الفصل 25 | من 28 فصل

رواية القصه واللي كان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رحاب القاضي

المشاهدات
18
كلمة
8,554
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

كان خالد بهدوء وهو يتحدث إلى سليم في الهاتف. "هو فعلاً خبر ومعلومات هتفيدنا بس يحي عقدني فيها بصراحة. أنا مبقتش فاهمة هو عايز إيه." سليم بجدية: "هو معاه حق. عدنان زيه زيهم ولازم يتحاسب." خالد بحدة: "لو هو اتحاسب يبقى أنا ويحي نتحاسب معاهم، لأن زي ما إحنا اتجبرنا على الشغل ده عدنان زينا، وكمان يحي دخل بمزاجه. فميجيش دلوقتي ويطلع برئ ويحكم على غيره بالظلم." سليم بقلق:

"خلاص طيب. اهدى ومتقولش قدامه كده عشان هو ممكن يسمعك ويروح يعترف كمان، ووقتها هيبقى اتسجن ظلم مرتين." خالد بضيق: "مش هقول حاجة، بس مش هقوله أي معلومة من اللي معايا غير لما يقولي إنه مش هيحط عدنان في الحسبة بتاعت مندور وعمر والكلاب اللي معاهم." سليم بسخرية: "انت بتتكلم في إيه يا خالد؟

واحد زي عدنان ممكن يلففنا العالم ويرجعنا يقولنا انتو مسبتوش مصر. يعني لو أنا وأنت ويحي قلبنا حمير بديول مش هنعرف نوقع عدنان. وبعده عن مندور ده فمصلحتنا هيسهل الطريق." دلفت نور للداخل فتنهد هو بضيق قائلاً لسليم: "طيب يا سليم نتقابل بعدين."

أغلق معه ثم لاحظ ملامحها الغاضبة والحزينة ودلوفها إلى غرفتهم. فهو تركها مع والديها كي تتفاهم معهم، ولكن يبدو أن هذا كان أمراً خاطئاً. ذهب خلفها للداخل فوجدها تجلس على الفراش بعد أن أزالت حجابها ودموعها عالقة بعينيها. جلس بجوارها قائلاً بهدوء: "حصل إيه؟ نور بحزن:

"أنا مقولتش حاجة. مش هلوم بابا لأن ده حصل وخلص، بس صعبة عليا ماما. انت عارف هي بتحب بابا قد إيه، هو خزلها جامد فيه. تعرفي يا نور هي قالت له إنها مش هتطلق ولا هتسيبه ولا هتسيب البيت عشان هما كبروا على الحاجات دي، بس عمرها ما هتنسى الوجع اللي فيها دلوقتي وهيفضل في بينهم سد طول العمر اللي جاي." احتضنها خالد بهدوء قائلاً بجدية: "هتسامحي أبوكي عشان بتحبيه؟ وأكبر دليل إنها مسبتوش، والأيام اللي جاية شايلة كتير." ابتعدت

عنه نور قائلة ببكاء: "خالد أنا عرفت اللي أنت مخبيه عني. أوله إنك كنت تعرف إن عدنان أخويا. والحاجة التانية... خالد بقلقه: "إيه هي الحاجة التانية يا نور؟ نور ببكاء: "إن التاريخ بيعيد نفسه فيا، وإنك متجوز جيدا في السر وهي حامل منك، وأنت مخبي عليا زي ما بابا عمل في ماما." ضحك رغماً عنه قائلاً: "تنفعي مؤلفة أفلام عربي حمضانه أوي. نور أنا لو جيدا كانت حامل كنت هتجوزها." نور بحزن: "وكنت هتسبني؟ خالد بهدوء:

"مستحيل. كنت ممكن أتزوجها وأنسب ابني ليا وأسيبها، بس هتفضل جنبي عشان ابني." تابع بجمود: "ودلوقتي أنا هقولك كل حاجة يا نور عشان بجد تعبت ومعرفش اللي جاي مخبي إيه، وعايز أعرفك كل حاجة قبل فوات الأوان." نور بخوف شديد: "مش عايزة أعرف. مش عايزة أتوجع تاني يا خالد والنبي، أنا عايزة أعيش مغفلة." خالد بدموع متحجرة: "أنا شغال مع أبوكي في المخدرات يا نور... هبطت دموعها بغير تصديق وهي تهز رأسها بنفي، فحين تابع هو:

"مكنتش عايز أحكيلك وأقولك إنه أجبرني وعشت السنين دي كلها مغصوب على شغلي معاه. بس هقولك إني كنت كل يوم بموت بذنب اللي بعمله. كنت بتهرب منك عشان عارف إن يوم ما هتعرفي كده هتسبيني، وأنا أكتر حاجة بخاف منها إنك تبعدي يا نور. بس والله أنا دلوقتي من قبل ما أتزوجك وأنا ممدتش إيدي على أي حاجة تتوزع لحد تاني، وبعمل كل اللي أقدر عليه عشان أبوظ شغل أبوكي ويبطل اللي بيعمله." مسحت دموعها وأجابته بابتسامة حزينة:

"إنت إزاي كنت فاكر إني ممكن أسيبك؟ أنت قولت إنك كنت مجبور على كده، وبابا هو السبب. يعني لو في حد لازم يبعد هو أنت. كنت المفروض تسيبني وتهرب من هنا." خالد بضيق: "فكرت في كده كتير، بس كنت إزاي أسيبك وأنا روحي وعمري وأيامي معاكي." نور ببكاء: "يبقى أنا اللي المفروض أقولك سامحني، لأن بسببي أنت استحملت أبويا واستحملت تأنيب ضميرك وإحساسك بالذنب وصدك ليا، وأنا كنت بشوفك بتتوجع عليا. أنت استحملت كل ده عشاني يا خالد."

ابتسم بدموع هبطت على وجنتيه قائلاً: "بجد يا نور مسمحاني؟ أنا كنت فاكر إنك هتبعدي و... نور وهي تقترب منه أكثر: "لو بعدت عنك هبقى ضلمة كتيمة عتمة، مش هبقى نور. يرضيك أبقى كده." خالد بضحكة واسعة: "بما إن كل حاجة وضحت خلاص ومفيش حاجة متخبية، وإنتي سامحتيني، يبقى نعمل الدخلة." ابتعدت عنه بخجل ووقفت آخر الغرفة قائلة بخوف:

"لأ لأ طبعاً. شايف المشاكل اللي إحنا فيها، وبعدين أنا مصدومة في أبويا ومش عارفة إيه اللي ممكن يحصله، وإن كل حاجة أنا كبرت عليها حرام من فلوس حرام." خالد بنفاذ صبر: "يبقى فكري في كل ده بكرة وتعالي بقي." نور بخجل وتوتر: "لأ يعني لأااا، واسكت يا خالد وسيبني أفهم." خالد بغيظ: "مفترية، حرام عليكي والله. أنتِ معندكيش إخوات ولاد." نور وهي تتجه للفراش: "معلش لسه مكتشفة ده النهاردة، فاصبر لحد ما أبقى حنينة مع الجنس الآخر."

ألقى الوسادة الخاصة بالأريكة عليها قائلاً بحدة: "اتخمدي يا نور، ده أنتِ غريبة. حتى المشهد اللي خايف منه سنين، صدمتيني. رد فعلك فيه إنسانة متخلفة في تفكيرها."

وعند يحيي كان يجلس بغرفة نومه على الفراش ينتظر دلوفها خارج المرحاض، وكان قلق عليها بقوة. فطول الطريق كانت صامتة وملامحها منزعجة، وظن أنها مريضة بسبب الحمل. وما أن دلفت للمنزل أخذت ملابسها ودلفت للمرحاض ومازالت بالداخل منذ وقت طويل ولا يصدر شيء سوى صوت الماء. ثم توقف ذلك الصوت وانتظر هو دلوفها للخارج، ولكنها استغرقت وقت كبير أيضاً. نهض واتجه للمرحاض. دق على الباب بهدوء قائلاً: "سالي في حاجة معاكي؟ أنتِ كويسة؟

أجابته بهدوء: "طالعة أهو. مفيش حاجة." ذهب وجلس على الأريكة وبعد لحظات دلفت هي خارج المرحاض وهي تجفف شعرها بتلك المنشفة الصغيرة وترتدي منامة بيتية طويلة للأرض بنصف أكمام. يحي بقلق: "أنتِ كويسة يا سالي؟ من لما خرجنا من المطعم وأنتِ متغيرة." نظرت له بجمود وأجابته: "أنا سمعتك وأنت بتكلم خالد." نهض واقفاً من على الأريكة وهو ينظر لها بقلق وتوتر شديد قائلاً: "أنتِ فاهمة غلط. أنا... قاطعته بنبرة هادئة

ولكنها جامدة بقوة قائلة: "برضو فاهمة غلط زي كل مرة بتغلط وتيجي تقولي إن أنا فاهمة غلط. بس بجد أتمنى المرة دي أكون فاهمة غلط. وإياك يا يحيي تكذب عليا." أغمض عينيه بضيق وأجابها بهدوء: "أنتِ اللي سمعتيه صح يا سالي." هبطت دموعها وهي تضحك بعدم تصديق قائلة: "يعني كلام الناس صح مش إشاعات؟ كلام خليل لأبوك صح إنك أنت وخالي شغالين في المخدرات يا يحيي؟ نظر لها بجمود قائلاً: "أيوه صح، بس ده كان زمان. بالنسبة لي أنا...

قاطعته بحدة وغضب قائلة: "أنت قذر وكذاب. أنت إزاي كده؟ إزاي خدعتني فيك كده؟ إزاي اتجوزتني وأنت بتكذب عليا؟ كل يوم بتنام جنبي وأنت بتخدعني. إزاي قدرت تعمل فيا كده؟ عملتلك إيه أنا وحش عشان كل شوية توجعني بحاجة أنيل من اللي قبلها؟ يحي بجدية وخوف من نبرتها: "والله كنت هقولك كل حاجة، بس كنت عايز أخلص من القرف ده وأجي أقولك ونبدأ من جديد سوا." شعرت بألم غير طبيعي ببطنها، فوضعت يدها عليها وهي تجيبه بغضب دفين. سالي:

"ولا دقيقة واحدة هقعدها على ذمتك تاني. مستحيل أفضل مراتك. أنا قرفانة منك ومش طايقة أبص في وشك." يحي بدموع متحجرة وغضب مكتوم: "مش هلومك على كلامك ده، رغم إنك أكتر واحدة تعرف أنا عشت إيه وشوفت إيه وتعبت واتظلمت إزاي. وغلطت وأهو بصلح غلطي." هبطت دموعها أكثر بألم شديد بداخلها قائلة:

"كذب. كل حاجة بتقولها كذب. أنت واحد حقير، واحد شغال تاجر في تدمير الناس وقتلهم بالسم اللي بتبيعه ليهم. حتى لو هتتوب وتبطل أنا مش عايزك. أنا مش طايقاك، وأكبر غلطة في حياتي هي إني اخترتك. اخترت واحد زيك يكون أب لابني." أمسك يدها فجذبتها منه سريعاً، فحين أردف هو بصدق وقلق من أن تتركه. يحيي:

"كان غصب عني. مكنتش عارف أنا بختار إيه ولا بعمل إيه، بس أنا اتغيرت عشانك. بقيت أخاف من الدنيا والآخرة وأخاف عليكي. متسبنيش. أنتِ وعدتيني مش هتسبيني." ازداد ألمها حتى شحب لون وجهها، ولكنها أجابته بصوت متألم من وسط بكائها. سالي: "وأنت وعدتني كتير قبل كده إنك مش هتخبي عني حاجة تاني. ولولا الصدفة كان زماني، كان زماني لسه غبية مش عارفة حقيقتك القذرة. أنت اللي خلفت وعدك معايا، فمتسألش على وعود دلوقتي." يحي بحده وغضب:

"اللي حصل بقي يا سالي. أنا قولتلك إني والله وحياة حبي ليكي كنت هقولك على كل حاجة. بس خلاص أنتِ أهو عرفتي وأنا صارحتك بكل حاجة. إنما تبعدي عني وتسبيني مستحيل يحصل أبداً طول ما أنا عايش." نظرت له بسخرية وغضب قائلة: "كمان هتجبرني أعيش معاك." يحي بحده: "لو صممتي على قرارك الزفت ده هعمل كده." هبت واقفة وأردفت بغضبه: "هرفع عليك قضية وهخلعك يا يحيي." صاح فيها غاضباً:

"والله العظيم أنا بعمل المستحيل عشان أسيب الشغل ده وأبدأ من جديد من غير ما أتاذى ولا تحصلك حاجة. أنا كل حركة وخطوة بعملها بكون بموت من الخوف لتحصلي حاجة وأسيبك ليهم أو حد يعرف إني بلعب من وراهم عشان أكشفهم ويأذوني فيكي. يا سالي أنتِ الأمل الوحيد اللي بعمل المستحيل عشانه. اللي مهما شوفت تعب أو مشاكل بقول مش مهم كفاية إنها جنبي ومعايا. بشوف عذاب كل يوم بس لحظة ما بترمي في حضنك بنسى الدنيا." زاد ألمها كثيراً

وهي تقول بنبرة متألمة: "والله مقادرة أصدق كلمة واحدة من اللي قولته. خالي وأنت وخالد كنتم أكتر ناس بثق فيها، طلعتوا أوسخ ناس شفتها في حياتي. بس أنا فهمت دلوقتي خالد لما مرضيش يتجوز نور كان سببه إنه مش عايز يكذب عليها عشان خالد بيحبها بجد. إنما أنت اتجوزتني وعشت معايا بوش تاني غير وشك الحقيقي." جلست على الأريكة وهي تتألم بقوة، فذهب لها سريعاً قائلاً بقلق وخوف: "طيب اللي عايزاه هعملهولك بس اهدى أنتِ تعبتي." صاحت فيه

ببكاء وهي لا تزال تتألم: "ملكش دعوة. ابعد عني سيبني بقي في حالي سيبني." لاحظ هو تلك الدماء التي بدأت تنزف منها فانتفض بخوف، وازداد بكاؤها وصياحها بألم. يحي بقلق وخوف: "هنروح المستشفى. هنادي مرات خالك ونور ونروح المستشفى." سالي ببكاء وألم لن يوصف: "بسرعة يا يحيي هموت."

ذهب هو للخارج راكضاً وجاءت لها نور التي فزعت من هيئتها وكذلك سعاد، وبأقل من نصف ساعة كانت توجد سالي بغرفة الولادة بالمستشفى، وكان هو بالخارج مع مندور وخالد ونور وسعاد. جلس على المقعد المقابل لتلك الغرفة وهو يتذكر حديث الطبيبة بأنها ولادة مبكرة وخطيرة للغاية، وتذكر أيضاً الألم الذي تعرضت له أثناء نقلها للمستشفى. وضع رأسه بين كفيه وهبطت دموعه دون إرادة منه. جلس خالد بجواره وهو يحاول مواساته، فحين ربتت سعاد

على كتفه قائلة بدموع وقلق: "خير يا بني. ربنا كبير وإن شاء الله هيقومها بالسلامة." أومأ برأسه وتركهم وذهب ووقف بجوار الشرفة المطلة على الخارج. وهنا هبطت دموعه بلا توقف، وقلبه ما زال ينتفض خوفاً عليها. أردف بصوت باكي وهو ينظر للسماء: "أنا عارف إني غلطت، ومكنتش أستاهل واحدة زي سالي. وعارف إني قصرت في حقك كتير وبعدت عنك كتير. بس عشمان فيك خير يارب إنك متعاقبنيش على أخطائي فيها. هي أغلى حاجة عندي. مش هقدر أكمل من غيرها."

ظل يناجي ربه بصمت ودموعه لا تتوقف عن الهطول، ومن الحين للآخر ينظر إلى غرفة العمليات بقلق. مر الكثير من الوقت ما يقرب من الثلاث ساعات. استفاق من شروده على صوت نور وهي تقول بابتسامة واسعة وحماس: "سمعت صوت البيبي. أنا سمعته." ذهب لهم سريعاً، فحين قال خالد بنفس حماس نور: "أنا كمان سمعته." مندور بابتسامة هادئة: "انتوا لازم تسمعوه واقفين وأودانكم على الباب." سعاد وهي تمسح دموعها وما زالت قلقة عليه:

"ربنا يطمنا عليهم دلوقتي يارب." بعد عدة دقائق دلفت الممرضة إلى الخارج وهي تحمل ذلك الصغير بين يديها الذي لا يظهر منه سوى رأسه. التقطته منها نور ولمعت الدموع بعينيها وهي تقف بجوار خالد قائلة بابتسامة واسعة: "بص ي خالد حلو وصغير إزاي." قبل خالد الصغير بابتسامة هادئة قائلاً لنور بصوت هامس: "لو عايزة واحد زيه أنا جاهز." تورّدت وجنتيها بخجل ولكمته بقدمها في قدمه، فحين أردفت سعاد بضيق: "أدو الواد لأبوه ي رخم منك ليها."

يحي للممرضة بقلقه: "هي عاملة إيه كويسة؟ الممرضة بهدوء: "هو البيبي كويس بس هيحتاج يقعد يومين في الحضانة. إنما المدام فهي تعبت جداً في العملية لأنها ضعيفة قوي. والدكتورة بتخيط ليها الجرح وهتخرج تطمنكم عليها أكتر." نور بهدوء وهي تقترب من يحي بالصغير: "خد يخويا. مراتك مكنتش بتطيقك. الواد مش شبهك خالص." سعاد بحده: "في حد يقول كده برضو يا نور؟ وبعدين الأطفال مش بيبان ليهم شكل دلوقتي."

كان هو غير مستمع لهم ولا منتبه لأي شيء، فقد غارق بملامح وحركات ذلك الصغير الذي بين يديه. امتلأت عيناه بالدموع وذهب إلى أقرب مقعد وجلس عليه وهو يبتسم باتساع قائلاً بصوت هامس له: "هو أنا إزاي كنت غبي زمان ومكنتش عايزك؟ ده أنا هعملك المستحيل عشان أخليك مرتاح ومتشوفش حاجة من اللي شوفتها أنا أو أمك يا يونس." ضحك بهدوء عندما حرك الطفل يديه بعفوية فتابع يحي قوله بتذكر. يحيي:

"نسيتني أمك من دلوقتي. إن شاء الله هتقوم هي كمان وهتبقى كويسة ومش هنبعد عن بعض لحظة إحنا التلاتة." أتت له الممرضة قائلة بهدوء: "بعد إذن حضرتك إحنا لازم ناخده نوديه الحضانة." أعطاه يحي لها قائلاً بهدوء: "ماشي، بس خلي بالك منه." مندور وهو يجلس بجواره: "ألف مبروك يا يحيي. يتربى في عزك." نظر له يحي مطولاً قائلاً بجمود: "يتربى في عز أبوه بالحلال يا حج إن شاء الله." تهجمت ملامح مندور بغضب وأجابه: "قصدك إيه؟ خالد

وهو يجذب يحي من ذراعه: "تعالى خد حضن يا أبو يونس، بقيت خال أنا كمان أهو." تابع خالد بصوت هامس: "مش وقت كلامك ده خالص، عشان ده ممكن يقلب الدنيا علينا دلوقتي فاهدي." أخذه يحي بعيداً تحت نظرات مندور الغاضبة قائلاً له: "سالي سمعتني وأنا بكلمك وعرفت كل حاجة واتعصبت جداً وقالت إنها هتسيبني. وده سبب إنها هنا وولدت بدري." خالد بضيق: "وقته يا يحيي ده. كنت خلي بالك."

صمت يحي بضيق، وجلس بجوار خالد بانتظار الاطمئنان على سالي. وبعد برهة من الوقت دلفت الطبيبة وطمأنتهم عليها وقالت إنها ستفيق بعد قليل، فحين ذهب يحيي وأتم باقي مصاريف وإجراءات المستشفى وقام بتسجيل صغيره. ثم عاد إلى غرفتها وجدها مستيقظة والجميع جالس بالغرفة. وما أن دلف هو للداخل حتى أشاحت هي بوجهها للجهة الأخرى. مندور بهدوء: "أنا هروح بقي والصبح أبقى أجي أطمن عليكي يا بنتي." سالي بتهكم: "مفيش داعي."

نظر مندور ليحيي بحده وظن أنهم يتجادلون لذلك هي تتعامل هكذا وأردف قائلاً: "لا ليه داعي، عشان نطمن على يونس وأمه." خالد بهدوء: "نور أنتِ خليكي هنا مع سالي وأنا هروح أوصلهم وأجي." يحي بهدوء: "لأ خليك هناك أنت يا خالد. أنا ونور معاها هنا." أومأ له خالد بنعم وأخذ سعاد ومندور وذهب للخارج، وجلس يحي على الأريكة وهو ينظر لها بحزن. نور بهدوء: "أنا هروح أجيب حاجة آكلها وأسأل الدكتورة ينفع أجيبلك إيه تاكليه." سالي بهدوء:

"لأ لسه يا نور نص ساعة كده وهبدأ آكل، هاتيلي زبادي بس." نور وهي تذهب للخارج: "ماشي." ذهبت نور للخارج، فحين تقدم هو وجلس بجوارها على الفراش قائلاً بحزن شديد: "أنا آسف إني خبيت عليكي، بس يعلم ربنا إني كنت هقولك." سالي بجمود: "أنت دفعت مصاريف المستشفى من الفلوس اللي شغال بيها." يحي بهدوء:

"اطمني. أنا ناوي من لما اتجوزتك إن مصاريفك أنتِ كلها تكون من الحلال، عشان كده مكنتش بخليكي تاخدي فلوس من خالك. ودلوقتي يونس كمان كل حاجة هتكون بالحلال ليه." تابع بابتسامة هادئة: "لو شوفتي شكله يا سالي حلو أوي." قاطعته بنبرة جامدة ودموعها: "طلقني امتى؟ تنهد بضيق وأجابه: "مش هطلقك، مش هقدر أسيبك. افهمي بقي إن من غيرك مفيش يحيي أصلاً." تابع وهو يمسك يدها بقوة:

"والله بطلت الشغل ده ودلوقتي أنا وخالد بنخطط عشان ننهيه من ناحية خالك ومن ناحية الحتة كلها. سامحيني على اللي عدي عشان خاطر يونس طيب." أجابته ببكاء: "مش قادرة. أنا مصدومة فيك يا يحيي. أنا كنت حاطاك في حتة كبيرة أوي عندي. كنت شايفاك أنت الصح في كل حاجة. كنت شايفاك أكتر راجل مثالي في الدنيا." نظر لها بابتسامة هادئة قائلاً:

"وأنا هكون كده عشانك. طيب إيه رأيك إنك لما هتطلعي من هنا وتخفي من تعب الولادة هاخدك ونروح المنيا ونعيش هناك وهشتغل أي حاجة بس متسبنيش." أجابته ببكاء: "هتوفي بوعدك المرة دي؟ أردف بجدية: "لو يا ستي معملتش كده اعملي اللي أنتِ عايزاه." تنهدت هي بضيق وصمتت، فحين ابتسم هو بارتياح من مراضتها حتى لو قليلاً. قبل يدها بهدوء قائلاً: "بس مكنتش أعرف إنك بتحبيني أوي كده. ده الواد كله شبهي." سالي بسخرية:

"متحورّش طيب عشان نور قالتلي إنه مش شبه حد." يحيي بغيظ: "نور دي أنا هرميها من فوق. سبقاني في حاجات المفروض أنا اللي أتكلم فيها أصلاً." ضحكت هي بهدوء، فاردف هو بهدوء: "والله مستعد أدفع عمري كله بس تفضلي ديما تضحكي كده."

نظرت له بحزن فما زال قلبها متألم من ما حدث، ولكنها فضلت الصمت فنبرته الصادقة جعلتها تتعاطف قليلاً معه، وأيضاً الآن أصبح بينهم طفل ويجب أن تضحي من أجل أن لا يحرم من والده، فهي أكثر من ذاق مرارة العيش بدون أب أو أم.

وصباحاً بمكان آخر دلفت صفية إلى مكتبها بالكافي الخاص بها، كانت ملامحها حزينة بقوة. ذهبت ووقفت أمام الشرفة المطلة على الكافي من الداخل ولا تعلم لماذا عندما رأت تلك الطاولة التي كان يجلس عليها عدنان عندما جاء إلى هنا كي يخبرها بأنهم سيتناولون العشاء معاً. تذكرت ابتسامته وكلماته المباغتة لها، امتلأت عيناها بالدموع وفاقت من شرودها عندما جاءت امرأتان وجلسون على تلك الطاولة، فتنهدت بضيق وجلست على مقعدها وهي تقوم بفحص بعض الحسابات الخاصة بعملها دون أن تنظر للوقت.

انتفضت بفزع ما أن دلف عمر عزام إلى الداخل دون حتى أن يطرق الباب، هبت واقفة ببعض خوف ولكن كان غضبها أكبر. صاحت فيه بحدة: "إيه قلة الذوق دي، إزاي تدخل كده؟ جلس أمامها قائلاً بهدوء: "وفيها إيه؟ ما أنتِ كمان شوية هتبقي مراتي." تنهدت بنفاذ صبر قائلة: "أنا مش موافقة يا عمر. مش هرجعلك لو السما انطبقت على الأرض." عمر ببرود: "لا هترجعيلي. أنا بكلمك بالراحة أهو بس بلاش تخليني أستخدم طريقة تاني معاكي." ذهبت

ووقفت أمامه قائلة بجمود: "أنت عايز إيه المرة دي؟ إيه المصلحة اللي هتطلع بيها من رجوعي ليك يا عمر؟ الأول ضحكت عليا عشان يبقى ليك كلمة في منطقة مندور العشري، إنما دلوقتي مصلحتك إيه؟ وقف أمامها وأجابها بهدوء: "مصلحتي أنتِ. أنا عايزك يا صفية. الأول كنت صغير وطايش، بس دلوقتي أنا عايز أستقر بزمتك. يا شيخة منفسكيش يبقى عندك بيبي صغير أو اتنين بدل ما أنتِ قاعدة لوحدك كده." ابتسمت بسخرية قائلة بحدة:

"أنا عندي مخلفش أبداً، ولا إني أخلف عيل منك أنت وأتربط بيك بأي حاجة. أنا بكرهك يا عمر. مش بطيقك، وعمري ما هنسى اللي عملته معايا زمان وإنك دمرتني." نظر لها مطولاً بجمود، ثم فاجأها عندما جذبها من خصلاتها بقوة وهمس لها بنبرة غاضبة: "وحياة أمك يا صفية لو متعدلتي لا أكون مديكي على دماغك تاني زي زمان، عشان الحنية معاكي ومع صنف الحريم كله متنفعش." حاولت الإفلات منه قائلة ببكاء: "عمرك ما اتغيرت ولا هتتغير."

أبعد يده عنها قائلاً بنبرة تحذيرية: "النهاردة الساعة 8 بالليل هجيب المأذون والشهود وهجيلك. ولو عملتي حاجة مش مزاجي الكافي اللي أنتِ فرحانة بيه ده هولعلك فيه بالمعنى الحرفي يا قلب عمر، وسمعتك أنتِ وأختك الأرملة هتبقى على كل لسان. وبرضو هرجعك ليا. مزاج بقى عايزك تبقي أنتِ أم عيالي ومراتي."

رمقها بابتسامة ساخرة وذهب للخارج، فجلست هي على المقعد محله وبدأت تبكي بقوة وخوف. وكل ما مر بينها وبين عمر عندما كانت متزوجة منه من قسوة وإهانة يمر أمامها الآن، فانتفضت بخوف شديد وهي لا تدري ماذا تفعل. هل ستستسلم له وتعود لعذابها؟ على الجانب الآخر كان يقف ذلك العامل بجوار النافذة وهو ممسك بهاتفه وقد قام بتسجيل كل ما حدث بينها وبين عمر. ثم أغلق هاتفه وابتعد عن مكتب صفية، وقام بالاتصال بأحدهم الذي أجابه سريعاً.

فأردف العامل بقلق وهو ينظر حوله من أن أحد يراها: "أيوه يا عدنان باشا." عدنان بجمود: "في حاجة يا علاء؟ مدام صفية كويسة؟ علاء بصوت خافت: "مش عارف أقولك إيه والله يا عدنان باشا." عدنان بقلق متناسياً كل شيء حدث: "إيه يالا اتكلم على طول." علاء بهدوء: "في راجل جه من شوية. هو مش أول مرة يجي، بس المرة دي ضايق المدام ومد إيده عليها وهددها كمان." احتدمت ملامحه بغضب دفين وكور قبضة يده بغضب قائلاً: "مين الحيوان ده؟

وأنت مكلمتنيش لي من أول ما جه؟ أجابه علاء بقلق: "يا باشا مكنتش أعرف إنه هيعملها كده والله، بس أنا سجلتلك كل اللي حصل فيديو." عدنان بنبرة جامدة: "ابعته بسرعة، وخليك متابع كل حركة بتعملها جوه الكافي. ولو أي حد جالها تعرفلي هو مين قبل ما يمشي. مفهوم." علاء بإيماء: "أوامرك يا باشا." أغلق معه عدنان وظل بانتظار أن يرسل له ذلك الفيديو. قطع شروده دلوف ذلك الرجل الذي يدعى فؤاد. قائلاً بهدوء:

"عدنان باشا الموظفين في الأوتيل هنا مستنين حضرتك عشان يتعرفوا عليك بشكل أكبر بما إنك مديرهم وأول مرة تتقابل معاهم." لم ينتبه له عدنان فقد احتدمت ملامحه بغضب دفين وهو يرى عمر عزام الذي يعرفه جيداً وهو بعنف تلك التي سرقت نبضات قلبه ويستمع لتهديداته لها. فؤاد بقلق وهو يستمع للفيديو دون أن يرى من هذا الذي يتحدث: "خير يا عدنان باشا." تنهد بضيق وأغلق الهاتف وأخذت أنامله تنتفض بغضب وأجاب فؤاد بجمود ظاهري: "عايز إيه يا فؤاد؟

فؤاد بقلق: "الموظفين كانوا عاملين حفلة صغيرة تحت وعايزين ي... نهض عدنان من مجلسه بمكتبه بذلك الفندق الخاص به قائلاً: "بعدين يا فؤاد." فؤاد بهدوء: "يا باشا أنت مسافر بكرة و... صاح فيه عدنان بغضب: "وأنت مال أهلك؟ أنا هنا المدير ولا أنت؟ الغي أي زفت دلوقتي وقول للحرس يجهزوا عشان طالعين دلوقتي رايحين شركة عمر عزام." فؤاد بصدمة وخوف: "افندم هنروح لي؟ رمقه عدنان بحدة وذهب للخارج قائلاً: "نفذ اللي قولتهولك يا فؤاد."

ذهب عدنان للخارج متجهاً لغرفته فحين تنهد فؤاد بقلق قائلاً: "أنت لو تعرف الحج مندور بيخططلك إيه هتمشي دلوقتي من هنا يا باشا."

فتحت نور باب منزلها الجديد الذي انتقلت له لتعيش مع زوجها، بحثت عنه بعينيها ولم تجده، وكادت أن تذهب إلى غرفتها ولكنه دلف خارج المطبخ فجأة بوجهها وهو يرتدي قناع بشكل مخيف وممسك بسكين، فصرخت هي بقوة وكادت أن تركض للخارج ولكنها توقفت عندما استمعت لصوت ضحكاته. استدارت له وهي ما تزال خائفة، ولكنها غضبت بقوة ما أن رأته يخلع قناعه وجلس على الأريكة وهو ما زال يضحك بقوة. نور بنبرة شبه باكي:

"قسم معندكش ريحة الدم. والله كنت هموت من الرعب." توقف عن الضحك بصعوبة وأجابه: "إيه المطلوب يا حبيبتي." نور بغيظ: "حبك برص يا خالد، وبعدين جيبت البتاع ده منين أنت؟ خالد بابتسامة بلهاء: "شوفته من أسبوع في محل بتاع هدايا ولعب تنكرية، ومن وقتها وأنا بخطط للمقلب ده." نور بغيظ: "ياربي على التفاهة يا شيخ. ده والله دماغ يونس اللي لسه مولود امبارح أكبر منك." خالد بجدية: "المهم سالي جات معاكم؟ نور بهدوء:

"لأ لسه. الدكتورة قالت هتخرج بعد بكرة هي ويونس. يحيي جاي ياخد ليها شوية حاجات وراجع تاني وماما عندها." اقترب منها بهدوء قائلاً بخبث: "طيب بمناسبة إننا فتحنا سيرة يونس، بزمتك يا شيخة الواد ده مفتحش نفسك على الخلفية." تراجعت للخلف عدة خطوات واجابته بقلق: "لأ مفتحش نفسي. واتلم يا خالد عشان أنا فاهمة قصدك." خالد بجمود: "طيب مدام فاهمة نختصر الكلام بقي ونعقل." نظرت له بابتسامة مستفزة واجابته: "لأ أنا كده مرتاحة."

خالد بغيظ: "أنتِ عايزة إيه يا نور؟ قولتي الأول مش هتحصل حاجة بينا عشان أنا غامض ومخبي عليكي حاجة. ودلوقتي أهو كل حاجة بقيت واضحة. إيه اللي مخليكي واخده مني جنب وبتبعدي عني ليه؟ تعلم هي بأن حديثه صحيح ولكنها لا تعلم ما هو سبب ابتعادها وخوفها من هذا التقرب، ففضلت الصمت. اقترب هو منها ولكنها ابتعدت سريعاً وتحولت ملامحها للرفض والنفور مجدداً. رمقه بحزن قائلاً:

"براحتك يا نور. ورحمة أمي مهطلب منك حاجة تاني، واللي عايزاه اعمليه." تابع وهو يتجه للخارج: "أنا رايح الشغل، لو احتاجتي حاجة كلميني." ذهبت خلفه سريعاً وامسكت يده قائلة بدموع لمعت بعينيها: "أنت عندك شك إن أنا بحبك؟ نظر للجهة الأخرى بضيق، فأردفت هي بحدة: "لأ رد عليا يا خالد؟ أجابها بنبرة غاضبة: "لأ معنديش شك. وعارف إنك بتحبيني بس مش لاقي تفسير لتهربك مني ورفضك ليا ديماً." نور بجمود:

"وأنا لحد الآن مش عارفة أتخطى فكرة إنك خونتني وكنت مع غيري واتقبل ده عادي. مش عارفة أثق فيك زي زمان بعد معرفت إنك بقالك سنين مخبي عليا حقيقة شغلك مع أبويا. مش عارفة أصدق إنك عايز تبقى معايا دلوقتي بعد ما رفضتني بدل المرة مليون زمان. أنا أيوه بتعامل عادي ومبينالك إني نسيت عشان مش عايزك تزعل، بس كل اللي حصل لسه مؤثر فيا." كان هو ينظر لها بجمود صامتاً، فتابعت هي بدموع قائلة:

"أنا قولتلك كل اللي جوايا. عايز تتعصب تزعق تتضايق براحتك بقي عشان أنا زهقت والله وتعبت." مسح لها دموعها التي هبطت على وجنتيها قائلاً بنبرة هادئة: "أنتِ لو كنتي قولتيلي كده من الأول أنا مكنتش هزعل ومش زعلان، وحقك أنتِ تزعلي من كل اللي حصل. بس مش من حقك تيجي على نفسك عشاني أو عشان غيري. واجهيني ديماً وعاتبيني بس متبعديش ولا تخبي حاجة جواكي من غير ما خالد يعرفها. مفهوم يا نور." أومأت برأسها بنعم، فتابع هو بنفس هدوئه:

"وع فكرة أنا من لما وعدتك إني مش هقرب منها تاني وأنا بعدت عنها. أيوه غلطت الأول، بس بعدك عني واختيارك لغيري كان مخليني زي المغيب بعمل أي حاجة عشان أنسى الوجع اللي بحس بيه كل ما أتذكرك. ولما خبيت عليكي سنين حقيقة شغلي أنا كنت بموت رعب من فكرة إنك في يوم هتعرفي وهتسيبيني أو تكرهيني. ومكنتش عايز أكون معاكي وأنا بكذب عليكي في حاجة، وده كان سبب مشاكل كتيرة بيني وبين أبوكي." أمسك يديها بهدوء قائلاً:

"أنا استحملت كل حاجة مع أبوكي عشان أفضل جنبك. كنت بموت بإحساسي بالذنب بعد كل مرة بنسلم أو نستلم فيها حاجة واستحملت عشان أكون جنبك يا نور. ودلوقتي أنا بعافر ورجعت تاني مع أبوكي وبعمل حاجات خطرة من وراه بس عشان أخلص من كل القرف ده ونبدأ حياتنا من غير أي مشكلة." نور بقلق: "بتعمل إيه لبابا يا خالد؟ أنت هتأذيه؟ خالد بنفي:

"يبقى قليل أصل لو أذيته أو أنكرت إنه ملوش خير عليا، بس أنا حاولت أبعده عن الطريق ده كتير والنتيجة كان بيهددني بيكي أو بأنه هيقتلني يا نور." شهقت بفزع وامتلأت عيناها بالدموع قائلة: "لأ هو مش هيعمل كده. أنا هكلمه و... قاطعها بصرامة قائلاً: "لأ مش هتكلميه يا نور، وخليكي واثقة فيا إن قولتلك إني مش هأذيه. أنا بس هبعده عن الشغل ده تمام." تابع وهو يقبل جبهتها:

"واعرفي إني بحبك ومش هغصبك على حاجة ووجودك معايا في بيت واحد وإنتي مراتي واسمك على اسمي دي عندي بالدنيا." نظرت أرضاً بخجل قائلة: "أنا جاهزة لأي حاجة أنت عايزها يا خالد." أجابه بجدية: "قولتلك متجيش على نفسك ولا تجبري نفسك على حاجة عشاني أو عشان غيري يا نور." نظرت له بهدوء قائلة:

"أنا واثقة فيك إنك مش هتخوني ولا هتوجعني تاني ولا هتخبي عني حاجة تاني، عشان كده بقولك إني مستعدة أكون معاك ومن غير أي ضغط أو خوف عشان زي ما خالد بيحبني أنا كمان بعشقه." احتضنها بقوة وهو يضمها له كثيراً، فمنذ فترة ليس بالقليلة لم يستمع تلك الكلمات منها.

وبعد قليل كانت حالة من التوتر والقلق تسود شركة عمر عزام الذي كان بعمل آخر خارج شركته، ولكنه ما أن علم بوجود ذلك الرجل بشركته الذي يتمنى جميع المستثمرين المصريين العمل معه، دلف إلى داخل الشركة فتلقاه شقيقه الذي يبدو عليه القلق كثيراً. الشيمي بقلق: "أنت كنت فين؟ حبكت النهاردة متجيش الشغل؟ عمر بحماس: "مش مهم. المهم اللي حصل. أنت متأكد إن عدنان هنا." الشيمي بتوتر:

"والله فوق في مكتبك. روحت أقعد معاه طردني بشياكة وقالي أكلمك تيجي بسرعة." عمر وهو يتجه للأعلى: "طيب أنا رايحله." الشيمي بحماس: "أجي معاك؟ عمر بجمود: "لأ خليك وابقى أقولك هو جاي ليه بعد ما يمشي." ذهب عمر إلى مكتبه سريعاً فتح الباب فوجد عدنان يقف أمام الشرفة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله وينظر أمامه بجمود. له شخصية وهيبة تفرض على من أمامه الاحترام والتحفظ في التعامل معه. عمر بإيماء ونبرة مليئة بالحماس:

"منور الشركة كلها يا عدنان بيه." استدار له عدنان ورمقه من الأعلى للأسفل بهدوء وما زالت نظراته جامدة. عمر ببعض القلق من نظراته أشار إلى ذلك المقعد أمام مكتبه قائلاً بهدوء: "اتفضل حضرتك اقعد." لم يجيب عليه عدنان بل ذهب ووقف أمامه قائلاً بنبرة صارمة: "أنا مش جاي أقعد. هما كلمتين هتنفذهم وأنت ساكت." عمر بجمود ظاهري عكس قلقه الشديد: "خير يا عدنان باشا." عدنان بنبرة غاضبة: "صفية تبعد عنها خالص."

رمقه عمر بعدم فهم ما شأن صفية بهذا، فهو كان يظن بأن عدنان جاء ليتحدث معه بالعمل، أو بمعنى آخر كي يجعله هو الكبير بعد ما فشلت صفقة مندور السابقة، ولكنه صعق ما أن نطق الآخر اسم صفية. من أين يعرفها. عدنان بحدة: "تنحت لي؟ ولا اللي قولتهولك لسه دماغك الصغيرة مترجمتهوش." عمر بجمود: "أنت تعرف صفية منين؟ وسوري يعني بصفتك إيه تيجي وتقولي كده؟ عدنان بغضب: "ملكش الحق تسأل ولا تعرف حاجة تخصني، واللي عندي قولته."

عمر بابتسامة هادئة: "يا باشا أنت فاهم غلط. صفية بتحبني وأنا وهي متفقين إننا هنرجع لبعض النهارده. اللي وصلك المعلومة وصلهالك غلط." صاح فيه عدنان بغضب متناسياً كل شيء حوله: "هترجعلك عشان هددتها إنك تحرق الكافي بتاعها، هترجعلك عشان هددتها بسمعتها هي وأختها مش كده؟ انتفض عمر بخوف قائلاً: "أنا مكنتش هعمل كده. أنا بس كنت عايزها ترجعلي و... وضع عدنان يده على كتف عمر بهدوء قائلاً:

"خلاصة الكلام هي مش عايزة ترجعلك. ولو أنت شيطانك وزك تقرب منها تاني هرجعك الموقف اللي كنت شغال فيه زمان تمسح عربيات وتودي شاي للسواقين. فاكر ولا أرجعك تفتكر." احتدمت ملامح عمر بغيظ شديد، فحين تابع الآخر بنبرة تحذيرية حادة: "صفية تخصني ولو قربت منها بحلو أو وحش مش هرحمك ولا هسمي عليك، وأظن أنت عارف كويس مين عدنان."

ذهب عدنان للخارج، فحين جلس عمر على الأريكة الخاصة بغرفة مكتبه وهو غاضب بقوة، جاء له شقيقه وهو ملئ بالحماس قائلاً: "ها قالك إيه، وكان جاي لي يبشرني يلا؟ عمر بغضب شديد: "ابن ال** جاي يقولي ابعد عن صفية." الشيمي بعدم فهم: "وإيه دخل صفية بعدنان؟ يعرف صفية منين؟ نهض عمر واقفاً وهو يصيح بغضب وغيظ:

"معرفش الحيوانة الزبالة اللي كانت زي الخادمة تحت رجلي بقيت تخص عدنان دلوقتي وجاي يهددني عشانها، والزبالة التانية بنت مندور راحت فضلت عليا حتة كلب. بس ورحمة أمي لندمهم على اليوم اللي شفتهم فيه كلهم." الشيمي بجمود: "سيبك من جو الحريم ده وركز في الشغل. الشغل هو اللي هيخليك تدوس على الكل يا عمر." احتدت ملامح الآخر بغضب وظلام دفين. على الجانب الآخر كانت صفية تجلس بمكتبها بذلك الكافي وبجوارها شقيقتها. لبنى بحزن:

"صفية اسمعيني نروح نعمله محضر عدم تعرض و... صفية ببكاء: "ولا هيأثر فيه. أنا عارفة عمر كويس. مدام صمم على حاجة هيعملها، وكمان الوزير نسيب أخوه مش هيخلينا ناخد لا حق ولا باطل معاه عند الحكومة." لبنى بخوف على شقيقتها: "يعني إيه يا صفية؟ هتسيبي نفسك للحيوان ده يعمل فيكي اللي هو عايزه تاني."

قبل أن تجيبها صفية صدح صوت طرق على باب مكتبها، فمسحت دموعها وأذنت لبنى له بالدخول، ففتح عدنان الباب ودلف للداخل وهو ينظر لصفية بجمود. لبنى بحدة: "عايز إيه أنت كمان وإيه اللي جايبك هنا؟ تنهد عدنان بهدوء وهو يرمق صفية وملامحها الباكية ونظراتها الحادة له أجاب لبنى بهدوء: "جاى أقول لأختك تطمن عمر عزام مش هيقرب منها تاني." لبنى بابتسامة واسعة: "بجد يعني هو مش هييجي النهارده ويخليها ترجعله." قبل أن

يجيبها سألتها صفية بجمود: "أنت عرفت منين إن عمر كان عايز يرجعني؟ صمت عدنان وهو يرمق شقيقتها بهدوء، فاردفت لبنى بتوتر: "أنا هروح أشوف الشغل بره." تابعت وهي تنظر لعدنان بامتنان: "شكراً جداً ليك، عمر ده كان كابوس بالنسبة لنا." أجابها عدنان بابتسامة هادئة: "اطمني. هو مش هيقرب منكم تاني خالص." ابتسمت له وذهبت للخارج، فحين ذهب هو وجلس أمام صفية واضعاً قدم فوق الأخرى قائلاً ببرود: "كنتي بتقولي إيه بقي؟ تنهدت بضيق قائلة:

"عرفت منين إن عمر عايز يرجعني، وإزاي واثق كده إنه مش هيقرب مني تاني؟ ابتسم بسخرية وأجابها: "أنتِ مش كل اللي كنتِ عايزاه إنه يبعد عنك. أنا بقولك إنه بعد وأنا بطريقتي خليته مش هيقدر يقرب منك تاني. ده إذا كان ده اللي أنتِ عايزاه مش حاجة تاني؟ صفية بحدة: "أنت قصدك إيه؟ نهض واقفاً قائلاً بغضب: "قصدي إن مش بعيد تكون دي لعبة منك على عمر إنك تتقلي عليه فهو يتمسك بيكي أكتر. مش هستبعد حركة زي دي إنها تطلع من واحدة زيك."

امتلأت عيناها بالدموع قائلة بنبرة مريرة: "أنت وهو زي بعض. ولا واحد فيكم عنده ضمير. ولا واحد فيكم يستاهل إني أبص في وشه أصلاً. كلكم مستكترين عليا أبقى كويسة وكأن مبقاش ينفع معاكم غير الزعيق والتصنع والبجاحة." عدنان بجمود: "أنا لو معنديش ضمير كان زمانك تحت جزمتي على إنك ضحكتي عليا مش بجري ورا اللي بياذيكي وبحميكي منه." صفية بحزن:

"والله ما ضحكت عليك. أنا اللي ضحكت فيك عليه. قولتلك إني كنت بعمل كده رد جميل لحد طلب مني خدمة وبعدت عنك ومكنش والله نيتي إني أقرب منك تاني وأنت اللي رجعت تحوم حواليا تاني." نظر بألم شديد لدموعها التي تملأ عيناها، ثم أخرج كارت صغير ووضعه أمامها على الطاولة قائلاً بهدوء:

"ده كارت بتاع واحد صاحبي هيبقي ماسك الأوتيل بتاعي اللي كنتي فيه معايا من كام يوم. لو حصل معاكي حاجة أو حد اتعرضلك سواء عمر أو غيره روحيله وهو هيتصرف. أنا موصيه عليكي، عشان مسافر بكرة ومش هرجع هنا تاني يا صفية." أتى ليغادر ولكنه توقف عندما أردفت هي بصوت حزين: "أنت ليه بتعمل كده معايا؟ استدار لها قائلاً بجمود: "يمكن عشان يوم ما حبيت حبيت واحدة زيك متستاهلش إني أثق فيها، وحب من غير ثقة مينفعش."

ألقى كلماته القاسية عليها وذهب للخارج، فحين جلست هي على مقعدها مجدداً وهي تبكي بقوة وألم داخلي كبير، هي تعرفه منذ فترة قليلة ولكنه ترك بداخلها أثر كبير وجعل قلبها يهتز إليه دون إرادة منها، ولكنه بكل قسوة جاء ليعاقبها على ما فعلته بها الحياة، أصبح يعاقبها على أفعالها التي حدثت نتيجة أخطاء الماضي معها.

منذ أن عادت فرح من القاهرة، وهي تجلس بغرفتها تنتظر عقاب شقيقها. تعلم بأنه سيكون قاسياً، فذهابها إلى يحيي هو أكبر خطأ عند خليل، ولكنه لا يترك لها خيار آخر وقتها. دلفت والدتها للداخل لتجدها جالسة وهي ممسكة بصورة صغيرها وتبكيه بصمت مثل العادة. نوال بقلق وهي تعطيها الهاتف: "خدي ي فرح كلمي أخوكي عايزك." انتفضت بخوف قائلة: "هو هنا في المنيا؟ نوال بحزن لخوف ابنتها قائلة بصوت هامس:

"لأ هو في القاهرة بس جاي. خدي كلميه وبالراحة يمكن يهدي ومعملكيش حاجة." مسحت فرح دموعها وأخذت الهاتف من والدتها وأجابت بصوت خائف: "أيوه يا خليل." جاء لها صوته الغاضب وهو يقول بحدة: "وحياة أمك ي فرح لربيكي ترباية كلاب على إنك اتطلقتي وأنا حذرتك متعمليش كده." أردفت بصوت باكي: "يا خليل لو لمرة واحدة في حياتك عاملني على إني أختك وحس بيا، إزاي أعيش معاه تاني وابني مات قدام عيني بسببه. اقف جنبي و... قاطعها بحدة قائلاً:

"بطلي تمثيل. أنتِ عملتي كل ده عشان تروحي ليحيي يا ***. بس ورحمة أبوكي لهندمك على كل ده." تابع بنبرة حاقدة: "إنما بقي اللي اسمه يحيي فده زي ما كنتي زمان سبب في تدمير حياته واللي حصل لأهله. المرة هتكوني أنتِ برضه السبب بس في موته يا قلب أخوكي."

أغلق الهاتف بوجهها فحين انتفضت هي بخوف من أن يصيبه أي مكروه بسببها مجدداً، تعلم بأنه أصبح عاشقاً لزوجته وأن ما كان بينهم بالماضي ظل بالماضي ولكنها ما زالت تحبه وتخافه كثيراً مثل الماضي حتى وإن قررت الابتعاد فما زال قلبها متيم بعشقها له. نوال بخوف: "قالك إيه ي فرح؟ أجابت والدتها ببكاء ونبرة خائفة: "هيؤذي يحيي تاني بسببي. يحيي ساعدني وبس، وأنا اللي كلمته. إنما هو بقي ليه مراته وبيته وحياته." تابعت وهي

تقبل يد والدتها بإيماء: "أبوس إيدك ي ماما كلميه قوليله ميؤذيهوش في حاجة تاني، يجي يعاقبني أنا يعمل اللي عايزه فيا بس ملوش دعوة بيحي. كفاية اللي حصله زمان." نوال بقلة حيلة: "مقدرش أقوله كده. أخوكي هو اللي فاتح البيت ده مش عايزينه يزعل مننا أكتر من كده وإلا هنشحت أنا وأنتِ." صاحت فيها فرح ببكاء:

"أنتِ السبب في كل حاجة. بابا قالك زمان بطلي تدلعيه زيادة عن اللزوم. أنتِ مسمعتيش وديما فضلتيه عليا وخلتيه يتحكم فيا في كل تفاصيل حياتي. أنتِ السبب." تركتها والدتها وغادرت وهي لا تعلم بماذا تجيبها، فهي تعرف حق المعرفة أنها أخطأت وكثيراً في تدليلها لخليل بهذا الشكل. فماذا سيحدث؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...