التحذير على الباب ما كانش هزار. لقيت نفسي متحاصر، بس البيت من الداخل رجع هادي مرة تانية كأنه بيقولي ارجع اقعد متخافش. رجعت قعدت في الصالة لحد الصبح، أشرب شاي وأدخن سجاير. لم يغمض لي جفن.
روحت الشغل وأنا مصمم أكتشف سر القرية دي، أو على الأقل اللي بيحصل معايا. في الشغل قابلت زمايلي اللي ما كنتش مهتم أعرف حاجة عنهم. اكتشفت حاجة غريبة، كلهم مش متجوزين. والأغرب من لحظة قدومهم للقرية مفيش إجازات، يعني محدش منهم خرج من القرية. سألت: "طيب إزاي؟ مفيش حد فيكم فكر يزور أهله؟
ولما سمعت الإجابة اتصدمت: "غالبية العاملين داخل مكتب البريد مقطوعين من شجرة." ولما فكرت شوية صدمتي بدأت تقل، أنا كمان مقطوع من شجرة. طيب ليه محدش حاول يغادر القرية؟ إيه السبب اللي يجبرهم يتحبسوا جوه القرية؟ مدير مكتب البريد راجل أربعيني يتمتع ببعض الحكمة. قال لي: "هو أنت يا أستاذ عوني ما أخدتش بالك من عقد الشغل اللي وصلك؟
في عقد التعيين فيه بند إنك لا تغادر القرية إلا لما يوصلك خطاب رسمي من الجهة الحكومية ينهى فترة شغلك هنا. وعلى مدار السنين اللي فاتت مفيش حد وصله الخطاب ده." ما قدرتش أستحمل كل الهري ده. "ده مش معقول يا أستاذ عبد الجواد، مش ممكن يكون كده. أنا فعلًا ما قرأتش إخطار التعيين، لكن اللي بتقول عليه يشبه الجنون!! هو فيه مراسلات بتوصل هنا غير لمسعد عبد الدايم؟ صمت عبد الجواد دقيقة، كأنه بيفكر.
"يقول لك إيه، آخر شخص فكر يسيب القرية يا أستاذ عوني ما قدرش. القرية رفضت خروجه." "رفضت خروجه إزاي بقى يا أستاذ عبد الجواد؟ وقفت له غفر؟ ولا عساكر النوبة ضربوه بالكرابيج؟ ابتسم عبد الجواد. "من حقك تسخر يا أستاذ عوني طبعًا، لكن لو مش مصدقني اسأل في القرية شوف آخر شخص خرج منها كان مين؟ وإمتى؟ تنهدت بضيق. وأنا اللي كنت فاكر هألاقي هنا إجابات على أسئلتي، أسمع شوية قصص خيالية وخزعبلات؟
أخدت بعضي ومشيت، كده كده مفيش شغل والبوستة أشبه ببيت العيلة اللي بيجمع الموظفين. كانت نظراتي لأهل القرية مختلفة تلك المرة. إنهم يمارسون حياتهم الطبيعية خلال النهار، يزرعون ويحصدون ويتزاورون كأن لا شيء غريب في حياتهم، بينما يغلقون بيوتهم مع غروب الشمس. عرجت على منزل السباك، لم أكن أحتاجه في شيء، لكنه أول من ألقى إلي الأسرار. لم أجد السباك، بل وجدت زوجته. وكان عليّ أن أختلق أي حديث. فقلت بلا تفكير:
"طلب مني زوجك أن أمر عليه لأخذ تميمة أعلقها على منزلي. لقد وصلت القرية حديثًا ولا أمتلك تميمة." دلفت المرأة داخل البيت وأحضرت قطعة نحاسية صغيرة على هيئة قزم وفراشة. فعلت ذلك كأنه أمر عادي لا غرابة فيه. "علق هذه على باب بيتك لن يصلون إليك، إنهم يحترمون عهودهم القديمة."
شكرت المرأة ومشيت تجاه منزلي ساخرًا من نفسي. وقفت دقائق على مدخل حديقة المنزل أرمق الحقول البعيدة. هناك يقبع منزل مسعد عبد الدايم، الشخص الوحيد الحقيقي في هذه القرية. لم تكن لي رغبة في دخول منزلي. جلست على مقعد أتابع الشمس حتى الغروب. بعدها، وعندما أقفلت كل بيوت القرية أبوابها، انطلقت بين الحقول بلا غاية محددة، تاركًا الرعب والخوف خلف ظهري.
قابلني نقيق الضفادع في الحقول والسكون الرهيب الذي يعم كل أرجاء القرية. مررت على حقل ذرة، وبعد عشرين دقيقة من المشي لاح منزل مسعد عبد الدايم. كان غارقًا في الظلام مثل قلعة مصاصي دماء. من تحته تنساب مياه النهر بين ضفتين نبتت عليهما حشائش الحلفا والغاب والغبيره. بين الحشائش تقبع فلوكة مسعد عبد الدايم.
وقفت بلا حركة أراقب المنزل والدخان يتصاعد من سيجارتي. وبدا لي أنني انتظرت إلى ما لا نهاية حتى هيأ لي أنني سمعت صوتًا داخل منزل مسعد عبد الدايم. ما أعرفه أن مسعد عبد الدايم غير متزوج، بينما الصوت الذي سمعته كان صوتًا أنثويًا. ثم توقف الصوت فجأة وخرج مسعد عبد الدايم. واحترت، أذهب خلفه أم أدخل المنزل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!