صباح اليوم التالي: كانت نائمة تحلم بذلك اليوم كالعادة، تحلم به وهو يحملها بين يديه ورائحة الدماء نفاذة بسبب أن ملابسه ملطخة بها. وفجأة وجدت نفسها بأسفل حمام السباحة تفقد أنفاسها ثم يأتي هو وينقذها. وبعدها يختفي ذلك المشهد من أمامها، ثم تراه يقف أمامها بملامحه الباردة. مريم: أنا بحبك أوي. ياسين بنظرة خالية من الحياة: وأنا كمان يا دكتورة.
قامت بفتح عينيها تُعلن عن استيقاظها وتحاول التقاط أنفاسها بانتظام، تشعر كأنها كانت تجري في طريق لا نهاية له. اعتدلت بفراشها ونظرت حولها، تحسست ملابسها ووجدت أنها ما زالت ترتدي الثوب الذي كانت ترتديه أمس. حاولت تذكر ما حدث ليلة أمس، وقد تذكرت. تذكرت كيف أهانها وجرح مشاعرها عندما أعلن أن له عشيقة أخرى، تتذكر كم كانت غاضبة كثيرًا وذهبت لإحدى غرف المطابخ وبعدها لا تتذكر شيئًا. ولكن هناك شيء،
يتردد في مسمعها جملتان: "أنا بحبك أوي... وأنا كمان يا دكتورة". أغمضت عينيها بإرهاق فقد نسج عقلها الباطن حديثًا بينها وبين ياسين المغربي وما تتذكره فقط هما تلك الجملتان. هزت رأسها بيأس. لماذا تأتي له بمبررات كثيرة؟ لقد أرهقها حزنًا، فهي لم تسمح لأحد أن يقوم بالتأثير عليها هكذا من قبل. إذًا ما الفائدة؟
لا يجب أن تكون معه بعد اليوم. فقد قام بإهانتها وجرح مشاعرها ولا تستطيع أن تبقى هكذا. نظرت للثوب الذي ترتديه مرة أخرى، وضحكت باستهزاء على حالها، فقد كانت تعتقد أنه سيحدث أي شيء سوى أن يجعلها تقوم بمقابلة عشيقته. "الحقير". تحولت ملامحها للاشمئزاز ولا تستطيع أن تطيق الثوب الذي ترتديه. استقامت من فراشها وتوجهت نحو خزانة ملابسها لتقوم بتغيير ملابسها، فهي لا تريد شيئًا منه ولا تريد أن تراه بعد اليوم.
بعد مرور وقت قصير، كان عماد يجلس بغرفته يشعر بالضيق وهو يشاهد التلفاز، فقد كانت حفلة أمس تتصدر الأخبار والصحف، يعلم جيدًا أن مريم تعشق ياسين كثيرًا ولكنه قام بإهانتها أمام الجميع بطريقة غير مباشرة. أغلق عماد التلفاز وخرج من غرفته وتوقف أمام غرفة مريم وقام بطرق بابها وبعد عدة ثوانٍ، فتحت مريم الباب بأعين حادة، ولكن سرعان ما ابتسمت ابتسامة هادئة عندما وجدته عماد. عماد: ممكن نتكلم شوية؟ مريم بابتسامة: أكيد، اتفضل.
تحرك عماد بكرسيه المتحرك وهي أغلقت باب الغرفة عقب دخوله. توقف عماد بكرسيه أمام فراشها وأشار لها بالجلوس أمامه. جلست أمامه ونظرت إليه باستفسار. أمسك عماد بيدها ونظر بعمق عينيها. عماد: أنا آسف على اللي هو عمله فيكي، مكنش ينفع يعمل كده. مريم بلامبالاة مصطنعة: وهو عمل إيه أصلًا؟ ما يفرقش معايا أي حاجة هو عملها. عماد بتنهيدة بسيطة
وهو ينظر بعمق عينيها: عينك بتقول العكس يا مريم، إنتي لسه من كام يوم قايلالي إنك بتحبيه، دلوقتي خلاص مبقاش يهمك؟ مريم بقوة: اللي يقلل مني بالشكل ده، يبقى ما يفرقش معايا. عماد بابتسامة: حلو، ده اللي عايزك تكوني عليه دايمًا. كنت خايف تكوني متأثرة. عقصت مريم حاجبيها بغضب وأردفت: لا مش أنا اللي أتأثر بسبب حاجة زي دي، حقي هاخده منه، سواء دلوقتي أو بعدين. عماد باستفسار: طب إنتي ناوية على إيه؟
مريم: هسيبله كل حاجة وأمشي، أهم حاجة إني مش عايزة أشوفه. عماد: ولو ما وافقش؟ مريم بضيق: هيوافق غصب عنه، وبعدين مش من حقه يمنعني أصلًا. صمت عماد قليلًا ولكنه أردف بعد ثوانٍ. عماد باستفسار: محتاجة فلوس طيب؟ ابتسمت مريم بحنو وربتت على يده. مريم وهي تنظر بعمق عينيه: مش محتاجة ما تقلقش، وحتى لو احتجت أنا هعرف أدبر نفسي، يعني مرتبي على معاش بابا الله يرحمه هتتدبر، وبعدين مش مريم اللي تبين للناس إنها محتاجة فلوس.
عماد بتوضيح: أنا بس قصدي عشان بعد كده، عشان تبدأي حياتك، إيجار ومصاريف، أنا قلقان عليكي، مهما يكن إنتي في حكم حفيدتي، وليكي حق عليا، لو عايزة أنا ممكن أعملك توكيل بحق التصرف في ممتلكاتي و... مريم بحب مقاطعة له: عماد، شكرًا. بس أنا مش محتاجة حاجة، أنا أقدر أعتمد على نفسي، أنا بنت بمائة راجل. عماد بتفهم: ماشي، بس إنتي معاكي رقم البيت هاه؟ إبقي اسألي عليا، ماتنسينيش.
مريم بتفهم: حاضر، وإنت كمان معاك رقمي لو احتجت حاجة كلمني. عماد: تمام، هتمشي إمتى؟ مريم بتفكير واستفسار: هو هنا؟ عماد: على ما أعتقد أيوه. مريم بقوة: همشي من دلوقتي، هروح أتكلم معاه بخصوص استقالتي. لمعت عينا عماد بالدموع، ولاحظت مريم ذلك. عماد بابتسامة حزينة: خدي بالك من نفسك.
احتضنته مريم وهو بادلها بقوة، يحاول كتم شهقاته بسبب عبراته التي بدأت في الهطول من عينيه، فقد تعلق بها كتعلق الابن بوالدته. ابتعدت مريم عنه وهو حاول أن يقوم بمسح عبراته ولكنها قامت بمسحهم نيابة عنه. مريم: عايزاك تبقى أقوى، أنا مش قادرة أسيبك بس ما ينفعش أفضل هنا بعد اللي حصلي.
عماد برفض وبصوت متحشرج: وإنتي من مصلحتك إنك تبعدي عن هنا، وهفضل أقولهالك، ياسين المغربي ما يستاهلش أي حاجة حلوة، حتى إنتي ما يستاهلكيش، إنتي ملاك لكن هو شيطان، هو ما بيرحمش، وطالما إنتي بعيدة عنه فإنتي هتكوني في أمان. هزت مريم رأسها وقامت بتقبيل مقدمة رأسه. مريم: أنا هخرج طيب أشوفه فين عشان أتكلم معاه.
هز عماد رأسه بهدوء، أما بالنسبة لمريم فقد خرجت من الغرفة وبدأت بالبحث عن ياسين، تاركة عماد يبكي بشهقات قوية دون أن تدري على فراقها إياه. يجلس ياسين بمكتبه يدون بعض الأشياء في دفتر كبير أسود اللون. انتبه ياسين على صوت الطرقات العنيفة على باب غرفته ولكن سرعان ما تم فتح الباب. أغلق ياسين الدفتر ووضعه بخزينة موجودة بمكتبه ومن الواضح أن تلك الخزينة ممتلئة فقط بالدفاتر السوداء وأغلقها بالمفتاح. اقتحمت مريم غرفة المكتب ووجدت ياسين يقف أمامها بنظرات هادئة. كانت غاضبة ولكنها كانت تخفي ذلك بقوة لم تعهدها قبلًا. لا تستهينوا بجرح امرأة عاشقة أبدًا.
ياسين بابتسامة هادئة: صباح الخير يا دكتورة، بقيتي كويسة؟ تستفزها ابتسامته تلك كأن شيئًا لم يكن. لكن لا، سَتُريه من تكون مريم. مريم بابتسامة: صباح النور، أه أنا كويسة. ياسين بابتسامة: تمام، أنا بعتذرلك على اللي حصل إمبارح، الحالة اللي كنتي فيها إمبارح كانت بسبب إنك شربتي دواء واحدة من المساعدين هنا، بعتذرلك مرة تانية. نظرت له باستفسار بسبب ما يتفوه به. ولكن كل ما تراه أمامها هو إمساكه بيد عشيقته وابتسامته الصفراء تلك.
مريم بلامبالاة: مش مهم، أنا جايه أتكلم معاك في حاجة مهمة. ياسين: اتفضلي. مريم بتنهيدة: أنا جايه أقدم استقالتي، ما بقتش حابه أكمل شغل هنا. صمت ياسين قليلًا لعدة ثوانٍ ولكنه تحدث بابتسامة هادئة استفزتها أكثر. ياسين: تمام يا دكتورة، اللي تحبيه. توجه نحو مكتبه تاركًا إياها تحملق بصدمة من رده ذاك، فقد توقعت كل شيء يتعاركان أو يفتعلا شجارًا إلا أنه سيوافق على استقالتها! مستحيل. استفاقت على صوته. ياسين: دكتورة مريم.
نظرت نحوه بتيه ووجدته ممسكًا بورقة يقدمها نحوها. أخذت الورقة من يده وبدأت بقرائتها. ولكن يا للعجب! تلك استقالتها من المشفى، ماذا تفعل هنا؟ ياسين بابتسامة هادئة: أنا ما حبتش أمضي على استقالتك لإني اعتبرتك في إجازة مفتوحة من المستشفى، عشان لو حبيتي ترجعي بعد ما نفسيتك تتحسن تلاقي مكانك، وبمناسبة كده. تابعته وهو يخرج ورقة من أحد أدراج مكاتبه ويقدمها لها. ياسين: دي أوراق تعيينك كمديرة إدارية للمستشفى.
صمت قليلًا ثم تحدث بابتسامة غريبة. ياسين: اعتبريها مكافأة نهاية الخدمة هنا في القصر. هل يستهزئُ بها؟ هل يراها مغفلة؟ نظرت للورقة التي يحملها، ووضعت استقالة المشفى جانبًا وأخذت ورقة التعيين من يده ثم نظرت في عمق عينيه وقامت بشق الورقة أمامه ببرود. مريم بقوة: بلها واشرب مايتها، مش عايزة منك حاجة.
قامت برمي القطع الممزقة من يدها على مكتبه الذي كان فاصلًا بينهما وهي تنظر له بقوة، لمحت الغضب بعينيه للحظة ولكن ذلك الغضب حل محله الهدوء والبرود. ياسين بابتسامة هادئة: بالتوفيق ليكي يا دكتورة.
لم تُجِبْه ولكنها خرجت من مكتبه وذهبت لغرفتها والتي كان قد خرج منها عماد منذ دقائق. كانت حقيبتها كما هي مُجهزة منذ آخر محاولة لها بالذهاب. حملتها وأخذت كل ما يخصها وتركت الثوبين اللذين قام ياسين بشرائهما لها سابقًا، ورمتهما بإهمال على فراشها. خرجت من غرفتها وهبطت لأسفل الدرج وفتحت باب القصر. لم تجد أحد يمنعها بل ترك لها رجال ياسين الطريق مفتوحًا. وحاول أحدهم مساعدتها لحمل حقيبتها ولكنها رفضت. عرض السائقين إيصالها ولكنها رفضت أيضًا. سارت الطريق بين القصر والبوابة الرئيسية على قدميها وعندما وصلت، فُتحت البوابة الرئيسية لها. وقفت قليلًا ثم وجدت سيارة أجرة لِتُقلها.
السائق: على فين يا آنسة؟ مريم بتنهيدة: على أقرب مكتب سمسار لو سمحت. هز السائق رأسه وقام بإيصالها، أما مريم لم تفهم. لماذا قلبها يؤلمها؟ كان من المفترض أن تشعر بالسعادة لخروجها من ذاك القصر ولكن لا. تشعر الآن أنها فقدت شيئًا غاليًا على قلبها. "أم أنكِ أحببتِ أسرَهُ لكِ يا مريم؟
" استفاقت على عبراتها التي بدأت بالهطول. قامت بمسحهم سريعًا وهزت رأسها بنفيٍ، تشجع نفسها على الثبات والقوة. ستقاوم وتنساه. دلف ياسين غرفتها بعد رحيلها ونظر لبرود الغرفة الذي يماثل برود قلبه، انتبه للثوبين الملقين على فراشها بإهمال. جلس بفراشها وأمسك الثوب التي كانت ترتديه أمس.
يتأمله بهدوء حتى قربه من أنفه، ليقوم بشم العطر الذي دائمًا ما تتعطر به، تلك الرائحة التي لا تفارق مخيلته أبدًا، رائحة مميزة لها فقط، لأن العطر مختلط برائحة جسدها الطبيعية أيضًا، مما جعل هنا خليطًا جميلًا من العطور. فُتح باب غرفتها ودلف عماد للغرفة بكرسيه المتحرك. ونظر لياسين الممسك بثوبها ويبعده عن أنفه بهدوء، ناظرًا لعماد بنظرات خالية من الحياة، ولكنه عاد لينظر للثوب مرة أخرى. أغلق عماد باب الغرفة خلفه واقترب منه بحذر حتى ترك بينهما مسافات قليلة.
عماد: "براء." رفع ياسين رأسه ينظر له بهدوء. عماد: "أنا مبقتش فاهمك، أنت إيه؟ مرة تبقى قاتل ومرة تبقى عاشق؟ بس من الواضح للأسف إن مهما حصل أنت ما تستاهلش الحب." ابتسم ياسين بسخرية ولم يجبه. عماد بإشفاق على حاله: "طب طالما بتحبها سيبتها تمشي ليه؟ ياسين وهو ينظر أمامه بشرود: "عشان لازم يحصل كده." عماد باستفسار: "مش فاهم؟ تجاهله ياسين واستقام من فراشها، ولكنه ظل ممسكًا بثوبها وتحرك للباب. تضايق من أسلوبه ذاك وتحدث بغضب.
عماد بغضب: "هو مش أنا بتكلم؟ يبقى لازم ترد عليا." تجاهله ياسين أيضًا وكاد أن يقوم بفتح الباب. عماد بغضب: "رد عليا، ولا أنت خايف تعترف إنها كسرت قلبك؟ أوعى تمثل دور الراجل عليا، أنت لسه عيل صغير خايف بالنسبالي، رد عليا." انتشر الغضب بأعين ياسين والتفت له.
ياسين بغضب: "عشان أنا قاتل. هي ما تنفعنيش بشيء. هي تستاهل تعيش حياتها وتتجوز وتخلف وتبني عيلة. لكن معايا أنا لا، معايا أنا هتشوف اللي عمرها ما شافته، هتشوف جرايم بشعة، هتشوف حاجات كتير ما ينفعش تشوفها، مش هتعيش مرتاحة، هتفضل خايفة. فده الأفضل ليها هي." التفت مرة أخرى للباب وقام بفتحه، ولكن قبل أن يخرج. عماد باستفسار: "طب إيه الأفضل ليك أنت؟ ياسين بنظرة خالية من الحياة دون الالتفات إليه: "إنها تكون بعيدة عني."
خرج من الغرفة وعاد لغرفته. أما عماد لا يعلم بماذا يحكم عليه؟ ولكن ياسين لا يستحق الحب، فهو يبعد كل من يحبه عنه، حتى هو، أبيه. في فيلا هشام:
يجلس بغرفة ابن أخته يفكر كثيرًا. يبحث في أوراقه الموجودة بغرفته، لا يوجد دليل على معرفته بأحد الأشخاص السيئين. يبحث عن أي شيء يتعلق به، ولكن لا يوجد دليل على أي شيء غريب في الآونة الأخيرة. استلقى قليلًا على فراش هشام يفكر بعلاقاته بأصدقائه وبمعارفه، ولكنهم جميعهم يحبونه ولا يكنون له الضغينة أبدًا. إذا من قتله؟
أغمض عينيه بإرهاق وقام بتشغيل التلفاز لعله يشاهد أي شيء يشغله عن التفكير. يبحث في القنوات بملل ولكنه عاد لإحدى القنوات الإخبارية مرة أخرى وقام بزيادة مستوى الصوت أكثر. : "مع الأسف كما أخبرناكم سابقًا، لقد انتشرت حالات القتل في الآونة الأخيرة، لقد تم اكتشاف العديد من الجثث بأحد المصانع المهجورة. من الواضح أن تلك الجريمة حدثت منذ فترة وليست في تلك الأيام...
انتبه طارق لهاتفه الذي يصدر رنينًا. وجده أحد الضباط المسؤولين عن قضية هشام. طارق بلهفة: "وصلتوا لإيه؟ : "نوع الرصاصة اللي خرجت من المسدس اللي اتقتل بيه قريب حضرتك، هو نفس نوع الرصاص اللي موجود في مسدس مترخص لشخص اسمه عادل." طارق باستفسار: "قبضتوا عليه صح؟ أنا جاي حالًا أ... تحدث الضابط مقاطعًا
له: "مع الأسف الشخص ده متوفى، لقوا جثته مع مجموعة من جثث تانية امبارح، ده يبقى واحد من حرس رجل أعمال اسمه وائل سعيد اللي مع الأسف برضه لقيناه مقتول هو كمان ومن الواضح إن الجريمة اتنفذت بعد مقتل الدكتور هشام بساعات. فكنت حابب أستفسر، هل قريب حضرتك كان ليه تواصل مع الراجل ده قبل كده؟ هل كان في معرفة سابقة بينهم؟ هل فيه عداوة أو حتى صداقة بينهم؟
كل تلك الأسئلة تنهال عليه وهو صامت، يشعر بالصدمة مما سمعه للتو. قاتل ابن أخته مقتول! تحدث بتيه. طارق: "لا هشام ما لوش علاقة بالناس دي خالص، هشام كان في حاله وما كانش ليه دعوة بحد." تنهد الضابط ثم أردف. : "تمام يا دكتور طارق، إحنا مستمرين في التحقيقات بخصوص القضية التانية دي برضه، ولو وصلت لحاجة تخص مقتل الدكتور هشام هبلغ حضرتك."
أغلق طارق المكالمة الهاتفية مع الضابط وتدور الكثير من الأسئلة في مخيلته حول ما سمعه. قام أحد رجال رجل أعمال يدعى وائل بقتل هشام. إذًا كيف قام هشام بخطف مريم وفي ذات الوقت تم قتله من قِبَل ذاك الرجل؟ وكيف نجت الطبيبة من كل ذلك إذا كانت مع هشام في ذاك الوقت؟ إلا إذا قام هؤلاء الرجال بخطفها ومن قتلهم أنقذها. إذا من القاتل الحقيقي هنا؟ كانت جميع تلك الأسئلة تشير إلى إجابة واحدة فقط بالنسبة إليه ألا وهي "ياسين المغربي".
مرت ثمانية أشهر وانقطعت أخبار ياسين عن مريم، لأنها أرادت ذلك. قاطعت جميع وسائل التواصل الاجتماعي لكي لا ترى أي خبر أو سبق صحفي عن من قام بجرح قلبها، وقامت بالابتعاد عن مشاهدة التلفاز أيضًا لأنه مصدر من تلك المصادر أيضًا. كان يرهقها ذلك ولكنها أصرت على فعله، حتى وإن غلبها الشوق، فلم تسمح لنفسها بالضعف أبدًا. ولكنها تشتاق إليه، تشتاق إلى منقذها وحب حياتها. تشتاق إلى ذلك البارد، لماذا تشعر بأنه دائمًا يراقبها؟
لماذا تشعر بأنه دائمًا حولها؟
تشعر أنها يومًا ستلتفت للوراء وتجده وراءها يبتسم ببرود، بروده المستفز الذي اشتاقت له. دلفت للمشفى الخاص الذي تعمل به مهرولة لأنها متأخرة كالعادة، تبتسم للجميع بعملية وتحييهم والآخرون يبادلونها التحية باحترام. هناك فارق كبير بين تلك المشفى والمشفى الذي كانت تعمل به وهو مشفى ياسين المغربي. هنا يبادلها الجميع الاحترام، أما هناك لم تجد سوى الإهانة من طارق ومن طاقم المشفى بأكمله. قامت بتبديل ملابسها ثم اتجهت لغرفة مكتبها.
دلفت للغرفة اللطيفة المريحة لها، فعلى الرغم من صغرها إلا أنها كانت دافئة كثيرًا مقارنة بالطقس بالخارج، وتلك الغرفة كان يوجد بها سرير صغير في ركن جانبي من أركان الغرفة. جلست على كرسي مكتبها بارتياح وقامت بالتجهيز لعملها، وبعد دقائق انتبهت لهاتفها الذي يضيء باسم عماد. ابتسمت مريم بحب ثم أجابت.
مريم: "وحشتني أوي يا عماد." عماد: "وإنتِ كمان يا مريومة، عاملة إيه في البرد ده؟ مريم بتنهيدة وانشغال: "تمام، ما تقلقش عليا، المهم أنت كويس؟ عماد: "أيوه الحمد لله، أنا قلت أطمن عليكي قبل ما تبدأي شغلك، هبقى أكلمك بعدين، مش هتعوزي حاجة يا حبيبتي." مريم بابتسامة: "سلامتك يا عماد."
أغلقت المكالمة الهاتفية بينها وبين عماد وعادت بالتذكر، فقد كانت على تواصل بشكل مستمر مع عماد منذ رحيلها، وما تعجبته أنه أخبرها أن ياسين أتى له بهاتف نقال ومنذ ذلك الوقت وعماد يقوم بالاتصال بها يوميًا ليتحدث إليها ويطمئن عليها، ويخبرها أنه يشتاق إليها، ثم يغلق المكالمة الهاتفية بينهما. أغلقت عينيها بإرهاق واستندت بمقدمة رأسها على سطح مكتبها. لقد أرهقها عشقه. تألمت لفراقه. النسيان لم يكن بتلك السه
كانت تقف بغرفة مريض عجوز تبتسم له بهدوء وتسأله عن حالته وصحته. أشرقت بضيق وهي تقتحم الغرفة: "خليتي منظري زفت." تعجب المريض من تلك الطبيبة التي اقتحمت الغرفة. مريم بابتسامة للمريض: "ما تتخضش، دي أشرقت صاحبتي، هي بس مجنونة شويتين، عايشة في فيلم أجنبي." أشرقت بضيق: "نعم؟! إنتي بتهزري صح؟! مريم بابتسامة: "أشرقت، المريض اتخض، تعالي نتكلم بره." أمسكت مريم بذراعها وخرجتا من الغرفة. مريم بتنهيدة: "نعم؟! أشرقت بضيق:
"إيه اللي عملتيه ده؟ مريم بهدوء: "عملت إيه؟! مشيت عشان أشوف شغلي." أشرقت بجدال: "لا يا مريم، إنتي مشيتي لما لقيتي دكتور آسر بيقرب ناحيتك، وإنتي عارفة كويس إنه معجب بيكي، ده المستشفى كلها واخدة بالها من نظراته ليكي يا بنتي." مريم: "بلاش تعيشي في جو الأفلام ده بجد، إحنا المفروض كبرنا على الكلام ده." أشرقت: "لا مش جو أفلام يا مريم، نفسي أعرف إنتي بتهربي منه ليه؟!
دكتور محترم سمعته كويسة، ناجح في حياته، ده حلم أي بنت غيرك." مريم: "زي ما قولتي أهوه، غيري.. يعني مش أنا." صمتت مريم قليلًا ثم أردفت: مريم: "وبعدين لو شايفاه حلو ومناسب، إتكلي على الله وأهو نقول مبروك يلا." أشرقت بضيق منها: "إنتي باردة يا بت إنتي." ضحكت مريم ضحكات خفيفة وابتسمت أشرقت هي الأخرى، وصمتت تفكر في حال صديقتها، وما بها. مريم: "أظن يلا نبتدي شغلنا، ولا إيه؟ أشرقت بتنهيدة: "يلا."
أكملت الاثنتان سيرهما ونظرت أشرقت نحو إحدى الملصقات الملصقة بأحد جدران المشفى وعادت بنظرها نحو مريم. أشرقت: "مريوم." همهمت مريم لها. أشرقت: "ما تنسيش حفلة المساهمين بكرة." مريم بإنشغال: "مش ناسية." أشرقت: "ماشي، هبقى أعدي عليكي بكرة." همهمت مريم لها مرة أخرى. مر يوم الاثنتين بروتينهما المعتاد، لم يكن هناك أي عمليات جراحية خلال اليوم مما جعلهما يتابعان حالات المرضى وتغذيتهم. في المساء:
وقفت مريم أمام المبنى السكني الذي تسكن، نظرت له بهدوء فقد كان رائعًا، فلقد حالفها الحظ وسكنت به. ولدهشتها فقد كان إيجار الشقة التي تبقى بها خفيفًا عليها، صعدت لشقتها بالطابق الثاني. وقامت بفتح باب الشقة، ابتسمت لمن كانت تنتظرها عند الباب. مريم: "مساء الخير يا لولي." حملت مريم قطتها الصغيرة بين يديها وقامت باحتضانها بقوة معبرة عن اشتياقها لها. أغلقت الباب بقدمها، وتوجهت نحو غرفتها. وجدت أن قطتها أكلت الطعام كله. مريم
بابتسامة وهي تربت عليها: "برافو عليكي يا روحي، استني أحطلك أكل وبعدها هغير."
وضعت قطتها أرضًا وتوجهت نحو طعامها المجفف وقامت بوضع البعض منه في صحن قطتها. وبدأت قطتها بالأكل. قامت مريم بالاستحمام بالمياه الدافئة وارتدت ثيابها الثقيلة وخرجت لغرفتها. جلست بفراشها وقامت بتغطية نفسها وصعدت قطتها الصغيرة على الفراش وجلست على ركبتي مريم. تنظر لها بعينيها البريئة الواسعة، ابتسمت مريم لها وهي تربت على جسدها بهدوء. تعود بذكرياتها لذاك الوقت الذي تقابلت به مع تلك القطة الشيرازي النوع، فقد كانت تائهة
بالشوارع، طفلة صغيرة لا يوجد لها أحد. ذكرتها بنفسها كثيرًا وقررت أن تهتم بها. ومنذ ذاك الوقت وهي أنيستها، لا تشعر بالملل أبدًا بوجودها. بدأت قطتها باللعب بيديها تحاول الإمساك بيد مريم التي تبتعد عنها ثم تقترب منها مرة أخرى. تضحك مريم باستمتاع من قطتها البريئة التي تلاحق يدها. ولكن سرعان ما تحولت تلك الضحكات لدموع وبكاء. انتبهت القطة لصوت بكاء مريم التي كفكفت وجهها بيديها الاثنتين. اقتربت منها القطة بهدوء تنظر لها.
بكت بكاءً مريرًا على فراقهما. فقد كانت هكذا طيلة الأشهر السابقة، تُمثل القوة طيلة اليوم لكن عندما تكون في غرفتها تبكي. المكان الوحيد الذي تكون به على سجيتها.
في مساء اليوم التالي: تقف أمام مرآتها تقوم بتنسيق ثوبها الأسود الطويل وإرجاع شعرها الأسود المموج للخلف، قامت بوضع آخر اللمسات على وجهها وهو أحمر الشفاه. انتبهت لصوت مواء قطتها. مريم بابتسامة وهي تحملها: "مش هتأخر عليكي، ماشي؟ قبلتها ثم وضعتها أرضًا. مريم بابتسامة لها: "يلا باي."
خرجت من شقتها وهبطت أسفل الدرج حتى خرجت من المبنى السكني. كانت أشرقت تجلس بسيارتها تنتظر مريم، وذُهلت عندما رأتها. أصدرت أشرقت صفيرًا ينم عن إعجابها بمظهرها. ضحكت مريم من رد فعلها وصعدت بجانبها. أشرقت: "إيه يا بت الحلاوة دي؟ وجبتي الفستان القطيفة ده إمتى؟ مريم: "يا بنتي إحنا فايقين للأسئلة دي؟! يلا اتحركي عشان شكلنا اتأخرنا." أشرقت بإصرار: "لا قولي جبتيه إمتى؟ مريم بتأفف:
"يا ستي كنت بتمشى بعد المستشفى شدني الفستان ده، ارتحتي خلاص؟! همهمت أشرقت وبدأت بالتحرك بسيارتها. مريم: "على فكرة حلو الفستان اللي إنتي لابساه ده، شيك برده." أشرقت بغرور مصطنع: "من يومي يا بنتي عيب عليكي."
ضحكت مريم بخفة على إجابتها تلك وظلا يتسايران طوال الطريق. بعد مرور وقت قصير، دخلت الاثنتان قاعة كبيرة كل المسموع بها هو صوت النغمات الموسيقية الرائعة. كانت تلك القاعة ممتلئة بالكثير من الأشخاص لدرجة أن مريم شعرت أنها ستضل الطريق بين الضيوف. تسير بجانب أشرقت والتي تقوم بوكز ذراعها لتقوم بالنم معها على بعض الأطباء الموجودين بالحفل. وكان رد فعل مريم الطبيعي هو الضحك على تصرفات صديقتها. انتبهت الاثنتان لبداية الحفل عندما بدأ التصفيق الحار. نظرت الاثنتان باتجاه منصة القاعة وبدأ أحد مقدمي الحفل بالتحدث في مكبر الصوت.
مقدم الحفل: "أهلًا بيكم كلكم، نورتوا الحفلة. طبعًا أنتوا كلكم عارفين الحفل ده بمناسبة إن... كان الحديث بالنسبة لمريم شيء طبيعي فلم تهتم بباقي الحديث وانتبهت عندما وكزها أحدهم على كتفها. التفتت للخلف ووجدت زميلها بالعمل الطبيب آسر. آسر بابتسامة: "إزيك يا دكتورة؟ أخبارك إيه؟ كادت أن تتحدث مريم ولكن قلبها دق بعنف عندما سمعت اسمه يُنادى في مكبر الصوت. مقدم الحفل: "وطبعًا المساهم الأساسي هو ياسين المغربي."
التفتت سريعًا تبحث عنه بعينيها. لا تصدق. إنه هنا. صعد ياسين على منصة القاعة بهيبته المعتادة، وهنا تقابلت نظراتهما لثانية واحدة فقط، ولكن ياسين ابتعد بعينيه عنها. وبدأ بالتحدث. ياسين بابتسامة هادئة: "مساء الخير، أهلًا بيكم... أكمل ياسين ترحيبه بالضيوف ولكن من بعدها تجنب النظر نحو مريم التي تنظر له مدهوشة من وجوده بالحفل والذي يدهشها أكثر أنه المساهم الأساسي للمشفى الذي تعمل به. انتبهت لأشرقت التي وضعت يدها على كتفها.
أشرقت: "مريم." نظرت مريم لها بتيه. أشرقت باستفسار: "إنتي كويسة؟ هزت مريم رأسها سريعًا بالموافقة. ولكنها تشعر أنها ستفقد أنفاسها. مريم: "هروح الحمام."
هزت رأسها لها. ذهبت مريم للحمام وحاولت أن تهدأ. لا تصدق عينيها إنه هنا، الذي أرهقها عشقًا يوجد هنا بنفس المكان ولا تستطيع حتى التحدث إليه. لا تصدق أن تلك أصبحت النهاية بينهما. من اتجاهها هي. فقد كانت تحبه من طرف واحدٍ فقط. لا تصدق أنها مجبرة على إكمال الحفل دون المبالاة لوجوده معها. كم تتمنى أن يقوم بضمها بقوة حتى يقوم بتكسير عظامها تعبيرًا عن اشتياقه لها إذا كان يشتاق لها من الأساس!
تنهدت بعمق تحاول تشجيع نفسها على التعامل ببرود أمامه وأمام الجميع، فلقد كان صفحة قديمة بحياتها وقامت بتمزيقها. خرجت من الحمام وبدأت تبحث عن أشرقت ووجدتها تقف مع آسر. اقتربت منهما ووقفت بجانب أشرقت. آسر بابتسامة: "ما قولتيش رأيك يا دكتورة؟ نظرت مريم له باستفسار. آسر بابتسامة: "كنت بقترح لدكتورة أشرقت إننا نخلي المستشفى تطلع رحلة، إيه رأيك في الساحل أو مرسى علم؟
لم تستطع مريم أن تجيبه في شيء ووقعت عينيها على ياسين الذي يقف مع بعض من رجال الأعمال في الحفل ومن الواضح أنهم باقي المساهمين للمشفى. يرتشف العصير من الكأس الذي بيده بهدوء ويتحدث مع أحدهم. إنه يتعامل كأنها غير موجودة من الأساس. لم يُلقِ عليها التحية كما كان يفعل دائمًا، حتى وإن كان سيخبرها "طاب مساؤك". لكن لا. تجاهلها كأنها غير موجودة. انتبهت لأشرقت التي تعطيها كوبًا من الماء. أشرقت: "محتاجة تشربي؟
هزت مريم رأسها بهدوء وقامت برشف بعضٍ من قطرات المياه. ولكن الغضب يزداد بداخلها. كيف يفعل بها ذلك؟! لقد آلمها كثيرًا وها هو الآن يؤلمها أكثر بتجاهله إياها. تمسكت بالكوب الذي بيدها أكثر. فهو بارد. وبروده يستفزها أكثر. الحقير الذي لا يهمه وجودها معه بنفس المكان. لم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب نحوه بإصرار، حتى توقفت أمامه وبخطوة سريعة منها ألقت المياه التي بالكوب بوجهه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!