أشعل سيجاره على باب منزل مسعد عبد الرؤوف المتهالك محدقًا بالنهر. البقعة التي التهم فيها الليل الفلوكة. إنه الشخص الوحيد الذي يتجول ليلاً وتصله رسائل من خارج البلدة. انتابني الفضول. لم أصدق أبدًا فكرة أنه ذاهب لصيد أسماك البلطي. تسمرت في مكاني. كل ما يحدث لي هنا عجيب. هذه القرية اللعينة ستفقدني صوابي. السباك، البقال، وكل أولئك الحثالة المقيمين هناك. لماذا يخشون الليل ويحتمون بمنازلهم؟
وما سر تلك التمائم التي يحمون بها منازلهم في الليل؟ راح فضولي ينهشني. جلست على الأرض في شرود وهواء بارد يلسعني. أنهيت ثلاثة لفافات تبغ ولم أفلح في إيجاد مبرر يقنعني. كان لدي طريق طويل لأقطعه. لذلك نفضت ملابسي واستدرت خلف منزل مسعد عبد الدايم وسط الظلام. وأنا أشعل لفافة تبغ أخرى.
كنت في الجهة الشمالية من القرية حيث مزارع العنب والبرتقال والرمان وحقول الذرة التي لا آخر لها. أسير بين منازل ميتة. لا حركة فيها ولا روح. وشعرت في عمقي بلذة التبغ وسط كل ذلك التيه المرعب. ويبدو أنني شردت أكثر من اللازم. تلك اللحظات التي تقطع فيها أقدامنا مسافة كبيرة بلا وعي. ووجدتني أمام منزل ناءٍ لا جار له.
وكان هناك ضوء منبثق من شرفة عتيقة. لم أر هذا المنزل من قبل. لكنني لم أر العديد من الأشياء ولم أجربها. فأنا جديد في هذه القرية الغامضة. وقفت لحظة غير مصدق. أول شعلة ضوء تقابلني منذ حضرت. ورغم أنني لم أمكث سوى يومين أو ثلاثة. إلا أنني أشعر أنني قضيت عمرًا كاملاً هنا. حاولت أن أسمع أي صوت. ولم تصل لأذني أدنى حركة. كان الوقت متأخرًا. وكنت لازلت أشعر بالخوف. إلا أنني بكل حماقة نقرت باب المنزل.
عدت نقرات. كان لدي شغف أن أعرف من يقيم هنا. ولماذا هو مختلف عن أهل القرية؟ وهل من الممكن أن يساعدني في فهم تلك الأوضاع الغريبة؟ لم يصلني رد. إلا أنه بعد نصف دقيقة وقبل رحيلي سمعت خطوات وراء الباب. جعلتني أتسّمر في مكاني. أبذل محاولاتي لخلق مبرر مقنع. "أنقر أبواب الخلف في منتصف الليل." يسرعان ما رحل كل ذلك عندما انفتح الباب واطلت منه أجمل فتاة رأتها عيني. أقسم أنها كانت تمتلك جمال جنيه مسحورة.
وقفت مبهولاً لا أعرف ما أصابني. ووجدتني أهمس: "أنت من أهل القرية؟ همست بلا خوف: "لو كنت أنت من أهل القرية لعرفت الحقيقة. لكنك غريب. والغريب أعمى." قلت بارتباك: "هل يمكنني أن أدخل؟ همست: "في أرضك يدخلون بيوت النساء في منتصف الليالي؟ اعتذرت. قلت: "أنا آسف. لكن أتعرفين كل ما في هذه القرية يصيب بالجنون. ثم أنك المنزل الوحيد الذي أرى فيه ضوء مصباح خلال الليل خلاف الحانة."
وضعت يدها على الباب وأغلقت جزءاً منه. "إذا كنت تبحث عن أجوبة فهذا ليس المكان المناسب." قلت: "انتظري من فضلك. كيف يكون بيتك الوحيد الذي أشعل مصباحه؟ قالت: "لأنهم لا يصلون إليه. يبدو أنك قادم من عند منزل مسعد عبد الرؤوف. حيث أنك قطعت كل تلك المسافة وسط الخراب والتيه. اسمعني جيدا. لا تسير خلف فضولك." ثم أغلقت الباب وهي تقول: "لا تسير تجاه الشمال أكثر من ذلك. الحماية التي تتمتع بها وتجعلهم لا يقتربون منك ستفقدها."
وقفت دقيقة غير مصدق أن هذا الحديث دار من أصله. كنت كالذي في حلم جميل ولا يرغب في الإفاقة منه. ولما لسعني البرد رحلت. قطعت ما تبقى من المسافة في ما يشبه الجنون. عقلي لا يصدق كل ما حدث. إن ما حدث لم يحدث لي. كنت شخصًا آخر أرى نفسي أتحرك. أمشي. أتكلم. ضغطت باب منزلي. انفتح بسرعة. تهاويت على الأريكة بكل جمود العالم وهذيانه. لقد شربت جرعة مخدر مركزة أفقدتني صوابي.
أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها. روحت أحرك الدخان بيدي. لسعني لأتأكد أنني حي أشعر. اللوحة اللعينة على الجدار تراقبني. أشعر أنها حية تتحرك وتتنفس وترى. لكنهم ثلاثة فتيات فقط. كانوا أربعة. سأجن. اقتربت من اللوحة. كانوا أربعة فتيات. إحداهن رأيتها منذ قليل... اللعنة. كيف لم أدرك ذلك؟ نعم تلك الجميلة كانت واحدة من فتيات اللوحة. يا لغبائي. ثم سرعان ما شعرت بالخوف والرعب وارتعش جسدي. كيف تكون هي؟ كيف تترك اللوحة ثم تعود؟
ما هذا المكان؟ بيت الشيطان؟ بعد أن هدأت بعض الشيء أخذت نفسي على الحمام. أغرقتني بالماء البارد حتى ارتجف جسدي. ومض نور المصباح. ارتعش كعادته. وسمعت ضحكة مجلجلة قادمة من قبو المنزل. التصقت بالجدار، خائف، مرعب، مرتجف، وضائع. ثم فتحت باب الحمام. وارتبت. كان الطريق خاليًا. ارتديت ملابسي بسرعة. إذا كنت سأموت فلا أرغب أن يجدوا جثتي عارية. أنا لا أرحب بذلك ولا أفضل.
لن أذهب إلى القبو. رميت نفسي على الأريكة وأنا أدعو الله أن تمر تلك الليلة بلا مفاجآت أخرى. شقشقت العصافير التعيسة. وأطل نور الصباح من كوة المنزل مما زاد من طمأنينتي. كانت الساعة السابعة صباحًا. تجرأت وفتحت باب القبو. كان خاليًا. تهيأ لي عقل مريض. عدت للنوم مرة أخرى. وقبل أن أنام أشعلت لفافة تبغ أخرى. وأسلمت عيني لملك الأحلام.
سمعت طرقات عنيفة على باب المنزل. كان النهار قد انتصف. وأشعر بحرقة في عيوني. جسدي عارٍ. آخر ما أتذكره أنني ارتديت ملابسي. ارتديت ملابسي المبعثرة على الأرض. وفتحت باب المنزل. وجدت السباك بسحنته التي أعرفها. قال: "لقد حضرت لإصلاح سباكة الحمام. هناك تسريب هناك." قلت: "أعتقد أنك مخطئ؟ تقافز السباك مثل قرد. وقفز ثم دخل المنزل وقصد الحمام. تبعته بصمت. هناك كانت المياه تغرق كل الأرضية.
لم أجادل معه. شربت كوب شاي وأنا أدخن لفافة تبغ. وألقيت برأسي للخلف في شرود لعينة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!