الفصل 19 | من 24 فصل

رواية القاتل الراقي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة بركات

المشاهدات
24
كلمة
3,885
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

إستقرت مريم بأحضان ياسين وهي تبكي بقوة على ما حدث، أما هو كان يربت على رأسها بهدوء. قُتل رجاله آسر ولكن مريم ظلت مختبئة بأحضانه خوفًا مما ستراه إذا خرجت منه. وبعد ثوانٍ قليلة شعرت مريم بأن ياسين يسحبها لتقع معه أرضًا. نظرت له بعدم استيعاب وانتبهت لتلك الدماء التي تسيل من جسده وبالتحديد أسفل ظهره لتتأكد أن الرصاصة التي أطلقها آسر قد أخذها ياسين عنها. مريم ببكاء: ياسين.

نظر لها ياسين وهو يشعر بالألم ولكنه فقد الوعي. حمله رجاله سريعًا ووضعوه بسيارة وهرولت مريم خلفهم، ركبت معه بذات السيارة وأسندت رأسه على ركبتيها وأمسكت بيده بقوة وتبكي بنحيب على ما حدث. تشعر أنها تائهة. تشعر أن الحياة أصبحت مظلمة أكثر مما كانت. مريم ببكاء: ياسين. فتح عينيه مرة أخرى. مريم: ماتسبنيش. رفع إحدى يديه وقام بمسح دموعها المنهمرة ولكنها كانت مستمرة بالبكاء. ياسين بدون وعي: تهون الدنيا كلها قدام دمعة من عيونك.

مريم ببكاء: أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أنقذك. أغمض ياسين مرة أخرى وضغط على يدها برفق وتحدث بجملة واحدة قبل أن يفقد وعيه مرة أخرى. ياسين: أنا واثق فيكي. فقد ياسين وعيه وازداد بكائها أكثر. ضغطت على مكان جرحه لكي تمنع النزيف ولكنه كان شديدًا، يبدو أن هناك عضوًا ما قد أصيب!

بعد مرور عدة دقائق، وصلت سيارة ياسين وخلفها سيارات رجاله. وهنا اقترب المسعفون مهرولين نحو سيارة ياسين وللمفاجأة فقد انتشر الخبر سريعًا، لقد كانت الصحافة أيضًا بانتظار قدومه وبدأوا بتصوير كل شيء. حمله المسعفون على النقالة وتتبعهم مريم مهرولة غير آبهة بملابسها المليئة بدمائه، بل كانت تبكي فقط وهي تنظر إليه هكذا مغمض العينين، لا تذكر كيف أتوا هنا وكيف حدث كل هذا، كانت كالمغيبة ولكن كل ما تذكره أن قلبها كاد يخرج من مكانه لخوفها عليه في تلك اللحظة. تلك اللحظة فقط جعلتها تنسى من هو!

ومنذ ذلك الحين وهي تبكي بكثرة على ما حدث له وتتمنى ألا يتركها الآن، راقبت المسعفون وهم يدخلونه لغرفة العمليات ورأت الممرضات يهرولون نحو الغرفة ومعهم بعض الأطباء، أما طارق فقد كان يراقبهم ولم يحرك ساكنًا وتجاهل خبر أن ياسين المغربي قد أصيب بعيار ناري كما انتشر في الصحف بسرعة. تقابلت نظراته مع مريم التي تبكي ولكنه تجاهلها وتركها. نظرت مريم في إثره ولكنه قررت أن تتبعه. مريم: دكتور طارق. التفت طارق لها باستفسار.

مريم ببكاء ورجاء: بعيدًا عن أي خلاف شخصي بيني وبينك، أنا برجوك إنك تبقى معايا في العملية دي. طارق عاقدًا حاجبيه بغضب: مش هبقى معاكي، أنا آسف بس ما تطلبيش مني أنقذه. نظرت له مريم بعدم فهم ولكنها تجاهلت ذلك وترجته مرة أخرى. مريم: طب أرجوك، التزم بالقسم اللي أنت أقسمته وساعده معايا ده مريض محتاج للإنقاذ. طارق بغضب وتكرار: ما تطلبيش مني أنقذه... سيبيه يموت.

مريم بنفي: ماقدرش أسيبه يموت. أنا محتاجاك تساعدني، محتاجه وجودك عشان ترشدني. الإصابة أسفل الظهر بس من الجنب. أنا خايفة عشان أنا في حالة مش هقدر إني أعمله العملية فيها، خايفة مشاعري تسيطر عليا، خايفة أعمل حاجة غلط في العملية ويحصله حاجة. نظر لها لثوانٍ عديدة وبعدها تحدث. طارق بتنهيدة: إلغي مشاعرك واعملي له العملية إنتي قدها، لكن صدقيني أنا مش هعمله العملية.

هزت رأسها بهدوء ذهبت لغرفة تبديل الملابس. نظر طارق في إثرها متمتمًا بضيق. طارق: هتندمي على كل ده بعدين.

ثم اتجه نحو مكتبه. دخلت غرفة العمليات بعدما قام الأطباء والمرضى بجميع الاستعدادات لبدء العملية. نظرت مريم لجسده النائم باستسلام لمصيره. أغمضت عينيها وهنا هبطت دمعة أخيرة قبل أن يظهر في ملامحها الجدية. انضمت للأطباء الموجودين بالغرفة وبدأوا بتنفيذ العملية. انتشرت الصحافة حول المشفى ولكن ما كان يمنعهم من الدخول رجاله المنتشرين بالمشفى أيضًا. كانت أشرقت تجلس بشرفتها في منزلها بمنتصف الليل تشرب قهوتها وتراقب قطة صديقتها وهي تلعب. أغمضت عينيها عندما لامس شعرها نسمة هواء رائعة ولكنها فتحتهما باتساع عندما سمعت ذلك الخبر الذي يتم إذاعته الآن بالتلفاز. استقامت من مقعدها وخرجت من الشرفة ونظرت لخالتها التي كادت أن تغير القناة ولكنها تحدثت.

أشرقت: سيبي القناة يا خالتو. نظرت لها خالتها باستفسار. أما أشرقت نظرت للتلفاز ورأت مقاطع مصورة لصديقتها التي تبكي وهي تحتضن جسد زوجها. المذيع: لقد تم اغتيال رجل الأعمال ياسين المغربي بعد يومٍ من زفافه الذي كان مفاجأة منه للجميع و... كانت أشرقت ترى الخبر وهي حزينة وخاصة عندما رأت دموع صديقتها المنهمرة. استفاقت عندما أردفت خالتها باستفسار. خالتها: هي مش دي مريم صاحبتك؟

هزت أشرقت رأسها سريعًا وتركت الكوب من يدها وهرولت نحو غرفتها لتقوم بتغيير ثيابها. لا تدري مريم كم مر من الوقت وهي واقفة على قدميها تقوم بإنقاذ حياته هي وباقي الأطباء. يقومون بكل ما يستطيعون فعله لإنقاذه، فقد قاموا بإيقاف النزيف وأزالوا العيار الناري من جسده وكل شيء أصبح بخير ولكن توجد هناك عواقب. فقد تضررت إحدى كليتيه بتلك الرصاصة وكان يجب عليهم إزالتها ولأنها زوجته فقد وافقت لكي تنقذ حياته بقدر الإمكان. وقد قاموا بإزالة كليته اليسرى. بعد مرور وقت طويل، خرجت مريم من غرفة العمليات وقامت بنزع كمامتها الطبية وهي تبكي.

أشرقت: مريم. التفتت لصوت صديقتها التي تناديها، رأتها تقف بنهاية الممر، اقتربت منها أشرقت وهي تفتح لها ذراعيها، استقرت مريم بأحضانها وهنا بدأت بالبكاء بنحيب. وكانت أشرقت تربت على ظهرها. أشرقت: عيطي... عيطي يا مريم. زاد بكائها أكثر وكل ما تتذكره هي أنها كانت سوف تفقده وذلك بسببها هي. لقد ضحى بنفسه لأجل حمايتها. لقد كانت سيئةً معه كثيرًا في الآونة الأخيرة. عماد: مريم.

ابتعدت عن أشرقت عندما سمعت صوت عماد. كان يبكي بسبب ذاك الخبر الذي رآه بالتلفاز. اقتربت منه واحتضنته ليطمئن. ولكنها كانت تحتاج لياسين نفسه لكي يطمئنها هو، فحتى عندما ضحى بنفسه لأجلها كان يربت على كتفها وشعرها لكي تطمئن وهو جريح يحتاج لمن يخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام ولكن ما حدث هو العكس. مريم وهي تنظر في عينيه: هو كويس... ما تقلقش عليه. عماد ببكاء: أنا ماليش غيره يا مريم.

هزت مريم رأسها وهي تبكي واحتضنته مرة أخرى. كان طارق يراقب ما يحدث وتقابلت عينيه مع أشرقت التي تجاهلت وجوده وابتعدت بأنظارها عنه. رحل وتركهم بمفردهم. انتبهت مريم عندما فُتح باب الغرفة وخرجت الممرضات وهن يحركن النقالة التي تحمل جسد ياسين. هرولت خلفهم وتبعتها أشرقت التي أمسكت بكرسي عماد لكي تساعده في التحرك خلفها. وضعته الممرضات بغرفته وبقيت مريم بجانبه ومعها أشرقت وعماد بنفس الغرفة. تنظر لوجهه الهادئ ذو الملامح الخشنة ممسكة بيده. وبعدها نظرت للأجهزة الموصولة بجسده وهبطت الدموع من مقلتيها مرة أخرى.

أشرقت: إنتي مغيرتيش هدومك من بعد ما خرجتي من العملية. انتبهت لما تقوله لها صديقتها ونظرت لملابسها. ابتعدت عن ياسين. مريم: أنا مش معايا لبس، اللي أنا كنت لابساه مليان بدمه. هبطت دمعة من مقلتيها على إثر قولها ذلك. أشرقت بابتسامة: أنا عملت حسابي، تعالي يلا.

هزت رأسها وخرجت من الغرفة وتبعتها أشرقت. أما عماد فكان كل ذاك الوقت ينظر لياسين النائم. لم يعهده هكذا إلا في سنواته الأولى لديهم هو وزوجته الراحلة. كان طفلًا بريئًا سلبت منه الحياة أغلى ما يملك وهو والديه. ولكنه أراد الانتقام وأصر عليه ورآه من حقه. وانتقم لهما وخلَف ذلك الانتقام ميلاد قاتل قتل براءة وتحرك لينتقم من الجميع دون رحمة. قام عماد بمسح دموعه وهو يتذكر كم كان يتمنى أن يصبح ياسين كابنه تمامًا يستطيع الاعتماد عليه في أي شيء ولكنه قام بعصيانه.

عماد: شوفت قد إيه الموت قريب مننا؟ يا ما نصحتك تبعد عن الطريق ده، لكن إنت عندت وأصريت وأديك وصلت للنهاية اللي إنت اخترت بدايتها بإيدك. تنهد بحزن وأمسك بيده يربت عليها. عماد: هتقوم يا ابني، وهنبدأ من تاني وهتكون ياسين اللي أنا كنت بتمنى دايما تكون هو. كانت ترتدي الملابس التي أعطتها إياها صديقتها وبعدما انتهت خرجت من الغرفة وتوجهت نحو أشرقت التي تنتظرها. أشرقت باستفسار: بقيتي أحسن شوية؟ هزت رأسها بإرهاق. أشرقت: بصي...

أنا مش هسألك عن اللي حصل، بس عايزة أعرف الإصابة عملت ضرر ليه؟ حاولت أن تتحكم بدموعها التي ستهبط ولكنها لم تستطع. مريم ببكاء: خسر كليته. أنا عملت كل اللي أقدر عليه بس كنت بتمنى إنه ما يخسرش حاجة، بس كان لازم أنقذه. احتضنتها أشرقت وقامت بالربت على ظهرها وأردفت: أشرقت: المهم إنك عملتي كل اللي عليكي، أنا واثقة فيكي إنتي دكتورة شاطرة وأدرى تمامًا بمصلحة المريض. هزت مريم رأسها بتيه ونعاس.

أشرقت: إنتي ما نمتيش كويس، تعالي ارتاحي. مريم بنفي: لا، لازم أبقى جنب ياسين. أشرقت بابتسامة: أكيد هتكوني جنبه بس إنتي كمان محتاجة تنامي، على الأقل تريحي شوية لإنك مش شايفة قدامك، إحنا خلاص بقينا الصبح. هزت مريم رأسها وذهبت لغرفته لتراه قبل أن تنام. دلفت للغرفة وجدت عماد يمسك بيده يربت عليها. ابتسمت بإرهاق واقتربت منه. مريم: "مش هتحتاج حاجة مني يا عماد؟ أنا هنام شوية."

عماد: "ارتاحي يا مريم، أنا بس كنت عايزة أسألك هو ياسين هيفوق إمتى؟ مريم: "في خلال كام يوم، على ما يكون الجرح لم شوية." عماد رأسه وتحدث بابتسامة: "شكرًا." ابتسمت له بنعاس وبعدها خرجت من الغرفة. مريم باستفسار لأشرقت: "إنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟ أشرقت بتنهيدة: "طالما اطمنت عليكي هروح البيت خلاص." مريم: "طب ما تخليكي معايا؟ أشرقت بضيق: "مش حابة أبقى مع طارق في مكان واحد."

مريم بتوضيح: "ما تحسسنيش إن أنا السبب، أنا بس زعلي الأساسي هو إنك ما قولتيليش حاجة، وطارق خلاص ملوش دخل في اللي حصلي." أشرقت: "ما لهاش علاقة.. أنا وطارق انتهينا خلاص ده إنسان مريض." تنهدت بقوة ثم استأنفت حديثها. أشرقت: "عمومًا ما تشغليش بالك بيا، المهم إنك تكوني كويسة ما تقلقيش عليا، وأنا هبقى أكلمك أطمن عليكي."

هزت مريم رأسها لها واتجهت للغرفة التي ستبقى بها. خرجت أشرقت من المشفى وكادت أن تصعد لسيارتها ولكنه استوقفها. طارق: "أشرقت." التفتت للخلف تنظر له باستفسار. طارق: "إزيك؟ عقدت حاجبيها بضيق من تحدثه إليها. أشرقت: "نعم؟ عايز إيه؟ طارق: "مش عايز حاجة، أنا بس حابب أطمن عليكي." أشرقت: "أنا كويسة." صعدت لسيارتها وقبل أن تتحرك نظرت إليه وتحدثت بتحذير.

أشرقت: "يا ريت لو شوفتني في مكان بعد كده تعمل نفسك مش شايفني لإني مش حابة أتعامل معاك بعد كده." تحركت بسيارتها تاركة إياه ينظر في أثرها.

مرت الأيام وكانت مريم تقوم بمتابعة حالة ياسين الصحية أثناء نومه. كان عماد يجلس دائمًا بجوار ياسين يتحدث معه عن ما سيعيشونه كأب وابن عندما يستيقظ. أما بالنسبة لياسين فقد كان في عالم آخر، عالم يملأه الدفء والطمأنينة قد كان يحلم بوالديه طوال ذلك الوقت. وفي يوم ما، كان براء يجلس مع والديه في حديقة لطيفة تملأها الخضرة وكانت ضحكاتهم تملأ المكان. نظر مصطفى نحو فريدة بحنان وأخبرها بحبه لها ثم عاد ونظر لبراء.

مصطفى: "أنا بحبك أنت كمان." ابتسم براء ببراءة طفولية وتابع نظرات والده لوالدته ولكن اختفت ابتسامته عندما رأى الدماء التي تسيل من رقبتها وتبكي ونظر لوالده وجد الدماء منتشرة بملابسه ويفقد أنفاسه. مصطفى بصوت متقطع: "اوعدني.. إنك تعمل.. اللي أنا معرفتش أعمله." براء ببكاء: "أوعدك يا بابا." نظر مصطفى نحو فريدة الملقاة أرضًا وبكى بنحيب. مصطفى: "سامحيني يا فريدة."

استيقظ ياسين وهو يتصبب عرقًا ونظر حوله، وجد نفسه في غرفة بيضاء. استقام بألم من فراشه ونزع الأجهزة الطبية عن جسده بألم قد شعر به في جانبه الأيسر وقف أرضًا بصعوبة متكئًا على قدم واحدة، انتبه عندما فتح باب الغرفة وكانت مريم. شهقت مريم عندما رأته مستيقظًا أمامها. اقتربت منه ونظرت له بلهفة أما هو كان ينظر لها بهدوء ولكن ملامح الألم تغزو وجهه. اقتربت منه وعندما تأكدت بأنها لا تحلم أسندت برأسها على صدره قليلًا ثم رفعت رأسها لتنظر في عينيه الباردتين اللتين اشتاقت إليهما. هبطت الدموع من مقلتيها وتحدثت بابتسامة مهزوزة.

مريم: "حمد الله على سلامتك." هز ياسين رأسه وكاد أن يتحرك. مريم باستفسار: "رايح فين؟ صمت قليلًا ثم تحدث بهدوء اعتادته منه دائمًا. ياسين: "عايز أمشي من هنا." مريم: "بس أنت لسه ما خفيتش، محتاج ترتاح شوية وتاخد مسكنات و... ياسين مقاطعًا لها بهدوء: "من غير كلام كتير يا دكتورة.. يلا نمشي." مريم: "طب اسند عليا."

نظر لها قليلًا ثم تنهد باستسلام واستند عليها وخرجا من الغرفة. تأهب رجاله عندما رأوه مستيقظًا ويخرج من المشفى. جهزوا سيارته للتحرك جلس ياسين بالسيارة وجلست هي بجانبه تنظر إليه بابتسامة هادئة، تترقب حركاته وردات فعله. تعلم أنه يشعر بالألم لكنه عنيد وبارد أيضًا. انتبهت عندما سألها. ياسين باستفسار: "عماد فين؟ مريم: "في القصر، كان تعبان الفترة دي وبيريح هناك.. تعرف هو فضل جنبك ما مشيش." هز رأسه ونظر أمامه بهدوء.

مريم: "ياسين." نظر لها باستفسار. مريم بابتسامة: "أنا مبسوطة إنك كويس، ما كنتش هسامح نفسي لو حصلك حاجة بسببي." ياسين بهدوء: "أنتِ زوجتي ومن الواجب إني أحميكي." لقد اشتاقت كثيرًا لسماع تلك الكلمة.. "زوجتي".. تشعر أنه قد غاب عنها أشهر وليس ليالٍ. سعيدة كثيرًا لأنه أصبح جيدًا الآن.

بعد مرور فترة قصيرة، وصلا القصر سويًا وهبطا من السيارة. كان ينتظره أحد الحرس ممسكًا عكازًا خشبيًا لكي يستند عليه. أخذه ياسين منه ودخل القصر به، تابعته مريم بهدوء تراقب حركاته وتنتبه لها. إنه بخير فقط هو يحتاج لبعض المسكنات حتى يصبح بخير تمامًا. كان يصعد سلم القصر بعكازه بهدوء محاولًا السيطرة على الألم الذي يشعر به. انتبه عندما توقفت بجانبه. مريم بابتسامة: "تسمح لي أسندك لحد فوق؟ ياسين: "أنا كويس."

مريم: "يا ريت تبقى كويس دايمًا، بس أنا حابة أساعدك عشان تعرف تطلع." ياسين: "الأفضل إني أخلي حد من رجالتي يساعدوني.. جسمك ضعيف." مريم بإصرار: "ما فيش حد هيسندك غيري." تنهد ثم هز رأسه وقامت بمساندته من الجهة اليسرى. قام بلف ذراعه اليسرى حتى أمسك بكتفها وبدأ يستند عليها. ياسين باستفسار: "إيه اللي حصل في جنبي الشمال؟ مريم بتنهيدة: "لما الرصاصة دخلت جسمي انحرفت شوية، بس أنا عملت كل اللي أقدر عليه."

ياسين: "إيه اللي أنا خسرته؟ صعدا درجة أخرى وأردفت بحزن. مريم: "كليتك الشمال." همهم وصعدا درجة أخرى أيضًا. مريم مستأنفة حديثها: "سبب إنك مش عارف تمشي على رجلك الشمال هو وجع جنبك اللي مخلي الجزء الشمال كله موجوع بسببه.. بس ما تقلقش كلها كام يوم وهتبقى كويس وهتمشي على رجليك الاثنين كمان."

ابتسم بهدوء وأكملا صعود الدرج سويًا وهي تتذكر أنه منذ أيام كان يساعدها في صعود الدرج والآن هي من تفعل ذلك. لم تكن تعتقد أنها ستكون سعيدة هكذا وهي معه. تتذكر كيف كان يهذي في الأيام الماضية أثناء نومه. كيف كان ينادي أبيه. كم كان يرجوه أن يبقى معه. ألهذه الدرجة يحب عماد كثيرًا؟ إذًا لماذا يقسو عليه؟ لما يريه دائمًا جانبه السيئ؟

صعدا أدراج القصر حتى وصلا للطابق الخاص بهما، ابتعد ياسين عنها وأكمل بعكازه وتبعته. دخلا لغرفتهما وأغلقت مريم باب الغرفة خلفهما. جلس ياسين بفراشه وأخذت مريم العكاز من يده ووضعته بجانب السرير. مريم: "أنا بعت حد من الشباب يجيبلك علاجك، لازم تستمر عليه عشان تخف." هز رأسه. تعجب عندما وضعت يديها الاثنتين على صدره تدفعه للخلف بهدوء. مريم بابتسامة: "نام شوية عشان ترتاح." ياسين: "مش محتاج أرتاح." مريم: "على الأقل نام شوية."

استسلم لإصرارها واستلقى بجسده على الفراش وظل ينظر بعينيها التي تنظر له بالمقابل. مريم: "لما الأدوية تيجي هصحيك." أغمض عينيه وبدأ بالنوم. أما هي تنهدت وخرجت من الغرفة لكي تخبر الخادمات بتجهيز العشاء لهما.

مرت الأيام وبدأ ياسين بالتحسن وذلك متابعة زوجته لحالته باستمرار. حتى مر شهر على ذاك الحادث. كان يرتدي حلة سوداء راقية ويجلس بمكتبه بالشركة يكتب خطابًا مبتسمًا بهدوء فذلك الخطاب ليس لأي أحد بل لها فقط. بعد الانتهاء قام بالإمضاء في نهاية الخطاب "زوجك العزيز". طوى الورقة وقدمها لأحد رجاله لإرسالها للقصر. كان عماد يتحدث إليها ويتضح على ملامحه الضيق. عماد: "كنت متوقع إنه هيتغير لكن هو زي ما هو."

مريم باستفسار وتعجب: "زي ما هو إزاي؟ هو رجع للقتل؟! عماد بضيق: "لا.. بس لسه بيعاملني بنفس معاملته، ما يستحقش زعلي عليه أبدًا." أمسكت بيده تربت عليها. مريم: "ما تزعلش يا عماد، ياسين بيحبك قوي أنا لما كنت جنبه في المستشفى كنت بسمعه بيناديلك إنك ما تسيبهوش." انتبه لها ونظر لها باستفسار. استأنفت حديثها. مريم: "كان بيقول ما تسيبنيش لوحدي يا بابا." تهكم عماد بقهر، فهو يعلم تمام المعرفة أنه لم ولن يكون أبًا لياسين مطلقًا.

عماد: "مش أنا." نظرت له بعدم فهم. عماد: "ياسين مش ابني، ما كانش بيناديلي أنا، كان بينادي لأبوه اللي خلفه." تعجبت مريم من حديثه ذاك. مريم: "أنت بتقول إيه؟ إزاي مش ابنك؟ أنا مش فاهمة حاجة.. مش أنت بتقول إنه يبقى ابنك؟ عماد بحزن: "أنا مش أبوه الحقيقي.. والده الحقيقي اتقتل هو ومامته *نظر لها*.. قدام عينيه وهو صغير، وأنا أخدته من ميتم وكفلته."

شهقت مريم بفزع وهلع مما يمكن أن يكون قد رآه ذاك الطفل الصغير. هكذا إذًا.. هو بارد لا توجد لديه مشاعر.. هكذا إذًا! تبين لها كل شيء الآن. لقد ماتت مشاعره منذ ذاك الحين. عماد: "كان نفسي يعاملني زي أبوه." انتبهت مريم لحزنه وربتت على يده. هبطت الدموع من مقلتيه وتحدث بعجز.

عماد: "أنا بعتبره ابني فعلًا.. مش عايزك تتخدعي بقسوتي المزيفة اللي بعامله بيها دي.. أنا بحب ياسين.. ياسين ابني، بس هو مش مديلي فرصة.. ياسين عايش على ذكرى باباه ومامته طول حياته اللي أنا مش موجود فيها نهائيًا." دمعت عينيها وتحدثت بتصميم. مريم: "فلنفرض طيب إنه مش بيعتبرك باباه.." ليه دايمًا أنت الشخص الأول اللي ياسين بيسأل عنه في أي مكان؟ ليه أنت الشخص الأول اللي ياسين بينتبه له وبياخد باله منه؟ ليه هو مهتم بيك؟

عماد: معرفش. مريم بإصرار: لا لازم تعرف، حتى لو هو مش بيبين لك إنك باباه، فعلى الأقل أنت الشخص اللي ربيته ودخلته بيتك يا عماد. كنت دايمًا بتحكيلي عن طيبة مراتك الله يرحمها، أكيد ياسين لمس منها حنان مش طبيعي، أكيد شاف فيك أنت كمان أب مسئول. بس زي ما أنت قولت فعلًا، هو عايش على ذكرى باباه ومامته. أكمل عماد عنها باستيعاب: فمش حابب يأذيني. تحولت نظراتها للاستفسار. مريم: طب هو ليه مش عايز يأذيك؟

أنا كده حاسة إني تايهة ومش فاهمة حاجة. عماد بتنهيدة وتوضيح: ياسين دخل في طريق القتلة والمجرمين ده عشان ينتقم من اللي قتل باباه ومامته، جمال. قتله فعلًا ومن بعدها... نظر لها حزن. عماد: حالته بقت وحشة وبقى بيشوف جمال ده في كل مجرم. مريم باستفسار وعدم استيعاب: هو إيه بالضبط اللي حصل لباباه ومامته؟ بدأ عماد في سرد الحادث الخاص بوالديه على حسب القصة التي رواها براء لألفت زوجة عماد والتي قصتها عليه فيما بعد.

كانت مريم تبكي عندما سمعت قصته، لقد كانت قصة مؤلمة جدًا. مريم ببكاء: أنا مش عارفة أقول إيه، بجد. أنا مش عارفة هو إزاي متماسك كده؟ أنا لو مكانه هنهار، هو إزاي بالقوة دي دلوقتي؟ عماد: دي قصته يا مريم. من بعدها ياسين دخل ملجأ واتعرض للعنف النفسي والجسدي هناك. كان بيتضرب والكل بيتنمر عليه، كانوا ظالمينه. هو بس كان خايف، كان عايز حد يطمنه، بس للأسف ما حدش عمل كده.

مريم ببكاء: أنت عارف إن بالمنظر ده كده ياسين يبقى مريض نفسي ومحتاج يتعالج، لإنه في كل مرة بنسيبه حالته بتسوء أكتر. عماد: أنا ياما اتحايلت عليه إني أعرضه على دكتور نفسي لكنه رفض وكان عنيد جدًا معايا وخلاص سيبته لحاله وطردته من البيت. مريم: وأنت ليه ما أصرتش؟ ليه ما أخدتوش غصب عنه؟ عماد: إنتي ليه بتتكلمي معايا كده؟ مريم ببكاء: عشان أنت كملت عليه يا عماد، أنت ما أخدتش بإيده أنت كملت عليه.

عماد: ما تلومينيش يا مريم، أنا كنت خايف على مراتي وعلى نفسي منه. مريم باستفسار وتعجب: يعني عاش حوالي 11 سنة في بيتك وأنت ربيته بإيدك وخوفت على نفسك منه بعد كده؟! طب مراتك؟ كانت مؤيدة لرأيك ده؟ عماد باستسلام: لا، مراتي كانت على استعداد تعيش مع قاتل في بيت واحد، كانت شايفاه ابنها ما كانتش شايفه وحش قدامها. مريم ببكاء: غريزة الأمومة، مهما الابن عمل، الأم بتسامح في النهاية وبتتعايش.

نظر لها عماد باستفسار وكاد أن يتحدث، قاطع حديثه صوت طرقات على باب غرفته. دلفت إحدى الخادمات للغرفة بابتسامة وأعطت ورقة مطوية لمريم ثم خرجت من الغرفة. مسحت دموعها المنهمرة وقامت بفتح الورقة وبدأت بقرائتها.

"زوجتي العزيزة، لقد كنتِ خير الرفيق لي في الآونة الأخيرة، إذ أنكِ كنتِ تراعينني ولم تُقصري معي مطلقًا. وها أنا اليوم أريدُ أن أشكُرَكِ على عونكِ لي، اسمحي لي بدعوتك على العشاء بمكانٍ هادئٍ، لعلنا نحن الاثنين ننعم ببعض الهدوء والراحة ونتحدث سويًا عن مستقبلنا قليلًا، سيعطونكِ خبرًا بالقصر قبل التحرك. زوجكِ العزيز." ابتسمت من خطابه ذاك ونظرت لعماد الذي ينظر لها باستفسار. مريم باستفسار: أنت قولتلي باباه كان عامل إزاي؟

عماد: كل اللي أعرفه إن باباه كان شخص راقي جدًا من عيلة كبيرة تابعة للملك فاروق. اتسعت ابتسامتها ونظرت للخطاب الذي بيدها مرة أخرى. مريم: أنا قرأت في علم النفس كتير، بس أول مرة ألاقي واحد توكسيك بالجمال ده. قهقهت مريم وتابعها عماد بالضحك وبعد أن انتهى الاثنين من الضحك، استقامت مريم وتحدثت بابتسامة. مريم: طب أستأذن أنا عشان ورايا ميعاد مع الملك.

هز عماد رأسه بابتسامة وخرجت من الغرفة. دلفت لغرفتها وتوجهت لخزانة ملابسها تبحث عن شيءٍ ما يناسب الليلة. بعد مرور وقت ليس بطويل، كانت تجلس بالسيارة مرتديةً فستانًا باللون الأزرق وتركت شعرها الأسود المموج منسابًا على طول ظهرها. توقفت السيارة بأحد الأماكن وقام بفتح الباب أحد رجال ياسين. هبطت من السيارة بهدوء وبدأت بالبحث عنه بعينيها، أشار لها الحارس لمكانه. دلفت للمطعم الذي ينتظرها به ياسين. نظرت حولها ووجدت أن المكان

مُزين بشكل رائع لها، والشموع تملأ المكان. انتبهت لياسين الجالس على الطاولة التي بالمنتصف بمعنى أدق الطاولة الوحيدة بالمكان. استقام من مقعده عندما تقابلت نظراتهما، اقترب منها ومد يده لها. أمسكت بيده وهو قبل يدها بنعومة وجعلها تجلس بكرسي وجلس أمامها.

ياسين بابتسامة هادئة: جيتي في وقتك. مريم بابتسامة: أنا دايمًا باجي في وقتي. أشار ياسين للعاملين بالمطعم، واقتربوا منهم ووضعوا العشاء بالطاولة. ياسين: اتفضلي. هزت رأسها وبدآ بتناول الطعام. وبعد مرور وقت قصير كانا يجلسان أمام كُلٍ منهما كوب العصير الخاص به. ياسين: أنا سعيد جدًا إنك قبلتي دعوتي على العشاء. مريم بتهكم واضح: كنت هبقى زوجة سيئة لو رفضت دعوتك طبعًا.

ابتسم ياسين لدعابتها تلك وأخذ رشفة من عصيره ثم عاد ينظر إليها. ياسين: أنا جبتك النهاردة هنا عشان عارف إنك عندك كلام كتير ليا عايزة تقوليه وأنا كمان عندي كلام ليكي. تنهد ثم استأنف بهدوء. ياسين: شكرًا إنك كنتي معايا. مريم بابتسامة: العفو، بس ما تتعودش على كده. تعجب ياسين من حديثها. مريم بتوضيح: بهزر على فكرة. همهم منتظرًا أن تتحدث هي، أما هي تنهدت بهدوء ونظرت إليه لعدة ثوانٍ وبدأت بالتحدث.

مريم: أنا مش هنكر إني لما عرفت حقيقتك كنت خايفة جدًا وكل حاجة جوايا ناحيتك خبيتها واعتبرتك قاتل بمعنى أصح مجرم. بس لما أنت أنقذتني وكنت هتضحي بحياتك عشاني ده خلى تفكيري ناحيتك يتغير. خلاني أفتكر لك كل حاجة من تاني، خلاني أفتكر إنك أنت مُنقذي، إنك عمرك ما هتسيبني. خلاني أفكر إن جواك شخص كويس، شخص محتاج اللي ينقذه. قررت أنا أبقى الشخص ده وهتحمل أي عواقب، أنا بحبك يا ياسين وهفضل جنبك مش هسيبك، أنت خلاص بطلت تقتل وأنا هكمل معاك في الخطوات الجاية.

كان ياسين ينظر لها بهدوء ثم تحدث باستفسار. ياسين: مين قال إني بطلت أقتل؟ تعجبت مريم من استفساره. مريم: مش فاهمة. ياسين بِرُقيّ: السؤال هنا يا زوجتي العزيزة إنتي شايفاني إزاي؟ مريم: ياسين. ياسين: نعم؟ مريم: أرجوك ما تحاولش تهدم الصورة اللي فضلت أصلح فيها في الفترة الأخيرة. ياسين: تقبلي الواقع. ابتسم بهدوء. ياسين: أنا قاتل.

كانت تتمنى أن تنسى ولو قليلًا أنه قاتل. لكن مع الأسف لن تستطيع فعل ذلك فمن الواضح أنه يريدها أن تتقبله كما هو. انتبهت للموسيقى الهادئة التي انتشرت بالمطعم. استقام ياسين من مقعده ومد يده لها. ياسين بِرُقيّ: تسمحيلي بالرقصة دي؟

نظرت ليده لعدة ثوانٍ ولكنها بالنهاية أعطته يدها. استقامت من مقعدها ووقفت أمامه، لف يده حول خصرها وأمسك يدها بيده الأخرى. بدآ بالرقص سويًا وهما ينظران في أعين بعضهما رقصة هادئة وناعمة يتحركان فيها بسلاسة وهدوء. ظلا هكذا يتراقصان في هدوء حتى بعدما انتهت الموسيقى وعم الهدوء في المكان ولكنهما ما زالا يتراقصان. يرى بأعينها الكثير، يرى أنها تريد أن تتحدث بما تشعر به الآن. يريد أن يسمع تلك الكلمة منها منذ أن تزوجا. ياسين

وهو ينظر بداخل عينيها: قوليها. ظلت صامتة لعدة ثوانٍ تستجمع مشاعرها ولكنها لا تستطيع فهي تائهة بعينيه. مريم: أنا بحبك يا ياسين.

أغمض ياسين عينيه كأنما سمع لحنٍ موسيقيٍ عذب. أعاد فتح عينيه وتوقف واقترب بوجهه نحوها والتقط شفتيها بقبلةٍ لطيفةٍ ناعمةٍ. ذابت بين أحضانه وما يدور بعقلها هو أنها بتحدٍ قوي، إما أن تفوز وتقوم بمعالجة زوجها أو تنهزم لواقع أنه قاتل، ولكنها ستقبل التحدي وستساعده. تفرقت شفتيهما ولكنهما ظلا قريبين. نظراتها المستسلمة له جعلته يقترب منها مرة أخرى ليلتقط شفتيها بشغف. وبعد عدة ثوانٍ ابتعد وأمسك بيدها ليجعلها تسير خلفه، ركبا السيارة سويًا وتحرك بهما السائق نحو القصر. بعد عدة دقائق، دخل بها الغرفة وهو يحملها بين يديه يقبلها بشغفٍ وضعها بالفراش وهي بين يديه. استسلمت له وهنا أصبحت زوجته قولًا وفعلًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...