الفصل 12 | من 24 فصل

رواية القرية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
21
كلمة
977
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

على البئر وقف الأطفال فى دائرة حوله. اخرج الشيخ العجوز خنجر ملطخ بالدم من خرقه خضراء ورفعه تجاه الشمس حتى انعكست عليه أشعة الشمس. ثم حضر رجال ونساء يرتدون أقنعة فزاعة الحقل يحملون فى أيديهم أفرع شجر. راحوا يدورون حول البئر ويصرخون. ثم تقدم كل واحد منهم نحو طفل ونحره بسكين قبل أن يلقى بجسده داخل البئر. الجمتني الصدمة حتى كدت أفقد النطق. تغير الأشخاص حول البئر وحضر رجال ونساء غيرهم بنفس الهيئة.

ركضت تجاههم وأنا أصرخ: توقفوا. أوقفني رجل ضخم أسقطني على الأرض بالقوة وأنا أصرخ وأبكي، بينما راحت أجساد الأطفال القتلى تتساقط داخل البئر. ثم حضر مجذوم. مجزوم يصرخ: ظهر الحارس، ظهر الحارس، ظهر الحارس. ومضى كل شيء كما كان حتى انفض الناس وبقيت وحدي جوار البئر أبكي. وبعد، أظلمت القرية وأنا في هذيانى. انتفض البئر، ارتج كأن زلزال بداخله. ثم فار الدم مثل نافورة فأغرق كل جسدي. ثم خبأ مرة أخرى، اختفى كل شيء.

وسمعت صرخة، لم أسمع قبلها في حياتي. صرخة تشبه صرخة الموت الأخيرة. كان الصوت كفيل أنه يخليني أمشي، أهرب بسرعة من المكان إلى بيتي. من سرعتي وأنا ماشي بين أشجار الحديقة اليابسة، شجرة جهنمية شرخت كفة إيدي وسال منها الدم. قعدت أمسح الدم لحد ما دخلت البيت. ولما وقفت قدام المراية، كنت كتلة حمراء من الدم. وشي وعيوني كلي متغرق بالدم. مسحت الدم من على وشي بأيدي المجروحة واختلط دم البئر بدمي.

كان عقلي في حالة هذيان، ولولا أني شفت الدم مغرقني كنت فكرت إن اللي شفته مجرد قصة قديمة مرعبة. لكن كل حاجة بتحصل في الحياة حتى لو كانت مرعبة. دخلت الحمام تحت ضوء المصباح الذي عاد يرتعش. غسلت جسدي وأنا أكاد أفقد وعي. بعد أن نظفت نفسي خرجت ورميت جسمي على الكنبة. القرية دي ملعونة ودي طقوس جاهلية، طقوس قرابين وعبادة شيطان. عشان كده مش مستغرب إن الشياطين والأشباح بتتجول داخلها بحرية.

ونمت وصورة الأطفال المدبوحين بتترمى جوه البير. كانت مبتسمة، طفلة في الثالثة عشر من عمرها تنظر إلي بتمعن. لما فتحت عيني لقيتها واقفة جنبي. رفعت جسمي بسرعة وأنا أهش بأيدي أبعد الطيف. لكن إيدي ارتطمت بجسد الطفلة. قلت بسرعة وخوف: انتي مين؟ أنا مليكة. مليكة مين ودخلتي هنا إزاي؟ الليل نزل على القرية ومكنش فيه بيت قدامي غير بيتك. لقيته مفتوح ومش هينفع أروح غير الصبح.

أشعلت سيجارة ولما بصيت على الصورة على الجدار، كانت ناقصة شخص. أصغر شخص في الصورة. الطفلة اللي واقفة جنبي. حتى انتي شبح؟ همست في سري دون أن ألحظ اختلاف الملامح. عقلي مكنش واعي ولا قادر يفكر. عندك أكل أنا جعانة؟ قلتلها: هو اللي زيك بياكل طعامنا البشري؟ البنت استغربت، فكرت كلامي هذيان. قلت: فيه جبن وعيش في المطبخ، بس مفيش عضم. وانا هاكل العضم ليه؟ جابت الطفلة طبق جبن وعيش وقعدت تاكل جنبي. هو انت مش هتلبس حاجة؟

لما مليكة قالت كده لاحظت لأول مرة أني نمت بجسد شبه عاري. شعرت بالحرج وقمت ألبس هدومي ومليكة بتسألني وهي بتشاور: ايه ده يا عمو؟ مردتش. لبست هدومي ورجعت قعدت مكاني. انتي من أهل القرية ولا الغجر؟ همست مليكة: احنا بيتنا عند الجبل الغربي. تبقي غجرية صح؟ قليلي يا مليكة هو انتو بتقفلو بيوتكم بعد المغرب؟ ضحكت مليكة: امال ان جيت على بيتك ليه؟ خفت منهم. دول ممكن يظهروا في أي مكان، ممكن يجوا عشان ياخدوني.

وكأن هناك شخص يراقبنا، يسمع كلام مليكة. لأني سمعت صوت حركة خارج باب البيت بعد كلامها. مليكة خافت، سابت الأكل وقالت: وصلوا هنا. قمت بلا مبالاة مشيت ناحية الباب ومليكة بتهمس برعب: متفتحش الباب هياكلوني. بس أنا كنت في حالة مش فارقة معايا أي حاجة. فتحت الباب ولقيت قدامه بنتين في عمر الثلاثين بملابس غريبة. وعرفت أنهم هما من أنيابهم الطويلة. لكن الغريب أنهم لما بصوا ناحيتي، استداروا ومشوا بعيد بسرعة.

قفلت الباب ودخلت لقيت مليكة قافلة عينيها بقماشة. بتهمس: بلاش تاكلوني، بلاش تقطعوا جسمي. ولما سمعت صوتي شالت الوشاح وجريت رمت نفسها في حضني وهي تتأمل وشي بمهابة وقدسية كأنني شيء هام جدا. انت الحارس. حارس إيه؟ مش فاهم. مش هيقدروا يقربوا منك، اللي هيقرب منك هيموت. فيه إيه يا مليكة بتقولي إيه؟ وتذكرت كلام المجذوم قرب البئر: الحارس ظهر، الحارس ظهر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...