نزلت درج الكهف بحذر، الهواء كان مخنوق وفيه ريحة عطونة، كان واضح إن الكهف مقفول من زمن طويل جداً، من النقوش والرسومات البدائية اللي كانت محفورة على الصخور. ضوء الشمس كان واصل داخل الكهف بصعوبة، قربت من الرسوم اللي كانت لأطفال صغار، بيركضوا وسط العشب بسعادة، بعدها رسمة تانية لبئر داخل الأرض، بعدها دم سايح على الأرض بين الأطفال والبئر، ورسمة تانية للبئر فقط والأطفال مفيش.
مفيش جديد، الأطفال تم التضحية بيهم داخل البئر زي ما شفت بعيني. ركزت أكتر في الرسوم، وبعد مدة طويلة لما عيني خدت على الظلام، شفته. طيف لمخلوق إنساني بيتكرر في كل الرسومات، لكن بعيد في خلفية الصورة. مكنش فيه أي فرصة أقرأ النقوش لأنها بلغة غريبة عني. طلعت من الكهف حاسس باليأس، مفيش جديد، كل حاجة بتتكرر. نزلت على قرية الغجر، يمكن ألاقي هناك شخص يقدر يقرأ النقوش.
تفاجأت إن كل ما أكلم شخص عن الكهف يبعد عني ويرفض الكلام معايا. مشيت وسط بيوت الغجر بشرود لحد ما لقيت بنت بتنادي عليّ. عرفتها لما قربت منها، البنت الغجرية اللي زارت بيتي. كلمتها عن الكهف، بصتلي باستغراب. "انت دخلت الكهف؟ "آيوة." قالت بحزن: "يبقى هتموت، كل اللي بيدخل الكهف بيموت في نفس الليلة، حتى لو كان الحارس." سبت كل كلامها الغير منطقي، وسألتها عن شخص يقدر يقرأ النقوش على جدران الكهف. قالت: "فيه عرافة القرية."
ولما وصلتني عندها، سابتني ومشيت كأني جرثومة معدية. دخلت بيت العرافة بعد ما خبطت على الباب، لقيت ست عجوزة فاقدة البصر. قعدت قدامها وقلتلها: "عايز مساعدتك." الست قالت: "هتفيد بإيه الإجابات شخص ميت؟ "لكن أنا حي." "حي الآن، لكن هتموت قبل صباح اليوم التالي." سألتها عن شخص يقدر يقرأ النقوش. الست سكتت وقالت: "النقوش هتفيدك بإيه؟ "إذا كنت هموت، من حقي أعرف الحقيقة على الأقل."
"هقولك على النقوش، ولو إنها مش هتغير مصيرك. النقوش بتحكي عن مصاص الدماء الأول، وكيف أهل القرية أبرموا معاه اتفاق نظير إنه يسيب أهل القرية في حالها. وعلى مر السنين استمرت المعاهدة اللي بتضمن للمخلوق محزونة من الدم اللي بيوصل باستمرار. لكن المخلوق لم يكتف بكل ده، كان عايز حاجة أقوى من الخلود. بحث خلال الأرض لحد ما عثر على ساحرة، ساحرة قدرت بسحرها الأسود تفصل القرية عن العالم الخارجي، اللي يدخل ميقدرش يطلع. وكجائزة ليها، تزوجت الساحرة المخلوق الأول وأنجبوا عشيرة كاملة، خليط بين الدم والسحر وطقوس مظلمة."
"مليكة واحدة منهم؟ بصت العرافة ناحيتي، رغم عماها، إلا كأنها كانت بتبص جوايا.
"مليكة ابنة المخلوق المميزة، رغم عن كل أخواتها. عشان كده لما احتاج المخلوق لفترة خمول هو وزوجته الساحرة داخل قبو قصره، ترأست مليكة قيادة العشيرة وسنت قوانين جديدة تضمن للعشيرة التزود بكميات كبيرة من الدم والطاعة. ابتكرت مليكة خدعة التميمة المزيفة، واللي مش بتحمي غير بيوت أتباعها من البشر، الخاضعين لسلطتها. أما الآخرين المعاندين اللي حاولوا يفكروا ويفهموا، فكان عقابهم الموت."
"ارحل يا غريب، مش عايزة ذنب دمك يقع على عاتقي." قلت قبل ما أرحل: "عندي سؤال؟ ليه مليكة أو أي كان المسؤول ساب قرية الغجر في حالها؟ ليه انتوا بعاد عن الخطر؟ "ملكش دعوة يا غريب، أنت خدت اللي احتجته، ودلوقتي ارحل من هنا." أغلقت العرافة كل شيء في وجهي ورفضت إن ترد على أي سؤال آخر. رجعت على القرية منتظر موتي في كل خطوة. لما وصلت بيتي، قفلت عليه الباب. رافا كانت في البيت، طلبت منها ترحل لبيتها، لكنها رفضت.
حاولت أحذرها، أشرحلها إنها في خطر، وإني مش هقدر أحميها، وإني أنا كمان هموت قبل شروق الشمس. رافا مصدقتش. حكيت ليها كل اللي حصل معايا، ورافا رافضة تصدق. كنت عارف إن عندها حلم، واللي عنده حلم صعب يتخلى عنه. "مش هقدر أنقذ القرية، أو أنقذ نفسي يا رافا، من فضلك ارجعي بيتك، مش لازم تموتي إنتي كمان." "لو كان الحارس هيموت، يبقى إيه لازمة إني أفضل حية؟ أنا كمان عايزة أموت وأرتاح."
قعدت أنا ورافا داخل البيت متكورين على نفسنا، لحد ما الظلام ما نزل وكل أهل القرية أغلقوا أبواب بيوتهم. ومع انتصاف الليل سمعنا صوت حضورهم خارج البيت ووجودهم داخل الحديقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!