تحميل رواية «القصيرة و صاحب الهيبة» PDF
بقلم منة عصام
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنتي يابنتي مش هتبطلي تتلمضي وتردي الڪلمة بعشرة عليا؟ لا مش هبطل ياعم في مشڪلة؟ لا ياريس ولا أي مشڪله. متجوز بنوته رقيقة ولا سيد توڪتوڪ. أنت بتعترض يامحمود؟ لا وبتتريق عليا ڪمان. طيب لما أعيط دلوقتي هتفرح. ياقلبي أنا أقدر. والله ما قصدي. دا أنتي أوزعتي. أنا مش قصيرة. أنت الطويل أوي. وبعدين أنا بقولڪ أي بقى، طلقني والشقة من حق الزوجة وتبعتلي النفقة عشان العيال. نفقة وعيال؟ بت ياأوزعة فوقي. أحنا بقالنا شهر متجوزين. يعني دا عذر عشان تتهرب من نفقة ولادڪ السبعه. يانهار ابيض. سبعة ياأوزعتي. هو أنا عار...
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
إنها لك
تحت أشعة شمس الظهيرة الخفيفة، خرجت معه إلى جراج البناية التابعة لمركز الأشعات والتحاليل الشهير، الوجوم يفترش محيّاها منذ تيّقنت من الخبر ..
خبر حملها!
فتح لها "نديم" باب السيارة الأمامي، ثم أستقلّ أمام المقود، انتزع نظّارته الشمسية متنهدًا، أدار وجهه نحوها قائلًا بهدوء ضمني:
-ليلى.. ممكن أعرف إيه الوش ده؟ انتي مضّايقة إنك حامل مني؟
أجفلت "ليلى" غارزة أظافرها في راحتيّ يدها وهي تقول بتوتر:
-لأ. لأ مش مضّايقة.. بس الخبر.. موتّرني شوية!
نظر إلى يدها ملاحظًا اضطرابها الشديد، فمد يدها ممسكًا بها، شدّ عليها بحنوٍ وقال برفقٍ:
-مافيش أي داعي تتوتري. دي النتيجة الطبيعية في أي علاقة زوجية. الحمل طبيعي.. أنا قلت لك إني نفسي أخلّف منك.. انتي مش نفسك يا ليلى؟
نظرت له وردت بصدقٍ واضح:
-نفسي يا نديم.. نفسي أوي.
نديم مبتسمًا: خلاص. ماتفكريش بقى في أي حاجة تاني. فكري في إللي جاي ده ..
وحطّ بكفّه فوق بطنها المسطّح، وأكمل:
-فكري هانسمّيه أو هانسمّيها إيه؟ فكري حياتنا سوا هاتكون شكلها إيه. مش عايزك تشيلي هم إللي بيحصل أو إللي هايحصل. عايزك تعيشي حياتك وبس. وأنا بضمن لك إن استقرارنا ده عمره ما هايتهز.. أوعدك.
كلماته بثت فيها شيء من الطمأنينة، فابتسمت بخفة وهي تسحب نفسًا مرتعشًا، لتقول بغتهً بينما لا يزال يحدق في عينيها بقوة:
-نديم.. عاوزة فراولة!
ارتد وجهه وعبس وهو يقول مدهوشًا:
-فراولة! لأ يا لولّا انتي فاهمة غلط. لسا بدري على الوحم. وبعدين ده مش أوانها أصلًا!!
قطبت بطفولية قائلة:
-يعني إيه مش أوانها؟ وبعدين المفروض لما أقولك نفسي في حاجة تقلب الدنيا وتجبهالي. مش تقولّي كده!
ضحك منها وهو يقرص خدّها بلطفٍ وقال بنعومة:
-لأ عرفتي تغلبيني المرة دي.. صح عندك حق. نفسك في الفراولة يا لولّا؟ انتي تؤمري.
وأدار محرّك السيارة منطلقًا بها في الحال ...
_______________________________________
أعاد "زين نصر الدين" جناب السفير "عاصم البدري" إلى مقرّ أقامته سالمًا ..
عبرا معًا باب المنزل الداخلي، وطفق "عاصم" يسأل مستخدميه عن ابنته في الحال:
-ريري فين يا سُعاد؟
أجابت الخادمة المسنّة ببشاشة:
-الأنسة ريري بتلعب في الجنينة يا باشا ومعاه ميمي.
تبادلا الرجلين ابتسامةٍ مرحة، ليقول "عاصم" متجهًا نحو الباب الزجاجي المطلّ على الحديقة:
-تعالى يا زين.. تعالى نشوف الأستاذة بتعمل إيه!
تبعه "زين" متهاديًا في مشيته، حتى وصلا عندها، لاحت لهما بينما تجلس أسفل شجرة البرتقال المزهرة، تفترش ملاءة، ترتدي بذلة جينز قطعة واحدة أسفلها كنزة قصيرة الأكمام، شعرها الحريري مفرودًا حول كتفيها، تتحرّك خصيلاته كلّما باشرت أعمال التلوين والرسم خاصتها ..
ابتسم "زين" وهو يراها تستمتع بهداياه وتملأ أوقات فراغها بهم، ألقى عليها التحيّة ما إن صار قريبًا منها:
-مساء الفل على أحلى أنسة ريري في العالم كله!
رفعت "ريهام" رأسها ناظرةً إليه فور سماعها لصوته، لم تولي والدها اهتمامًا كبيرًا، فقط تعلّقت عيناها بـ"زين" وابتسمت له بصفاءٍ قائلة:
-مساء النور.. عامل إيه يا زين إزيك؟
زين بابتسامته الجذّابة:
-أنا تمام يا ريري.. انتي إيه أخبارك؟ مبسوطة معانا؟
أومأت له بقوة وهي تقول:
-إممممم مبسووطة أووووي.
قاطعهما "عاصم" مخاطبًا ابنته بعتابٍ:
-الله يا ريري هانم. انتي مش شايفة قدامك غير زين ولا إيه؟ مافيش إزيك يا بابي. وحشتني يا بابي!!
ضحكت "ريهام" بعفوية وهي تنظر إلى أبيها مرددة بصوتها ذي النغمة الآسرة:
-إزيك يا بابي!
استجابت له عندما لها ذراعاه، وثبت واقفة لتستقر بين أحضانه، بينم يتمتم لها وهو يضمّها بحنانٍ:
-وحشتيني يا روح بابي.
ردت عليه بذات العفوية:
-أنا أكتر.. بس زعلت عشان زين وانت مشيتوا وصحيت مش لاقيتكوا.
رمى أبيها "زين" بنظرةٍ خاطفة ليجده مبتسمًا فقط ويراقبهما، بينما يرد عليها بلطفٍ:
-معلش يا روحي. كنا في مشوار شغل. بس أهو رجعنا.. وعارفة في مفاجأة ليكي إنهاردة كمان.
ابتعدت "ريهام" عن حضنه فورًا متسائلة بحماسة:
-إيه إيه؟ مفاجأة إيه؟؟
عاصم بابتسامة: أخوكي عمر جاي إنهاردة.. إن شاء الله هايكون قاعد معانا على سفرة العشا.
تقافزت "ريهام" في مكانها مصفقة من شدة الفرحة صائحة:
-هيييييييييه عمـرررررر. عمر جااااي. عمر جاااااااي. وحشنييي أوووووووي.
ربت أبيها على رأسها وهو يقول مهدئًا حماستها:
-أيوة يا حببتي جاي. وكان عايز يعملها لك مفاجأة بس أنا جيت قلت لك.. إهدي بقى كفاية تنطيط. تتعبي يا حبيبتي.
وبالفعل جعلها تكفّ عن شقاوتها المفرطة، لكنها نظرت إلى "زين" مددة من بين أنفاسها:
-أنا عاوزة زين يلعب معايا بالـ Skate برا الفيلا شوية!
رفرف لها "زين" بأهدابه الكُة مبتسمًا، بينما يقول أبيها بلهجةٍ فيها من الحزم واللين معًا:
-دلوقتي مش هاينفع يا ريري لأني عايز زين في شغل.. خليها كمان شوية. بعد الغدا.. أو بكرة الصبح بدري.
عبست "ريهام" على الفور غاضبة وأطرقت برأسها في الأرض، حاول "عاصم" مراضاتها، لكنها أبت ورفضت محاولاته بشدة مصدرة صوتًا كالأنين كلّما حاول لمسها ..
ليسحب "زين" نفسًا عميقًا ويقترب منها خطوتين، يمد يده ملامسًا كتفها لمسًا خفيفًا للغاية وهو يقول بلطفٍ جمّ:
-ماتزعليش يا ريري. أوعدك إني هاخدك ونلعب بالـSkate بس مش برا الفيلا. هاوديكي بكرة الملاهي وهانلعب سوا لحد ما تزهقي.. إيه رأيك؟
رفعت عينيها إليه بطريقةٍ تؤسر القلوب، ابتسمت له وحده وتمتمت:
-أوكي!
راقبهما "عاصم" مشدوهًا من تأثيره عليها، لم يصدق بأن هذا الرجل الذي أخافها منذ الوهلة الأولى حتى نفرت منه، الآن ه صاحب الكلمة العليا بحياتها ..
كيف يفعل ذلك؟ بل ما الذي يفعله "زين" زيادةً عمّا يفعله "عاصم" لأجل إسعاد ابنته؟
لم يملك "عاصم" لإلا إن يستسلم لخطة القدر ..
استدار مولّيًا إلى داخل المنزل ثانيةً، فما هي إلا دقيقة وكان "زين" لاحقًا به، دخلا غرفة المكتب وجلسا بالصالون الجانبي قبالة بعضهما ...
-موضوع جوازك من ريهام ده هايكون سر بينّا! .. قالها "عاصم" بجدية
عقد "زين" حاجبيه مستوضحًا بصوته العميق:
-يعني إيه سر؟ هاتجوزها في الخفى؟
عاصم بصلابة: لأ طبعًا. بنتي هاتتجوز في العلن.. لكن عمر مش هايعرف حاجة إلا بعد كتب الكتاب. لأنه أكيد هايمنع الجوازة. عمره ما هايقىنع إن أخته تقدر تتجوز. مش هايشوف إللي أنا شايفه.
أومأ له "زين" قائلًا بتفهم:
-تمام يا باشا.. بس عادي أعرّف أهلي؟
-أكيد. لازم تعرّفهم أصلًا.
-طيب وريهام نفسها.. تفتكر هاتوافق ولا إيه؟
ضحك "عاصم" وهو يقول بتهكمٍ:
-ريهام قدرت تستغنى عن عمر كام يوم ولا جرّبت تزن وتسأل عنه.. بسبب مين؟ بسببك انت. انت معوّضها عن عمر إللي كان بالنسبة لها أخ وأب وأم في نفس الوقت.. بنتي بدأت تتعلّق بيك فعلًا يا زين. أكيد هاتوافق. مش على الجواز نفسه لأنها تقريبًا مش هاتستوعب. لكن لما تعرف إنها هاتعيش معاك انت أكيد هاتوافق.
تنهد "زين" وقال:
-تمام يا باشا.. خير.
-حاجة أخيرة! .. قالها "عاصم" وهو يسحب من فوق الطاولة المجاورة مغلّفًا ورقيًا، ثم أردف ملوّحًا به أمام عينيّ صهره المستقبلي:
-الظرف ده في نصيب ريهام من تِركتي.. 150 مليون جنية. وحتة أرض في غرب القاهرة تساوي أكتر من 100 مليون جنية. أنا قسمت أملاكي على ولادي قبل ما أسافر من 3 سنين لأني ماكنتش ضامن إني راجع. عمر بنيت له المنتجع السياحي وعملت له رصيد في البنك. أمنت له مستقبله كويس جدًا. بس حتى هو نفسه مايعرفش أنا عامل إيه لريهام. انت بس إللي عرفت دلوقتي من بعد المحامي بتاعي. أنا طلبت منه الورق ده عشان هاشيله في عهدتك يا زين لحظة ما تكتب على بنتي.
كان "زين" يستمع له ملتزم الصمت منذ البادئ، لكنه لم يستطع السكوت عند هذا الحد، ونطق بصوتٍ أجش:
-عاصم باشا. إللي حضرتك بتقوله ده مالوش أي داعي. ربنا يزيدك ويخلّيك لولادك. بس أنا ماليش علاقة بالورق ده. أفضل ترجعه للمحامي أو الأحسن تأتمن عليه ابنك لكن أنا!
قاطعه "عاصم" بصرامة:
-أنا هأمنك على بنتي يا زين.. بنتي إللي أغلى عندي من أي فلوس وأملاك. أغلى من كنوز الدنيا كلها.. مش شاغلني حاجة تاني بعد ما هاسلّمك ريهام بإيدي.. محدش غيرك له الحق يشيل مسؤوليتها ولا يراعي أملاكها. ولا حتى عمر.
لم يستطع "زين" ردًا، وكأنه نسى كيف يتحدث، بينما يضيف "عاصم" بوجهٍ يخلو من العبث:
-أهم حاجة عندي.. تعاملها كويس. وتحطها في عنيك. وماتزعلهاش أبدًا. أوعدني يا زين!
لا إراديًا، وجد "زين" نفسه ينطق بهدوء:
-أوعدك يا معالي السفير!
ابتسم "عاصم" راضيًا ..
لم يتخذ هذه الخطوة عبثًا، لقد علم بأنه يشتري سعادة وراحة ابنته طوال حياتها بتقديم أملاكها للزوج الذي أختاره لها، إن "زين" حتى ولو كانت له مآرب أخرى في زواجه من ابنته، إلا إنه قد قطع له وعدًا للتو ..
وهو أكثر من واثق من إنه لن يحنث به ..
يدق هاتف "زين" في هذه اللحظة، فيعتذر من "عاصم" ليرد على المكالمة العاجلة، يأخذ هاتفه ويقوم ليتحدث بالخارج ..
فتح الخط ورد بلهجته القوية:
-إيه الأخبار يا عدي؟
أجاب الطرف الآخر:
-الدليل بتاعي بلغني إنهم لسا واصلين فيلا الراعي حالًا.. بس كانوا في مشوار قبلها.
-مشوار إيه؟
-راحوا معمل تحاليل.
-عشان؟
-الدليل طلع وسأل. التحليل كان باسم ليلى الراعي.. تحليل حمل وطلع إيجابي.
اتسعت حدقتا "زين" فور سماعه لهذا ...
خرس لسانه تمامًا إلى الحد الذي أعجزه عن الرد على زميله بعد ذلك ..
"ليلى" ..
ابنة عمته التي يرها طوال حياته.. لكنها عِرضه وشرفه.. حُبلى!
التاريخ يُعيد نفسه!
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
وعد نافذ
دخلت "ليلى" إلى البيت تتقدّم بخطى هادئة.. متشبّثة بذراع "نديم" كما لو أن بها ما يوشك أن يفرّ منها إن لم تتعلّق به ..
الأجواء في الداخل ساكنة، وشيئًا من رهبة الغياب كان لا يزال معلّقًا على جدران المكان، وكأن البيت نفسه كان ينتظر عودتها ..
في صدر غرفة الجلوس، كان "مهران" يجلس، يُقلّب في جريدة لا يقرأها فعليًا ..
وما إن وقعت عيناه على ابنته حتى انتفض واقفًا، ابتسم ابتسامة عريضة تآكلت أطرافها من شدة شوقه لها ...
-ليلى! .. هتف "مهران" بلهفةٍ:
-حمدلله على السلامة يا حبيبتي ..
هرع إليها كمن يستردّ عمرًا ضاع، فتح ذراعيه واحتواها في احضانه طويلًا، تسرّبت محبته إلى قلبها كدفء ناعم، برغم قساوة الشتاء العالق في صدرها لجفاء أمها معها منذ صغرها ..
قال "مهران" وهو يبعدها قليلًا ينظر لوجهها:
-بس إيه الحلاوة دي واللون البرونزي الجميل؟ دي الغردقة عملت فيكي شُغل كبير أهو!
وغمز لها ..
تبتسم "ليلى" بتعبٍ قائلة:
-دي حلاوتك انت يا بابي.. وحشتني أوووي.
كان "نديم" يقف إلى جوار باب الغرفة، يستند إلى إطاره الخشبي، يراقب المشهد بصمت ..
يداه في جيبيه، ونظراته تزن اللحظة بكاملها، بعين رجل صار مسؤولًا عن هذا الكائن المُتعب أمامه، عنها وعن طفله الذي تحمله بأحشائها دون أن يملك رفاهية إعلان ذلك ..
التفتت "ليلى" برأسها تجاه الزاوية المقابلة، حيث جلست "مشيرة" والدتها، تمسك بكوب شاي لم ترتشف منه بعد ..
عيناها تتجنبانها، كما لو كانت عودة "ليلى" عبئًا تناسته في بُعدها، لكنه عاد من جديد إليها ..
تردّدت لحظة، ثم مشت بخطى ثابتة نحوها وهي تقول بصوتٍ منخفض:
-إزيك يا مامي!
ردت "مشيرة" دون أن تنظر لها:
-الحمد لله.
وحانت من "مشيرة" نظرة خاطفة قلقة نحو "نديم" الذي رمقها بنظرة قوية، قرأت في عينيه حدة تحذرها من إساءة معاملة "ليلى" ..
لكنها في الحقيقة لم تهتم، كالعادة غلب عليها حقدها، وكراهيتها العظيمة تجاه تلك الفتاة الدخيلة على حياتها لسنواتٍ ..
وضعت "ليلى" يدها على كتف أمها، لم تُقبّلها، لم تحضنها حتى، كانت تعرف أن أكثر من ذلك سيكون تمثيلًا مفضوحًا، وأن الأمومة أبعد شعور تكنّه "مشيرة" لإبنتها الصغيرة.. وتتمنّى أن تعرف السبب!
عادت "ليلى" خطواتها إلى منتصف الصالة، تنظر إلى "نديم". تلمح في عينيه ذلك الاتفاق الصامت ..
هما هنا الآن، والسر الذي يحمله كلاهما أثقل من الجدران، لذلك لم تتحمّل "ليلى" المكوث بينهم طويلًا وقالت ناظرة نحو أبيها:
-أنا هاطلع أفضي شنطتي وأخد دُش وراجعالك تاني يا بابي.
مهران بابتسامٍ عريضة:
-أوكي يا حبيبتي.. أطلعي شوفي هاتعملي إيه وريّحي شوية. بس هاتنزلي تتعشّي معايا عشان وحشتيني جدًا. مش هاتعشى من غيرك.
أومأت له: حاضر.
ومالت صوبه تقبّله على خدّه برقة ..
ثم سارت إلى خارج مارّة بجوار "نديم".. منحها نصف ابتسامة قبل أن ينظر إلى عمه ..
أشار "مهران" إلى "نديم" قائلًا:
-تعالى يا نديم يابني.. تعالى أقعد أرتاح. انت كمان واحشني جدًا حاسس إني بقالي سنة بحالها مش شايفك انت وليلى.
نديم بابتسامة خفيفة:
-انت كمان واحشني يا عمي. كلكوا واحشنّي.. بس معلش هانقعد في المكتب. أنا عاوزك في موضوع مهم.
لم يستطع "مهران" منع دفقات القلق من التسرّب في أعماقه، كان يخشى ما يوشك "نديم" على إخباره به، كان يخشى من أن الأمر متعلّقًا بعائلة "ليلى" ..
لقد وعده "نديم" بالحلّ النهائي لتلك المعضلة!!
انسلّ "نديم" بخطى موزونة إلى جوار عمّه، كأن بين خطواته وزنًا لا يُرى، ثقيلًا، لكنه لا يُسمع، حتى دلفا إلى غرفة المكتب ..
جلسا هناك قبالة بعضهما، وساد صمت قصير، قطعه "نديم" بلهجةٍ هادئة:
-أنا قررت أطلّق راندا يا عمي.
هبطت المفاجأة على "مهران" قوية، ليردد غير مصدقًا:
-نعم؟!
بتهزر؟!
نديم بجدية: لأ مابهزرش.. الموضوع منتهي جوايا من زمان.
مهران وهو ينحني للأمام:
-دي مراتك يا نديم. وشريكة عمرك إللي انت اخترتها محدش اخترهالك.. فجأة كده؟!
نديم بنظرة مباشرة بعينيّ عمه:
-فجأة بالنسبالكم. لكن أنا بقالي شهور عايش في زيف. وإللي بيني وبينها مات من بدري.. كل إللي باقي شوية مشاعر من ناحيتها لكن أنا عمري ما حسيت ناحيتها بأي حاجة. وانت عارف أنا اتجوزتها ليه من الأول. ده كان جواز مصلحة زي ما بيقولوا.
سحب "مهران" نفسًا عميقًا، ألقى بجسده إلى الوراء وكأنه يحاول الاتكاء على أيّ شيء ثابت في هذا الزلزال المحيق بالعائلة ..
فخسارة صهر كـ"منصور نعمان" تُعد كارثة، كان يُمثّل السلطة والجاه المُكمّل لمركز عائلة "الراعي" ومكانتهم بالمجتمع ...
-يعني قرارك نهائي؟ .. سأله "مهران" باقتضابٍ
نديم بحسم: نهائي.
مهران بمرارة: طيب. ليه؟ ليه يا نديم؟ في سبب غير إن إللي بينكم مات زي ما بتقول؟ دي حاجات ممكن تتعالج!
زفر "نديم" بنزقٍ، لكنه سرعان ما هدأ وهو يعاود النظر في عينيه من جديد قائلًا بثباتٍ:
-أنا بحب ليلى.
مرّت لحظة طويلة من الصمت. ثم ارتفع حاجبا "مهران" وظهر شيء يشبه الابتسامة المندهشة على فمه، نصفها تهكّم ونصفها تصديق مرّ وهو يقول:
-يعني إحساسي من زمان كان في محله.. طلعت بتحبها!
-أنا حاولت أهرب من ده كتير.. بس كنت بكدب على نفسي. أنا بحب ليلى يا عمي ومش قادر اشوف واحدة غيرها. أنا عايزها هي. هي مش راندا ولا أي ست غيرها.
قست نظرات "مهران" وهو يقول بحدة:
-إنت بتتكلم عن بنتي يا نديم. فاهم يعني إيه؟ فاهم حجم إللي بتقوله؟
أومأ "نديم" وقال بذات الثبات:
-فاهم.. عشان كده هاعترف لك بحاجة تانية ..
حدّق فيه مهران، وجهه صار مشدودًا، كأن كل عضلة فيه تتحفّز لكلمات ابن أخيه المعلّقة ..
ليستطرد "نديم" دون أن يرف له جفن:
-أنا اتجوزت ليلى!
كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة فجأة.. أو كأن الوقت نفسه توقف للحظة ..
لم يتكلم "مهران".. لم يتحرك.. فقط نظر إلى "نديم" بعينين تعكسان شعور الصدمة.. الخيانة.. الطعن في الظهر ...
-اتجـ… جوزتها؟ .. ردد "مهران" بذهول مستنكر:
-يعني إيه اتجوزتها؟
جاوبه "نديم" ببساطة:
-اتجوزتها عرفي. وتممت جوازنا في الغردقة.. وعلى فكرة. ليلى حامل مني.
فغر "مهران" فاهه من شدة الصدمات التي يتلقّاها، بينما يكمل "نديم" بصوته القوي:
-قبل ما ترد وتقول أي حاجة عايزك تعرف إني ماعملتش حاجة استخاف بيك يا عمي. ولا إن نيّتي ناحية ليلى مش كويسة. أنا مالجأتش للحل ده غير لما حسيت إن ممكن أهلها ياخدوها مننا. ممكن جدًا هي تحب تتعرّف عليهم. ممكن لو عرضوا عليها ترضى تروح لهم وتسيبك.. تسيبني. وده أنا إستحالة كنت أسمح بيه. أهلها لو صمموا ياخدوها هاعرفهم إللي بيني وبينها. هو نفسه السبب إللي خلّاهم يتبرّوا من بنتهم إللي انت حبيتها ووقفت جنبها وربّيت بنتها كانها بنتك. فكر بالعقل. ماكنش في حل تاني نضمن بيه وجودها معانا طول العمر منغير تدخل أهلها غير ده. بمجرد ما أحس إنهم خلاص رموا طوبتها هاتجوزها رسمي. هكون طلّقت راندا وليلى هاتبقى مراتي قصاد الدنيا كلها.
يصدر عن "مهران" صوتًا كالأنين وهو يستمع لابن أخيه، يميل بجسده بشدة ممسكًا بالمكتب، كأن به ما يمنعه من السقوط ..
ثم ضرب بيده الأخرى السطح الخشبي دفعة واحدة، فاهتزّ كل شيء عدا "نديم".. لم يرتد له طرف ..
-انت خونتني يا نديم! .. صاح "مهران" غاضبًا:
-انت دوست على شرفي. ليلى دي بنتي أنا. أنا إللي ربيتها. أنا أبوها!!!
نديم ببرود: ماحصلش إني خونتك يا عمي. بالعكس. أنا حميت إللي بتقول عليها بنتك. وكل إللي عملته عشان أحافظ لك عليها.. وبعدين لازم تفهم كويس إنها في الحقيقة مش بنتك. ومالهاش علاقة بشرفك. يعني لو حاسس بكده تقدر تخلي مسؤوليتك عنها وأنا كفيلها. ليلى هاتبقى مراتي رسمي. وأم ابني أو بنتي.
حلّ الصمت مرةً أخرى ..
لكنه هذه المرة كان مختلفًا، كأن شيئًا قد انكسر بينهما، ولا يعرف أحد إن كان قابلًا للترميم ...
___________________________________________________________
لم يكن "رياض" يظن بأن الزمن ما زال يحتفظ بقدرته على صفعه من جديد.. حتى جاءه الخبر اليقين …
صوت "زين" يدوي كالرعد بأركان القصر وهو يفق أمام جده وكلًا من أبيه وعمّه:
-حامل! ليلى.. حامل من السافل إللي اسمه نديم الراعي!!!
تجمّدت عينا "رياض".. كأن الكلمة سقطت من السماء عليه كصخرة.. كشهبٍ مدمّر ..
اهتزت يده حول عصاه، ثم هوى جسده دفعة واحدة إلى المقعد خلفه، لم ينهَر، بل تكسّر مرةً واحدة ..
بينما يهدر العم "سليمان" بغضبٍ أهوج:
-رايد إيه تاني يا عمي عشان إتصدج إن البت كيف أمها. لساك عايزها؟ عايزها بعارها؟ جولّي. لو بدك ترجع عشان ما تغسل عارك الجديم والجديد بدمّها أنا بنفسي أروح وأعاود لك بيها في أجل من ساعة.
يتدخل "طاهر" قائلًا بصوتٍ مهزوز:
-إهدى يا سليمان.. إهدى الموضوع مايتحلّش إكده.
سليمان بانفعالٍ: أومال يتحلّ كيف يا مخبّل انت؟ البت خاطية كيف أمها. عايزنا نفرشولها الأرض ورد إياك؟؟
طاهر بعصبية: على الأجل راعي حالة أبوي. مش شايفه عامل إزاي؟؟؟؟
-بكفاية عراك! .. نطق "رياض" من بين أنفاسه
نظر إلى ابنه وابن أخيه بتحذيرٍ، وعينين زائغتين، كمن يحاول أن يستوعب ما لا يُصدق ..
لم يتكلم من جديد، فقط تنفّس بصعوبة، حتى انفجر "زين" مجددًا:
-أنا مش هسكت يا جدّي. أنا نازل دلوق على بيته. والله لاخدها من هناك غصبٍ عن أي حد. وهو حسابه معايا تَجيل. مش هايموت جبل ما يتحاسب!!
رياض بصوت واهن لكنه حاسم:
-اجعد يا زين.. مش عايز فضايح.
رفع زين حاجبيه في ذهول، كأن الكلمات أصابته في كبريائه، ثم قال:
-يعني إيه؟ إحنا هانطاطو راسنا للسافل ده؟ هانسيبوه؟؟؟
رياض بتهكمٍ مرير:
-محدش غلطان غيري. كيف ما سيبت حفيدتي يربيها راجل مش من دمها. أنا السبب في كل ده.. أنا إللي غلطت.. وأنا إللي هاصلّح غلطي.
طاهر بتساؤل: هاتصلّحه إزاي يا بوي؟!
رد "رياض" بحسمٍ دون أن يعر إهتمام لأحد:
-هارجّع الغايب.. حفيدتي هارجّعها بيدّي.. وهاصلّح إللي اتكسر.
عقد "سليمان" حاجبيه بشدة قائلًا:
-إيه الكلام الماسخ ده يا عمي؟ هو الشرف بيرجع إيّاك؟ الحل للموضوع ده الجتل!!
نظر له "رياض" بعداءٍ سافر وهو يقول بلغظة:
-ماليكش صالح يا سليمـان. ليلى مش دهب. دهب خلاص ماتت وبتّها مسؤوليتي أنا. محدش فيكم هايجرب لها طول ما أنا عايش. انت سامع؟ ماليكش صالح بيها لا دلوق ولا بعدين!!!
بُهت "سليمان" ولم يعد يرد ..
ليقول "زين" بأنفاسٍ محمومة وعيناه تلمعان بالغضب:
-ناوي على إيه جدي؟ سوتك ده بيجتلني أكتر من إللي عمله الواطي ده!!
رمقه "رياض" بنظرة مطوّلة، ثم قال مقدمًا له وعده النافذ:
-هاتشوف جدك هايعمل إيه.. هاتشوف كيف هايرد على الجلم ده.. بطريجة ابن رشيد الراعي نفسه مايتوقعهاش
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
لا تتركني! _ :
الليل قد ألقى سدوله على منزل آل"الراعي" ..
بدا المنزل هادئًا، متواطئًا مع ما حدث في ساعاته الأخيرة. خرج "نديم" من غرفة المكتب أخيرًا، عينيه تومضان ببرودٍ ثابت، كأنّ ما اعترف به للتو أمام عمّه لم يكن زلزالًا، بل مجرد سطر أخير في حوار ٍمُمّل، لأن ما حدث، ما فعله هو الأصح، ولا أحد غيره بإمكانه حلّ الأمر، حتى عمّه بنفسه ..
صعد الدرج على مهلٍٍ، كل درجة يطأها بثقل رجل لم يعد يرى في التراجع إمكانٍ ..
توقّف أمام باب غرفتها، أنصت، لا شيء سوى الصمت، طرق الباب بخفة، ثلاث نقراتٍ ثم انتظر ..
لم يطول انتظاره، جاء صوتها من الداخل، واهنًا، متعبًا، لكنه لا يزال ناعمًا:
-أدخل!
فتح الباب بهدوء، ليجدها واقفة أمام مرآتها، شعرها مُبلل ينزلق على كتفيها، يُقطّر على رقبتها بقطرات لامعة، ترتدي روب استحمامها قصير، خامته بيضاء ناعمة تكاد تلتصق ببشرتها، كاشفًا عن فخذيها وساقيها اللتين ما زالتا رطبتين من أثر الماء ..
ابتسم دون أن يتكلم في البداية، فقط نظر. كأن المشهد قد علق في صدره دون نفس، دون رغبة في كسره أو تبديده، كانت آسرة لعينيه وقد أججت شوقه لها من جديد ..
قال أخيرًا بصوتٍ خفيض، وابتسامة خفيفة تشق وجهه الوسيم:
-لولّا.
استدارت إليه بعينين واسعتين تلمعان من بخار الحمام وحرارة الغرفة المُدفأة، ابتسمت له، تلك الابتسامة التي لا تحمل فيها أيّ ادّعاء، بل فقط شيء من الإرهاق.. وشيء من الارتياح لرؤيته الآن ...
-نديم! .. همست باسمه
دلف وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، اقترب منها ببطء، وكأنه لا يريد كسر ما بينهما من سكينة، كان عطِر الحمّام لا يزال عالقًا بها، رائحة صابون ناعم وماء دافئ، وعبيرها الطبيعي الذي صار يحفظه عن ظهر قلب ..
مدّ يده ملامسًا أطراف شعرها الرطب، مرّر أنامله فيه بتروٍٍ، ثم همس لها:
-كنتي في الشاور.. لوحدك!
ابتسمت مرفرفة بأهدابها المتلاصقة وغمغمت:
-كان نفسي تكون معايا طبعًا.. بس احنا مش لوحدنا في البيت.
قست نظرته قليلًا وهو يرد عليها بغلظةٍ:
-مش قلت لك قبل كده أنا مايهمنيش أي حد معانا في البيت؟ محدش هنا يقدر يحاسبني. ومحدش يقدر يقولّي كنت في أوضة ليلى بتعمل إيه.
-طيب ماتزعلش. احنا لسا سايبين عض من ساعات.. يعني كنت وحشاك للدرجة دي؟
-للدرجة دي.. وأكتر.
ثم لفها بيده الأخرى من خصرها لتواجهه بالكامل، وقرّبها إليه بلطفٍ متمتمًا:
-شكلك هاتعيدي الشاور. ومش هاتكوني لوحدك المرة دي ..
-عيب يا نديم! .. همست وهي تلمس يده التي استقرت على جانبها وقد تخضّبت وجنتاها خجلًا
نديم بخشونة: أنا جوزك.. العيب في إيه؟
حنى رأسه ببطءٍ صوب عنقها، مرّر شفته دون قبلة، فقط لمسها بأنفاسه، وقال بخفوتٍ:
-جوزك. وحبيبك.. ودلوقتي شايلة حتة مني جوّاكي ..
ارتعشت أنفاسها وهي تستمع إليه، عيناها تلمعان بندى خفي، وربكة ناعمة في صوتها وهي تقول بصوت بالكاد يُسمع:
-بابا مستني أنزل عشان نتعشّى سوا!
رفع يده ووضعها بحنو على بطنها المسطح من فوق قماش الروب، ثم قال من بين قبلاته لعنقها وفكّها:
-مافيش داعي تنزلي للعشا الليلة دي. أنا وصيتك بأكل مخصوص هايطلع لك كمان شوية.
-بس بابا! .. قالتها بتردد، وكأنها خائفة من أن يُساء فهمها لدى والدها
رد بحزمٍ: عمّي مش هايقول حاجة. انتي لسا راجعة من السفر وشكل التعب باين على وشك.
ورفع وجهه لينظر إليها، كانت في عالمٍ آخر وقد نجح بجرّها نحو الاستسلام المبدئي فعليًا، ابتسم وهو يرفع يدها، يقبّل أصابعها، ثم ينظر إليها بعينين فيهما دفء غير مألوف وهو يقول:
-انتي أصلًا لازم تبدأي من دلوقتي تاخدي بالك من نفسك.. تاكلي كويس. تنامي كويس. وماتجهديش نفسك .
ثم وضع يده مجددًا على بطنها وقال بهدوءٍ:
-ما تنسيش ده.. محتاج إهتمام ورعاية منك. انتي بقيتي مسؤولة عنه من دلوقتي.. أوعديني تحافظي على نفسك وعليه!
ابتسمت له بخجل، عينيها تلمعان بحنانٍ مفاجئ، كأنها فجأة شعرت بأهميتها ومسؤوليتها كأم.. بسببه ...
-حاضر.. أوعدك.
سحب خصلة مُبللة من شعرها، ولفها حول إصبعه، ثم قال محذرًا:
-وتنسيلي أمور المعيلة بتاعتك دي نهائي. مافيش جري في البيت. ولا تنطيط على السلالم.. والأكل كله من إنهاردة صحي. لا تقوليلي سوشي ولا نودلز ولا أكل من الشارع. انتي سامعة؟
عبست تستعطفه بطفولية:
-طيب النودلز ليه؟ خلّيها مرة في الأسبوع عشان خاطري!
نديم بحدة: قلت لأ. أقسم بالله يا ليلى لو ما سمعتي الكلمة لاحبسك وهأكلك وأشرّبك بإيدي لحد ما تولدي. أعقلي بقى انتي مابقتيش صغيرة. خلاص بقيتي ست متجوزة وكام شهر وهاتبقي أم.
ليلى بتبرّم: خلاص.. هاسمع الكلام.
رمقها بنظرة أقل حدة وهو يقول:
-شاطرة.. كده تعجبيني.. خلاص أسيبك تريّحي بقى.
وسحب يده من حولها فجأةً، لكن يدها امتدت بسرعة، أمسكت بكفه بقوة ولهفة كأنها تخشى أن يضيع منها في غفلة وهي تقول:
-رايح فين؟
توقّف لحظة، نظر إليها بعينيه اللتين بدأ الهدوء يغشاهما، وقال ببساطة:
-رايح أوضتي.. هانام.. بكرة الصبح رايح أنهي موضوعي مع راندا.
عبست ملامحها، وكأن الكلمات تلك صفعتها بلطفٍ، فقالت بصوتٍ طفولي مكسور:
-يعني هاتسيبني؟ أنا مابقتش بعرف أنام في السرير من غيرك يا نديم!
ظلّ صامتًا للحظة، قبل أن يبتسم ويقترب منها ببطء ثانيةً، رفع كفيه ليمسك وجهها بين راحتيه بحنانٍ أبويّ ممزوج بعشقٍ ناضج، وهمس:
-طيب خلاص.. ماتزعليش. أنا مستعد أفضل جمبك في السرير لحد ما تنامي.. إيه رأيك؟
لم تجبه بالكلام، بل رفعت ذراعيها وأحاطت بها عنقه، قرّبته منها أكثر، وهمست بشفتيها أمام شفتيه:
-لأ.. خلّيك معايا للصبح. مش انت خلاص مافيش حد بيشاركك أوضتك؟ ولا بيزعجك لما بتكون لوحدك كمان؟ أهو.. خليك معايا بقى.
نظر إليها مطولاً. لم تكن كلماتها وحدها ما تؤثر به، بل تلك النظرة الصادقة، الضعف الخفي، الرجفة الخفيفة في صوتها، وكأنها تستجديه لا بعقلها، بل بقلبها وكل خلجاتها ..
انحنى نحوهًا قليلاً، وصوته يخرج منه بانفعالٍ لم يعد يخفيه:
-انتي مجنناني يا ليلى.. ناوية تعملي فيا إيه تاني؟
رفعت حاجبيها باستغراب بريء وهمست:
-أنا؟ أنا عملت إيه؟
ضحك بخفة وهو يقترب منها أكثر، صوته صار أكثر خفوتًا وخطورة وهو يقول:
-مش عارفة عملتي إيه؟ أنا هقولك!
وجذب رأسها نحوه، شفتاه التقمتا شفتيها في قبلةٍ لم تحمل أيّ تردد، قبلة جائعة، عميقة، اشتاقت واشتكت، وكأنه لم يقبّلها لسنوات، وكأنهما لم يتقاربا قبل يومًا واحدًا ..
تجاوبت معه كأنها كانت تنتظره طوال اليوم، ذراعاها التفّتا حول رقبته أكثر، وقلبها ينبض بقوة أسفل صدرها العاري إلا من قماشٍ خفيف، وحرارة أنفاسها امتزجت بأنفاسه الملتهبة ..
كانت قبلاته تنساب كالنار، يذوب بها جلدها، يحترق بها كيانها، كفّاه صعدتا من خصرها إلى ظهرها، ثم إلى عنقها، تمران بشغف يخلو من الخجل، يتملكها بنظراته، بتنهيداته، بلمساته الجريئة ..
ثم دفعها برفقٍ إلى الوراء، نحو منضدة الزينة القريبة، فسقطت فوقها بخفة، ضحكة قصيرة مرتجفة أفلتت منها، لكنه لم يبتسم، بل انحنى عليها بشغفٍ أكبر، وقبّل وجهها، ثم عينيها، ثم تاهت شفتاه على عنقها، فوق العِرق النابض هناك ..
وفور أن أحسّت بتاثير قبلته العميقة تأوهت لا إراديًا ..
لكنه توقف فورًا، رأسه ارتفع بسرعة، وقال بعينان قلقتان:
-مالك؟ انتي كويسة؟
أومأت سريعًا، مرارًا، لا تعرف ماذا تقول، وكأنها عاجزة عن النطق، كل ما فيها فقط كان يطلبه ..
بعينيها، بأنفاسها، برجفة شفتيها ..
نظر إليها طويلاً ..
كانت جميلة، متعبة، لكن جميلة ..
وهمس بصوتٍ أجش:
-هاتندمي على البصّة دي يا لولّا. مش هاتبصّيلي بعد كده خالص!!
ثم ابتسم لها تلك الابتسامة النصفية التي تعرفها، وفي عينيه تلك النظرة.. النظرة التي لا تترك مجالًا للفرار ..
حملها "نديم" بلطفٍ كأنه يحمل أثمن ما في حياته، وأصابع يديه لا تريد أن تُسبب لها أيّ ألم أو تعب، كان يعرف جيدًا أن جسدها الآن ليس كما كان ..
نقلها إلى السرير برقة شديدة، ثم وضعها هناك بهدوء، وقبل أن يبتعد تمامًا كان قد خلع قميصه وفتح زرّ سرواله، نظراته احتدت، وحنانه اللحظي تحوّل من جديد لشغفٍ ناري ..
انحنى صوبها، وشفتيه لامست شفتيها مرةً أخرى، لكن هذه المرة كانت في قبلة مختلفة، أقوى، أشدّ حرارة، وكأنها تلتهمها بكاملها ..
استسلمت له، كعادتها، بلا مقاومة، بلا تردد، كانت جاهزة له، وكل جسدها يطلبه ويحتويه ..
خرجت منها آهات ناعمة حين سكنها بهدوء، آهات امتزجت بصوته الرجولي وهو يتحرّك فوقها ببطء وحذر، يندسّ فيها كأنه سر طال احتباسه، وتتفتّح له كزهرة عطشى تنتظر المطر منذ قرون ..
مشاعر خفيّة تدفع كلاهما لأخذ ما يقدرا عليه من الآخر، وكأن الليلة هي الأخيرة، وكأن اللحظة لن تتكرر، لم يفسرا هذا إلا بتبرير العشق المتبادل بينهما ..
وأنهما مهما تقاربا لا يكتفيا، لم يتخيّلا بأن القادم سيكون نقيض كل شيء حلما به، وأبعد ما يكون عن مخططات "نديم".. كلها ..
استمرت حركته فوقها لوقتٍ طويل، يلامس العمق الذي تطأه يد من قبل، وكأنها خُلقت لتسعه هو، حتى بدأت تنعكس عليها أثقال الإعياء، وتكسّرت فيها قوة البداية شيئًا فشيئًا ..
وإلى أن استنفذها التعب أخيرًا، فأخذ ينهي ما بدأه بنعومة، يتنفس بثقل بينما تصدر هي شهقة واحدة توثّق العهد بينهما ..
ثم حضرا معًا، كما يصل الغريق إلى السطح ليلتقط أنفاسه الأولى، تهدّجت أنفاسهما، بينما تتشبّث بكتفيه الصلبين، كان يحتضنها كما لو أمتلك الحياة في جسدها ..
عينيه لم تغادرا وجهها، لم يتوقف عن تقبيلها، يقبّلها في كل مكانٍ يطاله، ويهمس لها بكلمات حب خافتة في أذنها، كأنه ينسج حولها حكاية عشق لا تنتهي ..
ثم، فجأة.. دق الباب!
ارتجفت "ليلى".. ارتباك عنيف سكنها كبرقٍ مفاجئ ..
لكن "نديم" قبض على يدها بحنان وطمأنها من بين أنفاسه:
-ماتخافيش.. دي أكيد وردة جايبالك العشا.. خليكي زي ما انتي.
شددّت اصابعها حول يده ترمقه بنظرة قلقة مستنكرة، هدأها بصرامة:
-إهدي يا ليلى. قلت لك ماتقليش.. خليكي مكانك وماتتحركيش.
وقف بسرعة، يرتدي ملابسه أمام عينيها وهي غير قادرة على الحراك أساسًا، توجه نحو باب الغرفة وفتحه بزاوية ليجدها إحدى المستخدمات بالفعل ...
-العشا بتاع أنسة ليلى يا نديم بيه! .. قالتها الخادمة وهي ترمقه بنظرة مرتابة
تتساءل بداخلها ماذا يفعل هنا؟
مدت أمام عينيه صينية العشاء ..
ابتسم لها "نديم" ابتسامة لم تصل لعينيه وقال بهدوء:
-شكرًا يا وردة.
تناول منها الصينية، فانفتح الباب قليلًا، وتمكنت "وردة" من لمح ساق "ليلى" العارية ممتدة فوق سريرها المبعثر بشكلٍ غير طبيعي، وكأن حربًا قامت هنا!
عاودت النظر باضطرابٍ إلى "نديم" الذي قال بوداعة متقنة:
-ليلى شكلها أخدة برد من تغيير الجو. حرارتها عالية شوية وانا قاعد جمبها لحد ما تنزل. من فضلك يا وردة كمان ساعة أعملي حاجة سخنة وهاتيها عشان تشربها قبل ما تنام.
أومأت له الفتاة قائلة بطاعة:
-حاضر يا نديم بيه. عنيا.. بعد إذنك!
-اتفضلي.
وهكذا سرّحها مبددًا شكوكها في لحظةٍ ..
ثم أقفل الباب مرةً أخرر وعاد إلى "ليلى" ..
وضع الصينية فوق طاولة صغيرة وقربها من الفراش وهو يقول بأريحية:
-يلا يا لولّا.. العشا وصل.
كانت أكثر من منهكة لترد عليه، لكنها قالت بتعبٍ واضح:
-لأ أنا مش عايزة آكل.. أنا عايزة أنام.
نديم بحدة: مافيش الكلام ده.. يـلا قـووومي بقولك ..
وشدّها من رسغها بقوة، تأوهت بينما يضع وسادة خلف ظهرها، أسندها وجلس بجوارها حاملًا سندويشًا صغيرًا إلى فمها وهو يقول بلطفٍ:
-يلا يا حبيبتي. كُلي ونامي براحتك.. يلا عشان خاطري!
ابتسمت بتعب وهي تنظر بولهٍ إلى عيناه الخضراوين، نقطة ضعفها هما وتلك اللهجة الرقيقة التي يحدّثها بها، لم تستطع رفض طلبه أكثر ..
فتحت فاها سامحة له بإطعامها، حتى أنهت سندويشًا واحدًا، جاء ليقدّم لها الآخر، لكنها أبت بشدة:
-مش قادرة. ماليش نفس بجد يا نديم. لو كلت هارجّع!
لم يُصرّ عليها، لكنه رفع كأس العصير قائلًا:
-طيب على الأقل اشربي ده.. انتي مأكلتيش من ساعة الفطار. يعني ده غداكي وعشاكي. يلا بقى يا ليلى. عشان خاطري ..
بالكاد شربت نصف الكأس وكان هو أكثر من راضيًا ..
أعاده إلى الصينية، ثم عاد إليها ليوّسع لها أحضانه، أراحت رأسها فوق صدره الصلب مغمضة العينين، تمدد بجوارها وهو يحيطها بذراعيه ويمسّد على شعرها بحنوٍ ..
ليسمعها بعد دقيقة تقول له بصوتٍ ناعس:
-نديم!
-قولي يا حبيبتي؟
-انت بتحبني بجد؟
-لسا بتسألي؟!
-اوعى تسيبني.. اوعى تبعد عني... مهما حصل!
ابتسم وهو يقول مطمئنًا إيّاها:
-أطمني.. مافيش أي حاجة تقدر تبعدني عنك.. انتي يتاعتي أنا.. شوفي مكانك فين دلوقتي. انتي في حضني.. وهاتفضلي طول عمرك في حضني ..
غفت مبتسمة وهي تستمع إلى كلماته ووعوده.. وتثق تمامًا بأنه يعنيها.. وأكثر من قادر على تنفذيها كلّها ..
لأنه "نديم" ..
لأنه حبيبها ...
_______________________________________________________
وصلت السيارة السوداء الثقيلة إلى بوابة بيت "الراعي” ..
توقفت بصمتٍ لا يُسمع فيه سوى خفقان قلبٍ يغلي بداخلها، ترجل منها رجلٌ جاوز السبعين، طويل القامة، مهيب الحضور، يكسو شعره البياض، وتفضحه عيناه المُتَّقدتان بجمرة الغضب المُكبوت ..
اقترب من فرد الأمن عند البوابة. قال بصوته الجهوري الصارم:
-انت يابني. بلّغ نديم الراعي إن رياض نصر الدين على الباب.. وجاي ياخد حفيدته.
نظر إليه الحارس الشاب بقلقٍ خفيف، ثم انصرف دون جدال. عاد بعد دقائق قليلة قائلًا:
-مهران بيه هو إللي رد وقالّي أوصل حضرتك لحد عنده.. اتفضل معايا!
تقدّمه الحارس عبر ممرٍ حجري تحفّه الأشجار، حتى وصلا إلى باحة أنيقة مُظلَّلة، تنفتح على واجهة زجاجية ضخمة تطل على البيت المترف، جلس رجلٌ ينتظره هناك، بثيابٍ قاتمة بسيطة، مظهره هادئ لكنه صلب.. “مهران الراعي” ..
لم ينهض، فقط رفع عينيه نحو "رياض" وقال بثقلٍ:
-أهلًا يا جناب العمدة!
وقف "رياض" أمامه دون أن يجلس، نظر حوله للحظة، كأنما يفتّش عن أثرٍ لحفيدته، ثم ثبّت عينيه في "مهران" وقال بجمود:
-فين ليلى؟
-جوا.. وسط ناس بيخافوا عليها أكتر من إللي رماها زمان وكان عايز يقتلها.
-متأكد إنكم ناس بتخافوا عليها يا مهران؟ .. تساءل "رياض" باستهجانٍ
لم يعلّق "مهران".. بينما "رياض" يحتدم غضبًا وقبضته شدَّت على عصاه كأنها ستهشّمها ...
-أنا مش جاي أفتح دفاتر جديمة يا مهران.. أنا جاي آخد بنتي.
مهران بسخرية مريرة:
-بنتك؟ دلوقتي بقت بنتك؟ بعد ما عرفت لها أب وأم وعيلة كاملة غيرك لحد ما كبرت جاي تقول عليها بنتك؟!
سكت "رياض" لبرهةٍ، وكأن سكين غاص صدره ولم ينطق، لكن تحدّث الآن ونبرته لم ترتجف:
-جيت آخدها.. غصبٍ عن أي حد.
نهض "مهران" أخيرًا، ببطء، لكن بثقة مَن يُدرك تمامًا أنه يقف بأرضه، اقترب حتى وقف وجهًا لوجه مع الرجل العجوز، وقال بهدوء:
-وأنا مش هاوقفك.. لكن في حاجة لازم تعرفها. وجود ليلى دلوقتي مش هنا بإيدي ولا بإيدك.. ليلى بقت تخص نديم أكتر مني ومنك.
الإتيان على سيرة "نديم" جعلت الجماء تصعد دفعة واحدة لوجه "رياض" ليهجر بعنفٍ:
-نديم ده حسابه معايا واعر. وجزاء عملته في بتّي هايكون أكتر من موته.. ويفرجني كيف هايمنعني إزاي؟
نظر له "مهران" بصدمة وقال:
-انت عرفت؟ عرفت إزاي؟؟
لم يرد "رياض".. فتقلّص وجه "مهران" وهو يقول كمن يتألم من أعماقه:
-حتى لو عرفت. خلاص. إللي حصل حصل.. وهو مش هايسيبها تخرج من بيته بعد ما ..
لم يستطع "مهران" إتمامها ..
وأطبق الصمت بينهما كجدارٍٍ من نار ..
ثم أردف مهران متنهدًا:
-رياض بيه. لو ليك كلمة.. روح قولها لنديم بنفسك. بس بقولك من دلوقتي.. لو حاولت تاخدها غصب. هاتشوف نديم إللي عمرك ما شُفته.. إللي أنا نفسي ماتخيّلتش يكون كده... وليلى هي إللي هاتتئذي مش حد تاني!
ضر* ب "رياض" الأرض بعصاه ضر* بةً مدوية وهو يصيح:
-ماهمشيش من اهنيه جبل ما أشوفه.. ماهمشيش إلا وفي يدّي حفيدتي. ولو في موتـي
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
_ من أنت! _ :
استفاقت "ليلى" مصادفةً، مدّت يدها بتلقائية نحو الجهة الأخرى من السرير، فلم تجد سوى الفراغ والبرودة ..
قطبت حاجبيها وهي تجذب ساعة التنبيه الصغيرة من فوق الكومود المجاور، لم تتجاوز الساعة التاسعة صباحًا بعد، جلست في مكانها ببطء وهي تمرر عينيها على الغرفة الساكنة حولها ..
نهضت من فراشها، والتقطت روب قميصها عن الكرسي القريب وارتدته بعجلة، ثم خرجت ..
المنزل غارق في الصمت، تحركت بخفة بين الظلال حتى وصلت إلى غرفته، دفعت الباب بخفة وتخطّت العتبة دون أن تطرق ..
كان واقفًا أمام المرآة، يُصلح ياقة قميصه تحت ربطة عنقه بعناية، وجهه نصف غارق في الضوء المنبعث عبر نافذته المفتوحة ..
هتف "نديم" بصوتٍ دافئ، دون أن يلتفت لها ما إن لمحها في المرآة:
-صباح الفل يا لولّا. تعالي.. أدخلي.
تغلق "ليلى" الباب ورائها، خطواتها سريعة نحو "نديم" وهي تقول بانزعاجٍ:
-أنا عايزة أعرف.. انت هاتكلم بابا امتى يا نديم؟
يرفع "نديم" حاجبه، لهجته متصنعة وهو يقول:
-أكلمه في إيه يا ليلى؟
ترد بصوتٍ متفاجئ:
-في موضوع جوازنا! انت نسيت؟
يضحك بخفة وهو يقفل زر ياقته قائلًا:
-أنسى إيه يا عبيطة؟ بهزر معاكي. مش قلت لك امبارح؟ ولا انتي عندك زهايمر؟
ليلى بغرابةٍ: قلت لي إيه؟
يلتفت لها مرددًا بتهكم:
-لا ده زهايمر بجد.. مش قلت لك إني رايح دلوقتي أخلص موضوعي مع راندا؟ احنا خلاص ماشيين في إجراءات الطلاق. أول ما يتم رسمي هاخطبك وأكتب عليكي علطول. يعني ممكن نقول الشهر الجاي هاتبقي حرم نديم رشيد الراعي. ها. رأيك إيه؟
تتنفس "ليلى" بعمقٍ قائلة وعيناها تلتمعان:
-ياريت يا نديم.. بجد ياريت. أنا مستنية اللحظة دي من سنين!
اقترب منها، عيناه ثابتتان في وجهها، رفع يده ولمس ذقنها بخفة، نبرته مائلة بين العتاب والرجاء وهو يهمس لها:
-صاحية بدري مخصوص عشان تقوليلي كده؟ بتسألي امتى هافاتح عمي في موضوع جوازنا؟ لازم تعرفي إني مستني اللحظة دي أكتر منك. بس قلة ثقتك فيا.. بتوجعني!
وتلاشت ابتسامته ذائبة في جليد الخذلان ..
ردّت "ليى" بتسرع في الكلام، تكاد تتلعثم وهي تقول مبررة:
-لأ يا نديم أنا واثقة فيك.. بعد ده كله إزاي تفكر إني مش واثقة فيك؟
ده أنا سلمت لك نفسي من غير ما أراجع تفكيري مرتين لأني عارفة ومتاكدة إنك ضهر وحماية ليا من يوم ما وعيت على الدنيا. وإن عمرك ما سبتني ولا لحظة. انت ابن عمي وحبيبي وبقيت جوزي وبسببك كمان هاكون أم.. معقول عقلي يصوّر لي بعد ده كله ماثقش فيك؟ مستحيل!
حدّق فيها طويلًا، ثم مدّ كفه ولمس خدها كأنها لا تزال حلمًا عاجزًا عن تحقيقه رغم أنه نال منها كل شيء، ثم قال بخفوتٍ وهو يدنو منها ببطءٍ:
-المستحيل هو بُعدك عني.. أنا مجنون بيكي.
ابتسم ثغردها وهي تردد بصوتٍ لم يسمعه جيدًا:
-زي مجنون ليلى!
واستسلمت لفمه وهو يطبع قبلة هادئة مطوّلة على شفتها ..
كم أرادت أن تمنحه مزيدًا من القبلات، مزيدًا من الحب، لكنه أظهر سيطرة أكبر على النفس وابتعد عنها بصعوبة ..
تنهدت وهي تشعر بالتوّرد يفترش محيّاها، ثم بدأت تعدل له ربطة عنقه بأصابع مرتعشة، بينما كان ينظر إليها، كأنه يراها للمرة الأولى، بشوقٍ وإنبهار وإعجاب موصولٌ لآخر عمره ...
-صحيح يا نديم أنا عايزة موبايلي بقى!
قطب حاجبيه: هو أنا نسيت أدهولك؟
-تخيّل!
ضحك بخفةٍ وهو يستدير نحو خزانته، فتح إحدى الأدراج السفلية محضرًا لها هاتفها، عاد إليها مقدّمًا لها إيّاه قائلًا:
-اتفضلي يا ستي. موبايلك.
أخذته منه مبتسمة، فحذرها بنبرة هادئة:
-ليلى. مش محتاج أفكرك.. إللي حصل بينّا يفضل بينّا لحد ما نتجوز. حتى بعد الجواز محدش يعرفه. ولا أنتيمتك نوران. سامعاني؟
أومأت له بطاعة ..
ليدق هاتفه هو في هذه اللحظة، يمد يده من جوارها ليأخذه من فوق طاولة المرآة، رآى اسم عمّه يضيئ الشاشة، فأجاب بفتورٍ:
-ألو.. أيوم يا عمي!
بدأت ملامحه تتجهّم شيئًا فشيء ..
بينما كانت "ليلى" مشغولة بفتح هاتفها وتفقّد العدد من المهول من الرسائل والمكالمات الفائتة ..
رفعت وجهها إليه حين أنهى المكالمة، لم بدد تعابيره الجامدة مبتسمًا لها، لم يشأ أن تنتبه لأيّ خطبٍ غريب به ...
-أنا لازم أنزل يا لولّا. هاتأخر عن معادي.. انتي هاتعملي إيه؟
هزت كتفيها قائلة:
-ولا حاجة. هارجع أوضتي أخد شاور وبعدين هاخرج أكلم نوران شوية وهاعرف منها فاتني إيه في الكلية وهابدأ أجهز نفسي عشان أنزل في أقرب وقت بقى.. شهر وأكتر مش بروح.
-أوكي يا حبيبتي.. أنا هاخلص وهاكلمك. يلا باي.
-باي.
وراقبته مبتسمة بحب وهو يسحب سترته ويرتديها وهو يتجه صوب الخارج، لحظات وتبعته عائدة إلى غرفتها، انتقلت لحمامها الخاص فورًا لتستحم وتبدأ يومها ...
_______________________________________________________
هبط "نديم" الدرج بخطواتٍ واسعة متحفّزة، ملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان ببريقٍٍ قاتم ..
كانت المكالمة من عمّه كفيلة بأن تشعل في صدره نارًا لا تنطفئ، هذه العائلة صارت مصدر إزعاج كبير له، حان الوقت ليخرسهم للأبد ..
وصل إلى الشرفة الرئيسية حيث التوتر لا يزال معلّقًا في الهواء، كثيفًا كالدخان، رأى عمّه واقفًا قبالة الرجل العجوز عريض الكتفين، حاد النظرات، يعرفه جيدًا.. "رياض نصر الدين" ..
هتف بصوته العميق، وهو يتقدم دون تردد نحوهما:
-أهلاً يا رياض بيه.. خطوة عزيزة. منوّر بيت الراعي ..
إلتفت "رياض" له ببطء، عيناه تشتعلان بغلٍٍ مكتوم، نبرته حادة هو يقول:
-عايز بتّي يابن رشيد.. عايز ليلى!!
ابتسامة باهتة ترتسم على فمه، نبرته باردة كالصقيع وهو يرد عليه:
-مش حضرتك جيتلي قبل كده؟ وفتحت معايا نفس الموضوع؟ ماوصلكش ردي من ساعتها؟
اقترب "رياض" خطوة، صوته خشن ينمّ عن اجرامٍ مكبوت:
-ردّك ما يلزمنيش. أنا جاي آخد حفيدتي غصب عنك. وهاخدها!!!
مطّ "نديم" فمه، أنزل نظره لحظة ثم عاد يواجهه قائلًا بثباتٍ:
-بص يا رياض بيه.. أنا مش ممانع والله.
شخصيًا؟ ماعنديش مانع تاخد ليلى. بس فيه ناس تانية هنا يخلّوني أمنعك تاخدها
زي أبوها إللي رباها ده.. وأمها إللي شالتها في عنيها وقلبها. وأخوها وأختها إللي عاشت وسطهم من يوم ما اتولدت ..
سكت لحظة. نظر إليه نظرة رجل لا يُراوغ، رغم إنه في الحقيقة يفعل، ثم تابع:
-أنا مش مهتم بليلى زي ما انت فاكر. اهتمامي الحقيقي بعيلتي. الناس دي هما دمي. وهما إللي يهموني. وعشانهم هاعمل أي حاجة تخلّي ليلى تفضل هنا.. في البيت ده. وتحت سقفي أنا.
سكت الجميع الآن، الصمت مشحونًا، كأن الهواء نفسه ينتظر من سيكسر السكون أولًا ..
بين "رياض" الذي يكاد ينفجر، و"نديم" الذي لا تهتز له شعرة، وقف عمّه حائرًا، يرقب التصعيد القادم لا محالة ...
_______________________________________________________________
فرغت "ليلى" من حمامها سريعًا ..
تخرج مستعرضة محتوايات خزانتها، لتنتقي ثوبًا رقيقًا من القطن الأزرق، مزيّن بشرائط كروشيه رفيعة، صففت شعرها ولوّنت وجهها بقليل من مساحيق التجميل الخفيفة ..
ثم تنفست بعمق وقامت حاملة هانفها نحو شرفتها، هاتفت صديقتها "نوران" التي ردّت من الرنّة الثالثة:
-يخربيتك يا ليلى كنتي فين يابت كل ده؟ أنطقي نهارك أسود كنتي غطسانة فين؟ بقالك شهر بحاله مافكرتيش تكلميني لا تعرفيني إذا كنتي عايشة ولا اتزفتي متي ..
قاطعتها "ليلى" مشدوهة:
-إيه إيه يابنتي بالراحة إهدي يا نوران أنا مالحقتش أرد عليكي.
-ردّت المايه في زورك. أنطقي يابت كنتي فين؟
ابتسمت "ليلى" رغمًا عنها قائلة:
-هاحكيلك ماتستعجليش. أنا لسا واصلة إمبارح من الغردقة.
-أيوة لما اتصلت باباكي قالّي إنك سافرتي. سافرتي مع مين وإزاي تقفلي موبايلك المدة دي كلها؟
-هقولك يا نوران بس ماينفعش على التليفون.. بصي تعالي نفطر سوا. إنهاردة الجمعة ومافيش كليّة. تعالي قضّي معايا اليوم.
-ماشي. هالبس وأجيلك. بس قسمًا بالله إن ما حكيتي بالتفاصيل لا ..
قاطعتها "ليلى" للمرة الثانية ضاحكة:
-ماتقلقيش هقولك يا زنانة.. يلا بقى مستنياكي.. باي!
قبل أن تغلق معها لمحت مشهد غريب للغاية ..
أختتم بإطلاق شهقة مصدومة منها ..
ذلك حين رأت أسفل شرفتها أبيها وابن عمها "نديم".. يقفان أمام رجل عجوز.. وهذا الرجل فجأة ارتفعت يده وهوت نحو وجه "نديم" ..
لكن الأخير كان أكثر يقظة، فلم يسمح للعجوز بأكثر من تحدّيه، أمسك يده قبل أن تمسّ وجهه وجمّدها في الهواء ..
بينما "ليلى" لم تنتظر ثانية أخرى، استدارت راكضة إلى خارج غرفتها، وفي غضون ثوانٍ كانت بالأسفل ..
كانت لتعبر الشرفة منطلقة نحو "نديم" لولا أن سمعت تلك الجملة التي جمدتها وجعلتها تشحب كليًا ...
-ليلى حفيدتي يابن رشيد.. وأنا مش هافوتهالك واصل!
-لولا إنك في بيتي يا رياض بيه كنت اتحاسبت على رافعة إيدك عليا.. احمد ربنا إني كنت صاحي لك. وإلا ماكنتش عملت إعتبار لسنّك.
سمعت صوت أبيها يقول بعصبية:
-بس يا نديم. كفاية بقى. وانت يا رياض بيه.. انت خلاص عرفت إنها حامل. احنا أولى بيها. جاي وعايزها ليه دلوقتي؟ انت رميت أمها زمان عشان حملت فيها من الحرام.
-لو صوح شايفها بتّك يا مهران وجلبك عليها. يبجى كلمتك تمشي على ولد أخوك. ترجع لي الأول وبعدين يكتب عليها رسمي.
-حفيدتك لا مراتي ولا بنت عمي.. إيه إللي يخليني أتنازل وأتجوزها رسمي؟ إيه الجديد إللي هاكسبه بعد ما سلمتني نفسها منغير جواز ولا أي مجهود؟!
جحظت عينيّ "ليلى" من شدة الصدمة ..
هذا صوت "نديم".. هذا الكلام الذي يدور بالداخل عنها.. ولكن من هذا الرجل العجوز؟
كيف لـ"نديم" أن يتحدث عنها هكذا؟
هل أذاع خبر زواجهما؟
هل أصبح أبيها يعرف الآن؟
ماذا يجري بحق الله؟
هل هذا حلم؟
لا إراديًا قرصت رسغها بقوة، فإذا بها تكتم آنة متألمة، الآن تأكدت، هذا ليس حلم، إنها الحقيقة ..
ولكن ما الحقيقة؟.. ما الحقيقة؟
وبدل من اقتحام الشرفة عليهم، استدارت مطلقة لساقيها الريح، غادرت المنزل بأكمله، تركض بماحذاة السور على غير هدى، تكاد لا ترى أمامها ..
إلى أن ارتفعت فجأة عن الأرض، وكمّ فاها قبل أن تطلق صرخة مدوّية، غابت عن الوعي قسريًا ..
لم تعد تسمع أو ترى شيئًا ...
_____________________________________________________________
في غفلة منهما، وفي لحظة تهورٍ وغضب أعمى، تحسس "رياض" حزامه المخفي أسفل عباءته، كان ليحسم قراره بإشهار سلاحه بوجه "نديم الراعي" وقتله في الحال إن لم يسلّمه حفيدته ...
-لآخر مرة بجولك سلّمني بتّي! .. قالها "رياض" بصوتٍ كالهسيس
نديم متحدّيًا: وأنا لآخر مرة بقولك.. مالكش بنات عندي.
حرفيًا أنقذه هاتف "رياض" عندما دق ..
أستلّه الأخير من جيبه بعصبيةٍ، رد بلهجةٍ ملؤها الانفعال:
-خـــير!!!
وارتعشت قسماته للحظة ..
لم يخفى عن "نديم" رؤية ألق الراحة الذي مرّ يعينيّ العجوز، قبل أن يسمعه يرد بهدوء ضمني:
-زين.. زين يا زين.. ماشي يا ولدي.. الله يخليك ليا يا سبع... أنا جاي في الطريج.. مع السلامة ..
تبادل كلًا من "نديم" و"مهران" نظرات الاستغراب ..
بينما يطالعهما "رياض" بابتسامة، سرعان ما استحالت لضحكٍ هستيري استمر لدقائق بلا مبالغة، حتى هدأ تدريجيًا ..
اقترب نحو "نديم" خطوتين، مال صوبه هامسًا بوجومٍ:
-حسابنا دوبك بدأ.. مش هاهمّلك يا ولد رشيد.. افتكر كلامي زين!
وتراجع عنه متواصلصا معه بالنظرات حتى أولاه ظهره ..
ورحل دون إضافة كلمة ..
ظل "مهران" محدقًا في إثره بدهشةٍ، بينما "نديم" يتفكر بكلماته، يخالجه شعور غير حميد ..
حتى ناداه عمّه:
-الراجل ناوي على الشر يا نديم.. أنا خايف عليك. وعلى ليلى.. على البيت كله.
طمأنه "نديم" بجمود:
-ماتخافش يا عمي.. إن كان يقدر يعمل حاجة كان عملها من أول يوم.. محدش فيهم يقدر يخطي هنا وياخدها غصب عني.. محدش.
مهران منفعلًا: وأخرتها؟ انت مفكر سكوتهم ضعف؟ شايف نتيجة تصرفاتك المتهورة؟ لو كنت جتلي كنا حلّينا.. كنت خدتك وروحنا اتفقنا إنك تتجوز ليلى والموضوع كان اتحل.. ليه صعبتها علينا؟ ليه يا نديم؟؟؟
سأم "نديم" من تأنيب عمّه المتواصل ..
تركه ومضى عائدًا للداخل، كان سيخرج ليلحق بمعاده، لكن قدمه علقت بشيء ..
أخفض رأسه، ليرى مشبك شعرها، تلك الفراشة التي اعتادت رفع خصيلاتها الأمامية بها ..
انحنى "نديم" ملتقطًا إيّاها وهو يعبس بشدة، رافضًا تصديق ما برق برأسه لوهلةٍ، ارتفع رأسه تلقائيًا للطابق الأعلى ..
ثم انطلق على الفور صاعدًا إلى غرفتها، دفع الباب بعنفٍ، لم يجدها، الغرفة ساكنة تمامًا ..
إتجه صوب الحمام، لم تكن هناك، فقط ما تبقّى من آثار استحمامها ..
لكن هي.. لا أثر لها ...
-لــــــــــــــــــــيــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــى!
ضج المنزل بصيحته الأشبه بزئير وحشٍ كاسر قد فك قيوده للتو
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منة عصام
_ أين أنت _ :
أخيرًا نطق لسان "نديم".. بكل برودة أعصابٍ ردد:
-تمام يا حضرة الظابط.. سليمان بيه عنده حصانة ومحدش يقدر يتهمه.. تمام
لكن رياض بيه بقى. أنا بتهمه بالتعدّي عليا في بيتي إنهاردة والكاميرات مصوّراه. وكمان بتهمه بخطف بنت عمي
ومش هامشي إلا وهو سابقني على قسم الشرطة عشان أحرر ضده بلاغ رسمي!
ران الصمت المطبق من حوله ..
اعتلت ثغره ابتسامة بالكاد تُرى، بينما نظرة مستوحشة راحت تمسح مناظرهم بهدوءٍ فتّاك، آل"نصر الدين" قد بوغتوا حقًا ..
جميعهم يحدقون به كأنما على رؤوسهم الطير، ثم تبادلوا النظرات فيما بينهم، حتى قال "زين" رافعًا أحد حاجبيه وهو يخاطب جده باقتضابٍ:
-وماله يا جدي. مافيهاش حاجة.. هاتيجي معايا في عربيتي ونروح القسم كلنا ..
وأدار رأسه ناظرًا مباشرةً إلى "نديم" وتابع:
-ونحرر المحضر في مكتب مروان بيه. ده ليا في ذكريات.. كان مكتبي في يوم من الأيام.
انبعث صوت "رياض" ثابتًا جامدًا كالصخر:
-إللي تشوفه يا ولدي.. إللي تجول عليه هانفذّه.
أومأ "زين" آخذًا بيد جده، تبعهما "سليمان نصر الدين" قائلًا:
-أنا جاي معاك يا عمي.. ماتجلجش.
كان "نديم" رافعًا بصره لأعلى، صوب إحدى النوافذ، خيّل إليه أن طيفها ربما مرّ هناك، ظل يحدق لبرهةٍ، حتى أحس بيد عمه تشدّه برفقٍ وسمعه يقول بصوته العصبي:
-يلا يا نديم!
أدار رأسه رامقًا إيّاه في صمتٍ هادئ.. ثم سار معه مستبقًا البقيّة إلى سيارته ...
__________________________________________________________________
حالة إنهيارٍ تام ألمّت بها ..
بمجرد أن لفت نظرها طيفه عبر زجاج النافذة المقوّى، قفزت عليها محاولة فتحها، لكنها مغلقة بإحكامٍ، ضربت اللوح الزجاجي بيديها ورجليها، أصابها الجنون وهي تراه بالأسفل ..
إنه هنا، جاء لأجلها، لكنها لا تقدر على بلوغ ذلك المعتقل لتصل إليه ...
-نـديــــــــــــم.. نــديـــــــــــــــــم.. نـــديـــــــــــــــــــــــم.. أنا هنــــااااااااااااا. يا نــديــــــــــــــــــــــــــــــم ...
لكن لا حياة لمن تنادي ..
لا يسمعها، لا يراها!
لم يكن وحده، كان أبيها بجواره، لكنها لم تنادي، لم تصرخ إلا بأسمه ..
لكنه أبدًا لا يسمعها ..
حتى رأته يرفع رأسه فجأةً متطلعًا ناحيتها، تقسم أنه نظر إليها، فأشرقت عيناها بسعادة وهي تتقافز بمكانها صارخة بأسمه أشدّ ..
إلا أنه ما لبث أن أشاح بوجهه مغادرًا برفقة أبيها، غادر ببساطة، وغادرت الشرطة معه، وبقيّة هؤلاء الذين يدّعون أنهم أهلها ..
تفاقم إنهيارها حتى سقطت فوق الأرض مجهشة ببكاءٍ مرير، لا يمكنها أن تصدق مدى بشاعة الكابوس الذي تعيشه، كابوسٍ لا تستطيع الصحو منه ..
___________________________________________________________________
كان البيت هادئًا.. حتى عندما وفدوا إليه رجلا بيت آل"الراعي" مطالبين بربيبتهما ..
إلا إنه الآن كان أبعد ما يكون عن الهدوء، ولو كان ظاهريًا!
اقتحمت القصر بعد رحيل كباره بدقائق قليلة، ابنة الكهل الكبرى، وتدعى "غنيمة" ..
جاءت برفقتها بضع من النسوة، وشاب عشريني يرتدي الزّي الصعيدي، جلباب داكن وشالٍ من الصوف ألقاه حول عنقه ..
استقبلتها السيدة "رؤيا" والدة "زين" بحفاوةٍ يغلفها القلق:
-أهلً أهلًا يا حجة غنيمة.. القصر نوّر يا حبيبتي.
-بوي فينه يا رؤيا؟ .. سألتها "غنيمة" محتدة قبل أن تستهلّ أيّ كلام
جاوبتها "رؤيا" بثباتٍ مفتعل:
-الحج رياض راح مشوار مع سليمان وزين ابني.. مش هيأخروا يا حبيبتي. على ما تطلعي أوضتك ترتاحي وآ ا ..
-مافيهاش راحة! .. قاطعتها "غنيمة" للمرة الثانية بحدة أكبر
أجفلت "رؤيا" ملقية نظرة صوب "شهد" ابنة صهرها "سليمان" والخطيبة المتوقعة لـ"زين" قريبًا ..
-فين بت دهب؟
عاودت "رؤيا" النظر نحو "غنيمة" قائلة بتوتر:
-فوق يا حجة.. أوضتها فوق جنب أوضة الحج رياض.
أومأت "غنيمة" مرارًا، ثم نظرت إلى ابنها قائلة بصرامةٍ:
-مشّي يا كرم. كلّم جدك شوفه فين وروحله.. إللي هايجرى هنا ماينفعش راجل يحضره. ده شغل حريم.
أطاعها "كرم" مرددًا بصوته الغليظ:
-أمرك ياست الناس.. بالإذن.
واستدار مغادرًا ..
بينما تتطلّع "رؤيا" إليها متسائلة بإجفالٍ مستمر:
-خير يا حجة. فهميني إيه ده إللي هايحصل؟ ومين الستات دول؟
غنيمة بحزمٍ: مالكيش صالح يا رؤيا. ده بيت النصراوية. يعني بيتي. وكل إللي فيه يلزمني. تجعدي وتتفرجي وماسمعش صوتك. مهما شوفتي ولا سمعتي.. مفهوم؟
تسمرت "رؤيا" عاجزة عن الرد، لتهدر بها الأخيرة زاجرة:
-مـفهـــوم؟؟؟
أنتفضت "رؤيا" مفزوعة وهي تردد:
-مفهوم يا حجة. مفهوم طبعًا.. البيت بيتك انتي حرة!
شمخت "غنيمة" بأنفها دون أن تحيد عنها، ثم نظرت نحو "شهد" قائلة بلهجةٍ آمرة:
-بت يا شهد.. اطلعي جِدامي.. وديني لبت دهب.
شهد ببراءتها المتكلفة:
-حاضر يا عمتي.. أتفضلي معايا.
وتقدّمتها "شهد" نحو الدرج، تبعتها "غنيمة" معها النسوة ذوات الأردية السوداء، بينما بقيت "رؤيا" بالخلف تدعو وتتضرّع بأن يمر هذا اليوم بخيرٍ وسلام ..
إلا إنها تشك.. في وجود امرأة جبّارة كـ"غنيمة".. فإن أبيها بكل ما يملك من سلطة وبطش.. لكنه أحيانًا كثيرة لا يقدر عليها ..
فما بال المسكينة.. "ليلى"!!!
______________________________________________________________
لم تكن "ليلى" قد أدركت بعد ما يدور حولها ..
جسدها ما زال غارقًا في آثار الخطيئة، وروحها ممزقة بين ذنبٍ لا تعرف كيف ارتكبته، وخوفٍ لم تختبره بهذا الشكل من قبل، لم تمضِ سوى ساعات منذ نُزعت من بيت الأب الذي احتضنها لسنواتٍ، واقتيدت عنوة إلى بيت الجدّ الذي لم تره من قبل ..
والآن وأخيرًا.. ينفتح عليها باب الغرفة الموصد من الخارج كما تُفتح بوابة إلى الجحيم ..
دخلت سيدة متشحة بالسواد أولًا، وجهها جامد، هرِم، ملامحها غليظة وقاسية، محيّاها لا يحمل أيّ أثر للشفقة ..
خلفها ثلاث نسوة، تتشابه وجوههن في التجاعيد والغلظة والعيون الخالية من الرحمة!
قالت السيدة بنبرة قاطعة:
-إجفلي الباب يا أم سعيد!!
أُغلقت إحداهن الباب، وانسحب الضوء الأخير من الخارج، وظلّت "ليلى" جالسة بمكانها أسفل النافذة، تنظر إليهن وكأنها ترى أشباح وليس بشر ...
-إنتي.. إنتي مين؟ .. تساءلت "ليلى" وهي تتحامل على نفسها لتقوم واقفة
اقتربت منها خالتها في الواقع، ثم قالت وقلبها كأنه حجر:
-أنا غنيمة. بت العمدة رياض البكرية. فخره وشرفه. أنا كبيرة البيت ده بعد أبوي.. أنا إللي جدرت أمسح عار أختي بجوزي وعيالي. أنا خالتك للأسف. وجيت أمسح عارك انتي كمان. أدام أبوي مصمم يرجعك.
هزت "ليلى" رأسها وهي تبسط كفّها فوق بطنها غريزيًا في حركة دفاعية:
-أنا ماعرفكيش! انتي مش خالتي. أنا ماليش خالات ..
غنيمة بسخرية: ياريت كان صوح.. بس هانعمل إيه؟ قدرك. زي ما هو قدر إللي في بطنك يموت على يدي أنا!
عبست "ليلى" بشدة مرددة بحدة:
-هو مين ده إللي يموت يا ست يا مجنونة انتي؟ طب جرّبي تقربي لي كده. ده أنا أكلك بسناني. إللي بتتكلمي عنه ده يبقى إبني. أنا ليلى مهران الراعي يا شوية مجانين. مرات نديم الراعي. وإللي في بطني ده ابنه وإبني!!!
ضحكت "غنيمة" وهي تقول بازدراءٍ:
-إبنك؟ ولد الحرام أكرم له يموت. يا خاطية. كنّي باصّة لدهب. طالعة شبه أمك يابت في كل حاجة. وفاجرة كمان كيفها!
لم تحتمل سماع المزيد من الترهات، همّت "ليلى" بالهرب، لكن النساء حاصرنها كجدار من اللحم الغليظ ..
حاولت أن تفلت من بين أيديهن، دفعت واحدة بذراعها وهي تصرخ:
-ابعدوا عني! أنا حامل!
صاحت خالتها وهي تشير نحوها بلا أدنى شفقة:
-مسكوها كويس. ماعيزهاش تفلفص منيكم ..
أمسكت بها واحدة من الخلف وقد أفلحت بأن تطرحها أرضًا، شدّت ذراعيها بقوة حتى شعرت "ليلى" وكأن كتفها سينخلع، بينما الأخرى أمسكت بساقيها لتمنعها من الركل ..
لم تتوقف "ليلى" عن الصراخ، جسدها يُشدُّ في الاتجاهات كلها، يؤلمها، ولكنها لا تكترث سوى لتلك الحياة الصغيرة التي تحملها في أحشائها، أرادت لو تفديها بعمرها، أن تموت هي أولًا قبل أن يمسس جنينها سوء ...
-سيبوني.. حرام عليكوا.. أنا عملت إيه.. أنا ماعرفكوش.. سـيبووووونـي ...
بدأت إحداهن تفتح كيسًا صغيرًا، وتخرج منه أداة معدنية ملتوية، صدئة بعض الشيء، تلمع تحت الضوء الخافت للغرفة، ومعها زجاجة بها سائل غريب الرائحة ..
اقتربت منها، والسيدة "غنيمة" تمسك بوجه "ليلى" وتجبرها على النظر في عينيها قائلة بصوتها الغليظ:
-اسمعيني كويس.. إللي هايحصل دلوق هاينجدك من مصير لو كان بيدّي كنت صممت عليه. إللي في بطنك هايموت بدالك. وتحمدي ربك.. ده مش جتل. ده تطهير!
صرخت "ليلى" مرةً أخرى بصوت كأن قلبها ينفجر عير حنجرتها:
-لأ. لأااااا مش هايموت. موتوني أنا الأول. موتوني أنا. يا نـديــــــــم ..
لكن صوتها لم يجد سبيلًا للوصول خارج جدران الغرفة المغلقة ..
أحسّت بيد القابلة وهي ترفع ساقيها، وتمسك الأخرى بالسائل وتسكبه بين فخذيها، سائل حارق، بينما "ليلى" لم تتوقف لحظة واحدة عن المقاومة بشراسة، بكل ما أوتيت من قوة ..
لكن أين قوتها الضئيلة من قوة سواعد النسوة البدينات المخيفات؟
-وجع يوم أرحم من فضيحة عمر! .. قالتها "غنيمة" بقساوة
ثم أعطت الإشارة بالبدء ..
وسط صراخ ليلى وارتجاف جسدها كله. كان الألم لا يُحتمل، عنفٌ بدائي، وحقد لا تفسير له، وصرخات تتكرر حتى اختلطت بالدم والدوار والغثيان، بينما صرختها الأخيرة تضج بالغرفة كلها:
-نـــديــــــــــــــــــــــــــــــــم!
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منة عصام
_ روحٌ منّي _ :
لم تكن "ليلى" تبكي، ولم تعد تصرخ حتى!
كان جسدها ساكنًا، إلّا من ارتجافٍ خافتٍ يسري في ساقيها المخدرتين، كأن الأرض تسحبها من تحتها ببطء، وتبتلعها دون صوت ..
فوق الأرضية الباردة، تمددت كدميةٍ أُفرغت من قطنها، عيناها مفتوحتان باتساعٍ غير طبيعي، تحدقان في سقفٍ شاحبٍ، تحوّلت فيه شقوق الطلاء إلى خيوطٍ عنكبوتية خيّل إليها أنها تلتف حولها ..
الدم، كان هناك، الكثير منه ..
بلونه، برائحته المعدنية الحارّة، بصفاقته التي لوّثت أطراف ثوبها وركن الحجرة وقطعة القماش التي وُضعت تحتها بإهمال ..
أنفاسها كانت تقطع الصمت على هيئة شهقة مكتومة، وكأن الهواء عالق في حنجرتها، لا يعرف طريقه للخروج ..
-علجة تفوت ولا حد يموت!
صوتٌ بعيد، متكسّر، كأنه يصدر من بئرٍ بعيدة، لم تتعرف على الصوت الذي خاطبها، ولم تهتم ..
بينما خالتها تهمس وهي تربّت على كتفها المرتجف، لكن يدها لم تكن حانية، كانت يدًا خشبية، ثقيلة، متوترة، تخفي شعورًا غريبًا لا يشبه الندم، بل الحقد، والكراهية فقط ...
-تسلم يدك يا أم سعيد.
في الزاوية، كانت إحدى النسوة قد نهضت، أصابعها ترتجف وهي تمسك بمنديلٍٍ أبيض، لم يعد أبيضًا ..
تقدّمت نحو السيدة "غنيمة" ببطءٍ ثقيل بعد المجهود الشاق الذي بذلته للتو، رفعت المنديل، فتحته قليلًا أمام عينيّ مخدومتها ..
كان هناك شيء، لا ملامح، لا وجه، مجرّد قطعة لحم صغيرة تشبه المضغة، ملتفّة على نفسها، كأنها تحاول الاختباء من العالم الذي لفظها قبل أن يُنطق اسمها ...
-مات العار بموته! .. قالتها "غنيمة" وهي تشيح بوجهها عن الجنين الذي سلبته حياته للتو
ثم نظرت إلى "ليلى" المسجاة أرضًا وهي تردد بخفوتٍ:
-ماراحش مرادي يا دهب.. لو كنت طولتك زمان كنت جتلت بتّك
إنهاردة يدي طالت بتّك. وجتلت ولدها!
لم ترَ "ليلى" أو تسمع شيئًا ..
لكنها شعرت، شعرت أن قطعة منها انتزعت، ماتت، قُتلت ..
وأنها لم تعد كما كانت ..
أن شيئًا ما انكسر للأبد، ولم يُصدر حتى صوت الكسر، هل تبقى؟
البقاء ..
بدا أبخس ثمن لقاء الحياة التي خسرتها، ليتها بقيت تلك الحياة ورحلت هي، ليتها استطاعت حمايتها ..
ظلّت أمنيتها معلّقة مع آخر أنفاسها الضحلة، ثم بدأ الظلام يلوح على مدّ بصرها المتضاءل بينما تسمع صياح إحداهن:
-إلحجيني يا أم سعيد.. البنيّة عاتنزف!!!
____________________________________
في قسـم الشرطـة ..
فوق أريكة مصنوعة من الجلد الرث، يجلس "نديم الراعي" مستقيمًا بجوار عمه "مهران".. نظراته ثابتة لا تحيد.. وفوق شفتيه ظل تعبيرٌ جامدٌ لا يفصح عن شيء ..
في الجهة المقابلة "رياض نصر الدين" وفوق أريكة أخرى أيضًا، جلس كجلمود من الغضب الصامت، وحفيده رائد الشرطة "زين نصر الدين" واقف خلفه، كظلٍّ مشدودٍ، قبضته تغلّف يد جده في صمتٍ واثق، بينما "سليمان نصر الدين" هادئًا إلى جوار عم، يتابع ما يجري بصبرٍ وأناة ..
قبالة مكتب المأمور، جلس المحاميان لكلا العائلتين، وكلٌّ منهما يحمل حقيبته أمامه، كأنهما على وشك أن يبدآ حربًا باردة ..
بدا المأمور، رجلٌ عجوز ذو وجهٍ متغضّن وشاربٍ أبيض، قلب عينيه بين الحضور، ثم استقر بهما على "نديم" الذي الهدوء والتحفّز في آنٍ ..
تساءل المأمور بهدوء:
ـ-أنا بس عايز أفهم.. الأنسة ليلى دي إيه علاقتها بالسيد رياض نصر الدين من الأساس؟ حابب أسمع منك يا أستاذ نديم!
سحب "نديم نفسًا عميقًا، ثم أجاب دون أن يرفّ له جفن، بنبرة حادة كالسيف:
-بيتهيأ له إنها حفيدته من بنته إللي ماتت من سنين. وده بس عشان كانت في فترة على علاقة بعمي مهران ..
وأشار إلى عمه دون أن يزيغ بصره عن المأمور، وتابع بصوته العميق ذي النبرة الساخرة:
-ف عقله خيّل له إنها تخصه. وجه أكتر من مرة يطالب بيها.
بس المرة دي بقى خطفها!
صار الهواء الغرفة خانقًا مشحونًا فجأة، صحيح "رياض نصر الدين" لم يتحرّك، لكن الدم صعد إلى وجهه حتى احمرّت أذناه، ونبض الوريد على عنقه كأنّه طبل حرب ..
شدّ "زين" على يد جده بقوة، تمتم بخفوتٍ وهو يميل نحوه قليلًا:
-اثبت يا جدي. خليك هادي. وافتكر ان ده إللي هو عاوزه.. ماتديلوش فرصة يوّرطنا قصاد المأمور.
أذعن "رياض" لتوجيهات حفيده وإلتزم الصمت والهدوء مجبرًا ..
بينما لم يتحمّل "سليمان نصر الدين" الصمت أكثر. انفجر واقفًا بصوته الخشن:
-إللي بيتقال ده عيب يا حضرة المأمور
إزاي يتهموا حد في مقام راجل زي عمّي بالخطف؟
محدش في مصر كلها مايعرفش مين هو رياض نصر الدين. الإتهام ده ودخلته القسم حاجة مش هاتعدي على خير!!!
المأمور بإسلوبٍ حيادي يغلب عليه الحزم:
-سليمان بيه إحنا هنا في قسم شرطة. محدش يقدر يتعدّى على حد. ولو ماكنش أستاذ نديم معاه أدلة إن عم سيادتك كان عنده وبيتعدّى عليه كمان مكناش قعدنا القاعدة دي. وعلى فكرة أنا فاتح مكتبي للنقاش إكرامًا ليك. احنا عايزين نحل.
رفع محامي آل "نصر الدين" يده كمن يطلب حقّ الكلام، وقال بهدوء محسوب:
-بدون مقاطعة حضرتك
السيد رياض نصر الدين رجل محترم. وسيرته أصدق من كل الادعاءات دي
ومافيش أي دليل يُثبت التهمة إللي بيوجهها له نديم بيه الراعي.
قهقه محامي "نديم" بسخرية واضحة وهو يقول:
-التسجيلات موجودة يافندم وشهادة الحراسة إللي في الفيلا كمان
الأنسة ليلى اختفت إنهاردة بعد زيارة رياض بيه إللي جه يطالب بيها ويهدد مهران بيه ونديم بيه
لو مش هو السبب في اختفائها. يبقى مين في رأيك؟
المأمور أطرق لحظة، ثم اعتدل في كرسيه، ضرب المكتب براحته ضربة واحدة خفيفة، وقال بصوتٍ حازم:
-كل طرف يسلّم إللي عنده. وهنبتدي إجراءات رسمية.
وسط صمت العائلتين، تقدم دفاع كلاهما بأدلة تفيد بتوّرط "رياض نصر الدين" في تهمة اختفاء "ليلى الراعي"، والأخرى تفيد بخروجه من منزل آل "الراعي" خاليًا، وأنه لم يذهب إلى هناك إلا لعرض عمل ..
وهكذا تقدّم "مهران الراعي" بتحرير محضر الإتهام، وبدوره محامي الدفاع عن "رياض" تمكن من إخراجه من المخفر بكفالة مالية لحين البت في الإتهامات الموجهة إليه من قِبل النيابة العامة ..
خرجوا جميعهم بعد فترةٍ وجيزة ..
وعلى مضضٍ سار "مهران" مع "نديم" إلى خارج المخفر دون أن يطلع بروح "رياض نصر الدين" بيديه العاريتين ..
-بقولك!
إنتبه "نديم" لصوت رجولي آتٍ من خلفه، فإلتفت ليرى "زين" على مقربة منه، يبتسم له بتشفّى قائلًا بغمزة:
-ماتشدش على نفسك أوي هه. إحنا لسا بنسخن. رجوع ليلى لينا ده مجرد بداية.. ورايح هاتشوفني كتير.
أشاح "نديم" عنه لبرهةٍ مخاطبًا عمه:
-اسبقني على العربية يا عمي.
لم يناقشه "مهران".. إذ بلغ التوتر والضغط العصبي منه مبلغًا ..
مضى نحو السيارة في صمتٍ، بينما أدار "نديم" رأسه صوب "زين" ثانيةً، اقترب منه كثيرًا، حتى صار فمه قريبًا جدًا من أذنه ليقول بلهجةٍ ثقيلة يضمر فيها كل نوايا الشر والسوء:
-خليك فاكر كويس. انت وجدك اتجرأتوا وسرقتوا حاجة تخص نديم الراعي
ردي على ده مش هايكون فوري. ولكن أوعدك. إذا ليلى مارجعتش الليلة
أنا هاسخّر كل يوم في عمري أدمر وأمحي سيرتك وسيرة نسلك كله. اعتبره عهد كمان يا.. حضرة الظابط!
أطلق "زين" ضحكة مجلجلة وهو يرتد برأسه للخلف كي تلتحم عيناه بعينيّ "نديم" الأشبه بحقل نادر الخضرة قد دبّت فيه نيرانٌ مستعرة ...
-طيب فرضًا كلامك وتهديدك جاب معايا.. اوعى تنسى إني صعيدي!
واستحالت تعابيره لقتامة مكفهرة وهو يستطرد بلكنته الأم:
-وإللي انت عملته في بت عمتي مش هايتنسي واصل. وبعنيك دي هاتشوف
مافيش أسهل من الغلط. والسكك الشمال.. صدجني. هاتندم. والندم مايهنفعش!
أومأ له "نديم" وابتسامة متهكمة تعتلي ثغره، ثم وضع نظارته الشمسية على عينيه قائلًا ببرود:
-بكرة نشوف مين إللي هايندم.
ودون أن يضيف كلمة أخرى، استدار مولّيًا تجاه سيارته، لاحقًا بعمه ..
بينما يحدق "زين" في إثره متوعدًا، أحس بهاتفه يهتز بجيب بنطاله مجددًا، تأفف بضيق وهو يسحبه ويرد اتصال أمهه بنفاذ صبر:
-نعم يا أمي. خير إيه المكالمات دي كلها؟
فترت انفعالاته كلها فجأة، عندما سمعها تنقل له الأنباء الكارثية!
إلتفت رامقًا جده الذي يقف منخرطًا في حديثه مع المحامي، لا يدري ما فائدة الوقت، لقد وقعت كارثة حقيقية، ما من شيء ليصلحها! .
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منة عصام
( 27 )
_ بقايا قلب _ :
لأول مرة يرى جدّه بهذا الضعف.. بهذه الهشاشة!
جدّه الذي لا يقوى عليه إلا الله، بدا اليوم مهزوزًا، واهِ العزيمة، بائسٌ للغاية ما إن رأى حفيدته في الغرفة المخصصة لها بقصره، مسجاة فوق الأرض، غارقة بدمائها ..
لوهلة لم يرى حفيدته، بل رأى ابنته، فلذة قلبه، وهتف باسمها بينما يهرع راكضًا صوب الأخيرة:
-دهــــــــــب!
كانت غائبة عن الوعي عندما وصل إليها جدّها، ركع أمامها وقد تلوّث ردائه بالدم، لكنه لم يعبأ ..
شدّها إلى صدره ضامًا إيّاها وهو يتطلّع لإبنته التي لم تكن يومًا عزيزةً على قلبه وهدر بوحشيةٍ:
-عملتي فيها إيـه يا غنيمـة؟ ورب البيت. لو البت جرالها حاجة ليكون آخر يوم في عمرك. سامعـانـي؟
لم يرف لـ"غنيمة" طرف، بقيت كما هي، صلدة، غاضبة، حاقدة وهي ترى أبيها كما لو تراه قبل عشرون عامًا، في وقتٍ كانت فيه أختها حيّة، تنال كل العطف والدلال والاهتمام من والدهما، بينما هي، تزوّجت في سنٍ مبكرة لأول رجل طرق بابها، ذلك لأن أبيها لم يطيق مكوثها بجواره ..
فكيف لا!
وهي ابنة "جنينة".. الزوجة الأولى التي أجبره جدها على الزواج منها لأنها ابنة أخيه الوحيدة ولديها ميراثٌ ضخم لا ينبغي أن يخرج عن العائلة لرجلٍ آخر ..
أما "دهب".. ابنة "سندس" الزوجة الثانية ..
وحبيبة قلب "رياض نصر الدين" التي أختارها بمحض إرادته، وأحبّها ورفعها فوق الجميع هي وصغيرتهما، إلى أن خرجت "دهب" عن طوع أبيها وجلبت العار للعائلة بأكملها، ثم توفيت وهي تضع مولودتها، لتلحق "سندس" بابنتها بعد عدة أيام فقط من موتها حزنًا وكمدًا عليها ..
ومن بعدهما يغرق "رياض نصر الدين" بعزلته لسنوات، يقضي فترة طويلة من حياته على أطلال ذكرياته مع حبيبته الراحلة وصغيرتهما المُدللة، رغم نجاحه بإظهار القوة والقسوة أمام الآخرين، لكن هذا الجانب البائس من حياته، لم يدرِ به أحد سوى ابنته "غنيمة" التي راقبته عن كثب بعد أن خلى لها وجهه عقب رحيل الأم وابنتها ..
كان أكبر كوابيسها وأكثر مخاوفها أن يأتي يوم ويفكر أبيها باستعادة صغيرة "دهب".. كانت "غنيمة" أبعد الناس عن أبيها.. لكنها الوحيدة التي عرفته جيدًا ..
وها قد تحقق الكابوس ..
ابنة "دهب" قد عادت، وأبيها يتوّعدها بالهلاك إن صار عليها مكروهٍ، كل هذا لأجل فتاة لم يرها طوال حياته إلا مؤخرًا، فقط لأنها تحمل دماء "دهب" و"سندس".. لأنها نسخة من كلتاهما!!!
عاد "زين نصر الدين" إلى الحاضر عندما ناداه صوت أبيه بحزمٍ:
-زيـن. شوف جدك يا ولدي. محدش عايجدر عليه غيرك.
إلتفت "زين" ناظرًا صوب باب حجرة الفحص بالمشفى الخصوصي حيث يقف جده محاولًا استراق النظر عبر النافذة البيضاوية دون جدوى ..
زفر بضيقٍ وسار تجاهه، هتف بصوته المتزن وهو يقف خلفه مباشرةً:
-جدي.. إهدى شوية.. خير إن شاء الله.. تعالى أقعد هنا لو سمحت.
رد "رياض" دون أن يلتفت له:
-همّلني يا زين.. ماطيجش أسمع مخلوج.
زين بعدم تصديق:
-أد كده خايف عليها؟ ده انت ماتعرفهاش يا جدي!!
وهنا استدار "رياض" نحوه ببطءٍ وقال بنظرة خاوية:
-يبجى انت إللي عمرك ما عرفتني. انت يا زيـن.. اجرب واحد ليا.. ماتعرفش ين هو رياض نصر الدين.. مين هو جدك!
هز "زين" رأسه قائلًا في عبوسٍ:
-أنا أعرف مين هو رياض نصر الدين.. الراجل إللي محدش يقدره إلا ربّه. إللي كان عنده استعداد يقـ تل بنته بإيده لما جابتله العار
أنا لحد اللحظة دي مش فاهم يا جدي. انت رجعتها ليه؟
وخصوصًا بعد ما عرفت عملتها. عايز منها إيه؟
جاوبه "رياض" بلا تردد وهدوء يُحسد عليه:
-عايزك تتجوزها.
نظر إليه "زين" بذهولٍ للحظات بدت دهرًا، ثم قال:
-أتجوز مين يا جدي؟
رياض بصرامة: تتجوز ليلى. بت عمتك. انت أولى بيها.. انت إللي هاتجدر تحميها.
زين باستنكارٍ: إزاي عايزني أتجوزها وأنا ماشي في الخطة إللي اتفقنا عليها؟
أنا هاتجوز بنت السفير. بنت خالة الكلب إللي داس على شرفنا!!
أومأ له "رياض" وقال:
-وهاتتجوز ليلى كمان.. هاتتجوز الاتنين.
حدق فيه "زين" غير مصدقًا ..
وما كان ليحيد عنه أو ينطق لدقائق، لولا خروج الطبيب المفاجئ ..
إلتفت "رياض" نحوه بسرعة، واقترب "طاهر" واقفًا بجوار ابنه "زين" ...
-خير يا دكتور علوي طمنّي!
تنهد الطبيب الخمسيني تعبٍ واضح وقال بهدوء:
-أطمن يا حج رياض. البنت هاتبقى زي الفل. إحنا لحقناها وعملنا اللازم
لكن للأسف الجنين نزل. هي أصلًا وصلت وكانت أجهضت خلاص أنا مالقتش أي أثر للجنين
لكن بشكل عام لحقتها. ومش هايحصل لها أي مضاعفات أطمن وتقدر تحمل تاني وعاشر.
زفر "رياض" براحة غامرة وقال:
-الحمدلله.
-بس يا حج. إللي أنا شوفته ده مش طبيعي. دي كانت جريمة
متعمّدة يعني وفي ظروف أسوأ البنت إللي جوا دي يا كانت هاتنزف لحد الموت أو كانت هاتعيش طول عمرها ماتعرفش يعني إيه أمومة.
أومأ "رياض" بتفهمٍ قائلًا:
-أنا خابر يا دكتور.. خابر كل شيّ.
-أنا لاجلك بس مش هاعمل تقرير باإللي حصل. لكن البنت دي في رقبتك يا حج صح؟
جاوبه "رياض" بصوتٍ أجش:
-دي بتّي يا دكتور.. إللي يرشها بالمايّة أروشه بالدم
وحجها راجع!
انفرجت أسارير الطبيب براحة أكثر وقال:
-دقايق وننقلها غرفة خاصة.. هاتفضل تحت الملاحظة كام ساعة وبعدها تقدر تاخدرها وتمشي يا حج
بس الراحة. لازم توفرلها راحة تامّة. وكمان أنصحك باستشارة طبيب نفسي. إللي حصل معاها ده أكيد له تبعيات نفسية.
-هايحصل يا دكتور.. أطمن.
وأستأذن الطبيب منه عائدًا إلى غرفة الفحص ..
بينما يستدير "رياض" صوب حفيده قائلًا والشرر يقدح من عينيه:
-زيـن.. خدني دلوق على الجصر.. خدني لغنيمة!
____________________________________________
دلف إلى المكتب حاملًا صينية القهوة، أغلق الباب خلفه بإحكامٍ واقترب من المجلس الصغير ..
جلس أصغر أفراد عائلة "الراعي".. "ليث الراعي" إلى جوار أبيه، بينما "نديم الراعي" يجلس خلف المكتب الضخم، والمحامي قبالتهم لا يزال يناقش "نديم" حول القضية الأهم له مطلقًا ...
-يا نديم بيه أنا مش عايزك تقلق خالص! .. قالها المحامي بلهجةٍ ثابتة:
-القضية بتاعتنا في كل الأحوال. وانت الطرف الكسبان سواء استدلّينا بنسب أنسة ليلى لمهران بيه على الورق
أو حتى في حالة الطرف التاني طعن في النسب وأثبتوا قرابتها ليهم. انت معاك حاجة مهمة جدًا. عقد جواز مدني صحيح 100%
ده أنا موثّقه بنفسي. أطمن خالص.
نديم بصوتٍ حاد:
-أنا مايهمنيش كل ده دلوقتي يا متر. كل إللي يهمني ليلى. أنا عايز أرجّعها بأي طريقة
عايزها الليلة دي تبات هنا في بيتي.
-الكلام ده مش ممكن يحصل إلا في حالتين
يا تخرج من قصر سليمان نصر الدين ودي هاتكون طريقة مشروعة تحت إشراف قوة أمنية
يا تلجأ لطريقة تانية غير مشروعة وتاخدها بالعافية.. ولكن مانصحكش
هاتبقى حرب وجنايات مالهاش آخر.
ينفعل "نديم" بغتةً ضاربًا سطح المكتب براحة يده:
-أومال تنصحني بإيه يا متر؟
ليلـى دي مراااااتـي. انت بقـى عندك علم بالقصـة خـلاص
مش بنـت عمـي. بس مراتـي. وحامـل كمان. شوف لي أي طريقة أرجعها الليلـة مش بكـرة!!!
كانت الصدمات تهوى فوق رأس "ليث" تِباعًا ..
تأكيد "نديم" لعدم نسب "ليلى" للعائلة ..
خبر زواجهما.. و.. حملها منه!!!
متى؟
متى بحق الله صار كل هذا؟!!
إلتزم الصمت، منصتًا لبقيّة الحوار ...
-أنا متأسف جدًا يا نديم بيه. مافيش في إيدي حل فوري
لو تحب هاطلع على النائب العام وأحرر محضر جديد وأقدم فيه عقد الجواز
ده هايبقى حل أسرع في حالة رياض نصر الدين قدم طعن وطلب إثبات نسب أنسة ليلى له.
عقد "نديم" حاجبيه بشدة مرددًا بجمودٍ:
-ده هايبقى الكارت الأخير يا متر.. أنا مش هاعرّض ليلى لأي صدمات
كفاية الصدمة إللي أكيد خدتها إنهاردة. بس وعزة إلل خلقها. ما هاعدّي كل ده على خير.. أرجعها الأول بس!
لم يبقى شيء يقدمه المحامي بعد جلسةٍ طويلة استمرت لساعاتٍ، فنهض طالبًا الرخصة ليرحل، سمح له "نديم".. ليبقى وحده الآن برفقة عمّه وابن عمّه الشاب ..
واتت الفرصة "ليث" الآن، نقل بصره بين أبيه وابن عمه قائلًا:
-أنا مش قادر أصدق إللي بسمعه من الصبح.. انتوا الأتنين بتلعبوا بينا كلنا طول العمر ده؟
مهران بضيقٍ: ليث أنا مش فايق نهائي لأي تبريرات. وماعنديش كلا آ ..
-يعني إيه ليلى مش أختي يا بابا؟ .. قاطعه "ليث" متسائلًا بنزقٍ
تسمّر "مهران" ولم يرد عليه، فاستطرد منفعلًا وهو ينظر إلى "نديم":
-وانت يا نديم.. انت اتجوزتها إمتى؟
وكمان حامل منك؟ استغفلتنا كلنا؟ عشان كده مراتك سابت البيت ومشيت؟
إزاي جابك عقلك تعمل كده في أختــي؟؟؟
-مش أختـك!.. هتف "نديم" بصرامة
جمد "ليث".. بينما يقول "نديم" بحدة:
-ليلى مش أختك يا ليث. ولا تقرب للعيلة دي أصلًا
وبالمناسبة مافيش أي حد هنا دلوقتي له الحق فيها غيري أنا
لا عمي. ولا انت. ولا حتى أهلها إللي خطفوها مني.. لأنها مراتي. معايا إللي يثبت ده
أقوى من إثبات عمي لبنوتها إللي 100% المحكمة هاتنفيه. وحتى أقوى من إثبات نسبها لأهلها
ليلى مراتي. وأنا بس صاحب السلطة الكاملة عليها. إنهاردة أو بكرة هاترجع لي غصبٍ عن أهلها من أكبر راس لأصغر راس.. فهمت بقى يا ليث إزاي جابني عقلي أعمل كده في ليلى؟
حدجه "ليث" بنظراتٍ مستنكرة وقال بهجومٍ:
-لأ. ماتبررش الوساخة دي بالمنطق الأوسخ ده.. انت ليه ماعملتش كده في النور؟
ليه اتجوزتها عند محامي؟ ليه مش على يد مأذون؟ ليه مش رسمي؟
مرّ بريقٍ ناري بمقلتيّ "نديم" الزمردتين، ارتعش صدغه وهو يكز على أسنانه لثوانٍ، قبل أن يقول ببرودٍ يحمل تحذيرٍ ضمني:
-مش كل حاجة لازم تعرفها يا ليث.. وأكيد أنا عندي أسبابي
إللي ماتخصش حد غيري. فاهمني؟
كاد "ليث" يرد مجددًا، ليخرسه "نديم" هادرًا بعنف:
-مش عايز أسمع لك صوت تاني. الموضوع ده محدش يتكلم فيه معايا
إللي كان يقدر منكوا يمنع حد ياخدها. أو يقدر يرجعها دلوقتي حالًا. أنا هانسحب. هاشيل إيدي من كل ده
لكن طالما ماتقدروش تخطوا ناحيتها خطوة منغير ما قانون يوقفكوا أو جربوع زي جدها يقف لكوا. يبقى محدش يتجرأ ويلومني على أي حاجة عملتها.. أو هاعملها عشان ليلى ترجع. مفهــوم؟
أطبق "ليث" فمه بقوة عاجزًا عن أيّ رد ..
لكنه لم يحتمل البقاء أمامه أكثر، هب واقفًا وغادر غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه بقوة ..
بينما يأخذ الغضب من "نديم" مأخذٍ، يتنفس بعنفٍ وهو يدور بمقعده للجهة الأخرى مسندًا رأسه إلى يديه، كان يشعر بدماغه على وشك أن يتحولإلى ركانٍ ن شدة تفكيره المحموم اللا منقطع ..
وفجأة يدق هاتفه، فيمد يده ويرد على المتصل بلحظةٍ:
-آلو!
المتصل: نديم بيه. الأنسة ليلى خرجت من قصر سليمان نصر الدين.
نهض "نديم" في أقل من ثانية ساحبًا سترته ومهرولًا إلى الخارج وهو يسأل الطرف الآخر بغلظةٍ:
-هـي فيـن؟
المتصل: في مستشفى "_______"!!
للحظة أحس كأنما توقف نبض قلبه، وتوقف عن السير كذلك وهو يتخيّل أبشع السيناريوهات.. ولا يسعه بعد ذلك إلا الهمس باسمها:
-ليلـى!.
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منة عصام
( 28 )
_ وعدتك ج1 _ :
لم يتصرّف بتهوّرٍ هذه المرة أيضًا، إلتزم بنصائح مستشاره القانوني، وهاتفه فور علمه بخروجها من قصر آل"نصر الدين" ونقلها إلى إحدى مستشفيات المدينة ..
أتاه المحامي مصطحبًا معه رجلان من رجال الشرطة، كان ينتظرهم أمام المشفى، تقدّمهم مقتحمًا البوابات حتى وصل إلى مكتب الاستقبال، وجّه سؤاله الحاد مباشرةً إلى الموظفة الشابة:
-ليلى الراعي.. فينها؟
تطلّعت الموّظفة إليه وإلى مرافقيه بنظراتٍ متوجسة وقالت:
-أفندم!
نديم بانفعالٍ: ليلى الراعي. الحالة إللي دخلت طوارئ من ساعتين فينهـا؟؟؟
-إهدى يا نديم بيه!.. تدخل المحامي مهدئًا إيّاه فورًا
ثم تحوّل إلى الموظفة مستعلمًا بلباقةٍ رسمية وهو يشير إلى فرديّ الشرطة، أبدت الموظفة تعاونًا فوريًا ما إن رأت شارة أحد الضابطان، أرشدتهم إلى قسم الطوارئ، انطلق "نديم" من فوره إلى هناك ..
وجد فردان من الحراسة يقفان أمام البوابة المزدوجة يعترضا طريق أيّ دخيل، اقترب منهما والشر يفوح من بنيته الضخمة، وقف أحدهما بوجهه قائلًا:
-رايح فين يافندم؟
يباغته "نديم" بلكمة قوية في صدره هاتفًا:
-اوعـى من وشي يا ××××× ..
تراجع الأخير خطوة متأثرًا بلكمته، لكنه لم يتنحى من أمام الباب وقال بتصميمٍ:
-عندنا أوامر من سليمان باشا محدش يدخل ولا يخرج إلا الدكاترة.
تفاقم سعير الغضب في نظرات "نديم" وصوته وهو يسبّه وسيده، ليلحق به المحامي في هذه اللحظة ومعه فرديّ الشرطة، أمرا الحارسان بالابتعاد وقد أظهر الأعلى رتبة شارته الرسمية ..
أذعن كلاهما وابتعدا، ليدفع "نديم" الباب براحته ويلج فورًا، بحث عنها بعينيه، فما لبث أن رأى سريرًا يحاوطه ستارٌ خفيف، أخبره قلبه بأنه هناك ..
سار مهرولًا نحو السرير، واجتذب الستار بحركةٍ حادة، ليراها!
كانت هي حقًا ..
اختلجت خفقات قلبه وهو يحدق فيها مأخوذًا، مشدوهًا، ومذعورًا ..
يتساءل ماذا حدث لها؟
ما الذي فعلوه بها؟
ويقسم بأغلظ الأيمان بداخله أن لا شيء سيردعه عن الانتقام لها من هؤلاء.. لا شيء إلا الموت ...
-ليلى! .. ردد "نديم" اسمها وهو ينحني صوبها
يمعن النظر بوجهها الشاحب وعيناها المغمضتين، بدت وكأنها في عالمٍ آخر، لولا أنها موصولة بالأجهزة الطبيّة لظنّها ميتة!
صغيرته.. ليلاه.. ما الذي حلّ بها؟
أخذ يمسح على شعرها بحنوٍ بالغ هامسًا والدموع تملأ عينيه:
-أنا آسف يا ليلى.. آسف
مقدرتش أحميكي المرة دي.. خلفت وعدي ليكي
بس وعزة إللي خلقك. هاخد لك حقك.. ولا هاسمح لمخلوق يمس شعرة منك بعد إنهاردة
هاتشوفي بعينك هاعمل فيهم إيه ..
ينبعث صوت رجولي من خلفه في هذه اللحظة:
-مين حضرتك يافندم؟
اعتدل "نديم" في وقفته مستديرًا نحو الأخير، كان أحد الأطبّاء ..
نظر له "نديم" قاطبًا حاجبيه وقال بصوتٍ أجش:
-أنا نديم الراعي. إللي ورايا دي ليلى الراعي.. بنت عمي ومراتي
إيه بقى إللي حصل لها بالظبط؟ وجت هنا إزاي؟ جاوبني صح يا دكتور لمصلحتك قبل مصلحة المستشفى إللي هاجيب درفها الأرض لو مراتي ما قامتش منها زي ما كانت.
عبس الطبيب وهو يرد بشيء من الاضطراب:
-المدام جت مع الحج رياض نصر الدين وسليمان باشا.. قالوا إنها قريبتهم!
-مراتي مالها يا دكتور؟ .. تساءل "نديم" من بين أسنانه
جاوبه الطبيب بشفافية مطلقة:
-المدام جت لنا في حالة إجهاض ..
ارتعدت ملامح "نديم" للحظة وارتعشت أطرافه، إلتفت فورًا محدقًا فيها، كانت الصدمة مضاعفة الآن ..
أقوى من قدرته على تحمّلها ..
طفله، طفلهما.. قُتل!!!
-الأسباب جنائية لأن ده ماكنش إجهاض طبيعي!
يغمض "نديم" عينيه بشدة معتصرًا قبضته، أطلق نهدة مشحونة من صدره، وتريّث حتى استعاد شيئًا من رباطة جأشه ..
ثم عاد لينظر إلى الطبيب ثانيةً وقال بهدوءٍ مخيف:
-أنا معايا المحامي بتاعي برا وفردين من الشرطة.. عايز تقرير فورًا بحالة مراتي
المحامي هايستنى معاك لحد ما تجهزه. أما ليلى ف هاتخرج معايا دلوقتي.
الطبيب بتردد: أيوة يافندم بس.. رياض بيه!
سيطر "نديم" على انفعالاته في الحال قائلًا بتوعد:
-لو حاولت تعترضني يا دكتور هاسجنك مع رياض بيه.. وبردو ليلى هاتخرج معايا
إيه رأيك؟
نظر له الطبيب في حيرة ولم يرد ..
فاستدار "نديم" حاملًا "ليلى" على ذراعيه وهي متدثرة بغطاء السرير كما هي، ألقى نظرة مطوّلة في وجهها الباهت وهمس بصوتٍ لا يسمعه سواها إن كانت واعية:
-ماتخافيش.. انتي رجعتيلي
مش هاتبعدي عني تاني أبدًا!
___________________________________________________________
-غـنـيـمــــــــــــــــــة ...
امتدت صرخة الرجل العجوز كمطرقة تُفتت سكون القصر ..
انتفض على إثرها كل من يجلس بالبهو.. والدة "زين" السيدة "فاتن محفوظ".. وابنة "سليمان نصر الدين".. "شهد".. و"كرم" نجل "غنيمة" الشاب العشريني الغليظ ..
إنفتح باب المنزل بعنفٍ أمام "رياض نصر الدين".. فاندفعت رياح الباردة إلى الداخل كأنها تفسح الطريق لغضبه ..
بينما أطلّت "غنيمة" أخيرًا من أعلى الدرج، تنظر إلى أبيها وابتسامة باردة تعتلي ثغرها، تظهر بكل صلافةٍ عدم خشيتها إيّاه ...
-توحشتك يابوي! .. قالتها "غنيمة" بلهجةٍ عادية وهي تهبط الدرج على مهلٍ
يرشق "رياض" نظراتٍ كالرصاص فيها وهو يهتف بخشونةٍ:
-جاتك الجرأة تيجي بيتي وتحلّي مكاني يا غنيمة؟ هاتندمي على عملتك. ومابجاش رياض نصر الدين لو ماندّمتكيش عليها!!
ساد صمت قصير، حتى وصلت "غنيمة" أمام والدها، لا تفصلهما إلا خطوتين ..
تجهم وجهها الآن وهي تسأله بصوتها المتحشرج:
-كل ده عشان إيه يابوي؟ عشان بت دهب؟!
يرتجف "رياض" من شدة الغضب وهو يصيح فيها:
-دهب دي تبقى بتّي أنا. وبتّها حفيدتي أنا.. دخلك انتي إيـه يا غنيمـة؟
غنيمة بلهجة نِديّة:
-دخلي كتير يا حج. مش ده شرف العيلة بردو؟
انت بنفسك كنت هاتحاسب دهب لولا عزرائيل سبجك وخد روحها.
-أنا لسا عايش.. محدش يجرؤ يجف جصادي ولا يعمل حاجة بدالي.
-سمعت من لاول إنك مش ناوي تعمل معاها حاجة. ف كان لازم أعمل أنا.. وبعدين ليه غضبان جوي كده؟
بت دهب ماتت ولا إيه؟
هز "رياض" رأسه قائلًا بينما عيناه تلمعان بلهيب غيظه:
-لو ماتت كنت هادخلك جهنم وانتي واجفة إكده يا غنيمة!
رمقته بنظرة مقّت نقيّة، ثم قالت منفعلة:
-دي أخرتها؟ بتنصر الخاطية بت الخاطية ...
لم يكاد يرتد لها طرفها بعد إتمامها الكلمة الأخيرة، نزلت على صدغها صفعةً عنيفة من كفّ أبيها، حتى أن الهواء خرس على إثرها ..
وقف أفراد العائلة يراقبوا فقط في ذهولٍ، عدا "كرم" الذي اعتراته الحمائية على أمه، لولا أن جمدته هي في مكانه بإشارة من يدها، ثم أدارت وجهها ببطءٍ لتنظر إلى أبيها مجددًا ...
-سيرة بتّي ماتجيش على لسانك تاني يا غنيمة! .. قالها "رياض" بلهجة أكثر هدوءًا، وأردف:
-ومافيش خروج ليكي من البيت ده إلا لما ليلى ترجع.. وهي بس إللي تجول تاخد حجها منك كيف.
لم تنطق "غنيمة" بكلمة، فقط تحدق فيه، لا يشغل عقلها سوى كرامتها التي أهدرت سلفًا بسببه عندما زوجها لرجلٌ أشقاها بعشرته طوال حياته معها، واليوم أراق ما تبقى من ماء وجهها بصفعه لها أمام أفراد العائلة ..
امرأة في عمرها ومقامها أهينت لأجل فتاة كان مجيئها نكبة على العائلة!!!
-جدي!
انتبه "رياض" لصوت حفيده، ليرد دون أن يرفع عينيه عن ابنته:
-عايز إيه يا زين؟
مال "زين" على أذن جده يهمس له بالنبأ العاجل ..
انتفض "رياض" بغضبٍ، ليمسك "زين" بذراعه مشددًا عليه وهو يقول ببرودة أعصاب:
-ماتقلقش.. أنا عارف هارجعها إزاي.
نظر له "رياض" مطوّلًا، لكنه هدأ في الأخير مودعًا فيه كل ثقته، ولأنه يعرف أن الحرب عليها لن تكون سهلة من بدايتها ..
وعليه أن يتحلّى ببعض الصبر ..
فأقله أن "ليلى" قد عرفت الحقيقة.. وعرفت من تكون وإلى من تنتمي ...
__________________________________________________
تجلس وحيدة بالترّاث المطل عبى الباحة الرئيسية ..
تسند ذرقتها إلى يدها وهي ترنو صوب البواب، لم ترى إلا أفراد الحراسة ذاتهم، أما هو.. فلم يظهر البتّة!
قلبت شفتها السفلى بحزنٍ وهي تردد أسمه بصوتها الأنثوي ذي الطابع الطفولي:
-اتأخرت ليه يا زين؟
-ريري!
ارتعدت عندما ناداها صوت شقيقها بغنةً ..
إلتفتت نحوه محملقة فيه بعيناها الزرقاوان، ابتسمت له بتلقائية قائلة:
-عمر.. صباح الخير.
أقبل عليها "عمر" مبتسمًا بإشراقٍ، يتأملها بزهوٍ وحسرة في آنٍ، لديه أجمل أخت في العالم، فتاة كانت لتكون حلم أي رجل ذا مكانة وقيمة ..
لكن قصور عقلها الذي أطاح بحظها لم يكن له علاجٌ قط ..
ويزداد حزنًا بمرور الأيام عليها، يا لها من خسارة، أن تمتلك كل هذه المقوّمات ولا تنتفع منها بشيء ..
بل قدرها أن تمضي بحياتها وحيدة، بلا رجل، بلا أطفال، ولعله يختفي من حياتها يومًا ما ..
فماذا ستفعل من دونه؟
ماذا سيكون مصيرها!!!
-إيه يا حبيبي قاعدة لوحدك هنا ليه؟
وازداد اقترابًا منها، شدها بلطفٍ من رسغها ليضمها إلى صدره، تسند "ريهام" رأسها فوق قلبه مرددة:
-بابي كان واعدني بفسحة إنهاردة.. بس صحيت مالقتش حد!
تنهد "عمر" بحرارة هازًا رأسه بيأسٍ، ربت على كتفها قائلًا بحنانٍ:
-انتي زعلانة يعني عشان كنتي عاوزة تتفسحي؟ كنتي هاتروحي فين؟
-Theme Park.
-ملاهي! طيب يا روحي ماتزعليش
أنا أوديكي.. بس إيه رأيك نفطر سوا الأول؟ أنا هاعملّك الأومليت إللي بتحبيه بإيدي.
أرادت أن تبتعد، فرفع يديه عنها، نظرت له قائلة بذات النبرة الحزينة:
-لأ.. ريرير مش عايزة تتفسح.
عمر عابسًا بغرابة:
-الله! ليه يا حبيبتي؟
بقولك أنا إللي هافسحك!
هزت "ريهام" رأسها رفضًا وقالت:
-لأ.. مش عايزة أتفسح معاك يا عمر.
عمر بدهشة: ليه كده.. انتي زعلانة مني؟
-لأ مش زعلانة منك.. بس مش عايزة أتفسح معاك.
رفع حاجبه متعجبًا منها بشدة، لكنه اتبع معها سياسة اللين، يعرف جيدًا كيف يعاملها في كل أحوالها ..
ابتسم ببساطة قائلًا:
-طيب يا حبيبتي. إللي انتي عايزاه
تعالي نفطر دلوقتي وبعدين نشوف هانعمل إيه؟
أومأت له على مضضٍ ..
فسحبها برفقٍ إلى الداخل، أجلسها أمامه بالمطبخ المفتوح وباشر فتح البرّاد ليري محتواياته، أخرج مجموعة من البيض والخيز والخضروات، وبدأ بإعداد وجبة الفطور لكليهما ..
لم يفوت لحظة دون مراقبتها جيدًا، وأعتمل القلق بصدره كلّما رآها تزداد شرودًا وملامحها الجميلة يسودها حزنًا جليًا ..
يريدها فقط أن تتكلم وتخبره ما الذي يؤرقها، هل هو والدهما؟
لأنه إن كان هو فلن يثنيه شيئًا عن أخذها والمغادرة فورًا، يكفيه ان قد أجبرها على البقائ معه طوال الأيام الفائتة، لن يسمح له بتدمير سلامها النفسي، النعمة الوحيدة التي تحظى بها ..
أنهى "عمر" تحضير طبقها، وضعه أمامها وصب لها كاسًا من العصير وهو يقول بمرحٍ:
-اتفضلي يا أنسة ريري.. أحلى فطار لأحلى برنسيس في العالم.
ابتسمت له بلطفٍ وقالت برقتها الفطرية:
-شكرًا يا عمر.
وبدأت تأكل وجبتها اللذيذة بدون شهيّة ..
لاحظ "عمر"هذا أيضًا، لكنه لم يعلّق، حتى كفّت بعد بضع لقيمات ورفعت عينيها إليه قائلة:
-ريري شبعت!
سألها "عمر" مباشرةً:
-مالك يا ريري؟ إيه إللي مزعلك يا حبيبتي؟
باباكي مزعلك؟
جاوبته بتلقائية: لأ.. بابي مازعلنيش.
تابع سؤالها بصبرٍ:
-أومال مالك يا قلبي؟ قوليلي. بتخبي عني يعني؟
هزت رأسها أن لا.. فتابع برفقٍ:
-قوليلي لو حد عملك حاجة.. هاخدك ونرجع الغردقة دلوقتي حالًا لو حد زعلك!
ردت مسرعة: لأ.. مش عايزة أمشي.. أنا مبسوطة هنا مع زين.
عقد حاجبيه وسألها باهتمامٍ:
-زين مين يا ريري؟
ابتسمت وهي تعرّفه إليه:
-زين.. الظابط إللي بيشتغل مع بابي.. كبير زي هالك وعنده عضلات في كل حتة!..
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منة عصام
( 29 )
_ وعدتك ج2 _ :
سكون تام ..
رجال آل"نصر الدين" جالسون بالمضافة المخصصة لتجمعاتهم، كأن على رؤوسهم الطير، وخاصةً "رياض نصر الدين" ..
ما إن أنهى "زين" المكالمة الهاتفية العاجلة، حتى بادره جده قائلًا بتهلفٍ ممزوج بالغيظ المكبوت:
-ها يا زين. جولّي يا ولدي عملت إيه؟
رفع "زين" رأسه ورد عليه بهدوء:
-أطمن يا جدي.. كله تحت السيطرة.
رياض بانفعالٍ: أيوة فهمني يعني حوصل إيه؟
ليلى هاترجع ميتى؟
تنهد "زين" وقال:
-هاترجع. بس مش علطول. إحنا من دلوقتي هانمشيها رسمي.
رياض عابسًا: كِيف؟
امتلأت عينا "زين" مقتًا وهو يحوّل أنظاره بين والده و"سليمان" قائلًا:
-ما هي لو ماكنتش عمتي غنيمة عملت عملتها دي ماكناش اضطرينا نخرج ليلى من البيت
وماكنش ابن الـ××× ده قدر ياخدها بالبساطة دي.. ومش فاهم إزاي محدش عرف يمنعها؟!
إلتزم "سليمان" الصمت ولم يحرّك ساكنًا، إذ بدا رضاؤه التام عمّا فعلته "غنيمة" وإن كان لا يظهره، لكن "زين" يعلمه جيدًا ..
بينما "طاهر" يتكلم بدبلوماسيته المعهودة:
-ده شغل حريم يا زين. ومحدش فينا كان موجود وإلا كان وجف لعمتك
بس خلاص يعني إللي حوصل حوصل.. إحنا في دلوق يا ولدي.. رسّينا!
سدد "زين" نظرة متبرمة أخيرة نحو "سليمان".. ثم نظر إبى جده وقال بصوته الأجش:
-إللي هايحصل يا جدي إننا هانرفع قضية إثبات نسب. هاخدك دلوقتي ونطلع على النائب العام والمحامي هايكون سابقنا على هناك
رياض باهتمامٍ: الجضية دي هاتاخد كتير؟
ومتأكد إنها هاترجع؟
زين بثقة: هاترجع يا جدي. هاترجع
أنا مش هاسيب فرصة لأي مخلوق مهما كان مين يلعب من ورا ضهرنا
كله هايبقى قانوني.
رياض بقلق: طيب ما هي تمت السن الجانوني
يعني حتى لو كسبنا الجضية.. هانجدر ناخدها غصبٍ عنها؟
اعتلت ابتسامة خبيثة زاوية فم "زين" وهو يقول ببرودٍ شديد:
-من الناحية دي ماتقلقش خالص يا جدي.. ليلى بنفسها إللي هاتختار ترجع لنا
ومش بس كده.. أنا بوعدك. هاتشوف منها رد فعل مفاجئ!
___________________________________________
في فيلا "الراعي" ..
أمام جناح "نديم" ..
أخذ "ليث" يذرع الردهة جيئةً وذهابًا، بينما أمه السيدة "مشيرة" تدخن بشراهة آخر لفافة تبغٍ بحوزتها، كلاهما في حالة انتظارٍ وتوتر شديدين ..
لقرابة الساعة وباب الجناح مغلق خلف الابنة المتبناة ..
كما هو معلومٌ حديثًا!
فوجئ الجميع باقتحام "نديم" للمنزل بينما يحملها على ذراعيه صارخًا في عمه:
-أطلب دكتور سراج بسرعة يا عمي.. بسـرعـة ..
وصعد بها على الفور إلى جناحه ولم يجرؤ أحد على النطق بكلمة، آخذين جميعًا باعتبارهم حقيقة أن "نديم الراعي" هو زوجها الآن، حتى وإن كان عقدًا غير شرعيًا ..
في جهة أخرى يمتثل "مهران الراعي" لأمر ابن أخيه ويهاتف طبيب العائلة الذي أتى على جناح السرعة برفقة مساعدته الخاصة ..
الجميع أبدى تهلفًا وخوفًا عليها، كلًا من "مهران" و"لُقى" ابنته البيولوجية أصرّا على ملازمتها، ولم تنقص حقيقة أنها متبناة شيئًا من محبّتها في قلوب عائلتها ..
عدا شخصٌ واحد في هذا المنزل لا يطيقها منذ أول يوم ..
"مشيرة" ..
ما إن رأتها وقد عادت حتى نهشتها النار ودفعت عقلها إلى حافة الجنون، تتحيّن اللحظة التي ترى فيها زوجها لتنفجر به وترغمه على طردها خارج المنزل، خارج العائلة كلها ..
ينفتح باب الغرفة الآن، فتلتفت "مشيرة" بسرعة، وترى الطبيب يخرج برفقة زوجها ...
-أهم حاجة ترتاح يا مهران بيه. ممنوع منعًا باتًا أي مجهود لمدة أسبوع على الأقل
-مافيش أي خطورة أكيد يا دكتور؟
-أطمن خالص. هاتبقى زي الفل يا مهران بيه
وأنا بنفسي هتابعها كل يوم. هابقى أجي بعد أخلص في العيادة إن شاء الله
وهاسيب معاها أمل النرس بتاعتي عشان تاخد بالها منها وتطمني أول بأول.
-أنا متشكر جدًا يا دكتور طارق. مش عارف أقولك إيه!
-ولا أي حاجة. لا شكر على واجب. أهم حاجة سلامة أنسة آ.. قصدي مدام ليلى
صحيح نسيت أبارك على الجواز بس ماكنتش أعرف غير دلوقتي. في ظروف تانية كنت أحب أبارك لنديم بيه.
يختلج وجه "مهران" بحرجٍ كبير في هذه اللحظة، لكنه يتماسك قدر استطاعته وهو يرد على الأخير باقتضابٍ:
-الله يبارك فيك يا دكتور. مرة تانية متشكر جدًا على تعبك معانا ..
ثم إلتفت مسرعًا نحو ابنه وقال آمرًا:
-ليـث.. تعالى وصل الدكتور.
أذعن "ليث" لأبيه ورافق الطبيب حتى الأسفل ..
ليطرد "مهران" من صدره زفيرًا حارًا مطلقًا معه شحنة كبيرة من الضغط العصبي ..
لكنه لم ينعم طويلًا بهذا المتسع القصير من الاسترخاء، إذ جاءته زوجته واقفة بوجهه وهي تقول من بين أسنانها:
-إيه إللي رجع البت دي تاني يا مهران؟
يكفهر وجهه وهو يرد عليها بحدة:
-بت مين يا مشيرة؟ تقصدي ليلى؟
بنتـي؟
-مش بنتـك!!! .. صرخت فيه بعصبية
صعدت الدماء إلى وجهها وهي تستطرد كما لو أنها ستصاب بنوبة قلبية بأيّ لحظة:
-كفايـة بقـى. البت دي اتفرضت عليا سنين طويلة
كل يوم مجبرة أبص في وشها وافتكر خيانتك ليا. أجبرتني أكون أم ليها
لحد ما جت من عند ربنا وطلع لها أهل. أديها لهم. أنا مش عايـزاهـا في بيتـي. انت سامع يا مهران؟
البت دي مش هاترجع بيتـي تاني!!!
-بس ده مش بيتك يا مشيرة!
صمت كل شيء الآن ..
حين برز صوت "نديم" ..
يعود "ليث" في نفس اللحظة، وتخرج "لُقى" وراء "نديم" مباشرةً ..
بينما يقبل متجهم الملامح صوب عمّه وزوجته وهو يتابع بصوته الهادئ المخيف:
-أول حاجة لازم تعرفيها إن ده مش بيتك. ده بيتي أنا. وانتي ضيفة عندي
تاني حاجة والأهم.. ماسمهاش بت.. أسمها ليلى الراعي. مرات نديم الراعي. يعني لما تيجي تتكلمي عنها تقفي وتعدلي لسانك كويس أوي.
تبادل الجميع النظرات فيما بينهم، إلا "نديم" و"مشيرة" التي رفعت حاجبها معقّبة عليه:
-عال يا نديم.. والله عال أوي. جه اليوم إللي تكلم فيه مرات عمك باللهجة دي عشان واحدة زي دي؟
ليلى دي مش من عيلتك أصلًا. ليلى دي بنت حرام!!
-ليلى دي ستّك يا مشيـرة! .. هتف "نديم" بخشونة كبيرة
انتفخت عروقه وتغالظت نبرات صوته أكثر وهو يضيف:
-انتي نسيتي نفسك بس أنا هافكرك. انتي كان أصلك إيه؟
حتة شغالة. بتمسحي وتنضفي مكاتب وعمي اتجوزك ونضفك انتي وأهلك
أهلك الهجامين والمدمنين رد السجون. إللي لولا خير عمي إللي مغرقك ومغرقهم كنتوا قضيتوا عمركوا كله بتسفوا التراب
وكان زمانك عايشة في عش الفراخ إللي كان اسمه بيتك. قبل ما تدخلي البيت ده ويتعمل منك هانم
هو ده بقى الفرق بينك وبين ليلى إللي اتولدت وفي بؤها معلقة دهب. وكبرت وبقت مرات نديم الراعي. مش مهم جذورها كانت إيه
المهم عاشت إزاي.. بعد كده يا مشيرة لما تيجي تتكلمي أعرفي حجمك كويس. واعرفي بتتكلمي عن مين. انتي واقفة قصاد أسيادك.
كان كأن برميلًا من الماء البارد قد صُبّ دفعةً واحدة فوق رأسها ..
أعوزها الأمر دقائق حتى تمكنت من النظر إلى زوجها، في انتظار سماع أيّ كلمة منه، أيّ دفاعٍ عنها ..
لكن لا شيء ..
لم يتكلم "مهران" مطلقًا ..
وقف كالصنم، واجم الملامح، وكأن في صمته تواطؤٍ مع تصرفات ابن أخيه ..
ما كان أمام "مشيرة" شيء لتفعله إلا أن ازدردت إهاناته كلها، ثم رفعت رأسها مرددت بتصلّبٍ:
-طيب.. طالما هي دي كانت نظرتك ليا العمر ده كله يا نديم.. يبقى فعلًا ده مش بيتي. ولا عمره كان بيتي
أنا إللي هامشي.. ومش هاتشوف وشي تاني هنا.
رد عليها دون أن يرف له جفن:
-يالسلامة.
أومأت له ورمت زوجها بنظرة مقت أخيرة ..
ثم ولّت مهرولة تجاه غرفتها، تركض ابنتها في إثرها، بينما يبقى "ليث" مكانه ...
-عشان لُقى يا نديم! .. قالها "مهران" بصوتٍ خفيض فيه من العتب قليل
استدار "نديم" صوبه، ليكمل:
-أنا كنت هاتكلم وأحط لها حد.. انت ماجحرتش مشيرة لوحدها
للأسف راحت ولا جت. هاتفضل أم ولادي.
نديم بصرامة: ولادك شايلين اسم الراعي يا عمي. مشيرة دي أنا صبرت عليها سنين
وخلاص. جابت أخري.. انت عمي. ولادك أخواتي. أشيلكم على راسي طول العمر. لكن الست دي. ماعادش ليها قعاد في بيتي
البيت ده له ست واحدة ورايح.. وهي ليلى.. وإللي مش هايعرف يحترم ليلى يتربّى الأول ويعرف حجمه وبعدين يترمي برا.
لم يطيق "ليث" سماع المزيد عن أمه ..
تململ في مكانه مغمغمًا بغلظة:
-أنا هاخد ماما شقة المعادي. لو لُقى حبت تيجي أبقى كلمني يا بابا.
ومرّ من جوار "نديم" بخطى عصبية، ليستوقفه بصوتٍ حاد:
-ليث!
توقف "ليث" بالفعل، لكنه لم يلتفت، بينما يأمره "نديم" بحزمٍ:
-تخلص وترجع على هنا.. المحامي جاي الليلة دي ولازم تبقى حاضر وتسمع الكلام إللي هايتقال. مفهوم؟
يرد "ليث" على مضضٍ:
-مفهوم!
واستأنف سيره تجاه غرفة والديه ..
بينما يعود "نديم" إلى جناحه رأسًا ليطمئن ويرى زوجته ..
لحظات قصيرة، ثم تبعه "مهران" ...
___________________________________________
في فيلا السفير ..
تجلس "ريهام" فوق الأرجوحة، وسط الحديقة المعبّقة برائحة الزهور، تحتضن دميتها ..
بينما كلبتها ذات الفراء الذهبي رابضة أسفل قدميها، لا يشغل عقلها القاصر سواه، وجهها ممتعض بشدة ..
تردد أسمه بلا وعي بين الفينة والأخرى بلا وعيٍ منها ...
-زيـن!
-تحت أمرك يا أميرتي ..
توسعت عيناها ما إن سمعت صوته ..
هبّت واقفة على الفور واستدارت لتراه يقف أمامها حقًا ..
ابتهجت في الحال وهي تقول بطريقتها الطفولية:
-زيـــن.. انت جيت؟
ابتسم لها بجاذبيته المعهودة وقال يلطفٍ:
-أنا أقدر ماجيش؟ طبعًا جيت عشان ريري.
تلاشت ابتسامة "ريهام" الآن وهي تقول ماطة فمها بحزنٍ:
-بس انت اتأخرت على ريري. والملاهي أكيد قفلت.. الشمس روّحت!
وأشارت إلى السماء المائلة إلى الضوء البرتقالي.. لون الغروب ..
ضحك "زين" بخفة وقال وهو يقترب منها خطوة:
-إيه يعني.. انتي فاكرة إن الملاهي بتفتح الصبح بس؟
لأ ياستي بتفضل لحد بليل. بليل أوي كمان. ودلوقتي هاخدك ونروح ونتفسح زي ما وعدتك.
-بجد؟! .. سألته "ريهام" بذهولٍ مبتهج
أومأ لها: بجد. هانتحرك حالًا لو جاهزة
أنا كلمت باباكي وانا جاي وأستأذنته.
ريهام بتلهفٍ: انا جاهزة أنا جاهزة. من الصبح جاهزة. لبست الجامب سوت. والشوز. وعملت ضفيرة
إيه رأيك في الضفيرة؟ عمر علّمني أعملها إزاي.
ودارت أمام حول نفسها بلا توقفٍ ..
ضحك "زين" وهو يمسك بكتفيها ليوقفها عن الدوران قائلًا:
-خلاص. خلاص يا حبيبتي أقفي كده هادّوخي
انتي زي القمر.. يلا بينا طيب.
-يـلا!
وركضت أمامه بحماسٍ وصولًا إلى سيارته الضخمة ..
فتح لها الباب الأمامي، ثم صعد خلف المقود وانطلق من فوره ..
في نقطةٍ قريبة، كان "عمر" يقف منذ اللحظة الأولى، يراقب كل ما حدث ..
ولا يعرف لماذا أحس بأن خطبٌ ما يجري هنا، لن تكون عواقبه حميدة بالمرة! ..
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثلاثون 30 - بقلم منة عصام
_ هذه اللحظة _ :
انتهى اجتماع آل"الراعي" بمستشارهم القانوني بعد ما يزيد عن ساعتان ..
وأخيرًا ينفرد "نديم" بعمّه وابنه الشاب الذي جلس هادئًا طيلة الجلسة، لكن هدوئه هذا لم يخدع "نديم" أبدًا، فقد كان على دراية تامّة بما يعتمل بداخله من غضبٍ وثورة تبحث عن مثيرات ولو كانت تافهة، لتندلع وتفاجئ الجميع ..
كان "نديم" يفهمه جيدًا، لأن ذات الدماء التي تجري بعروقه، هي نفسها دماؤه ..
و"ليث" بنفسه، يُعد نسخة مصغّرة من ابن عمّه، في الطبع والسلوك، يختلف عنه في سهولة التطويع فقط ..
إنما "نديم"!
لا يمكن لأحد تطويعه، أو إخضاعه مطلقًا.. لقد جُبل على الجرأة ..
لا يهاب أحدًا، بل تهابه الناس، ولديه من المقوّمات والامكانات ما يدعم جانبه المتسلّط والوقح أحيانًا من البروز أمام أيّ شخص ذا قيمة ...
-أنا مش هاسيب حد يلمس أختي!
أخيرًا نطق "ليث" بلهجةٍ مقتضبة فيها من الصلابة ..
نظر "مهران" نحوه، بينما وافقه "نديم" بهدوء واجم:
-دي نقطة ماختلفناش عليها يا ليث.. محدش يقدر يقرب من ليلى بعد إنهاردة.
حدجه "ليث" بنظراتٍ حادة مباشرة وهو يقول بعداء:
-على فكرة كلامي بيجمعك انت كمان يا نديم. وحركة إن ليلى تتنقل أوضتك دي مش مقبولة
أختي مش هايتقفل عليها باب واحد معاك.
رفع "نديم" حاجبه وهو يقول بنفس الهدوء:
-عايش معايا من وانت عيّل ابن خمس سنين.. ولسا ماتعلمتش مني حاجة يا ليث
مش قلت لك قبل كده إللي يقول حاجة يبقى أدّها؟ طيب ليلى هاتفضل في أوضتي. وهايتقفل عليا أنا وهي باب واحد.. انت بقى هاتعمل إيه؟
هبّ "ليث" واقفًا بلحظة وكأن شيطانًا تلّبسه، بينما تجمّده صيحة أبيه الزاجرة:
-ليــث!
كان هذا أقصى ما عنده ..
ما كان ليجرؤ على إتخاذ خطوة واحدة نحو ابن عمه، وإلا ما تردد حتى رغم أبيه، وكان "نديم" يدرك ذلك ..
ظل على استرخائه، ولم يرف له جفنٍ وهو يتطلّع إلى الأخير بابتسامةٍ باردة، ثم قال بفتورٍ:
-كبرت يا ليث. بس عمرك ما هاتكبر عليا! .. وأمره بهدوء:
-أقعد.
مرّت لحظاتٍ طويلة.. قبل أن يذعن "ليث" في الأخير ويخضع لإرادة "نديم".. "نديم" الذي لم يكن بالنسبة له ابن عمّه فقط ..
بل معلّمه، مرشده، قدوته ..
يسحب "نديم" نفسًا عميقًا وهو يمد جزعه للأمام قليلًا، ثم يقول بلهجة أكثر تفاهمًا ناظرًا بعينيّ "ليث" المتقدتين:
-بص يا ليث. أنا مقدر حالتك. فاهم كويس احساسك.. لكن في المقابل إللي بطلبه منك حاجة واحدة بس
ماتفقدش ثقتك فيا. وخليك عارف إن نديم إستحالة يقلل من عيلته في عين أي حد. انت شايف ليلى أختك
وهي فعلًا أختك. اتربيتوا سوا. وكبرتوا مع بعض. لكن الحقيقة هي مش أختك. وبرا عن أمك مشيرة
لا أنا ولا انت ولا عمي هانقبل ان حد يجي ياخدها مننا. مهما كانت الحلول في نظرك قذرة ومش مقبولة أنا هانفذها
لأني مش هاسمح لحد يمس منها شعرة تاني.
ليث بغضبٍ مكبوت:
-انت دمرت سمعتها.. دمرتها شخصيًا!!
نديم بحدة: الإيد إللي ربّتها لما تقسى عليها. هاتكون أهون بكتير من إيد رمتها زمان
يمكن في نظرك أنا دمرتها. لكن أعرف بردو إني هقدر أداويها وأوقفها على رجليها من تاني ..
وصمت للحظة، ثم أعلنها جهرًا لأول مرة:
-أنا بحبها.. بحب ليلى يا ليث
وانت عمرك ما هاتقدر تفهم!
يدق باب المكتب في هذه اللحظة.. فيأذن "مهران" بالدخول ..
ينفتح الباب، فإذا بإحدى المستخدمات تهتف بوجهٍ شاحب:
-نديم بيه.. الأنسة ليلى فاقت وماسكة في خناق الممرضة فوق!
_____________________________________________________
في مدينة الملاهي العملاقة ..
الأضواء المبهرة ذات الألوان المتعددة تتراقص على وجه "ريهام".. عيناها الواسعتان تعكسان بهجة طفلة لا تزل عالقة في زمن البراءة اللانهائي ..
تتداخل أصوات الضحك والموسيقى مع صرير الألعاب، بينما يدها الصغيرة متشبّثة بيد "زين" الغليظة، كأنها وجدت أمان العالم كله فيها ..
قالت وهي ترفع رأسها نحوه، تتأمل ملامحه الوسيمة وهي لا تعي حقًا معنى الاعجاب الذي تشعره تجاهه:
-زين.. ريري مبسوطة أوي!
ابتسم بخفة، عيناه تراقبانها لا كطفلة، بل كفريسة ..
-وأنا كمان مبسوط! .. قالها بلطفٍ، وتابع مداعبًا خدّها بأنامله:
-عشان شايف الضحكة دي.
أطلقت إحدى ضحكاتها الموسيقية المحببة، ثم انطلقت نحو لعبة الخيول الدوّارة، تدور حول نفسها قبل أن تعتلي "اليوني كورن" ..
فظل هو واقفًا يتابعها، وفي عينيه مزيجٌ من صبرٍٍ محسوب ونوايا مخبوءة ..
كانت تلوّح له بيدها كلّما مرّت أمامه، كأنها تعلن ولاءها البرييء، حين انتهت، ركضت نحوه تتنفس بسرعة، وجبينها يلمع بعرق ٍخفيف ..
-عاوزة Cotton Candy! .. قالتها بلهاثٍ وهي تشير صوب عربة حلوى القطن
أومأ لها "زين" قائلًا:
-طبعا. انتي تؤمري.. تعالي.
وأخذها من يدها تجاه العربة ..
أشترى لها ما تشتهي، ثم انتقلا إلى اللعبة التالية تنفيذًا لرغبتها، وقد كانت الأفعوانية "قطار الموت" ..
حاول "زين" إقناعها بارتياد لعبة أخرى أقل مجازفة من تلك، لكنها أصرّت، فأجلسها بأحد المقاعد وحدها وأعدّ لها احتياطات الأمان جيدًا، كان سينتظرها بالأسفل، لكنها جمدته هاتفة:
-زيــن!
إلتفت إليها فورًا:
-إيه يا حبيبتي مالك؟ غيرتي رأيك ولا إيه؟
هزّت رأسها: لأ. أنا عايزاك تركب اللعبة دي معايا.
اقترب أكثر وهو يقول بهدوء:
-ريري لو خايفة ننزل ونشوف لعبة تانية.. ها قولتي إيه؟
-ريري مش خايفة. ريري عايزاك تركب جنبها. انت إللي خايف يا زين.
لم يستطع كبح ضحكة أفلتت من فمه وهو يحدق في التكشيرة التي انبلجت على وجهها فاتن الملامح، ثم قال:
-لأ يا ريري زين مابيخافش.. حاضر هاركب جنبك.
وقفز بجوارها بخفةٍ، أغلق حوله أحزمة الأمان وأنزل السور المعدني أمامهما، ثم نظر إليها فوجدها تبتسم بإتساعٍ ...
-مبسوطة؟
أومأت له بقوة صائحة بطفولة:
-أووي أوووي!
دقيقة أخرى، ثم بدأت اللعبة في التحرّك، تدريجيًا، وقد كان "زين" يراقبها باهتمامٍ ..
لا زالت الحماسة على وجهها، لكن عيناها عكستا مشاعر الخوف وليدة اللحظة، وفجأة ..
انفجر الصراخ حولهما، ما ان انحرف القطار وأنزلق بسرعةٍ رهيبة لأسفل، صرخت "ريهام"بدورها، صراخٌ حقيقي، هستيري وقد أجهشت بالبكاء بينما القطار لا يقف ويواصل انحرافاته وصعوده وهبوطه ..
مد "زين" يده ممسكًا بيدها بقوة وهو يصيح بأعلى صوته لتسمعه من بين الصخب:
-ماتخافيش يا ريري.. دي مجرد لعبة
ماتخافيش.
لكنها لم لأول مرة لا تسمعه.. لا تشعر به ..
أغشى عليها فجأةً فوق المقعد، فذعر "زين" لرؤيتها هكذا، وعلى الفور أخذ يصيح بصوتٍ جهوري في الشاب الذي يدير اللعبة أن يوقفها ..
لكن الأخير لم ينصت له، ولم يعبأ مطلقًا، واكتلمت الدورة لنصف دقيقة أخرى، وطوال هذا الوقت لم يترك "زين" يدها، وبيده الأخرى يمسك رأسها بحرصٍ لكي لا تتأذى ..
وما ان توقفت اللعبة حتى فك أحزمته وقفز منها إلى موقع وقوف الشاب، هجم عليه مثل وحشٍ كاسرٍ وأخذ يكيل له اللكمات والركلات، بينما رواد الملاهي تجمهروا من حولهما وراقبوا المشهد الدموي بين خوفٍ وذهول ..
إلى أن حضر بعض أفراد الأمن، حاولوا تخليص الشاب من يده بصعوبة، إلا إن "زين" جمد الجميع وهو يذكر هويته بغلظةٍ ..
وأخيرًا قام عن الشاب بعد أن أدمى وجهه تمامًا، ثم عاد إلى "ريهام وهو يمسح قبضته الملوثة بالدماء في كنزته ..
خفق قلبه بوجلٍ وهو ينظر في وجهها الشاحب، نزع الأحزمة من حولها وحملها إلى المنصّة السفلية، أراح جسدها فوق السطح الصاج ...
-ريري. ريهام! .. ناداها لاطمًا مرارًا خدّها برفقٍ
لم تستجيب لنداءاته ..
فجاءته إحدى الفتيات بقنينة ماءٍ، سكب القليل في كفه فوق ومسح على وجهها، بدأت تفيق ببطٍ، فزفر براحةٍ وهو يخاطبها بلهجةٍ رقيقة:
-كده يا ريري. خضتيني عليكي.. فوقي يا حبيبتي
ماتخافيش. أنا زين.. أنا جنبك أهو.
رفعت جفنيها بتثاقلٍ، لتظهر عيناها الزرقاوان بين رموشها الكثّة، نظرت إليه فورًا متمتمة:
-زيـن!
تنهد "زين" قائلًا:
-وقعتي قلب زين يا شيخة.
وحملها بين ذراعيه كطفلة صغيرة، نزل بها على مهلٍ، ثم أجلسها إلى مقعدٍ رخامي قريب، بينما ذهب ليعتذر من الشاب الذي ضربه ...
-والله ما كنت أعرف ان حد أغمى عليه يا باشا! .. قالها الشاب بلهجة منكسرة وهو يضع ضمادٌ فوق أنفه النازف
اعترى "زين" شعورٌ قوي بالندم على تسرعه في أذيته، مد يده، فأجفل الأخير خائفًا ..
ابتسم "زين" بلطفٍ وربت على كتفه قائلًا:
-حقك عليا يا عم. أنا بس لما بنفعل مابشوفش قصادي
وبعدين انت زي اخويا الصغير.. صح؟
أومأ له الشاب، فأضاف "زين" وهو يستلّ محفظته من جيبه ويسحب ورقتين نقديتين ويدسها في جيب الآخر:
-دول من أخوك. ماتكسفنيش.
-مقبولة يا باشا.
-أنا اسمي زين نصر الدين. انت اسمك ايه؟
-رضا محمود.
-عاشت الأسامي يا رضا.. طيب بص بقى
انت أخويا الصغير زي ما قلت لك. لو احتاجت أي حاجة تعالالي مكتبي في ..
وذكر له الجهة التي يعمل بها ...
-لو مالقتنيش أنا هابقى أعرف أوصلك.. اتفقنا؟
ابتسم الشاب من بين جروحه وقال:
-اتفقنا يا باشا.
تصافحا، ثم تركه "زين" عائدًا إلى "ريهام ..
كانت تأكل النقانق المالح وتشرب العصير الذي أحضره لها "زين" لتستعيد إتزانها بالكامل ..
جلس بجوارها وهو يقول باهتمام:
-عاملة إيه دلوقتي يا ريري؟ لسا دايخة؟
نفت "ريري" بهزة رأس وقالت بنشاطٍ متجدد:
-لأ أنا كويسة.. تعالى نروح بيت الرعب بقى.
أمسك "زين" برسغها وأبقاها مكانها وهو يقول بحزمٍ:
-بيت رعب إيه يا حبيبتي. مش كفاية الرعب إللي عيّشتيني فيه من خمس دقايق
لأ انسي خلاص. كفاية أوي كده إنهاردة. مافيش لعب تاني.
مطّت فمها بحزنٍ وقالت:
-يعني إيه مش هالعب خلاص؟ أنا عايزة ألعب!
زين بصرامة: لأ مش هاتلعبي. انتي تعبتي أصلًا من كتر اللعب
وشك بقى أصفر أهو.
عوجت وجهها مرددة:
-يعني إيه وشك أصفر دي؟ في حد وشه أصفر انت بتكدب يا زين!!
قلب "زين" عينيه مستغفرًا بصوتٍ خافت، ثم نظر إليها قائلًا بصبرٍ:
-وشك أصفر يعني جسمك تعب يا حبيبتي. محتاجة تهدي خالص وتبطلي جري وتنطيط.
ضربت الأرض بقدمها هاتفة:
-بس أنا لسا عايزة ألعب!
زفر "زين" بنفاذ صبر.. لكنه تمالك أعصابه رغم ذلك ..
ابتسم لها بلطفٍ وقال بهدوء:
-طيب يا حبيبتي. إيه رأيك أخدك ونروح ناكل في المطعم إللي تختاريه
وبعدين نروح نجيب آيس كريم أو دونات. بتحبي الدونات؟
أومأت له بقوة، فتنهد برضا وقال:
-خلاص هانروح دلوقتي الفود كورت ونعمل كل إللي انتي عايزاه هناك. وبعدين أخدك وأروّحك.. عشان الوقت اتأخر.. اتفقنا؟
ريهام مبتسمة: اتفقنا!
وفيما كانا يسيران وسط الزحام، كانت يدها تتأرجح في يده، بينما هو يضيق قبضته تدريجيًا، وكأن القدر يربط بينهما بخيطٍ لا يُرى ..
احساسٌ بالمسؤولية من جهته.. وثقةٍ عمياء من جهتها ...
_____________________________________________________
كان أول من وصل إلى ساحة الشجار العنيف ..
والصورة كالآتي ..
شاهد "نديم" زوجته تقف أمام جناحه ممسكة بتلابيب الممرضة الشابة، شعرها الناعم مهوش وصوتها الضعيف يخرج مبحوحًا وهي تحاول ترويع الأخيرة:
-فكري تحطي إيدك عليا تاني. انتي ماتعرفنيش
أنا مجنونة.. أقلبك من فوق هنـا!!!
وأشارت نحو سور الدرج ..
لتصطدم عيناها عرضيًا بعينيّ "نديم" ..
في نفس اللحظة يظهرا كلًا من "مهران" و"ليث" ...
-ليلى حبيبتي! .. هتف "مهران" بقلبٍ متلهف لها
حاول الاقتراب، إلا ان "نديم" أوقفه دون أن يحيد بعينيه عنها، ثم قال مخاطبًا الممرضة بصلابةٍ:
-اتفضلي على تحت انتي يا Nurse. لو احتاجتك هاطلبك.
أطاعته الأخيرة مارّة بجوار "ليلى" وهي ترمقها بنظرة شفقة ..
لم يستطع "مهران" منع عاطفته تجاهها وهو يقول بخوفٍ بالغٍ عليها:
-انتي إيه إللي قوّمك من السرير يا ليلى؟ الدكتور قال إنك لازم ترتاحي لمدة أسبوع على الأقل!
مررت "ليلى" عيناها الغائرتان عليهم.. ثم قالت بصوتٍ هشّ:
-سرير مين؟
عجز "مهران" لوهلةٍ عن الرد، بينما جاوبها "نديم" بثباتٍ واثق:
-سريري يا ليلى.. سرير جوزك.
هزت رأسها للجانبين وقالت:
-لأ.. انت مش جوزي ..
ونظرت نحو أبيها المزعوم مكملة:
-ولا انت أبويا.. ولا انت أخويا يا ليث
انا مش بنتكوا.. انا بنت حرام زي ما قالت الست دي.
-ميـن هـي؟ مين إللي عمل فيكي كده؟.. سألها "نديم" متخذًا نحوها خطوتين
توقف عندما تراجعت مثلهما وهي تستطرد:
-قالت لي إني زي أمي. أمي حملت فيا من حرام. وأنا كنت حامل من حرام بردو
انت ليه ربّيت واحدة زيي على إنها بنتك؟
تطلّعت إلى "مهران" الذي تقلّصت ملامحه بألمٍ واضح، وأضافت بشيءٍ من الانفعال:
-ليه تشيل غلطة غيرك؟ وليه ماقولتليش حقيقتي؟
وانت ليـه عملـت فيـا كـده؟؟؟
السؤال موّجه لـ"نديم" ..
انقبضت عضلات فكيه وهو ينظر لها صامتًا، فأردفت بينما صدرها يعلو ويهبط من عصبيتها المكتومة:
-انت كنت عارف.. كنت عارف كل حاجة وانت بتعمل معايا كل ده صح؟
لا زال لا يرد عليها، مكتفيًا بإقراره الصامت ...
-حياتي انتهت في البيت ده. أنا ماليش أيّ صلة بيكوا.. أنا راجعة لرياض نصر الدين.. راجعة لجدي!
خلال ثوانٍ ..
ملأ صراخها الفظيع أركان المنزل بل وتخطّاها، حتى جاءت "لُقى" مهرولة على إثره، بينما يحملها "نديم" من خصرها بذراعه القوية على مرآى ومسمع من العائلة.. من عمّه بالأخص ..
لم يحرّك أحد ساكنًا، حتى أقفل عليهما باب جناحه، أنزلها أخيرًا ..
كانت لا تزال شاحبة، آثار الوجع مرسومة على ملامحها، وعيناها نصف مغرورقتين بالدموع، لكن صوتها خرج لاهثًا مشوبًا بالغضب:
-بتحبسني يا نديم؟ ماشي. بكرة جدي يجي هنا ومعاه البوليس. وانا بلساني هاقولهم إني مش بنت مهران. وإني محبوسة هنا وطالبة حريتي!!
-حريتك؟ بعد إيه؟
بعد ما قتلوا ابني إللي في بطنك؟ انتي خلاص خسرتي حريتك من بعد ما خدوا روحه. عمرك ما هاتكوني حرّة بعد كده ..
رمقها بنظرة تنزّ شرًا، ومد يده ليكمش ذراعها حين حاولت التراجع ..
خرج صوته غليظًا، مزلزلًا:
-مش هاسيبك يا ليلى. فاهمة؟ بمزاجك او غصبٍ عنك. انتي ليا غصبٍ عن الكل!!!
صاحت محاولة دفعه بضعف:
-بعد إللي سمعته منك. ده أنا أبقى رخيصة فعلًا. وماعندي كرامة لو سيبتك تنفذ إللي قولته ده. على جثتي يا نديم!
أمسك بوجهها بقبضته، يجبرها أن تنظر لعينيه، بينما يهدر من بين أنفاسه الساخنة:
-ماتفتحيش بؤك عن الكرامة.. لأنك لو كنتي فعلاً حاسة بيها. ماكنتيش هتفكري تسيبي جوزك وتروحي لناس شكّوا فـ نسبك وكانوا عايزين يقتلوكي زمان وقتلوا ابنك دلوقتي. رجوعك ليهم هو ده الرخص بعينه يا ليلى!!
همّت أن تصفعه، فقبض على يدها في الهواء كأنها ريشة، دافعها للحائط دون أن يؤذيها، واستطرد بخشونةٍ:
-القلم ده مش أنا اللي استاهله. لكن لو هايريّحك اتفضلي أنا قدامك اهو. بس تطلعِـي مش هيحصل. مش هسيبك يا ليلى.. هاتفضلي مراتي.. بالرضا.. بالعافية.. بالعند.. بالدم… محدش هايخدك مني!!!
لم تكن تدخر الطاقة الكافية لمجابهته أكثر ..
غامت عيناها خلف سحابة التعب، وكادت تسقط ولولا ذراعاه، أسندها إليه ضامًا إيّاها إلى صدره ..
أخذ يتنفس بعنفٍ وقلبه يخفق بغضبٍ، حملها إلى السرير ودثرها جيدًا، بينما تراقبه من خلال نظراتها الواهنة ..
تشعر بلمساته على وجهها وعنقها دون أن تقدر على ردّه، وتسمعه يقول وهو يجلس أمامها على طرف السرير:
-أنا هاحاسب كل إللي كان له يد في إللي حصل لك.. عارف ان قلبك محروق على ابننا
بس أنا بوعدك... هاخليهم يندموا على اليوم إللي فكروا يقربوا منك.
في داخلها تقرّ بصحة كلامه.. وأن قلبها ينفطر كل لحظة على خسارة جنينها ..
إلا إنه مُخطئ في أمرٌ واحد ..
فهي لا ترد وعده، لا تريده أن يأتي بحقها، لأنها هي من ستقتص ..
كما أنه قد غدى أول أعدائها.. منذ هذه اللحظة!....