دول بنات أوزو، همسة وفاطيما. مرافقة مليكة، رغم أنها لم تتحرك. "إزاي عرفتي؟ "من رائحتهم، متنسيش إني أخضعت كل حاجة تخص عائلة أوزو للدراسة الدقيقة، يا مليكة، بأمر منك." "ليه يظهروا دلوقتي؟ " صرخت مليكة بغضب، "ليه؟ وليه وهما عارفين إنها هتكون نهايتهم؟ همست فاطيما، "يمكن لأنهم عارفين إن التضحية تستاهل. بيراهنوا على الحارس يا مليكة."
طوت مليكة معطفها الأحمر وحركت شعر رأسها الجديلة بيدها. أطلقت ابتسامة ساخرة في وجه عوني، أوقعت قلبه. "لنرحل... علينا أن نحترم القوانين اللي وضعناها بأنفسنا يا أميرة." همست مليكة. "لنرحل. اتركوا بنات أوزو وشاهدوا نهايتهم من بعيد. ألم أعدكم إن كل القوة هتكون في إيدي؟
وبعد لحظات من اختفاء مليكة ورفاقها، ظهرت بنات أوزو. أربع فتيات فاتنات كن يسكنن اللوحة داخل منزل عوني. مرتدين فساتين من الستان المزخرف، تكاد تشعر إنهن ذاهبات لحفلة. فكوا قيود عوني المذهول. همس عوني، "أنا عارفكم. إنتوا إنتوا البنات اللي في اللوحة صح؟ قالت أجملهم، "أيوه، إحنا بنات أوزو. مضطرين نتركك بمفردك يا عوني. الأسطورة كانت بتقول إنك هتتجوز واحدة مننا، لكن الأوضاع خرجت عن السيطرة. دي آخر مرة هتشوفنا فيها يا عوني."
همست الوسطى، "لكن قبل رحيلنا، جاوب على السؤال ده يا عوني، لأننا تراهنا عليه كتير. كنت هتختار مين فينا؟ تردد عوني، ثم أشار تجاه الصغيرة، "فقط لأنها بتذكرني بمليكة لما حضرت لزيارته داخل بيته." "الوداع يا عوني. احرص إن تعيش وتجد السعادة في حياتك." "احترق بنات أوزو." سمع عوني صراخهم عندما انبثق ضوء يشبه شعاع الشمس من الفضاء الخارجي. أصبحت جثثهم مجرد رماد.
بعد أن استعاد رشده، نهض عوني. جمع الرماد في سترته الجينز وأخذ طريق القرية. قرر عوني أن يدفنهم داخل الحديقة، كما عاشوا معظم حياتهم. لما وصل الحديقة، أخرج معول وجاروف وحفر قبر. وضع فيه الرماد وقام بدفنه. جلس قرب قبرهم وأشعل سيجارة، ثم استخدم مهارته لصنع شاهد قبر من الخشب، كتب عليه "بنات أوزو". وحين دلف إلى بيته، كان يفكر، "هما دول مين وحكايتهم إيه؟ بنات أوزو.
قبل أكثر من ثلاثمئة عام، كانت هناك قرية تُدعى وادي السكر، تقع بين جبال رمادية لا يراها الغريب إلا إذا سمح له بالدخول. كانت القرية مشهورة بامرأة تُدعى أوزو، امرأة ذات جمال خرافي، عيناها كالعقيق الأسود، وشعرها ينساب كالدخان، لكنها كانت مختلفة عن باقي نساء القرية. كانت أوزو ساحرة، لكن ليس كما في القصص المعتادة. كانت تصنع الجمال من الحزن، وتُعيد الحياة للذبول، وتحوّل الدموع إلى أغانٍ.
ذات مساء، وقبل اكتمال القمر بيوم واحد، خرجت أوزو إلى الجبل وهي تحمل قربانًا من الزهور البيضاء، تريد أن تُعيد روح زوجها الراحل الذي مات في الحرب. لكن الأرواح لا تُمنح مجانًا، فالعهد الذي عقدته مع الظل الأزرق، كيان غامض يسكن خليطًا من الأجناس، اشترط شيئًا لا يُقدّر بثمن: "أمنحك أربع بنات يولدن من دمك، لكن كل واحدة منهن تُفقد جزءًا من روحك، وحين يكتملن، لن تكوني موجودة." وافقت أوزو.
ثم أنجبت أربع فتيات، كل واحدة منهن كانت تجسيدًا لجانب من قلبها: همسة –كبرى البنات، كانت تحمل عقل أمها وحكمتها. صوتها كنسيم الغابة. لكن، لا تعرف أنها بهذا الاتفاق سوف تطلق اللعنة التي كانت حبيسة الكهوف لقرون عديدة، حيث تنشط مخلوقات لا هم لها إلا التلاعب بعقول أهل القرية والقضاء عليهم. فاطيما –كانت تمثل الإيمان القديم. عيناها تريان ما لا يُرى. سما –الفتاة التي تغني للأموات. صوتها يجذب الطيور لتبكي معها. نارينا
–أصغرهن، كانت تشبه البشر أكثر من الأخريات، في قلبها رغبة في الحياة والضحك والحب. لكن لعنة الظل الأزرق لم تتأخر. في عامهن السابع عشر، بدأت أجسادهن تفقد ثقلها في العالم، وأصبحن يظهرن فقط في المرايا والماء الساكن واللوحات. كانت القرية تراهن على من سيراها أولًا عند منتصف الليل، لأن من تراها تُصاب بلعنة العشق السرمدي، حب لا يُشفى ولا يُنسى.
هربت أوزو ذات ليلة بعدما أدركت أن بناتها محكومات بالاختفاء الأبدي. ويُقال إنها حبست أرواحهن داخل لوحةٍ زيتية ورسمت حولهن بوابة من رماد القمر حتى لا يتعذبن أكثر. وبعد أن أبرمت اتفاقًا مع كائن الظل أن كل بيت يضع على بيته تميمة نحاسية يكون معصومًا من شرهم. ومنذ ذلك اليوم، ظلت اللوحة تنتقل بين البيوت، لا أحد يعلم أصلها، حتى انتهت في بيت عوني، الرجل الغريب الذي دخل القرية قسرًا.
ويُقال إن بنات أوزو لا يظهرن إلا لرجلٍ واحد في كل جيل، رجلٌ يحمل ملامح من الماضي، روحًا تشبه ظل أوزو نفسها، ويُعرف هذا الرجل باسم: الحارس. لكن الأسطورة تنتهي بعبارة محفورة على خلف اللوحة، بلغةٍ لا يعرفها سوى من اقترب من النار: "حين يختار الحارس واحدة منّا، نحترق جميعًا… ونُولد من جديد في وجهٍ جديد عندما يحبنا معًا ويتزوجنا معًا." دلف عوني داخل بيته منهكًا، مهزومًا. كل ما جلبه على أهل القرية حتى الآن صراع ودم ودمار.
المنزل أصبح صامتًا بعد رحيل بنات أوزو الذين كانوا يحمونه من المتطفلين حتى ظهور الحارس. نام عوني على الأريكة لا يعرف ما عليه فعله. كل الخيوط تقطعت. حتى مسعد عبد الدايم اتضح أنه من صنع مليكة. "يا مليكة، لو تعرفين كيف يدق قلبي كلما أراك؟ لكنه تذكر شيئًا هامًا. الشبح الذي ظهر له عند البئر وقال إنه مسعد عبد الدايم الحقيقي، وأن الآخر الذي يسكن الدار مزيف.
"أعيش في قرية نصفها أشباح والنصف الآخر مصاصو دماء وموتى أحياء. يا ويلّي. كيف أوقعت نفسي في هذه الورطة؟ ما الجرم الذي ارتكبته في حياتي يستحق هذا العقاب المؤلم؟ في نصف الليل، على غير العادة، طرق باب عوني باستمرار. شتم عوني وسب، "ماذا يريدون مني أكثر من ذلك؟ أريد أن أترك كل شيء وأرحل، لكن هل يسمحون بذلك أيضًا؟ فتح عوني الباب ووجد فتاة في السابعة عشرة من عمرها. دخلت بلا استئذان. همس عوني، "أنتِ عفريتة؟ أم واحدة منهم؟
جلست الفتاة على الأريكة في خجل وارتباك. "كنت لسه ما متتش دي؟ ما توقعت؟ لسه حي؟ كنت متأكدة." "إنتي مين؟ "أنا رافا يا يا أستاذ عوني، بنت من أهل القرية اللي قضوا على كل عائلتي." "ليه دخلتي بيتي يا رافا؟ "لأنك الوحيد اللي تقدر تنقذني منهم. أنا سمعت كلامك في طرقات القرية ومصدقاك. اللعنة من صنع إديك." تردد عوني. كيف يخبرها أن اللعنة حقيقية وأنهم ينتظرون في الخارج؟ "كيف وصلتي هنا؟ وقت الحظر؟
همست رافا، "مفيش حاجة قابلتني في الطريق." قال عوني، "لأنهم رحلوا الليلة، لكن من بكرة هيبدأوا تاني بعد ما ينتهي عهدهم مع بنات أوزو. وأنا هفضل معاك هنا أخدمك يا عوني. مليش مكان تاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!