ودعت السباك المرتبك علي باب المنزل وأنا أحاول أن أوضح له بعد أن لاحظت اضطرابه، أنه ليس لدي مشكلة بالانتظار حتى الغد. رمقني السباك بنظرة مطولة وتمنى لي ليلة سعيدة. حدقت في ساعتي الكاسيو، كانت تشير للرابعة عصرًا مما أثار دهشتي، لازال هناك وقت طويل حتى يهبط الليل من فوق قمة الجبل، لكن لأهل هذه القرية عاداتهم التي علي أن أحترمها.
رتبت بعض الأغراض وصنعت فنجان قهوة وضعته على طاولة تتوسط الرواق وشرعت في إخراج ملابسي من حقيبة قديمة وضعتها على الأريكة وسمحت لنفسي بجلسة لألتقاط الأنفاس وأنا أدخن سيجارة. كانت جلستي أمام الباب المفتوح بإطلالة على الحديقة الكبيرة، هنا لاحظته مندفعًا نحوي من بين الحشائش الطويلة التي نمت في الحديقة، رجل خمسيني نمت لحية شعثاء من ذقنه غير المشذبة.
شفته السفلية متورمة إثر ندبة ناتجة عن إصابة قديمة وكان حاجباه كثين، بدت عيناه الغائمتان وهو يقترب كأنهما تدمعان بشكل دائم، من المؤكد أنه لم يكن وسيمًا، بوجه غزته التجاعيد بشكل غير اعتيادي، وذقن بارزة عريضة، وأنف كبير، بدا أنه كان يتمتع بحضور في الماضي. مرتديًا قميصًا مطوي الكمين وقد تدلى الغليون من فمه وكان يعرج على قدمه التي من المحتمل أنها تعرضت لإصابة كبيرة في الماضي. نهضت من مكاني للقيه، لكنه توقف على باب المنزل.
قال: هل يمكنني مساعدتك أيها السيد؟ ولما لاحظ ترددي قال: لن أكلفك مبلغًا كبيرًا! رفعت يدي بقلة حيلة وأنا أمسح رواق المنزل الذي رغم جهدي ظل غارقًا في الفوضى. قلت: تفضل. قال: إذًا أنت تسمح لي بدخول منزلك؟ قلت: ليس منزلي على وجه الدقة، لكن تفضل. تمتم الرجل بكلمات من تحت شفته المتورمة وطوى ذراعيه ليحتضن صدره كأنه يدخل مكانًا مقدسًا أو معبدًا بوذيًا ثم قفز على ساق واحدة نحو الداخل. قال وهو يرمق الرواق: من أين ترغب أن أبدأ؟
قلت: من أي مكان تحب، المهم أن نتخلص من تلك الفوضى التي تزعجني. رغم كبر سنه بدا الرجل نشيطًا وكان يعمل بقوة شابين فتتين، يرفع الأثاث وينظف أسفله ثم يعيده لمكانه، كان يعمل ضعفي في نفس الوقت حتى أنني فكرت أن هذا الرجل يستحق الأجرة التي يطلبها، بل وأكثر، كان يعامل المقاعد، الطاولات، المزهريات بحذر وانتباه بطريقة تشعرك أنه يقدر قيمتها ويرغب أن لا يصيبها أي خدش.
كان يتحرك بسرعة وينفخ التراب بفمه من على أفاريز الشرفات والنوافذ، إذًا لم يفتني شيء، فهذا الرجل متمرس في تلك الأعمال ويعرف عمله جيدًا. أشفقت عليه حتى أنني دعوته لفنجان قهوة. تصلب الرجل في مكانه لحظة بامتنان قبل أن يقول: سأصنعه بنفسي إذا لم يكن لديك مانع. قلت: لا مشكلة. قبل أن أشير على اتجاه المطبخ، مشى الرجل من تلقاء نفسه تجاهه كأنه يعرف مكانه من قبل.
تأملت المكان لحظة اختفائه والذي بدا منظمًا، نظيفًا ومرتبًا حتى أنني لم ألحظ أنه فعل كل ذلك في وجودي. كانت الشمس قد مالت جهة الغرب تلك اللحظة وظهر شفق قرمزي خلف التلة. رحت أتأمله وأنا مستلقٍ على الأريكة. قال الرجل فجأة وهو يضع فنجان القهوة أمامي على الطاولة: يجب أن أغادر الآن. قلت: اشرب قهوتك على الأقل؟ ردد الرجل بملامح ثابتة: يجب أن أرحل الآن. قلت: لحظة واحدة ومشيت تجاه حقيبتي لأحضر النقود. عندما التفت، كان قد رحل.
هرعت تجاه باب المنزل المفتوح لألحق به في الحديقة لكنه كان قد اختفى. نادي بأسمه، فكرت أنه ربما اختفى بين الأشجار ولم أفلح في رؤيته لكني لم أتلق أي رد. شبكت كفي بضيق. قلت وأنا أهم بالدخول للمنزل: كان يمكنك الانتظار حتى تتلقى أجرتك. لكني تذكرت أنني لا أمتلك طعامًا، الشمس على وشك الغروب وستغلق كل أبواب الدكاكين في وجهي. نفضت الأتربة التي علقت في ملابسي، أغلقت باب المنزل وأخذت الطريق تجاه القرية.
للقرية شارع واحد يتوسط المنازل، بدا أنني تأخرت فقد كانت الأبواب تُصك على الجانبين حتى أنني فكرت في الركض. تمكنت أخيرًا من الوصول لبقال القرية وأنا ألهث. كان يعد نفسه للرحيل. طلبت منه تبغًا وجبنًا وسكرًا. حدق بي الرجل بتركيز قبل أن يقول: شطبنا يا أستاذ. قبل أن أفتح فمي لأتوسله، صك باب الدكان وأولاني ظهره بلا اهتمام مواصلًا طريقه نحو منزله.
بخطى متكاسلة عدت أدراجي خالي الوفاق بمعدة تكركر، أحد عشر سيجارة لن تصل بي حتى منتصف الليل. بطريقي راودتني فكرة أن أقصد استراحة العاملين بالبريد لأستعير بعض الأطعمة لكني شعرت بالحرج. حل صمت محدق عندما وصلت المنزل ورغم أن الشمس للتو غربت إلا أن ظلامًا حالكًا استوطن المنزل. شغلت مصابيح النور وسمحت لنفسي بجولة في الطابق الأرضي، حتى تلك اللحظة لم أصعد للطابق العلوي.
كان هناك حمام، مطبخ، غرفة ضيافة، ينتهي الرواق بباب قبو مظلم بممر طويل تكدست فيه أكوام من الخردة، الأثاث والملابس القديمة. تركت القبو خلفي، بطريقي نحو المطبخ، أخذ ضوء المصباح يزداد خفوتًا وظلام الليل يزداد حلكة حوله. ومضت دائرة الضوء على الرفوف الخاوية، كانت هناك طاولة أسفل نافذة تطل على ما بدا حظائر مهجورة. لمع ما يشبه ظلًا متوجهًا ناحية المطبخ سرعان ما انمحي في العدم. همست: هل من أحد هناك؟
ولأني أدرك عبثية الافتراض تابعت سيري مجتازًا الممر القصير إلى غرفة الضيافة الوحيدة لأرى إمكانية نومي داخلها. ما أن فتحت باب الغرفة حتى قابلتني روائح عطنة جعلتني أنحي الفكرة جانبًا، بل وأغلق الباب أيضًا. عاود المصباح وميضه المتقطع، ولأنه ليس المصباح الوحيد الذي قمت باستبداله اقتنعت أن مصباح المطبخ به عطب وعلي استبداله في الصباح.
اقتنعت بفكرة نومي في الرواق على إحدى الأرائك الواسعة إلى جانب طاولة استقرت فوقها مزهرية بديعة. افترشت بطانية على الأريكة، كان الجو معتدلًا ولن أحتاج لغطاء. أخرجت سيجارة، أشعلتها وأنا أحدق بالجدار. كانت هناك صورة مجعدة بالأبيض والأسود بخلفية صفراء تلطخت بشيء ما ربما يكون قهوة لأربع فتيات شابات يقفن في مرعى يحملن بأيديهن مذاري جمع القش.
التقطت الصورة في يوم صيفي جميل، وقفن مبتسمات أمام الكاميرا وقد ارتدين جميعهن أثوابًا ووضعت اثنتان منهن غطاء على رأسيهما. كن مصطفات أمام المصور بالرغم من أن ذلك كان منذ زمن طويل. نهضت من مكاني لأتبيّن ملامحهن غير الواضحة، راحت المصابيح تومض بضوء متقطع كأنها لا تسمح لي برؤيتهن. ليس مصباح المطبخ وحده بل كل المصابيح. كانت وجوههن تظهر وتختفي على ضوء المصابيح المتقطع فتزداد بهجة.
للحظة بدت لي عيونهن تنز دموعًا سالت على الصفراء التي في خلفية الصورة. تراجعت للخلف بارتياب، ما أن ابتعدت حتى عادت المصابيح تعمل بطريقة عادية وتوقف الوميض المتقطع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!