"يتألم قلبي وتتعذب روحي، ولكني أصمد كي لا يرى الجميع ضعفي." تبكي بنحيب عالٍ، فقد صُدمت في من كان دعمًا كبيرًا لها، صُدمت في من اختارته زوجًا مناسبًا لها. صدمة قوية آلمت قلبها وجعلت الكُره يملأها نحوه. يقف عند باب الغرفة ينظر إليها هي وعماد الذي يربت على ظهرها ويقوم بتهدئتها، ولكن نحيبها يزداد أكثر. ظل واقفًا يراقبهما بهدوء ثم أغلق باب الغرفة وذهب، والاثنان لم يسمعا صوت إغلاق الباب بسبب نحيبها العالي. أما هي
بدأت تتحدث بشهقات عالية: مريم بصوت متقطع: أنا... حـ... حبيته، إزاي... يطلع كده؟! أنا إتحديت... نفسي... عشانه. عماد بحزن وهو ينظر داخل عينيها: ما فيش حد يستاهل دموعك دي، عيشي لنفسك يا مريم. هو ما يستاهلكيش. بصي لحياتك ومستقبلك وكملي. ما تخليش حاجة توقفك. نظرت له وهي تبكي تفكر بكلامه، وقامت بهز رأسها توافقه على كلامه. ...........................
يقف أمام تلك الغرفة يتابع الفتى بأعين هادئة، ينظر لمؤشراته الحيوية والتي تشير إلى استقرار أنظمته الحيوية. ظل واقفًا لدقائق قليلة ثم تحرك من أمام الغرفة متجهًا نحو مكتبه. ........................... يجلس على مكتبه ممسكًا رأسه بين يديه حزينًا على ما قاله لها. كيف يفعل بها ذلك؟!
فهو على علم جيد بأن خاله سيفعل المستحيل لأذيتها. يعلم خاله تمام المعرفة. يعلم الشر الذي بداخله جيدًا. حتى هو لن يستطيع أن يقف أمامه. أغمض عينيه بحزن وخيبة أمل على عجزه في التصرف في ذلك الأمر. غضب كثيرًا من نفسه يتمنى لو كان يستطيع أن يتحدى خاله ولكنه لن يستطيع. استقام من كرسيه بحزن كبير ثم خرج من مكتبه متجهًا نحو خارج المشفى ينوي الاختفاء لفترة. ...........................
لا تعلم كم ظلت تبكي في غرفة عماد وكم ظل عماد يقوم بتهدئتها، لكنها ممتنة لوجوده في حياتها، ممتنة لتفهمه لها وأنه في تلك اللحظة لم يُشعرها أنها وحيدة. تجلس على كرسي بجانب سرير عماد تنظر للشرفة بشرود وعيناها متورمة من البكاء. كان عماد نائمًا على سريره ينظر إليها حزينًا على ما تمر به، فهو يحبها كثيرًا ولا يريد أن يراها في حالة مثل تلك. يجب أن تذهب للمنزل لترتاح قليلًا. عماد: مريم.
نظرت إليه باستفسار بأعين ذابلة عندما قام بمناداتها. عماد بابتسامة هادئة: روحي البيت. إنتِ محتاجة ترتاحي. إنتِ هنا من إمبارح، على الأقل تغيري جو شوية. هزت مريم رأسها بضعف ثم استقامت من مكانها وتوجهت نحو خارج الغرفة، فهي تحتاج للراحة فعلًا. ...........................
يخرج من المشفى ببرود متجهًا نحو سيارته والذي قام بفتح بابها له أحد الحراس. ركب السيارة وكادت أن تتحرك السيارة والسيارات الأخرى. أشار بيده للسائق بالتوقف عندما رأى مريم تخرج من المشفى بأعين ذابلة. تمشي دون وجهة محددة حاملة حقيبة ظهرها. تحركت في طريق المشفى حتى وصلت للطريق الخارجي. توقفت تنتظر إحدى وسائل مواصلات النقل العام لكي يقلها إلى المكان الذي تعيش به. أما ياسين فقد أمر سائقه بالتحرك. بمرور الوقت، نزلت من وسيلة النقل وقبل أن تتحرك في اتجاه بيتها تذكرت أمرًا هامًا، وهو أن تدفع إيجار غرفتها. تأففت لأنها لم تحصل على راتبها، لأن اليوم ليس موعد نزول الراتب. ثم اتسعت عيناها باستيعاب كأنها نسيت أمرًا هامًا.
مريم بتذكر: المعاش!!! إزاي أنساه. ظلت تلوم نفسها على ذلك النسيان ونظرت إلى تاريخ اليوم. مريم بتفكير: أكيد زمان المعاشات نزلت. هروح أشوف. تحركت في اتجاه يعكس اتجاه منزلها وبعد عدة دقائق من المشي وقفت أمام ماكينة الـ ATM لتقوم بتجربة سحب المال، ابتسمت بسعادة عندما وجدت المال. مريم بارتياح: الحمد لله، يا دوب الفلوس تكفي إني أدفع الإيجار وأشوف هحتاج إيه اليومين دول.
أخذت مالها واتجهت في طريق المنزل. وبعد عدة دقائق دخلت المبنى القديم المهترئ توجهت نحو السطح أولًا لكي تضع حقيبتها في غرفتها ثم تعود لميرفت لتدفع لها الإيجار. وقفت أمام باب الغرفة تحاول فتحها، ولكنها تعجبت أن المفتاح لا يفتح الباب. حاولت مرة واثنتين وأكثر من ذلك ولكن المفتاح به مشكلة ما؟! كادت أن تتحرك وتهبط لتسأل ميرفت ما الخطب؟!
ولكنها تفاجأت بمن يفتح باب غرفتها من الداخل. صدمت مما رأت. شاب في أواخر العشرينات ولكن يبدو من هيئته الغريبة أنه أربعيني. يرتدي فانلة مُقطعة تظهر بعضًا من جسده ويرتدي بنطال بيجامة مهترئ. استفاقت عندما تحدث بتثاؤب وهو يحك جسده. الشاب: نعم يا أبلة؟ في حاجة؟ امتقعت ملامح مريم بالاشمئزاز وتحدثت ببعض العصبية. مريم: إنت مين؟! وبتعمل إيه في أوضتي؟! الشاب بتعجب: أوضتك منين يا أبلة؟ دي أوضتي أنا. مريم بغضب: نعم؟!
وأوضتك من إمتى بقى إن شاء الله؟! الشاب بتعجب لغضبها: لسه مأجرها إمبارح من مدام ميرفت. اتقدت نيران الغضب الحارقة بداخل مريم لم تشعر بنفسها سوى وهي تهبط لشقة ميرفت وقامت بطرق بابها طرقات عالية مسموعة في المبنى بأكمله. مريم بغضب: إنتِ يا وليه يا اللي اسمك ميرفت. ظلت تطرق طرقات متعددة على بابها بقوة، حتى قامت ميرفت بفتح الباب بعصبية. ميرفت بعصبية: نعم في إيه؟!
ولكن ميرفت هدأت وتحدثت بسخرية وهي تمضغ علكتها عندما رأت مريم أمامها. ميرفت: ست الدكتورة؟! أهلًا وسهلًا، أؤمري؟ مريم محاولة كتم غضبها: مين اللي فوق ده؟! ميرفت بتمثيل عدم الفهم: مين لمؤاخذة؟! مريم بغضب: مين الكائن اللي قاعد في أوضتي ده؟! ودخل أوضتي إزاي؟! أطلقت ضحكة رقيعة وتحدثت بمياعة. ميرفت: أوضتك؟! ما كانش ينعز يا عينيا. مريم بغضب: يعني إيه؟! ميرفت بجدية رافعة
حاجبيها متحدثة بعنجهية: يعني يا ست الدكتورة ملكيش مطرح عندي. دخلت ميرفت شقتها تاركة الباب مفتوحًا. لم تستوعب مريم ما تمر به كيف؟! كيف وهي تحمل إيجارها وتتلهف للراحة في غرفتها قليلًا حتى تنسى ما عاشته اليوم. كيف يحدث ذلك معها؟! استفاقت عندما عادت ميرفت رامية حقيبة ملابسها أرضًا. ميرفت بصوت حاد: يلا بره بيتي من غير مطرود.
أغلقت الباب بوجهها بقوة وظلت مريم يابسة بمكانها لا تتحرك. نظرت لحقيبة ملابسها ثم نظرت لجيرانها الذين ينظرون لها بشفقة ومنهن من تجذب خلفها زوجها الذي ينظر لمريم بنظرات مقززة. اقشعر جسد مريم ثم عادت للنظر لحقيبتها مرة أخرى. لا تدري هل تبكي على ألم قلبها أم تبكي على أنها أصبحت بدون منزلٍ الآن. وفي ذات الوقت هناك شيء يجعل مشاعر الغضب والانتقام تنمو بداخلها أكثر. أغمضت عينيها بقوة تحاول منع دموعها من الخروج. تحاول أن تصبح
قوية وتُكمل طريقها. فتحت عينيها بقوة حاملة حقيبتها وهبطت من سلالم المبنى متجهة نحو وجهة معينة بغضب شديد فليس ذلك وقت البكاء على الأطلال. بعد دقائق من المشي كانت تقف أمام مبنى المباحث. أخذت نفسًا عميقًا ودخلت المبنى. تقف أمام مكتب ضابط النيابة.
الضابط: جايه في إيه حضرتك؟ مريم محاولة أن تكون هادئة: أنا جايه أقدم بلاغ. الضابط: في مين؟ وإيه التهمة؟ مريم بهدوء: في ميرفت محمود عباس. الضابط: عملت إيه؟ مريم: طردتني من الأوضة اللي كنت مأجراها منها. نظر الضابط لها بنصف عين ثم عاد للكتابة مرة أخرى. الضابط: والسبب؟ مريم: اتأخرت في دفع الإيجار. نظر لها مرة أخرى عاقدًا حاجبيه متحدثًا باستفهام: كان في إخطار إنها هتمشيكي لو ما دفعتيش؟
وهنا في تلك اللحظة فقط، شعرت مريم بأن القانون لن يقف في صفها. ولكنها حاولت أن تتحدث على أمل طفيف بداخلها لعل العدالة تأخذ مجراها. مريم بهدوء: أيوه. طرق الضابط على مكتبه متحدثًا بعصبية: إحنا جايين نهزر؟! أومال فين التهمة؟! مريم بصدمة من عصبيته: هي دي التهمة، إنها طردتني بدون علمي وجابت مستأجر مكاني. الضابط: ما طردتكش بدون علمك هي بلغتك بدفع الإيجار وإنتِ ما دفعتيش. حقها طبعًا تمشيكي. مريم محاولة التحكم في رعشتها
بسبب رغبتها بالبكاء: بس ده ظُلم، كانت ممكن تديني فرصة تانية عشان أنا بنت و... الضابط بغضب مقاطعًا لها: هو إنتِ جايه تحكي قصتك هنا؟! يلا يا ماما إمشي من وشي إحنا مش فاضيين للحكاوي دي. مريم: بس... طرق بيديه بقوة على مكتبه مما جعلها تنتفض في مكانها. الضابط بتحذير: كلمة كمان وهبيتِّك في التخشيبة.
نظرت مريم للأرض بحسرة حاملة حقيبتها وخرجت من المبنى. تحركت دون وجهة معينة. تحركت بقلب يملؤه الحسرة لا تدري ما وجهتها وأين ستبيت اليوم. ليس لها منزل. ليس لها أحد. جلست على كرسي قريب من محطة مواصلات النقل العام وفي لحظة جلوسها بعيدًا عن الأعين، بكت بكاءً شديدًا على ما وقعت به. بكت على ألم قلبها وعلى حياتها. بكت بنحيب. وضعت يدها على مكان قلبها ناظرة للسماء وهي تبكي بقهرٍ مما تراه. ظلت هكذا تجلس بالشارع تحاول إخفاء بكائها عن الجميع ولكن بعض المارة كانوا ينظرون لها والبعض الآخر يسأل عن حالها ولكنها تجاهلت وجودهم ولم ترد حتى يأس الجميع منها.
........................... في شركة المغربي: يجلس برقي في مكتبه الخشبي العريق الواسع والذي يُظهر من ديكوره الخاص أنه ليس ديكور هذا الزمن بل ديكور تراثي راقٍ.
يعمل على اللابتوب الخاص به ويضغط على بعض الأزرار ويقوم بمراجعة بعض الأشياء. ظل منتبهًا لعمله ولما يفعل، ولكنه تشتت عندما جاءته رسالة على هاتفه من أحد رجاله. قام بفتح الرسالة وتعجب عندما رأى صورة خاصة بتلك الطبيبة وهي تبكي في ظلام الشارع، تنظر إلى السماء بألم واضعة يدها على موضع قلبها وبجانبها حقيبة ملابسها. نظر ياسين لصورتها بصمت. لا يدري لماذا انتابه الفضول نحوها، ولكنه أراد أن يتأكد من هويتها. وبالفعل قد تأكد من ذلك ولم يُخِب ظنه. التقط هاتفه وقام بالتواصل مع مدير عام المشفى والذي كان متغيبًا اليوم.
مرتضى بانتباه: نعم يا ياسين بيه؟ ياسين بهدوء: الدكتورة "مريم أحمد سعيد هنداوي" هتكون شيفت كامل من دلوقتي. تعجب مرتضى من معرفته باسم تلك الطبيبة والتي لا يجب أن يعلم بها أحد مثل ياسين المغربي؛ لأنها نكرة بالنسبة لهم جميعًا. ثم منذ متى وياسين المغربي يتدخل بأمور المشفى؟!
إنه نادرًا ما يقوم بزيارة المشفى. لم ينتظر ياسين ردًا من مرتضى الذي تاه في تعجبه منه وأغلق المكالمة، ثم أكمل عمله كأن شيئًا لم يكن. استفاق مرتضى من تعجبه وقام بالتواصل مع المشفى ليقوموا بدورهم بالتواصل مع مريم. فأوامر ياسين كالسيف يجب أن تُنفذ.
تبكي بكاءً شديدًا ولا تدري أو تعلم أين تذهب. ضاقت بها الحياة وأملها بالحياة اختفى. في الحقيقة شعرت أنها فعلًا يتيمة على الرغم من أنها تحاول دفن ذلك الشعور بداخلها منذ زمن. ولكنها الحقيقة، هي يتيمة ليس لها أحد. تضع يديها على وجهها تجهش بالبكاء على ما تشعر به. قد خذلها من أحبته كما خذلها العالم بأكمله. لم يتبق لها أحد. لا عائلة ولا منزل ولا حبيب ولا أي شيء. لا تعلم لماذا هي حية حتى الآن. تتمنى لو أنها ميتة في ذلك الحادث الذي مرت به منذ صغرها ولا تعيش كل ما مرت به. يكفي تراهات مريم. فذلك الفارس المغوار لن يأتي، لستِ طفلة صغيرة بعد الآن. لم تعودي بالعاشرة من العمر. لا يوجد بطلٌ خارق ينقذك من أي ورطة تقعين بها. كفى يا غبية. كفى!
استفاقت من شرودها وبكائها على صوت هاتفها الذي يعلن عن اتصال هاتفي. نظرت لشاشة الهاتف ووجدته رقم المشفى. حاولت أن تهدأ قليلًا لتقوم بالرد. مريم بصوت حاولت جعله طبيعيًا: ألو. المتحدث: دكتورة مريم، هنحتاج حضرتك تكوني شيفت كامل من دلوقتي. هتعرفي تيجي؟ لم تستوعب ما قد قيل الآن. هل هذا يُعقل؟! أم أنها تحلم؟! مريم: شيفت كامل؟! المتحدث: أيوه كامل، وبنجهز حاليًا أوضة لحضرتك عشان تكوني على راحتك. تعجبت أكثر من ذلك القرار.
مريم بعدم استيعاب: حاضر، أنا جايه في الطريق.
أغلقت مريم المكالمة الهاتفية مع من تحدثت إليها من استعلامات المشفى. وبسبب دهشتها نسيت أن تسأل عن من أصدر ذلك القرار. ابتسمت وضمت الهاتف بقوة ونظرت للسماء حامدة الله على ذلك. مسحت دموعها بقوة واستعادت أملها بالحياة وابتسامتها على الرغم من ألم قلبها الذي لن يُشفى. تنهدت بارتياح واستقامت من المقعد الذي كانت تجلس به حاملة حقيبة ملابسها وحقيبتها الخلفية، وركبت إحدى وسائل النقل العام الذاهبة في طريق المشفى. في فيلا هشام:
دخل الفيلا بغضب وتقابلت عينيه مع والدته التي يبدو من الواضح أنها قلقة عليه. بلقيس: كنت فين كل ده يا هشام؟! إحنا داخلين على نص الليل. وما كنتش بترد عليا ليه؟! لم يُجبها واتجه نحو غرفته وهي ركضت خلفه تلحقه. بلقيس برجاء: رد عليا، كنت فين؟! تجاهلها تمامًا واتجه نحو خزانة ملابسه الكبيرة وبدأ بأخذ بعض الملابس له ووضعها في حقيبة سفره وبلقيس تحاول منعه. بلقيس برجاء: رايح فين؟! لا مش هسيبك تمشي.
وهنا قد ضاق ذرعًا وتحدث بغضب شديد. هشام: مش خلاص عملتوا اللي انتوا عايزينه؟! خليتوني أبعد عن الإنسانة اللي بحبها؟! يبقى ما تسأليش أنا رايح فين. أنا بجد مش قادر أتخيل أنا إزاي عملت كده؟! إزاي أنا اتخليت عنها بعد ما كنت كل أملها في الحياة دي؟! إزاي قدرت أسمع كلامك وكلامه ودوست على مشاعرها بالجزمة. بلقيس بضيق: إنت ليه زعلان عليها؟!
هي لا أول ولا آخر واحدة في الدنيا يا هشام. هتقابل الأحسن منها. شوف البنات اللي حواليك نفسهم بس تبصلهم و... هشام بغضب مقاطعًا لها: إفهميني، أنا مش شايف غيرها. وعايزها هي وبس. انتوا دمرتوني. بس صدقيني يا بلقيس لو عرفت إنكم أذيتوها يبقى مش هتشوفوا مني غير اللي تستحقوه. حمل حقيبة ملابسه بعد أن ملأها واتجه نحو باب غرفته. وبلقيس تهرول سريعًا خلفه. بلقيس: اسمعيني طيب، ماتسيبش البيت يا حبيبي، خليك معايا.
تجاهلها تمامًا ولم يستمع لندائها وخرج من الفيلا بغضب وركب سيارته وتحرك بسرعة، نادمًا على ما فعله بمريم بعد أن كان كل ما تبقى لها.
دلفت للمشفى ولا زالت الدهشة تتملكها من ذلك القرار الغريب. تحمل حقيبتها وهي تنظر حولها ولا تصدق أنها وجدت مكان تبقى فيه خلال الأيام القادمة، وبتلك الفرصة ستحاول البحث عن غرفة أخرى لتعيش بها فيما بعد عندما ينتهي أمر "الشيفت الكامل". اتجهت نحو الاستقبال وأخبروها بغرفتها التي ستبقى بها بدءًا من اليوم. دلفت لغرفتها الجديدة ولدهشتها فقد كانت كأنها أُعدت لضيف ذو منصب في تلك المشفى. تقرُب لغرفة عماد في الشبه ولكن غرفة عماد
أكبر قليلًا من تلك. وضعت حقيبة ملابسها أرضًا ونظرت حولها وهي تتأمل تلك الغرفة المريحة والدافئة. جلست على السرير وملست عليه بهدوء. وفي تلك اللحظة فقط شعرت أنها تحتاج للنوم فقط. تشعر بالإرهاق كثيرًا من الناحية العقلية والجسمانية. لم تفعل أي شيء سوى أنها قامت بفرد جسدها على السرير وأغمضت عينيها قليلًا لعلها ترتاح، ولكنها قد غرقت في نوم عميق لم تعلم كيف أتى.
قُبيل الفجر:
تنام بأريحية ولا تشعر بأي شيء حولها. ابتسامة جميلة ارتسمت على وجهها. تحلم بذلك الحُلمِ مجددًا، ولا تشعر بذلك الجالس على كرسي غرفتها يراقبها وهي نائمة. واضعًا ساقًا فوق الأخرى. ينظر لها بهدوء شديد. ظل هكذا لعدة دقائق ثم استقام من مقعده متجهًا نحو سريرها ثم جلس عليه بجانبها. ينظر لملامحها الهادئة. تقلبت على سريرها وأخفى شعرها منتصف وجهها. حرك ياسين يديه نحو شعرها وقام بإبعاده عن وجهها. نظر لها مرة أخرى قليلًا كأنه
يفكر. ثم استقام من سريرها وخرج من غرفتها بهدوء، وفي تلك اللحظة استيقظت مريم كأنها شعرت بأنها أصبحت وحيدة بعدما كانت تشعر بالألفة والأُنس في حلمها. وضعت يدها على موضع قلبها وأغمضت عينيها بهدوء مكملة نومها العميق. خرج ياسين من المشفى متجهًا نحو قصره الفارغ والبارد كفراغ وبرودة قلبه.
في الصباح:
خرجت من غرفتها وبدأت تمشي في ممرات المشفى بشرود تفكر بذلك القرار الإداري الذي تم إصداره فجأة. يجب أن تعلم من أصدره لكي تشكره على ذلك، ولكنها لن تذكر السبب بالطبع. وتفكر أيضًا بمعاملتها فيما بعد مع هشام. ستعيش كما لو أنه لم يكن موجودًا في حياتها قط. وأول خطوة قامت بها هي أنها قامت بحذف رقم هاتفه بعد أن فعلت الحظر له على جميع وسائل التواصل التي كانت بينهما سابقًا لكي لا يستطيع أن يصل لها فيما بعد. أما في المشفى فلن تنظر إليه لو كان يقف أمامها. تنهدت بثِقل كبير. ولكن لا مريم، هذه هي الحياة. اعتادي على ذلك. الجميع يرحل، أما أنتِ؟!
لا يدوم لك سوى نفسِكِ فقط. أثناء مرورها في إحدى الممرات وجدتهم ينقلون تلك الفتاة التي جاءت بالأمس في حادثة الاغتصاب تلك من العناية إلى غرفة أخرى. وللعجب أن الفتاة مستيقظة ولكن تنظر أمامها بشرود. نظراتها خالية من الروح. وقفت قليلًا تتابعهم بأعينها وهم يغلقون غرفتها بعد أن وضعوها بها. وسمعت همهمات منهم أثناء مرورهم بجانبها.
المتحدث: أول أما صحيت انهارت وفضلت تصرخ. ما هديتش غير بالمهدئ. كلها خمس دقايق ومفعوله يبدأ، وبلغنا الشرطة إنها فاقت شوية وهيكونوا هنا عشان ياخدوا أقوالها.
شعرت بالحزن على حالها ثم نظرت لغرفتها واتجهت نحوها وفتحت الباب بهدوء. نظرت لتلك الفتاة النائمة بسريرها وتنظر لسقف الغرفة بشرود وأعين باكية. أغلقت مريم الباب بهدوء واقتربت نحوها ببطء. حركت الفتاة رأسها بخمول نظرًا للمهدئ الذي بدأ مفعوله. ظلت مريم واقفة أمامها تنظر لها، لا تدري ماذا تفعل. هل تقترب أم تبتعد؟! ولكنها اقتربت عندما تحدثت الفتاة بألم وبدون وعي. المتحدثة: قتلني.
أمسكت مريم بيدها ونظرت لها وبدأت دموعها تهدد بالنزول على حالها. تحدثت الفتاة وقد بدأ النعاس يسيطر عليها وهي تنظر في أعين مريم. المتحدثة: أهلي هيموتوني. هزت مريم رأسها بالنفي وتحدثت بصوت مهزوز من حالة الفتاة. مريم: أنا معاكي وجنبك وهساعدك. مش هسيب حقك. هحتاج منك تحكيلي على كل حاجة وصدقيني حقك هيجيلك لحد عندك. كل واحد لازم ينول اللي يستحقه.
بكت الفتاة بقهر ولكنها غابت عن الوعي بسبب المهدئ. مسحت مريم دموع تلك الفتاة التي لا تعلم هويتها حتى الآن وربتت على رأسها بهدوء. وتحدثت بتصميم. مريم: هجيب حقك. مش هسيبك، اللي عمل فيكي كده لازم يروح في داهية، لازم ياخد جزائه. قبلت مريم رأسها بهدوء وخرجت من الغرفة. أغلقت الباب بهدوء وقامت بمسح دموعها وتتمنى أن تستطيع مساعدتها. كادت أن تتحرك سمعت صوته الذي تمقته. طارق بسخرية: دكتورة مريم؟!
يا دي النور. أنا سمعت إشاعات لطيفة كده. ظلت معطيةً إياه ظهرها. تحرك طارق نحوها ووقف أمامها بغرور وتكبر. طارق عاقدًا حاجبيه بضيق: سمعت إنك بقيتي شيفت كامل. ومش أي حد اللي طلب كده، ده ياسين المغربي بنفسه هو اللي أصدر قرار بكده. نظرت له بعدم فهم. ولم تنتبه لسخريته منها أو لتعامله السيئ معها. مريم بعدم فهم: "نعم؟ طارق بضيق من تمثيلها الجهل: "هنلعب على بعض؟ يا ترى عملتي إيه خلاه يصدر قرار زي ده؟ كادت أن تتحدث ولكنه أكمل.
طارق بسخرية: "بس لا برافو... معارفك كتير يا... يا دكتورة." تركها وذهب متجهًا نحو مكتبه بغضب، أما هي توقفت مندهشة من قول طارق: "ياسين المغربي!! " كيف؟ صارت هكذا واقفة محملقة في الفراغ لعدة دقائق، لا تصدق، فمن هي حتى يصدر هو قرارًا يخصها؟ لماذا هي؟ هل يعقل أنه فعل ذلك عقابًا لها لأنها قامت برفع صوتها عليه؟
ولكن الشعور الوحيد الذي تشعر به الآن هو الامتنان، تريد أن تشكره كثيرًا، ابتسمت من فعلته تلك، يجب أن تشكره كثيرًا على ذلك، تنهدت بارتياح واتجهت نحو غرفة عماد لكي تطمئن عليه كعادتها وعقلها منشغل بقرار ياسين المغربي. لم تتعجب أنها لم تقابل هشام في طريقها لأن الأفضل لها ألا تراه. وقفت أمام غرفة عماد وأخذت نفسًا عميقًا ثم قامت بفتح الباب، وجدت عماد جالسًا بسريره ينظر للشرفة الكبيرة والتي تطل على حديقة المشفى، استفاق عندما سمع صوت الباب.
عماد بابتسامة: "مريم." أغلقت الباب بابتسامة هادئة ثم اقتربت منه حتى جلست على كرسي بجانب سريره. مريم: "صباح الخير يا عماد." عماد: "صباح النور." مد يده وربت على يدها بهدوء وتحدث. عماد باستفسار: "بقيتي كويسة؟ هزت مريم رأسها بابتسامة بسيطة. عماد: "أنا كنت زعلان عليكي أوي إمبارح يا مريم، مش عايز أشوفك كده تاني أبدًا." مريم بهدوء: "حاضر." قررت أن تقوم بتغيير مجرى الحديث. مريم: "أنت بقى حاسس بإيه اليومين دول؟ بقيت كويس؟
نفسيتك اتحسنت؟ عماد بابتسامة: "طول ما أنتِ معايا أنا كويس." نظرت له قليلًا، اطمأنت أنه أصبح بخير، أحسن من ذي قبل فنظرًا لعامل السن الخاص به فهو بحالات غريبة ومتعددة، مرة يبدو حديثه كالأطفال ومرة يتحدث كأن عقل يزن بلدًا بأكملها، ومرة يبدو كأنه لا يعلم أي شيء بهذه الحياة، ولكنها تحمد الله على وجوده بحياتها فهو كان داعمًا لها أمس. مريم بامتنان: "شكرًا إنك فضلت جنبي إمبارح."
ابتسم لها عماد مرة أخرى مربتًا على يدها مرة أخرى، تنهدت مريم تنهيدة بسيطة ثم تحدثت بمرح. مريم: "عندي ليك خبر حلو." عماد باستفسار: "إيه هو؟ مريم بابتسامة: "أنا هفضل معاك هنا ومش هسيبك، أنا شيفت كامل بداية من النهاردة." عماد بدهشة: "بجد؟ يعني مش هتسيبيني يا مريم لوحدي تاني؟ مريم وهي تهز رأسها بنفي: "مش هسيبك أبدًا."
سعد عماد كثيرًا من ذلك الأمر ولكنه تعجب قليلًا أن المستشفى لا يوجد فيها أطباء يعملون بها طوال اليوم لأن الطبيعي أن كل شخص وله حياته الخاصة حتى ولو كانوا يبقون هنا يومًا كاملًا فإنهم يأخذون يومًا آخر عطلة. عماد باستفسار: "إزاي؟ مريم باستفسار: "إزاي إيه؟ عماد بتعجب: "أقصد مين اللي عايز يعذبك كده؟! ضحكت مريم من لطفه ثم أردفت بامتنان. مريم: "مش مهم يعذبني ولا لا...
المهم إن دي حاجة جات في وقتها وأنا من غير القرار ده أنا ماكنتش هعرف أعمل إيه بجد." عماد باستفسار: "ليه؟ إيه اللي حصل؟ نظرت مريم أمامها بشرود وحزن ثم عادت تنظر له مرة أخرى وهي صامتة. عماد بإصرار: "في إيه يا مريم؟ إيه اللي حصل يخليكي مبسوطة أوي بقرار زي ده؟ مريم: "هو بس الفكرة إن حصل حاجة... ثم قامت مريم بسرد ما حدث لها أمس، وبعد أن انتهت. عماد بضيق: "الست دي محتاجة يترد لها اللي عملته فيكي."
مريم بابتسامة مصطنعة: "أنا ما سكتش يا عماد أنا روحت القسم، بس طالما هي بلغت من قبلها خلاص، حقها." عماد بضيق: "حقها إيه بس؟ مريم: "خلاص يا عماد ما تضايقش نفسك، أنا ما بقيتش متضايقة خلاص لإن داين تدان، مسيرها يحصل فيها زي ما عملت فيا." هز عماد رأسه بموافقة من كلامها ثم تنهد وصمت يفكر لماذا أصدر ياسين قرارًا مثل ذلك؟ هل يعلم مريم من قبل؟
نظر عماد لمريم قليلًا عاقدًا حاجبيه بتفكير، لماذا شعر بالخوف فجأة، هو في العادة يخاف من وجود ياسين بحد ذاته، ولكن لماذا شعر بالخوف من ما يمكن أن يكون وراء فعلة ياسين تلك؟ والتي لا يعلم ما سببها؟ أما مريم تعجبت من شروده. مريم: "عماد." استفاق من أفكاره وتحدث بتيه. عماد: "نعم؟ مريم باستفسار: "في إيه؟ مالك؟ بتبص لي أوي كده ليه؟ عماد بعدم ارتياح: "لا ما فيش، كويس إنك هتكوني معايا."
مريم بابتسامة مرحة: "ما تعرفش قريبك ده هييجي النهاردة إمتى؟ عماد باستفسار: "قريبي مين؟ مريم بتعجب: "ياسين المغربي." عماد باستيعاب وبعض الخوف من اسمه: "آه... لا مش عارف، بتسألي ليه؟ مريم بامتنان: "محتاجة أشكره جدًا، ممكن ما يعرفش أنا بشكره ليه، بس لازم أقول له شكرًا." عماد بتنهيدة وهمس غير مسموع: "ما تستنيهوش ولا في دماغه." مريم بانتباه: "نعم؟ بتقول إيه؟ عماد بانتباه: "لا ما فيش."
ابتسمت مريم بمرح: "تمام، أنا هخرج بقى عشان أشوف شغلي." عماد بابتسامة: "ماشي." خرجت من الغرفة أما عماد شرد بتصرف ياسين الغريب، لم يعهده كذلك مطلقًا، ماذا الذي يدور في عقلك يا ياسين؟ ما الذي تريد فعله بتلك المسكينة؟ تنهد بألم، آه لو تعلم أنه قاتل لا يرحم لكرهت النظر إليه حتى، مسكينة مريم.
بعد مرور وقت على عمل مريم ومراقبتها للمرضى والاهتمام بهم، كانت تقف أمام سرير ذلك الطفل تبتسم له بحب فقد كانت سعيدة أنه تم نقله صباحًا من العناية المركزة إلى غرفة عادية بعد الاطمئنان على صحته، اقتربت منه وقام بتقبيل رأسه، وتأكدت مرة أخرى من مؤشراته الحيوية ثم خرجت من الغرفة، وأكملت مرورها بغرف المرضى، فهذه عادتها تحت الاطمئنان على الجميع، لا تريد أن تشعرهم بالوحدة كما هي تشعر دائمًا، ويالراحتها النفسية أنها لم ترَ
هشام، لماذا تشعر بالراحة أنه بعيد على الرغم من ألم قلبها، وأنها أحبته بشدة، ولكن عندما يحب شخص أحدًا فالكره يأخذ مراحل أقوى بكثير من الحب عند انتهائه، أثناء مرورها سمعت صراخًا عاليًا يصدر من غرفة معينة وهي غرفة الفتاة التي تحدثت معها صباحًا، توجهت بأنظارها نحو الغرفة ووجدت الممرضات يهرولون نحوها وفي ذات الوقت يخرج شرطيان منها، ركضت هي أيضًا نحو الغرفة لأن صراخ الفتاة لا يتوقف، أبعدت الممرضات عن الفتاة لأنهم كانوا
يحاولون إعطائها المهدئات مرة أخرى.
مريم بصوت حاد: "سيبوها." إحدى الممرضات: "يا دكتورة ما ينفعش." مريم بتكرار: "سيبونا لوحدنا واخرجوا." نظرت الممرضات لبعضهن ثم خرجوا من الغرفة، أما الفتاة ظلت تصرخ ومريم تنظر إليها بحزن شديد، اقتربت منها بهدوء لأن جسدها بدأ ينتفض بسبب مرور كل ما حدث لها أمام عينيها عندما استفاقَت من المهدئ، قامت مريم باحتضانها بقوة محاولة تهدئتها ولكن صراخ الفتاة يزداد بشدة. مريم: "اهدي... عشان خاطري اهدي."
تبكي وتصرخ ومريم ترجوها مرة أخرى بالهدوء وتحتضنها بقوة، بدأت مريم بالبكاء هي الأخرى وهنا شعرت الفتاة بها وانتهى صراخها ولكنها ظلت تبكي، ظلت مريم محتضنة إياها وتربت على ظهرها بحنان والفتاة يزداد بكاؤها أكثر، بقيا على تلك الحالة حتى هدأت الفتاة، وابتعدت مريم عنها ونظرت في عينيها متحدثة بحزن. مريم: "أنا عارفة إن اللي حصل لك ما كانش هين... وعارفة أنتِ بتفكري في إيه دلوقتي... بس صدقيني... ده مش حل...
لازم تفوقي وتبقي قوية عشان تاخدي حقك." وأخيرًا تحدثت الفتاة بشهقات عالية. الفتاة: "مين هيصدقني؟ مريم بدهشة: "كله هيصدقك طبعًا... زمان تقرير الطب الشرعي قرب يظهر... حالتك لوحدها أصلًا كفاية إنها تثبت الموضوع ده." صمتت الفتاة وهي تبكي وتنظر لمريم والتي أصبحت أعينها حمراء من البكاء، أمسكت مريم يدها وتحدثت بقوة. مريم عاقدة حاجبيها بإصرار: "أنا هفضل جنبك... وهجيب حقك...
وعشان أجيب حقك، قولي أقوالك للظباط اللي جايين يستجوبوكي عشان يرفعوا القضية." الفتاة بخوف: "بس... بس... مريم بجدية: "من غير بس... قولي كل اللي حصل لك." هزت الفتاة رأسها بهدوء، أما مريم مسحت دمعتها وابتسمت لها. مريم: "أنتِ اسمك إيه بقى؟ أجابت الفتاة بحزن شديد. الفتاة: "روان." مريم بابتسامة: "اسمك جميل أوي يا روان، أنا هطلع أنادي لهم." اعتدلت مريم ووقفت وتحركت باتجاه الباب، ولكن أوقفتها روان. روان: "استني." مريم: "نعم؟
روان: "ممكن تكوني معايا وهما بيستجوبوني؟ هزت مريم رأسها بابتسامة ثم خرجت من الغرفة وأخبرتهم بالدخول واستأذنتهم بأن تكون معها في نفس الغرفة بحجة حالتها النفسية وأنها طبيبتها، وافق الشرطيان وتبعتهم مريم، وقفت مريم بجانبها ممسكة بيدها بقوة لكي تقوم بدعمها، بدأت روان بسرد كل ما حدث لها للشرطيين. روان بدموع: "أنا بشتغل في شركة استيراد وتصدير اسمها... صاحب الشركة اسمه لبيب مهران، أنا سكرتيرة مكتبه...
كان أغلب الوقت بيكون مشغول، فابنه اللي كان بييجي بحجة إنه يكمل شغله ويشوف إيه اللي يعمله... اسمه شادي... (بكت أكثر) ... كان شخص مش مريح... نظراته ليا ما كانتش لطيفة... كنت بتجنبه على قد ما أقدر وكنت بعتبره مش موجود كمان... كان بيتعمد يضايقني وأنا كنت بعدي وبسكت عشان أكل عيشي بحكم إني بصرف على نفسي ومتغربة هنا بعيد عن أهلي... حاول في مرة إنه يلمسني ضربته بالقلم وعرفته مقامه...
من بعدها جالي واعتذر على اللي عمله وحسسني إنه شخص بريء وإنه ما كانش واعي للي هو عمله... قلت له إنه الموضوع عدى بس تعامل بينا مش هيحصل تاني... عادت الأيام وهو بيحاول يقرب لي، يضحك معايا ويتكلم معايا، بس أنا ما كنتش بأدّي له وش أبدًا. ومرة كنت سهرانة في الشغل بأجهز شوية ملفات في مكتب أ/ لبيب. لقيت ده دخل المكتب وقفل الباب بالمفتاح. اتخانقت معاه إنه إزاي يقفل الباب. بدأت تجهش بالبكاء.
قال لي: إزاي واحدة زيك ترفضي إني أتعامل معاكي حتى؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟ مشهد الواقعة يقترب منها بغضب شديد. شادي: إنتِ فاكرة نفسك مين عشان ترفضي إني أتعامل معاكي؟ ده غيرك بيتمنوا بس إني أبص لهم. تتراجع مع كل خطوة هو يقترب بها. روان: ابعد عني. شادي: إنتِ تنسي خالص إني أبعد عنك، إنتِ لازم تعرفي مقامك. يا أنا يا إنتِ النهاردة.
ركضت نحو وجهة معينة تستطيع من خلالها الوصول للباب لعلها تطرق بقوة على الباب، فيسمعها أحد وينقذها. ولكنه ركض خلفها وأمسك ذراعها بقوة. حاولت أن تدفعه لكي تبعده عنها ولكنه سبقها وصفعها بقوة واختل توازنها. وقعت أرضًا واعتلاها سريعًا وقام بصفعها عدة مرات وأيضًا قام بضربها على جسدها. لم يشفع لها ولا لصراخها حتى بدأت تفقد الوعي وفعل فعلته بها. عودة للحاضر
تبكي بنحيب شديد وتلك المرة احتضنتها مريم. أما الشرطيان تفهما حالتها وأغلقا الملفات التي كانا يكتبان بها أحداث الواقعة وخرجا من الغرفة في نية منهم للتوجه لمكتب النيابة لتقديم البلاغ. تبكي بقهر ومريم تحضنها أكثر لكي تعطيها القوة والأمان. لكن ما الفائدة؟ لقد ضاع الأمان. كانت ضحية لذئب بشري لا يعرف الرحمة. ظلت مريم تهدئها لعدة دقائق حتى هدأت ونامت من إرهاقها.
يومان. مر يومان منذ الاستجواب ومريم تدعم نفسية روان وتحاول إضحاكها ولكنها تبكي. كأنها نسيت ما هي الابتسامة. انتظرت مريم ظهور "ياسين المغربي" في المشفى مرة أخرى لكي تشكره ولكنها لم تره. وانتبهت لغياب هشام بالمشفى ولكنها أصرت أن لا تفكر به مرة أخرى، لأنه لا يستحق فهو مثل كل الرجال، حقير. تمر على المرضى بابتسامة مشرقة كالعادة فقد أصبحت بخير قليلًا خلال اليومين الماضيين. تشغل وقتها بوجودها مع روان تارة وعماد تارة أخرى.
وأثناء مرورها تجمدت بمكانها لظهور ياسين فجأة أمامها في الممر. يتحرك متجهًا نحوها بخطوات واثقة وقوية. نظرت له بتيه، لا تدري ماذا حدث لها. شعرت أنها نسيت كل ما كانت تريد قوله. ملامحه هادئة جدًا. يبدو عليه السلام النفسي الذي لا يوجد عند أحد. ينظر لها بهدوء شديد. شعرت أن الممر أصبح ضيق ولا يوجد سواهما فيه. خطواته بطيئة جدًا أو أنها شعرت أن الزمن أصبح أبطأ أكثر من اللازم. شعرت بخمول في جسدها لا تدري ما سببه. تخدر لسانها
عن الكلام. لا تدري لماذا أصبحت هكذا. ظلت على تلك الحال حتى أصبح بجانبها ولكنه استمر في طريقه وابتعد بنظره عنها ونظر أمامه متحركًا بخطوات ثابتة وقوية نحو غرفة ذلك الطفل. تابعته بأعينها وهو يغلق باب غرفة الطفل خلفه وكادت أن تذهب خلفه ولكنها انتبهت لوجود الشرطيين يطرقان على باب غرفة روان. اقتربت منهما وتحدثت بابتسامة أمل.
مريم: في أخبار كويسة صح؟ نظر لها الشرطيان بضيق ودخلوا الغرفة وهي لحقت بهم. تحدث أحد الشرطيين بهدوء. الشرطي: آنسة روان، تقرير الطب الشرعي طلع. نظرت روان بأمل لهم هي ومريم ولكن أصبح ذلك الأمل صدمة ودهشة. الشرطي: التقرير بيثبت إنك ما كنتيش عذراء من الأساس. وإن ما فيش أي اغتصاب حصل. والنزيف اللي كان عندك ده بسبب مشاكل عندك في الرحم، وإن الضربات والعلامات اللي كانت في جسمك دي كانت قبل الحادثة بيومين.
روان بانهيار: كذب. ده كذب. مريم بدهشة وعدم استيعاب: إيه اللي أنتوا بتقولوه ده؟ أنتوا مش شايفين حالتها؟ ده أقل إثبات على إن تم اغتصابها. الشرطي: ده اللي موجود في التقرير وده يثبت إنها بتكذب. مريم بعدم استيعاب: يعني إيه؟ مش هتعرف تاخد حقها؟ كاد أن يتحدث أحدهم ولكن قاطعتهم مريم بقوة. مريم بغضب وانفعال: أنتوا بتصدقوا شوية ورق مزور؟ أنتوا بتتكلموا بجد؟
الشرطي: دكتورة، لو استمريتِ على الوضع ده يبقى هتباتي في الحبس النهاردة. صرخت مريم عليهم وبدأت تتحدث بانفعال. مريم: بتيجوا على الغلابة اللي ما لهمش حد وخايفين من اللي معاهم سلطة وفلوس؟ في نفس الوقت، يجلس ياسين على كرسي بجانب ذلك الطفل والذي بدأ في الاستيقاظ شيئًا فشيئًا. نظر الطفل لسقف الغرفة أولًا ثم أمال رأسه نحو ياسين الذي ينظر له بهدوء. تحدث الطفل بإرهاق وبكاء عندما رأى ياسين. الطفل: أنا خايف.
ياسين بهدوء: إنتَ في أمان، ما حدش هيأذيك. بدأت تهطل دموعه وهو ينظر لياسين كأنه حبل النجاة. الطفل: شكرًا إنك أنقذتني. لم يقم بالرد عليه وظل ينظر له بهدوء ثم استقام من مقعده وتوجه نحو الباب. الطفل: عمو. توقف ياسين ولكن ظل معطيًا إياه ظهره. الطفل: أنا هروح على فين؟ أنا ما ليش أهل. كان مكاني دايمًا في الشارع. ظل ياسين على وضعه ولكنه حرك رأسه ليظهر جانب وجهه للطفل. ياسين: هتعيش في مكان آمن فيه أطفال كتير زيك.
ثم خرج ياسين من الغرفة وأغلق الباب خلفه وكاد أن يتحرك. انتبه للصوت الحاد الذي يصدر من إحدى الغرف. انتبه للممرضات اللواتي يركضن نحو الغرفة وما أن فُتح بابها أصبح الصوت مسموعًا يخترق الآذان مما جعل طاقم المشفى كله يأتي مهرولًا نحو الغرفة. مريم بكره وغضب دفين: ده أنا هروح فيكم في داهية. إزاي تصدقوا حاجة زي دي؟ أنا مش هأسكت. نظرت لروان. مريم: بتعيطي ليه؟ حقك مش هيروح هدر. دول كذابين.
أمسكها الشرطيان أما هي حاولت الفكاك منهم. مريم بغضب: بتمسكوني عشان بأقول كلمة حق؟ روحوا شوفوا المغتصب اللي دمر مستقبلها وضيعها. شيلوا أيديكم. سيبوني. لم يتركوها وكانوا يمسكونها بقوة يسحبونها خلفهم وهي تحاول الفكاك منهم. ياسين بصوت مسموع: إيه اللي بيحصل هنا؟ توقف الشرطيان ونظرا لياسين المغربي برهبة. فمن لم يستمع عنه؟ رجل أعمال نظيف تمامًا، قوي له سلطته في البلد. تحدث
أحدهما بتوتر من هيبته: الدكتورة شتمتنا عشان بنأدي وظيفتنا واتهمتنا بالكذب والتزوير. نظر ياسين لمريم الغاضبة والتي تنظر لهم جميعًا بكُره، حتى هو. نظر لهم ياسين مرة أخرى بنظرة باردة. ياسين برُقي: أكيد ده سوء تفاهم. الدكتورة كانت قريبة من المريضة جدًا فزعلت عشانها مش أكتر، وده طبيعي يكون رد فعل حد قريب من المريضة. اتفضلوا أنتوا وأنا هتكلم معاها.
تركها الشرطيان وذهبا في طريقهما. أما مريم نظرت في أثرهما ثم نظرت لياسين بذهول والذي بالمقابل ينظر لها بهدوء. استفقت من دهشتها، وضحكت! نعم، ضحكت كثيرًا. ضحكت بهيستيرية عالية. استفزها الموقف بدرجة كبيرة. بكلمة واحدة من شخص له سُلطة تركوها. بكلمة واحدة يتم سحق كل شخص ضعيف في هذه الأيام. تحولت نظراتها للكُره مرة أخرى ونظرت بداخل أعين ياسين الذي ينظر إليها بهدوء كأن شيئًا لم يكن. أعطاها ظهره وكاد أن يتحرك.
مريم بغضب: إنتَ السبب. توقف بمكانه واستدار لها ينظر بهدوء استفزها أكثر. لم تعر مريم أي اهتمام لوجود طاقم المشفى كله حولهما وهي تصرخ بغضب في ياسين المغربي.
مريم بصراخ: إنتَ السبب في كل اللي بيحصل، لإنك إنتَ صاحب المستشفى دي، ومشغل الناس القذرة دي عندك. البنت مُغتصبة ودكتور الطب الشرعي في المستشفى زور التقرير. ده غير إن مدير المستشفى راجل **** وبيتحرش بكل الممرضات والدكاترة هنا بس لا ما فيش حاجة بتحصل وما فيش إجراءات بتتم ضده. عشان إنتَ صاحب المستشفى دي. مستشفى مليانة فساد. وعشان هي مستشفى مليانة فساد طبيعي مالك المستشفى نفسه يبقى فاسد، صح ولا أنا غلط؟
سمعت شَهقات جميع الموجودين حولهما والذين هرولوا سريعًا إلى أعمالهم خوفًا من ياسين المغربي، ومنهم مرتضى الذي هرول سريعًا لخارج المشفى. لأنه يعرف أن ياسين سيبحث في الأمر. قرر أن يختفي نهائيًا من المشفى. تنظر له بغضب وكُره وهو ينظر في عينيها عاقدًا حاجبيه بغضب كبير، حتى بدأت نيران الغضب تظهر في عينيه. ولكنه لم يتحدث، استدار وأعطاها ظهره ثم تركها كأن شيئًا لم يكن. استفزها عدم رده. استفزها هدوءه. استفزها كل شيء به. أغمضت عينيها بيأس ثم دخلت الغرفة واقتربت من روان التي تبكي واحتضنتها محاولة تهدئتها ولكنها وللأسف لم تهدأ.
في المساء:
يجلس أمام اللاب توب الخاص به في قصره يبحث في قضايا خاصة بلبيب مهران ووجد بعض القضايا والتي تم الحكم بأنها ملفقة له ومنها الاغتصاب والاختلاس وغيره وذلك من زمن. كما أنه يوجد بعض القضايا المشتركة بينه وبين بعض رجال الأعمال الذين يتعاملون معه في شركته ومشاريعه الخاصة. كما اتضح أيضًا أن لبيب أحد مطالبين المساهمة بأحد مشاريعه ولكن لم يتم الرد حتى الآن على طلبه. أما ابنه فوجد عنه تُهم تم تبرئته منها أيضًا، طبعًا الابن يشبه أباه. أغلق ياسين حاسوبه وقام بعمل اتصال هاتفي.
ياسين ببرود: بعد يومين في اجتماع خاص بالمساهمين في المشاريع ومطالبين المساهمة، هأحدد الوقت بكرة. أغلق المكالمة الهاتفية ونظر أمامه بهدوء ولا يعلم أحد ماذا ينوي هو على فعله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!