باب الشقة وظهرت أمامها فتاة تمضغ علكة باستفزاز، لا تدري لماذا شعرت سارة بعدم الارتياح عندما رأتها؟ ولكن أكيد هذه أخته التي ستستقبلها كما أخبرها أحمد صديقه ذاك.
سارة بتوتر: "كريم موجود؟ نظرت الفتاة بنظرة غريبة بالنسبة إليها. الفتاة: "آه يا حبيبتي موجود، ادخلي." دلفت سارة للشقة بتوتر ونظرت حولها وجدتها شقة مهترئة. شعرت بباب الشقة يغلق خلفها، ولكنها تعجبت أكثر عندما سمعت إغلاقه بالمفتاح. نظرت للخلف وجدت الفتاة غير موجودة هرولت نحو الباب بسرعة وحاولت فتحه ولكنه مغلق. كريم: "على فين؟ التفتت سارة بخوف عندما سمعت صوته. كان يقف أمامها لا يوجد به شيء. كان سليمًا معافى.
سارة بتوتر: "أنا عايزة أخرج من هنا." اقترب منها كريم بهدوء خبيث. كريم: "مش لما آخذ اللي أنا عايزه الأول." ابتعدت عنه بسرعة وحاولت الهرب منه ولكنه أمسك بشعرها بقوة قامت بالصراخ ولكنه قام بتكميم فمها. كريم بانتشاء: "أنا كنت مستني اليوم ده يجي من زمان، أنا وإنتِ في مكان واحد."
كان من الواضح أنه شرب شيئًا ما. حاولت الهرب منه ولكنه كان يمسكها بقوة ومما زاد من خوفها وصراخها المكتوم هو باب الشقة الذي تم فتحه ودخل شابان آخران وأغلقوا الباب خلفهم. كريم للاثنين: "أنا الأول وبعد كده براحتكم."
حاولت الانفلات من يديه وبالفعل استطاعت وركضت نحو أحد الغرف ولكن أمسكها أحد الشابين اقترب منها كريم وقام بضربها بقوة حتى كادت أن تفقد وعيها. وقام بارتكاب جريمته الشنيعة بها أمام أصدقائه وفقدت هي أعز ما تملك وفقدت الوعي. وبعدما فرغ منها تمامًا، توالى الشابان بعده اغتصابها أيضًا وبعد أن انتهوا منها. لاحظوا نزيفها الشديد ووجهها الشاحب. كريم: "خدها بعربيتك يا أحمد ارميها في أي خرابة." أحمد: "طب ما تيجي معانا."
كريم: "لا أنا خلاص خلصت منها ومش عايز أشوفها، وابعت لي أحلى سلام للبت نبيلة عملت اللي مطلوب منها بالضبط، قول لها هكون عندها بالليل." أحمد: "طيب."
حملها أحمد والشاب الذي يرافقه وخرجا من البيت ووضعوها بالسيارة. ظل يقود سيارته حتى وصل لطريق لا يوجد به أحد وقام برميها في جانب الطريق وهرب هو وصديقه. أما هي فكانت ملقاة بالطريق المظلم تنزف بشدة. وبعد مرور وقت ليس بطويل مرت مجموعة من السيارات من ذلك الطريق، وهنا توقفت السيارة الأولى مما جعل باقي السيارات تتوقف. توجه السائق ومعه بعض الرجال نحو جثة الفتاة الملقاة بالطريق، وجدوها تنزف ولكنهم وجدوا أيضًا أن هناك نبضًا ضعيفًا بها. هرول أحد الرجال سريعًا نحو إحدى السيارات الأخيرة بالخلف حتى توقف أمام سيارة. طرق على نافذة المقعد الخلفي بهدوء، تم تنزيل النافذة الزجاجية وبدأ بالتحدث.
الشخص المجهول: "أنا آسف يا بيه إن إحنا وقفنا بس في بنت مرمية في الطريق، بتنزف وحالتها صعبة."
هبط شاب من السيارة وسار بهدوء نحو جثة الفتاة حتى وصل إليها. كانت ملامحها لا يبدو منها شيء بسبب الكدمات التي تملأ وجهها مما يشير إلى أنها تعرضت للضرب المبرح. أشار لأحد رجاله بالاتصال بالمشفى. أما هو فظل ينظر لجثتها بهدوء وبعد عدة ثوانٍ عاد لسيارته مرة أخرى وأمر سائقه بالتحرك تاركًا رجاله يقومون بما يلزم. اختفت سارة من حياة مريم ووالدتها التي قلبت الدنيا رأسًا على عقب وهي تبحث عنها بقهر والبكاء والحزن لا يفارقانها، وكانت مريم مثلها أيضًا. حاولوا الوصول لعنوان الفتى الذي يُدعى كريم ولكن جيرانه أخبروهم أنه سافر.
أوقف الأطباء نزيفها بصعوبة وبسبب كثرة نزيفها بقيت تلك الفتاة مجهولة الهوية بغيبوبة بالمشفى التي تم وضعها بها. لقد تلقت العناية اللازمة بتلك المشفى حيث ركز كل الأطباء بجميع أقسام المشفى على الاهتمام بها ورعايتها، وكان من بينهم طبيب في منتصف الثلاثينات حزينًا عليها، كيف يحدث ذلك لتلك الفتاة؟!
كان يعتني بها ويمر عليها في نوبته الليلية يقص عليها بعض القصص والحكايات لعلها تسمعه، ولكن كل ذلك كان بلا جدوى حتى مرت الأيام والأسابيع واستفاقت سارة من غيبوبتها ولكنها كانت بحالة نفسية سيئة جدًا. كانت إنسانة بلا روح. وفي يوم ما، دلف الطبيب لغرفتها وجدها تجلس تنظر أمامها بشرود. تحدث بابتسامة: "صباح الخير." لم تجبه وظلت على وضعها ذلك. اقترب نحوها. الشخص المجهول: "عاملة إيه النهارده؟
لم تجبه وظلت صامتة. تنهد الطبيب ثم حاول أن يكون لطيفًا أكثر في حديثه معها. الشخص المجهول بابتسامة: "طب إحنا ما اتعرفناش، أنا اسمي طارق إنتِ اسمك إيه بقى؟ لم تجبه أيضًا، قرر طارق الانسحاب لتركها على راحتها. طارق: "أنا هطمن على المرضى بتوعي وبعدها هعدي عليكي لو احتجتِ حاجة دوسي على الجرس والممرضات هيجوا لك على طول."
خرج من الغرفة وبعد خروجه بدأت بالبكاء بسبب ما حدث لها، لقد كانت فعلة شنيعة خسرت كل ما تملك بسبب ما حدث. جاء على بالها والدتها وأختها وزاد بكاؤها أكثر. انتبهت عندما فُتح الباب ودلف شاب في بداية الثلاثينات يرتدي حللًا سوداء لا تخص عصرنا الحالي ولكنها كانت راقية. جلس ذلك الشاب بهدوء على كرسي في غرفتها ونظر لها بهدوء. شعرت بالخوف من نظرته تلك ولكنها أيضًا شعرت بالأمان ولا تدري ما السبب. تحدث الشاب بهدوء.
الشخص المجهول: "سارة أحمد سعيد هنداوي." نظرت له بتعجب لمعرفته اسمها بالكامل ولكنه استأنف حديثه بهدوء. الشخص المجهول: "والدتك نشرت خبر في الجرائد إنك اختفيتي، المستشفى هتتصل بيها في أقرب وقت عشان تـ... قاطعته برجاء. سارة: "لا، أرجوك لا. *بدأت بالبكاء* مش عايزاهم يشوفوني كده، مش عايزاهم يعرفوا مكاني، ما ينفعش أفضل معاهم بعد اللي حصلي، أرجوك ساعدني."
ساعدها وأخفى وجودها في المشفى وظلت هناك تجلس بغرفتها إما تأكل الطعام أو تشاهد التلفاز بملل وحزن. وفي يوم ما، كانت تقلب بقنوات التلفاز وتوقفت عندما وجدت خبرًا يُعد مفرحًا بالنسبة إليها، وهو جريمة قتل غامضة للشاب الذي يُدعى كريم وأيضًا اثنين من أصدقائه، لقد قُتل الذين اغتصبوها. مرت الأيام بعدها وطارق يقوم بزيارتها مرارًا وتكرارًا يقوم بالتحدث إليها ولكنها صامتة لا تجيبه. وفي يوم ما، كان يجلس بالكرسي في غرفتها ينظر إليها ولكنه انتبه على هاتفه الذي يصدر رنينًا عاليًا. انتبهت سارة لهاتفه ونظرت إليه.
طارق بإحراج: "ده ابن أختي بيرن عليّ، لحظة." قام بالرد على المكالمة. طارق باستفسار: "نعم يا هشام عايز إيه؟ صمت كأنه ينتظر الرد من الجهة الأخرى، أما سارة فانتبهت لحديثه مع قريبه. طارق بابتسامة: "طب ليه ما تخرجش؟ غير جو مش كل حاجة مذاكرة." اتسعت ابتسامته وتحدث بحنان أبوي. طارق: "وأنا كمان يا حبيبي." أغلق المكالمة ونظر لسارة التي تنظر إليه بالمقابل ولكنها أبعدت نظرها عنه سريعًا. أردف طارق بتوضيح كأنها سألته ماذا هناك.
طارق: "ده هشام ابن أختي نفسيته تعبانة من المذاكرة ومخنوق، فكان بيشتكي لي واقترحت عليه إنه يغير جو." نظرت إليه باستفسار. طارق بتبرير وهو ينظر في عُمق عينيها: "أصل مش كل حاجة مذاكرة يعني، في حياة نستاهل إننا نعيش كل لحظة فيها." هزت رأسها وظلت صامتة قليلًا، وبدأت بالتحدث. سارة: "ممكن أطلب من حضرتك طلب؟ طارق: "أكيد." سارة: "ممكن أعمل مكالمة من عند حضرتك؟ طارق بابتسامة: "اتفضلي."
أعطاها الهاتف وترددت لثوانٍ ولكنها قامت بالضغط على عدة أرقام وبدأت بالاتصال وبعد عدة رنات سمعت صوت والدتها المُرهق. نادية: "ألو." هبط الدموع من مقلتيها وهي تستمع لصوتها. نادية بتكرار: "ألو؟ حاولت أن تكتم شهقاتها وخاصة عندما سمعت صوت أختها. مريم: "مين يا ماما؟ نادية: "مش عارفة، ما حدش بيرد." أخذت الهاتف منها وبدأت بالتحدث. مريم: "ألو؟ نظرت لوالدتها. مريم: "أكيد بني آدم ما عندوش ريحة الدم بيعاكس. إحنا مش ناقصين."
أغلقت المكالمة الهاتفية وهنا جهشت سارة بالبكاء. تشتاق إليهما كثيرًا. تريد أن تراهما ولكن لم يعد بإمكانها البقاء معهما. انتبهت على طارق الذي يربت على كتفها ولكن انتفض جسدها بسبب لمسته تلك. طارق وهو يُبعد يديه عنها: "أنا آسف، أنا بس ما حبيتش أشوفك كده. ما تزعليش." هزت سارة رأسها وأعطته هاتفه. في الوقت الحالي:
كانت تبكي لذكرى أختها الوحيدة. تتذكر كيف أخبرتها أختها أن طارق ظل بجانبها حتى شعرت بتحسن ومع الأيام بدأت بالتحدث إليه. كانت تُخبرها أن قصصه جميلة ورائعة يجب أن تستمع إليه في يوم ما. ظلت أختها بعيدة لمدة طويلة لا يعلمون أين هي حتى فقدوا الأمل في أنها حية ولكن في يوم ما. منذ عشر سنوات:
كانت نادية تسير في أحد المولات تتبضع وتقوم بشراء بعض الثياب لمريم ولكنها صُدمت عندما رأت فتاة تشبه ابنتها سارة المُتغيبة عن المنزل. هرولت نحوها بسرعة ولهفة ووضعت يديها على كتفها لتنتبه لها. نادية: "سارة." نظرت سارة بصدمة لوالدتها، احتضنتها نادية بقوة تشُم رائحتها العزيزة على قلبها لوقت لم تحسُبه ثم ابتعدت عنها. نادية بعدم تصديق وهي تمسك وجهها بيديها: "حبيبتي، أنتِ قدامي بجد؟ أنتِ عايشة؟
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها حديث أحدهم. الشخص المجهول لسارة: "في مشكلة يا هانم؟ سارة: "لا ما فيش، روح إنت." نظرت لوالدتها التي تنظر للرجل الذي يبدو عليه أنه حارس شخصي وتعجبت أكثر عندما انضم لرجال آخرين يرتدون مثله. نادية باستفسار وعدم استيعاب: "مين دول؟ وأنتِ روحتي فين؟ أنا تعبت قوي أنا وأختك وإحنا بندور عليكي، حرام عليكي يا بنتي توجعي قلبي عليكي."
لم تجبها وتعجبت والدتها من صمتها ذلك ثم نظرت لملابسها التي تدل أنها تعيش في مستوى أعلى منهم ماديًا، أي في ترف. نادية باستفسار: "ردي عليّ يا سارة، ساكتة ليه؟ حاولت التحكم بدموعها وقامت بالتحدث باللامبالاة. سارة: "نعم عايزة إيه؟ نادية باستفسار وتعجب: "يعني إيه عايزة إيه؟ أنا بطمن عليكي، بطمن على بنتي اللي اختفت من حضني فجأة لمدة سنتين."
سارة: "لا أنا ما كنتش مختفية ولا حاجة، أنا كنت عايشة حياتي اللي أنا عايزاها مع اللي بحبه." كان الألم يعتصر قلبها وهي تتحدث بتلك الطريقة مع والدتها. كانت نادية تنظر لها بذهول من حديثها الجريء ذلك، لم تربِ ابنتها هكذا أبدًا! أرادت الهروب والبكاء بعيدًا عن أعين والدتها وكم تتمنى أيضًا أن ترتمي بأحضانها تبكي وتخبرها عن ما حدث لها في ذلك اليوم. تقدم أحد الرجال نحوها. الشخص المجهول: "حضرتك هتتحركي إمتى؟ سارة: "دلوقتي."
تحسرت عندما رأت نظرة سخط من والدتها. رفعت نادية رأسها بتعالٍ وتركتها ورحلت وهنا كانت النهاية بالنسبة إليها. فقد رأت أنها ماتت في عين والدتها. وهنا تحررت دموعها وقررت الرحيل. قامت مريم بمسح دموعها وهي تتذكر خدعة أختها لهم بأنها تركتهم بقصد منها. أمها صدقت تلك الخدعة ولكنها لم تُصدقها فهي تعلمها جيدًا.
هي من قامت بتربيتها وتعلم تصرفاتها وقراراتها. تتذكر ذلك اليوم الذي جاء به اتصال على هاتف البيت الأرضي وكانت سارة تطمئن عليها في غياب والدتها عن المنزل وذلك لأنها استسلمت لاشتياقهما. تتذكر أنها عاتبتها ولكن سارة طلبت منها أن تقابلها لتقص عليها ما حدث لها. تتذكر كم بكت في ذلك اليوم معها ولكنها كانت سعيدة عندما أخبرتها أنها تحب أحدًا.
سارة بابتسامة: بيحبني أوي.. هو ممكن ما يبانش عليه إنه بيحبني عشان هو مش بيتكلم كثير، بس عينيه واضح فيها كل حاجة ليا. مريم بابتسامة: اسمه إيه بقى؟ صمتت سارة قليلًا وهي تنظر إليها ثم تنهدت وأجابتها. سارة بابتسامة هائمة: اسمه براء. مريم: اسمه حلو أوي. سارة: جدًا.. وخاصة لما يكون اسم على مسمى.. تحسيه تركيبة غريبة كده.. شخص مش شبهنا، لا هو أحسن مننا بس ظروفه هي اللي خلته كده، بس في بيني وبينه عامل مشترك.
مريم بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة، يعني هو كويس طيب؟ سارة بابتسامة: آه كويس. مريم بتنهيدة: وده المهم طبعًا، هتتجوزوا إمتى بقى؟ اختفت ابتسامتها عندما سمعت ذلك السؤال. سارة وهي تغير مجرى الحديث: صحيح شوفي جبتلك إيه؟ أرتها الملابس الجديدة التي قامت بشرائها لها. وهكذا ظلت لقاءاتها بأختها سرية دون علم والدتها.
استقامت مريم من الفراش تحاول أن تستفيق من الشعور الذي تشعر به، دلفت للحمام وتركت المياه تنساب على جسدها وهي تتذكر ذلك اليوم الذي لن تنساه طيلة حياتها وهو يوم وفاتهما... والدتها وأختها. كانت تجلس معها بمكان يدردشان سويًا. مريم: هتكلمي ماما إمتى؟ سارة بتوضيح: تقصدي هكلمها للمرة الكام؟ تقصدي هتحايل عليها إنها تسمعني للمرة الكام؟
مريم برجاء: مهما يكن.. دي ماما وعمرها ما هتقولك لا، إنتي بس حاولي معاها بدل المرة 100 مرة، ماما بتحبنا إحنا الاثنين وبتحبك إنتي أكثر مني وإنتي عارفة ده كويس.. أي نعم لما تكلميها ثاني هتمثل إنك مش مهمة بالنسبة لها بس إنتي حاولي معاها وهي أكيد هتلين، وأنا المرة دي هكون موجودة وقتها وهقنعها. صمتت قليلًا تنظر إليها ولكن مريم شجعتها بابتسامة.
سارة: طيب، هبقى أكلمها لما أروح بس خليكي قريبة.. يعني تكوني جنبها كده عشان تقدر تسمعني، أهو تخليها تلين شويه بدل ما هي كل مرة تقفل السكة في وشي. مريم بابتسامة: ماشي، ما تقلقيش. تنهدت سارة ثم صمتت تنظر لأختها. سارة: مش عايزة حاجة تلفت انتباهك عن دراستك أبدًا.. إنتي في طب يعني اهتمامك الحالي دلوقتي لازم يكون المذاكرة وبس. مريم بابتسامة: ما تقلقيش، أنا قدها.
بعدما انتهت مقابلتها مع أختها ذهبت للبيت وتناولت الغداء مع والدتها والتي اختفت الابتسامة من وجهها منذ ذلك اليوم.. قررت أن تبدأ بالحديث. مريم بحمحمة: ماما. نادية بانتباه لحديثها: إيه؟ مريم باستفسار: هو أنا ممكن أقولك حاجة؟ نادية: قولي. مريم بتوتر: بالنسبة لسارة هي... نادية بغضب مقاطعة لها: إياكي تجيبي سيرتها ثاني.. إنتي مالكيش أخت اسمها سارة أبدًا. مريم: ماما إنتي فاهمة غلط، سا...
نادية مقاطعة لها: اخرسي، ما تجيبيش سيرتها ثاني بقولك.. هي خلاص ماتت لما هربت وسابتنا ومشيت على حل شعرها. مريم بإصرار: يا ماما أرجوكي افهميني، بلاش تظلميها.. سارة بتحبنا ومستحيل تسيبنا أبدًا، أنا و... نادية بغضب: بس مش عايزة أسمع ولا كلمة. كادت أن تتحدث مريم مرة أخرى ولكنها صمتت عندما سمعت صوت هاتف والدتها يصدر رنينًا.. استقامت والدتها من المقعد وحملت هاتفها تنظر للرقم غير المدون على هاتفها.. تنهدت ثم تحدثت بهدوء.
نادية: ألو. كان هناك صمت تام. نادية بتكرار: ألو، مين؟ سارة بصوت متحشرج من البكاء: ماما. صمتت نادية عندما وصلها صوتها وكادت أن تغلق الهاتف، تحدثت سارة كأنها تراها. سارة ببكاء: ماما أرجوكي ما تقفليش، اسمعيني، أنا آسفة سامحيني عشان خاطري، كان غصب عني يا أمي، أنا ما أقدرش أعيش من غير رضاكي عليا، ارضي عني يا حبيبتي وسامحيني وخليني أشوفك ما تعمليش فيا كده.
نادية بحزم: إياكي تتصلي هنا ثاني، وكلمة ماما دي محرمة عليكي، إنتي لا بنتي ولا أعرفك، أنا زمان كان عندي بنت اسمها سارة وماتت يومها، لكن إنتي معرفكيش أ... صمتت نادية لأنها على مشارف البكاء وفي ذات الوقت تنظر لمريم التي تحاول الإشارة لها بالهدوء وتترجاها أن تستمع إليها. سارة باستفسار: ماما، إنتي معايا؟ نادية بتنهيدة واستسلام: أيوه. سارة: أنا هاجي أزورك بكرة وأشرح...
تعجبت نادية من صمتها ولكنها انتبهت عندما تحدثت سارة مرة أخرى. سارة بهمس: ماما اقفلي دلوقتي، هاجيلك بكرة زي ما قلتلك. تعجبت نادية من همسها ولكنها ما تعجبته أكثر هو أن سارة نسيت وتركت المكالمة الهاتفية مستمرة!
ظلت نادية تستمع لما يحدث عند سارة غير منتبهة لمريم التي تقوم بالإشارة لها تستفسر عن صمتها ذلك. تعجبت مريم من تغير ملامح والدتها التي تنصت للهاتف جيدًا ولكنها بررت أنه من الممكن أن سارة تقوم بسرد ما حدث لها. تنهدت وقررت أن تتركها تستمع إليها، ذهبت لغرفتها تجلس بفراشها تفكر في أن أيامهم القادمة ستكون جميلة وستجعل والدتها وأختها سعيدتين بها فهي ستحاول قدر المستطاع أن تهون عليهما فهي لا تملك أحدًا غيرهما. مرت دقيقة اثنتان وثلاثة وهلعت عندما سمعت صوت صراخ والدتها.
نادية: قتلها.. قتلها.. يا سارة.. يا سارة.. هرولت مريم بسرعة نحو والدتها التي تصرخ بهيستيريا وتقوم باللطم على وجهها وتطلب الاستغاثة لابنتها وعزيزة قلبها. مريم باستفسار وبكاء وعدم فهم لحالة والدتها: ماما.. في إيه؟ أبعدت نادية الهاتف عن أذنيها وهي تنظر لابنتها بذهول وصدمة: قتلها. مريم: مين قتل مين؟ نادية: سارة.. قتلها. مريم ببكاء وصراخ: مين؟
بدأت أنفاس نادية تنقطع فقد أصابتها أزمة قلبية. أمسكت مريم بيد والدتها تحاول إسنادها.. ولكنها ظلت تكرر تلك الكلمة.. "قتلها". مريم ببكاء وهي تحتضنها: مين؟ لم تستطع أن تنطق اسمه لأنها لا تتذكره كل ما تذكره هو قتلها. نادية بنفس متقطع: اللي هي.. عايشة معاه.. قتل سارة.
أغمضت نادية عينيها واستكانت في أحضان ابنتها التي تبكي ولا تفهم أي شيء مما حدث. حاولت أن تفيق والدتها بعمل إسعافات أولية لها ولكنها لم تستطع. صرخت مريم بقهر ترجو من والدتها الاستيقاظ ولكنها لم تستيقظ ورحلت عن هذه الدنيا. في الوقت الحالي: في المشفى:
كان طارق يقوم بتجهيز أشياءه للرحيل من المشفى والسفر وأثناء تعبئته لأشياءه أمسك بإبريق خزفي بمعنى آخر "مج" لونه أبيض مدون به جملة ما.. "الإصرار على التفاؤل قد يصنع ما كان مستحيلًا".. يتذكر ذلك اليوم الذي أعطته فيه تلك الهدية. منذ سنوات عديدة: كانا يقومان بالتمشية سويًا في أحد الأماكن سويًا. سارة بابتسامة: إنت لحد الآن تعرف عني كل حاجة وأنا معرفش عنك أي حاجة خالص غير إنك عندك ابن أخت واسمه هشام. ابتسم لحديثها ثم أردف.
طارق وهو ينظر بعمق عينيها: عشان لسه ما لقيتهاش. سارة باستفسار: هي مين؟ طارق: الإنسانة اللي شبهي. سارة: لو الواحد فضل يدور على اللي شبهه هيفضل طول عمره أعزب زيك كده. طارق: لا على فكرة أنا طول عمري ما كنتش أعزب أنا كنت خاطب قبل كده وفسخت ما حصلش نصيب يعني. سارة بهمهمة: تمام. في الوقت الحالي:
تنهد طارق بحزن وهو ينظر لذلك الكوب ولكنه استفاق عندما سمع صوت باب الغرفة يغلق خلفه. التفت للخلف وتفاجأ بوجود ياسين المغربي يقف أمامه بهدوء طاغي.. صامت فقط ولكن كالعادة ملامحه الهادئة الباردة لا تبشر بالخير. ياسين بابتسامة هادئة: على فين يا دكتور؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!