قعد عمر على السرير ودموعه نزلت وابتدى يفتح الرسالة ويقرأها. كان خايف ومش قادر يبص فيها، بس حسم أمره وقرأها. كانت رسالة مريم كالآتي: صباح الخير يا عمر. وأنت بتقرأ الرسالة دي، هكون في الطيارة. محبتش أسيبك كده من غير ما أقول لك اللي عندي. الأول، الفلوس دي اللي كنت بتديها لي من بعد ما اتجوزنا، مكنتش بصرف منها ولا جنيه. كل حاجة كانت من مرتبى. والدبلة سيبتها لك هي والدهب عشان مبقوش من حقي. أتصرف فيهم زي ما أنت عايز.
كان لازم أمشي. لو فضلت أكتر من كده، كنت هبقى باجي على كرامتي ونفسي. وده شيء ما سمحش بيه. اللي حصل امبارح كان غلطة، هفضل طول عمري ندمانة عليها. منكرش إني لسه بحبك، بس مع الوقت وكل ما أفتكر إنك ما عملتش أي حاجة عشاني، هدوس على قلبي وأنسى. وأنت كمان اتجوز وحب وعيش حياتك. مظنش هفرق معاك، لأنك محبتنيش يا عمر.
حبي كان من طرف واحد. دايماً كنت بتوجع من غير ما تحس. بس أنا مسامحاك. أصل الحب مش بإيدينا. مش عارفة هنتقابل تاني ولا لأ، بس أتمنى تكون بخير. بس هطلب منك طلب أخير، يا ريت محدش من أهلي يعرف باللي حصل. أنا هكلمهم وأقول لهم إني اضطريت أسافر وطلقتني يا عمر، عشان هيكون أحسن ليا وليك. عمر كان بيقرأ ودموعه نازلة. الورقة وقعت من إيديه. وفجأة قام بيكسر في كل حاجة وهو بيصرخ. قعد على الأرض تاني وحط راسه بين إيديه. بدموع: ليه كده؟
ليه كل الناس بتسيبني؟ حتى أنتِ يا مريم مشيتي بعد ما حبيتك. والله حبيتك. بس أنا كنت فاكر إنك سامحتيني. لاكن معاك حق، أنا غلطت في حقك كتير ومستاهلش السماح. بس مكنتش عايزك تمشي. مكنش فاضلي غيرك. مسح دموعه بعنف: بس مش هسكت. هدور عليكي لو في آخر الدنيا وهعمل أي حاجة عشان تفضلي جنبي. هتغير عشانك يا مريم. *** "انت مش ناوي تنزل الشغل بقى؟ قالتها رقيه وهي قاعدة بتتفرج على التليفزيون مع زيد.
بصلها باستغراب: غريبة، يعني أول مرة تسأليني. بهدوء: عادي، أصل بقالك فترة واخد إجازة. اتنهد: متحطيش في بالك. بصتله: مالك يا زيد؟ انتبه ليها وتلقائي عيونه قابلت عيونها وسرح فيهم. رقيه اتكسفت ولفّت وشها الناحية التانية، وزيد ابتسم على حركتها. أنا كويس، متقلقيش. سكتت بعدين قالت: زيد، هو ليه خالي ومرات خالي مجوش عندنا؟ هما زعلانين مني في حاجة؟ عيونها دمعت: حتى خالي مجاش يطمني عليا بعد اللي حصل.
ارتبك واتوتر ومش عارف يقولها إيه. بصلها بجمود: رقيه، إحنا ما عادش لينا رجعة تاني على بيت أهلي. بذهول: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ يعني إيه ملناش رجعة على هناك تاني؟ هو إيه اللي حصل عشان تقول كده؟ قام وقف: ملكيش دعوة، اسمعي اللي بقولك عليه وخلاص. بغضب: مستحيل طبعاً، أنا مش جارية عندك عشان أسمع وأنفذ كل اللي بتقوله. ببرود: وطّي صوتك، مش هقولها تاني. "ملكش دعوة، إحنا مش هنمشي على مزاجك."
اتنهد ومسح بإيديه على وشه: يبنت الناس، اتجنبيني عشان لو اتعصبت مش عارف ممكن أعمل إيه. نفخت بضيق: ممكن تفهمني طيب؟ أنت عايز توصل لإيه؟ قعد مكانه: مفيش حاجة عايزة أوصلها. إحنا بس عزلنا من بيت أهلي عشان بناتنا نعرف نهتم بيهم، فهمتي؟! حكت تحت دقتها بإديها: امممم، هي وجهة نظر تحترم وكل حاجة، بس أنا مش مصدقاك. ضحك: براحتك. بصتله باشمئزاز: ماشي يا زيد، حيث كده بقى اتصل بحمزة يطلع يتعشى معانا. انتبه ليها: أنتِ بتقولي إيه؟
ببرود: والله ده اللي عندي. بجدية: رقيه، مش معنى إني متساهل معاكي في المعاملة تسوقي فيها. أنتِ عارفة كويس إني مبكلمش حمزة. بضيق: إيه اللي يستاهل تقاطع أخوك عشانه كل ده ويمنعك تشوفه وتحضنه أول ما يرجع من الغربة؟ بص بعيد عنها ومتكلمش. قربت منه وقعدت جنبه: زيد، الدنيا مش دايمة لحد. إحنا موجودين النهارده، لاكن محدش عارف بكرة مخبي لنا إيه. حمزة أخوك الصغير، من إمتى وانتوا بتقاطعوا بعض؟
ابتسمت: فاكر لما كنا بنلعب أنا وأنتوا ومريم واحنا صغيرين؟ كان أي حد يضرب حمزة كنت بتفتح دماغه. كنت بتاع مشاكل أوي. ضحكت وزيد ضحك معاها، بس كشّر تاني: وأنتِ يا رقيه؟ باستغراب: أنا إيه؟ اتنفس بعمق: بعدتي ليه عننا وخدتي جنب؟ مبقتيش تكلمي غير مريم، حتى بعد ما... سكت شوية وكمل: حتى بعد ما اتجوزتي. رقيه عيونها دمعت: الله يسامحه أبويا بقى، مكنش بيحبكم. ضحكت بغلب: كان يطيق العمي ولا يطيقكم.
كشّر: وأنا والله ما كنت برتحله الراجل ده. ضربته في كتفه: احترم نفسك. وبعدين بابا مبقاش موجود دلوقتي، مينفعش نجيب في سيرته. ربنا يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته. ابتسم: ماشي يا ستي. أنا هقوم أكمل شغلي عشان راجع الشركة بكرة. ابتسمت: ماشي. *** فات تلات أسابيع. مفيش أي أحداث. لا عمر لقي مريم، ولا زيد كلم حمزة. حتى علاقته برقيه بقت شبه جافة من ساعة ما رجع الشغل.
أبو زيد بيطمن على رقيه من التليفون، وأمه مبسوطة لأنها مبقتش تدخل البيت، لاكن كمان زعلانة إن ابنها قاطعها بسببها. نواره خلصت امتحانات، والنهارده أول يوم شغل ليها. الغريبة إنه عبده مبقاش يتعرض لها زي الأول، لاكن نظراته ليها مش مريحاها وحاسة إن فيه مصيبة هتحصل لها.
دخلت العمارة وطلعت الشقة. خدت نفس عميق ودخلت. كان الباب مفتوح طبعاً. وكذا موظف قاعدين على مكاتبهم وبنتين تحت التدريب. قربت من مكتب زيد، خبطت على الباب، سمحلها بالدخول، فدخلت. أول ما شافها ابتسم لها وقام وقف: اتفضلي، واقفة ليه؟ قعدت بتوتر. فحمزة قعد قصادها: أخبارك إيه بقى؟ بهدوء: الحمد لله بخير. ابتسم: طب كويس. جاهزة للشغل؟ هزت راسها،
فأتكلم بجدية: تمام، مكتبك قدام مكتبي لو لاحظتي قبل ما تدخلي. المهم، أنا فهمتك آخر مرة اتقابلنا على طبيعة الشغل وكل حاجة. فركت إيديها، فلاحظ عليها التوتر: أستاذ حمزة، كان عندي كام نقطة كده ممكن أوضحهم. آه طبعاً، اتفضلي. بقلق: أنا لسه مخلصة امتحاناتي، بس نتيجتي مظهرتش. يعني أول ما... قاطعها: أنا فاهم كويس تقصدي إيه. ويا ستي متقلقيش، أول ما تبدأي الكلية تقدري تيجي وقت ما تحبي، بس تكوني مخلصة شغلك أول بأول.
فرحت جداً، وبان عليها ده. فحمزة بص لها شوية، خدت بالها واتكسفت. نواره سمرة نوعاً ما، وده كان مسبب لها مشاكل كتير في حياتها بسبب التنمر. لا عرفت تحب ولا تتحب. لاكن عيونها زي عيون الغزلان، واسعة وجميلة، ويمكن هي اللي مميزاها. عانت كتير في حياتها، تقريباً الثقة في أغلب الناس منعدمة عندها.
ولا عمرها فكرت غير في دراستها وبيتها وأهلها. كانت دايماً متفوقة وبتحب تطلع من الأوائل. لاكن حلمها بسيط، وهو كلية التمريض. سابوا بيتهم في الصعيد عشان تيجي تكمل تعليمها في مصر. بس منسوش لهجتهم، مع إنهم اتأثروا كتير بعادات أهل البندر وتقاليدهم.
اتعرفت على صحاب، ولاكن كنوع من أنواع المعرفة. مقربتش من حد ولا فكرت تحب. أعتقد كانت شايفة نفسها قليلة بسبب سمارها، رغم إن ملامحها جميلة وجسمها مظبوط. ركزت في دراستها أكتر من اهتمامها بعلاقتها بالبشر. وحالياً هي بتسعى لحلم واحد مهما كلفها الأمر، وهو "التمريض". حمزة فاق من شروده فيها واتكلم بهدوء: احم، تشربي إيه؟ لسه هترد عليه، سمعوا صوت زعيق برا. طلعوا برا وكان...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!