الفصل 4 | من 24 فصل

رواية القرية الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
22
كلمة
1,319
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

مسدت وجهي بكفة يدي متمنياً أن تنمحي مخاوفي ويعود كل شيء لنقطة البداية. أنهضت جسدي المرهق غير المتزن، قصدت باب المنزل تحت أنظار وميض مصابيح متقطع. صككت الباب خلفي. في الحديقة تنشقت جرعة هواء بارد منعشة. ودعت المنزل على أنغام سيمفونية بيتهوفن التاسعة وأنا أسير على أوراق أشجار جافة لها حفيف محزن. المكان الوحيد الذي أعرف أنه لا يزال ينبض بالحياة حانة القرية على حافة المدينة الميتة.

مشيت بين البيوت المغلقة، منازل عامرة بالبشر تخضع لسكون دامٍ. لا صوت، لا همسات، لا صراخ رضيع، ولا احتجاج امرأة. وكان هناك شيء لامع على أبواب المنازل رأيته كلما انعكست الإضاءة على جدران المنازل. شيء يشبه تمثالاً صغيراً أو قطعة معدن. في كل مرة تدهشني هذه القرية حتى أنني اعتدت غرابتها. وتذكرت عندما سألني السباك حينما كان في منزلي باندهاش: "ألم يمنحك عبد المتعال أوشابتي لتعلقها على باب المنزل؟

الآن فهمت ما يعنيه "أوشابتي"، قطعة نحاسية لعينة من أيام الفراعنة. أنوار حانته تسطع من بعيد منعكسة على بقايا شجرة صفصاف. كانت حانته ممتلئة بحفنة من البشر. جلسوا على مقاعد قديمة أمامهم طاولات قذرة. قابلني نادل غزت وجهه الدمامة بنظرة باهتة مصدومة. "كيف حضرت هنا في ذلك الوقت؟ " قال باندهاش. "كيف خرجت من منزلك؟ تفحصت ساعتي. كانت تشير للحادية عشر ليلاً. قلت: "عادي، الساعة لا تزال الحادية عشر."

قال النادل بصدمة: "يعني لم يقابلوك؟ قلت: "لا، لم يقابلني أحد. ثم من قد يمنعني من السير في الطرقات؟ قال النادل: "أنت محظوظ." ثم صرخ أحد الناس على النادل، فتركني ورحل. رمقني رواد القهوة بصدمة، المحليون منهم، بينما بدا الأمر عادياً للموظفين من خارج القرية. بينما سرت نحو النادل مرة أخرى. "ماذا تعني بقولك؟ للقهوة مواعيد محددة؟ "لا تشغل بالك،" قال النادل وهو يرمق الطريق خلفي. "تفضل بالدخول." "شاي، أم قهوة؟ "قهوة من فضلك."

جلست على أحد المقاعد بجوار موظف رأيته مرة بجوار مكان عملي. رحب بي الرجل بابتسامة كبيرة. "مرحباً بك في القرية الصامتة." قلت: "أهلاً وسهلاً." أردف الرجل بتذمر: "لا أعلم لماذا ترسل بنا الحكومة إلى تلك القرى البعيدة المنعزلة." "تصور، منذ حضرت هنا للوحدة الصحية لم يحضر لنا مريض واحد. أهل هذه القرية لا يمرضون! قال زميل لي بالعمل لم أكن لاحظته بعد: "وأنا لم أرسل ولا برقية حتى الآن."

"مكتب بريد حديث، صُرف عليه آلاف الجنيهات من أموال ضرائب الشعب، لا يطرقه أحد ولا نفر. اللهم إلا من رسالة شهرية ترد إلينا من خارج القرية لأحد الفلاحين يدعى مسعد عبد الرؤوف." "تصل كل شهر في موعدها ونقوم بتوصيلها للشخص المعني الذي يفتحها أمام الموظف، يبحلق فيها ويقوم بتمزيقها فوراً." همس عامل الوحدة الصحية: "هناك شيء آخر. أشتري كل يوم من البقال شاي وسكر وكافة احتياجاتي. لا شيء ينقص في دكانه ولا أعلم من أين تأتي بضاعته؟

رد عليه زميلي في العمل: "أهل هذه القرية منقطعون عن العالم، أشك أن لا أحد منهم أقرباء خارج القرية." رحت أستمع لحديثهم الغامض، الباهت. وفي عقلي ومضات للمواقف التي حدثت معي في المنزل. وشعرت بالألفة بينهم وأحببت جلستهم. "شطبنا،" قال النادل وهو يشير لساعة عتيقة علقت على الحائط. نهض كل الحاضرين، بدا أنهم معتادون على ذلك. نهضت أنا الآخر وأنا أعاين الساعة. منتصف الليل تماماً.

بدأ عددنا يتناقص مع كل الخطوات التي نبتعد فيها عن القهوة. منزلي على مشارف القرية، لذا كنت أنا الشخص الذي يمشي بمفرده في النهاية. لطالما كنت وحيداً في حياتي رغم الزحمة التي تحيط بي. لا أحتاج لتذكير بذلك. لكن السكون والظلمة صور مؤطرة لتاريخي الحافل مع العزلة. المنازل مغلقة على جانبي الطريق. أسير وأنا أُدندن، في فمي لفافة تبغ. حتى كلاب تلك القرية لا تنبح ليلاً. لم أرَ ولا قطة في الطريق أو تعبر بين المنازل.

قلت: "حتى السباك لم يظهر اليوم." استقبلتني الحديقة الكئيبة بأشجارها الضخمة. مجموعة من الحراس بظلال طويلة تشيعني نحو المنزل. باب المنزل مغلق كما تركته. الموسيقى تصدح أيضاً. مع اقترابي من الباب شعرت بحركة. خطوات أكثر من شخص تتحرك في الرواق. وضعت يدي على مقبض الباب المذهب. كان المعدن بارداً الملمس. انفتح الباب بسهولة ويسر. على ضوء المصابيح مسحت الرواق الذي كان خالياً. وضعت قدمي بتردد داخل المنزل.

المقاعد، الطاولات، كل شيء في مكانه. كان الوضع أقل مأساوية الآن. الصورة الملتقطة على الجدار كاملة. أربع فتيات جميلات مبتسمات للكاميرا. اقتربت من الصورة، حدقت بوجه الفتاة التي أعتقد أنني رأيت طيفها في القب. شابة نحيلة بملامح وجه حادة، تمتلك ضفيرة شعر طويلة سابحة على ظهرها. هالني وجه التطابق بين الصورتين لدرجة لا يمكن تجاهلها. هناك مكتبة. للذهاب بعيداً، سحبت أول كتاب وقع في يدي.

مجلد يؤرخ للغرب الأوروبي، العادات وطرق المعيشة. وجدت بعض القصص اللطيفة. دخنت سيجارتين مع فنجان قهوة. لكن قلقي لم يرحل. أشعر أن جدران المنزل تضيق علي. كل شيء قابلته في هذه القرية منذ أول لحظة وحتى الآن غريب جداً. استلقيت على الأريكة تحت ضوء المصابيح المتقطع وحاولت النوم. قاومني ملك الأحلام أكثر من ساعة قبل أن أغلق عيني وأتدحرج نحوي كابوس مرعب. أنا خلف المنزل، أقف أمام شجرة تحتها شاهد قبر. من فوقي ينعق غراب بعين واحدة.

الظلام يتسع، يبتلع الحقول، يطغى على ضوء القمر. أمامي قطعة رخام عليها اسم وتاريخ. أنحني لأدقق في الاسم، تخرج يد من القبر تمسك بعنقي، تسحبني نحو الأرض. فتحت عيني بصعوبة وأنا متعرق. أكره الأحلام والكوابيس. ثم لاحظت شيئاً غريباً، أنا لن أنام سوى خمسة دقائق فقط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...