مرقت فلوكة مسعد عبد الدايم من بين حشائش الحلفه والقصبه ثم جدف تجاه عمق مجرى النيل. كان الجو رائق، وأسماك الشلبه الليليه تتلاعب قرب سطح الماء محدثه تموجات طفيفه. وكل حين وحين تسمع ضربة شاموش او قرموط قرب الضفه محدثا فقاعه مائيه. انتظرت حتى افرد مسعد عبد الدايم شباكه البلدى داخل مياه النهر ومرت القرعايه من أمام عيني. مش بحب الانتظار ولا إلى يخليني أنتظر. خبطت على الباب.
لو كانت أنثى غانيه داعره، من الأفضل أن أتعرف عليها الآن. لم أسمع شيئاً داخل البيت، وهذا خلاني أدخل من الشباك المخلع. ناديت: "حد هنا؟ لم أتلقى أي رد. تجولت في أرجاء البيت القديم ولم أقابل إنسان، حتى ظهرت قطة أخيراً قفزت من الشباك وهربت. يعني مسعد عبد الدايم كان بيتكلم مع قطة؟ طيب والقطة دي لها صوت أنثى رقيق داعر! قعدت على حصيرة مسعد عبد الدايم وولعت سيجارة. البيت دا الوحيد اللي بعيد عن بيوت القرية.
تحس إن صاحبه منعزل عن البشرية وعايش مع نفسه. أثاث رخيص متهالك قديم، وأواني نحاسية صدئة، كنكة ووابور جاز ولمبة جاز. لكن على الحيطة فيه صورة متعلقة. ولما قربت منها مكنتش صورة، كانت خريطة مرسومة باليد البشرية. رسم بدائي لحدود القرية، بس مركز أكتر على الجبل اللي جنب القرية. جبل مهجور مفيش فيه أي حياة. داخل الجبل المرسوم كان فيه كهوف، وكل كهف ليه اسم غريب. وعلى مدخل كل كهف مكتوب كلمات تشبه تعويذة بلغة غريبة.
مفيش فايدة من القعاد في بيت مسعد عبد الدايم. فتحت الباب وخرجت وقفلت الباب ورايا ومشيت في نفس الطريق اللي وصلت منه. وخيل لي أنني سمعت صوت قادم من النيل فتوقفت لحظة ثم واصلت سيري. لم تمر لحظات بعد سير عوني تجاه القرية في ظلام الليل حتى لاحت فلوكة مسعد عبد الدايم. لكنها لم تكن تحمل رزق السمك الذي منحه له الله. بل أنثى جميلة بشعر أصفر ناعم تجلس على البطن.
تلبس قميص أحمر وعينيها مثبتة على البيت وعلى الطريق الذي اختفى فيه عوني. أخذتني قدمي تجاه البقعة التي قابلني فيها البيت الذي كانت فيه الفتاة التي رأيتها. البيت الذي اختفى من تلقاء نفسه في اليوم التالي على أمل أن أراها. كانت البقعة خالية لا بيت ولا زرع فيها. ومن بعيد لاحت البئر الملعون، الذي تسكنه الأشباح. انعطفت بعيداً عنه. بعد اللي حصل المرة اللي فاتت، كان لازم أكون بعيد عنه. ودون أن أشعر استحضر عقلي
كلام مدير مكتب البريد: "محدش بيقدر يخرج من القرية دي يا عوني." "واللي حاول يخرج.......... " لم يذكر المدير إيه اللي حاول يخرج حصل معاه إيه. لأني مسمعتش ليه يكمل الخرافة اللي كان بيحكيها. رغم كده الفضول نهشني، ليه محاولتش أنا أخرج من القرية بنفسي وأشوف هيحصل إيه؟ على الأقل أفضل عن ما أرجع للبيت المسكون بالأشباح. والستات الغريبة اللي بتخبط عليه كل ليلها. عمرت الخطه في عقلي جيدا، بكرة الجمعة ومافيش شغل.
وكان معي من السجائر ما يكفيني لحدود الصبح. أخذت الطريق الرئيسي للقرية. البيوت كلها مغلقة، حتى الحانة خلصت شغل. مش سامع أي صوت، كأن القرية بتموت في الليل. أو يمكن فيه أصوات لكن مش واصلاني. أشعلت سيجارة ومشيت وأنا حاكم إغلاق معطفي على جسمي. القرية صغيرة مش كبيرة، يعني نص ساعة وأوصل نهايتها. مررت على البيوت واحد ورا التاني لحد ما البيوت خلصت. ودا كان إشعار إن طريق القرية قرب ينتهي وهخرج منها.
بصيت على ساعتي لقيتها توقفت والطريق لسه مستمر قدامي. هبت ريح باردة فجأة وسمعت أصوات متداخله. بعدها وبعد أن أصغيت السمع عاد الصمت مرة تانيه وكملت سيري. وبعد أكتر من ساعة ونص من المشي المستمر وتدخين السجاير ظهر قدامي بيت مضاء. تنهدت براحة ومشيت بسرعة أكبر. وكل ما أقرب أقول في نفسي: "أنا عارف البيت ده، شكله مش غريب علي." لحد ما دخلت حديقته ووقفت قدام بابه. البيت كان بيتي اللي أنا ساكن فيه. طيب إزاي؟ مسكت دماغي بجنون.
طريق القرية مستقيم وأنا كنت ماشي في الاتجاه المعاكس لموقع بيتي. إزاي رجعت هنا؟ ثم أنا متأكد حتى لو كنت اتجننت ولفيت بلا وعي مني وأنا ماشي إني مشفتش أي بيت من بيوت القرية في طريقي. أطلقت صرخة غضب شقت سكون الليل حتى أنني سمعت صداها في الجبل القريب. انفتح باب منزلي كأنه يدعوني للدخول. لم أندهش، أعرف أن البيت مسكون بالأشباح. جررت قدمي وروحي البائسة إلى باب بيتي. ومن شدة لا مبالاتي لم ألحظ الفتاة التي ظهرت أمامي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!