وميض المصابيح المتقطع أزعجني للحد الذي دفعني لتنحية فكرة التحديق في الصورة مرة أخرى وتركها حتى الصباح. هؤلاء الفتيات الجميلات في الصورة لن يتركن الجدار، لن يرحلن. استلقيت على الأريكة أريح ظهري الشاكي أكثر من ربع ساعة حتى شعرت بالملل والخنقة. في هذه القرية لا وجود للتلفاز، وعليّ أن أفكر في شيء يضيع الوقت.
لا أعلم من أين أتتني تلك الفكرة، لكن كان عليّ تنفيذها. فتشت حقيبتي حتى عثرت على كشاف، تأكدت أن البطاريات تعمل. أعددت وميض الكشاف أكثر من مرة حتى اطمأننت من كفاءته. أنهيت لفافة التبغ، سحقتها في المنفضة وعبرت الرواق تجاه القبو. ليس مستبعداً أن أجد هناك تلفازاً قديماً أو حتى مذياعاً تم تخزينه مع الخردة.
فتحت باب القبو الذي أصدر صريراً باكياً. كان القبو ممتداً أمامي إلى ما لا نهاية. تكدست داخله أكوام من الملابس والأثاث والتحف المهشمة حتى ظننت أنني داخل قصر أثري. ولاحظت ملابس مختلفة مهملة مكدسة. كان القبو ممتلئاً حتى آخره. الشخص الذي قام بتخزين كل تلك الأشياء أعتقد أنه كان حريصاً ألا يتخلص من أي غرض حتى لو كان تافهاً.
كانت هناك طبقات من التراب حين وضعت قدمي على أرضية القبو. أضاء الكشاف الممر أمامي. كتل من الملابس القديمة مطوية بعناية كأنها معدة للبس. قيمة الخامة. فساتين كاملة لازالت بحالتها، حتى إنني اشتممت بقايا العطور فيها. عطر عتيق صمد كل تلك السنين، لابد أنه فاخر. كانت الفساتين في معظمها تعود لقوام فتيات شابات. ربطت ذلك بالصورة التي كانت معلقة على الجدار. قصات ملابس كانت سائدة في بلاد غرب أوروبا في بداية القرن الماضي.
أوشحة عنق وقبعات بحيرة البجع، مشابك ومشدات كانت تستخدم لارتداء الفساتين. من بين تلك الملابس كان هناك رداء طفلة صغيرة ملطخ بنقط من الدم، وأخرى لا تليق إلا بكونت أو أمير أو زعيم عصابة. عبرت بين مزهريات، سجاجيد، ثريات، فناجين ملونة وأباريق، أطباق بنقوش أشجار. كنت حريصاً ألا أدهس أي شيء، لذا كانت خطواتي بطيئة على ضوء الكشاف.
مجموعة من اللوحات تزيد على المئة مرتبة فوق بعضها حتى السقف. قبل نهاية الرواق كان هناك جهاز جرامافون يجلس وحيداً يتوسط مجموعة من الأسطوانات مغلفة بأكياس بلاستيكية وبدت حالتها جيدة. قفز فأر من بين الأغراض جعلني أجفل وأتراجع خطوات للخلف لألتصق بالجدار. ومض مصباح نيون مهشم الطرف فوق رأسي تماماً. كان ظهري ضغط على القابس حين ارتطمت بالجدار.
ظهرت كتل الأغراض المكومة، مجموعة من الأشباح الحلزونية بظلال قاتمة. ارتفعت غيمة من التراب جعلتني أسعل. احتضنت الجرامافون والأسطوانات وسرت قاطعاً القبو نحو الباب. من خلفي راح ضوء المصباح يومض بتقطع. التفتت للخلف بسرعة. في إحدى الومضات لمحت جسد فتاة شابة بقميص زيتوني مبتل منزوع الكمين، محتضنة صدرها بيديها يتساقط منها الماء. واحدة من فتيات الرسام الفرنسي بول غوغان. ثم انطفأ المصباح.
صوبت ضوء الكشاف تجاهها. بدا المكان خالياً ولا أثر لأي بشر غيري داخله. مشيت بحذر نحو مؤخرة الرواق حيث كانت الفتاة تقف، وجدت قطرات من الماء لطخت الأرضية. كأن شخصاً مر من هنا للتو. حملقت بسقف القبو، كان من الأسمنت المسلح ولا أثر لشقوق أو تسريب خارجي ولا مطر بالخارج. شعرت برعشة جعلتني أهتز. على ضوء الكشاف واصلت طريقي بسرعة نحو باب القبو الذي ما إن عبرته حتى انغلق بقوة محدثاً صوتاً صارخاً.
أجلست جهاز الجرامافون على طاولة إلى جانب الجدار وتركت الأسطوانات إلى جواره. أشعلت لفافة تبغ وأنا أحدق بباب القبو لدقيقة قبل أن أستعيد تركيزي. في الخارج كانت ريح متوسطة تعصف بأشجار الحديقة واستطعت أن أسمع صوت صريرها. أعددت فنجان قهوة في المطبخ وكانت هناك نافذة مزججة تطل على الحديقة الخالية. وضعت فنجان القهوة بيد والسيجارة بيد، واضعاً المطبخ خلفي.
في تلك اللحظة خارج النافذة رأيت فتى صغيراً يمر بسرعة خارج المنزل. كانت لقطة ولم يظهر مرة أخرى. هرعت تجاه الرواق، تركت فنجان القهوة وانطلقت نحو باب المنزل. نزلت درجات رخامية أوصلتني بدرب توسط الحديقة. مسحت المكان بعيني. كان المكان خالياً. التففت حول المنزل من كل الجهات. استغرقني ذلك بعض الوقت وأنا أفرك عيني حتى وصلت باب المنزل مرة أخرى وأنا أكاد أفقد ثباتي.
دلفت للداخل، أخذت رشفة من فنجان القهوة الذي كان ينتظرني. ووضعت أسطوانة في جهاز الموسيقى على أمل أن تعمل. انطلقت موسيقى هادئة أراحت أعصابي. حينها ألقيت بجسدي على الأريكة في مقابلة اللوحة على الجدار.
ارتعشت مصابيح السقف وراحت تومض بتقطع. عيني مثبتة على اللوحة، جسدي يرتعش بوتيرة متصاعدة. الموسيقى تصدح، واللوحة المصورة بالأبيض والأسود نقصت شخصاً. إحدى الفتيات الأربع انمحت من الصورة ولم يتبق منها إلا مذرات القش مثبتة في الهواء. حاولت أن أتذكر وجه تلك الفتاة في اللوحة، أن أقنع نفسي أنها لا تمتلك ملامح فتاة. لكن وجه التشابه أصابني بالإحباط وجعل دقات قلبي تضربني بشدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!