في مكتب البريد صباح اليوم التالي، كان بداية الشهر، الأول من كانون عام 51. قضيت ليلته مرعبة في المنزل، هاجمتني أحلام مزعجة ولم تتوقف المصابيح عن إزعاجي. لا يدخل مكتب البريد أي فرد من القرية، لذا يقوم الموظفون، من حضر منهم، بتسلية نفسه بالأكل والقصص.
الساعة العاشرة حضرت عربة البريد، عربة خشبية يجرها حصانين، كانت تحمل رسالة واحدة باسم مسعد عبد الرؤوف. وقع عامل البريد على استلامها، قال إنه سيرسلها لاحقًا، لكني أقنعته بأنني سأقوم بتوصيلها بنفسي.
كان على الانصراف وأخبرتهم أنني لا أعود مرة أخرى. وضعت الرسالة في جيبي وانطلقت لمنزل مسعد عبد الرؤوف. بمساعدة الأهالي، توصلت لمنزله، بيت قديم من طابق واحد قريب من النهر، أمامه حديقة صغيرة من العشب. طرقت الباب الذي أصدرت مفصلاته صريرًا مزعجًا، باب متهالك على وشك السقوط. لم أتلق أي رد. درت حول المنزل محاولًا النظر من إحدى نوافذه. "ماذا تفعل هنا؟ " سألني رجل يحمل في يده عتلة حديدية. "من سمح لك بالتعدي على ملكيتي الخاصة؟
اندهشت أن الرجل لم يعرفني، لقد عرض علي خدماته منذ يوم واحد فقط. كان غليونه يتدلى من فمه، في قدمه عرج بسيط. "لا تعرفني؟ " قلت. "كيف أعرفك بحق الجحيم؟ تحضر هنا، تتلصص علي وتدور حول المنزل، ماذا يعني ذلك؟ كان الرجل واعيًا لكماته مما أصابني بالارتباك، عينيه مختفية داخل محجريهما. قلت: "أنت عرضت علي المساعدة أمس في منزلي؟ "أنا؟
" ورفع الرجل كتفيه باستنكار. "لم أغادر منزلي منذ عام إلا للذهاب للنهر، كيف تزعم" وصوب العتلة تجاه وجهي "أنني كنت في منزلك؟ ثم أين منزلك بحق الشيطان؟ أنت من أهل القرية؟ "أنا موظف البريد الجديد." "وماذا يعني ذلك؟ كيف تتطفل على، أنت غير مرحب بك هنا، ارحل." شعرت أنني بحاجة للمماطلة. أخرجت الرسالة من جيبي. "وصلت إليك رسالة! حملق في الرجل بارتياب. "أين عبد الدايم؟ "على كال حال، ذلك العجوز المتهالك مات؟
"لا،" قلت، "لكن طلب مني أن أوصل لك الرسالة." مشي الرجل خطوات تجاهي وأنا أتفرسه، كان هو لا شك لدي. تناول الرسالة ووضعها في جيب معطفه. "يمكنك الرحيل ولا تعود هنا مرة أخرى، أنا لا أستلطفك." ثم حدق لبعيد بعين تائه. "أين تسكن؟ " قلت. "في المنزل الكبير على أطراف القرية." "امممم، ارحل، يمكنك الرحيل." دلف الرجل لمنزله وصك الباب خلفه. وضعت يدي في جيب بنطالي وأخرجت لفافة تبغ بطريقي نحو المنزل. "لماذا يدعي أنه لم يحضر لمنزلي؟
قال إنه لم يغادر بيته منذ أعوام، ماذا يعني ذلك؟ كان السباك ينتظرني أمام المنزل. اعتذرت له، كنت نسيت الموعد. أنهى عمله بسرعة ورفض تلقي أجرته. قال: "اعتبر ذلك واجب ضيافة." أصررت أن يأخذ ماله، لكنه رفض. "ستلاحقني لعنات الشياطين إن فعلت." "اسمع ونظر تجاهي."
"من الأفضل لك أن تبحث عن منزل آخر. هذا البيت لا يرحب بضيوفه وكل من يسكنه محكوم عليه بالفناء. أقول ذلك لأنك تعجبني رغم أنه محرم علي. ربما تكون الأيام رحيمة بي ولا يلحق بي أي أذى." بدا حزينًا وخائفًا ومرتابًا لأنه تعدى حدوده، كأنه ألقى نصيحة ما كان عليه أن يقولها. اختفى السباك بين أشجار الحديقة، غاب عن نظري. "كل شيء يدعو للارتياب. حضرت منذ يومين وأكاد أشك في صحة قواي العقلية."
أعددت وجبة خفيفة وأنا أفكر في كلام مسعد عبد الرؤوف، هذا الرجل يخفي سرًا. القرية كلها تخفي سرًا. مضت ساعات قبل أن تغرب الشمس. صكت كل منازل القرية أبوابها وخلت الطرقات من المارة. أحتسيت فنجان قهوة وأشعلت سيجارتين. وضعت كشاف في جيبي وانطلقت نحو منزل مسعد عبد الرؤوف. كان الفضول ينهشني ولم يسمح لي بالتوقف ولا بالتفكير العقلاني.
عندما اقتربت من المنزل، رأيت مسعد يخرج من منزله. اختفيت خلف جذع شجرة. واصل الرجل سيره وهو يترنح حتى وصل حدود النهر، هناك ارتقى فلوكة صغيرة وراح يجدف بعيدًا. تابعته حتى اختفى، ثم قصدت منزله. انفتح الباب بسهولة. "هذا الرجل يخرج ليلاً، على عكس عادات أهل القرية." قابلتني رائحة سمك مملح أزكمت أنفي. منزل بسيط من الداخل، عبارة عن غرفة واسعة بها موقد وبعض الأواني، طاولة مهشمة ومقعد، على الأرض حصير من القش.
تأملت المنزل قبل أن تقع عيني على الرسالة. كانت موضوعة في صندوق خشبي مفتوح، تحتها كومة من الرسائل لازالت لم تُفض بعد. تناولت الرسالة، فضضت المظروف وقرأته. "لا زلت حي، لم تمت بعد." صمت لدقيقة قبل أن أفض رسالة أخرى، نفس الكلمات. لم يتغير ولا حرف. رسالة أخرى. كانت الكلمات تتكرر كما هي، ولا رسالة فتحت من قبل مسعد عبد الرؤوف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!