تحميل رواية «القصيرة و صاحب الهيبة» PDF
بقلم منة عصام
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنتي يابنتي مش هتبطلي تتلمضي وتردي الڪلمة بعشرة عليا؟ لا مش هبطل ياعم في مشڪلة؟ لا ياريس ولا أي مشڪله. متجوز بنوته رقيقة ولا سيد توڪتوڪ. أنت بتعترض يامحمود؟ لا وبتتريق عليا ڪمان. طيب لما أعيط دلوقتي هتفرح. ياقلبي أنا أقدر. والله ما قصدي. دا أنتي أوزعتي. أنا مش قصيرة. أنت الطويل أوي. وبعدين أنا بقولڪ أي بقى، طلقني والشقة من حق الزوجة وتبعتلي النفقة عشان العيال. نفقة وعيال؟ بت ياأوزعة فوقي. أحنا بقالنا شهر متجوزين. يعني دا عذر عشان تتهرب من نفقة ولادڪ السبعه. يانهار ابيض. سبعة ياأوزعتي. هو أنا عار...
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم منة عصام
لا أنسى _ :
جلست بينهم في حديقة القصر الخلفية ..
جدّها الكهل المتسلّط، وأبيها المزعوم.. صارت ابنته بالتبّني منذ بضع ساعاتٍ فقط ..
توافد طاقم الخدم عليهم، تراصت أمامها فوق طاولة الفطور أشهى وألذ المأكولات والمشروبات، بشكلٍ مبالغٍ لوجبة إفطار بسيطة ..
فهنا أصناف من الجبن والزبدة، وهنا خبز محمص وكعك "الدوناتس" المُحلّى، وفي متناولها أيضًا العصير أو القهوة أو حتى الشاي ..
علاوةً على كل هذا كانا الرجلين أمامها مجرّدين تمامًا من هيبتهما، كلٌ أراد رؤيتها مرتاحة وسعيدة، رغم إنها لا تزال واجمة، ولم تمد يجه بعد إلى الطعام ..
بادر "رياض نصر الدين" وناولها كأس العصير قائلًا ببشاشة:
-خدي يا حبيبة جدك. يلا أشربي العصير ده
خلّي وشك يوّرد وتبقى رايقة وزي القمر إن شاء الله.
لم ييأس وبقى مادًا يده لها بالكأس، إلى أن رأفت به وأخذته منه، لولا أن شعرت حقًا بالهزل والضعف لما طاوعتهما في هذا ..
لكنها تجرّعت العصير على دفعاتٍ فقط لتحافظ على قوتها وتماسكها هنا في عشّ الأفاعي هذا ..
رأت جدها يبتسم برضا، بينما يدفع أبيها نحوها بطبقٍ صنعه لها وهو يقول بلطفٍ:
-كلي يا ليلى. الخدم قالولي إنك مالمستيش العشا ليلة إمبارح
لازم تاكلي كويس. لسا قدامنا حاجات كتير هانعملها وعايزك تكوني جاهزة وصحتك عال.
لم يكن لكلماته وزنًا لديها، فقط اهتمت بتغذية جسدها، فعكفت على تناول طعامها كله ..
وقبل أن تفرغ تمامًا، انتبهت لظهور الضلع الثالث لآل "نصر الدين".. "زين نصر الدين" قد أتى الآن معلنًا بصوته العميق:
-صباح الخير يا جدي.. صباح الخير يا دياب.
ردّا عليه كلاهما ..
أما هي فتطلّعت إليه في صمتٍ وهي تلوّك بقايا الطعام بفمها ببطءٍ، بادلها النظرات في فتورٍ ولم يحاول حتى الاحتكاك بها لفظيًا ...
-كويس إني شفتك يا زين. عايزك.
نظر "زين" إلى "دياب" قائلًا باهتمام:
-خير!
-خير ماتقلقش.. لو فاضي نص ساعة دلوقتي قبل ما تخرج هاسبقك على المكتب جوا.
-فاضي. تعالى دلوقتي ..
وإلتفت نحو جده سائلًا:
-عايز مني حاجة يا جدي؟
-تسلم يا ولدي بالسلامة.
وقام "دياب" وسارا معًا داخل المنزل من جديد ..
إنفرد "رياض" بحفيدته أخيرًا، حاول فتح حوارًا لطيفًا معها:
-تعرفي يا ليلى أنا فايت البلد بقالي أكتر من 10 سنين. والجنينة إللي قاعدين فيها دي أنا إللي زارعها أول عن آخر
بس دي أول مرة أشوف جمالها وأحسّه.. عشان انتي هنا جنبي.
نظرت له "ليلى" مطوّلًا، ثم قالت بصوتٍ نزق مكتوم:
-كفاية لو سمحت.. كفاية تلبس وش الحنيّة ده
مش لايق عليك لا انت ولا عيلتك. أنا عارفة إنك كنت عايز تقـ تل أمي.. وتقتـ لني.
صمت "رياض" للحظاتٍ.. ثم قال بتجهمٍ:
-قبل قوالتك دي.. سمعتي أمك عملت إيه؟
ليلى بشراسةٍ مفاجئة:
-مافيش في الدنيا مُبرر يخلّيك تقتل بنتك. بأيّ حق تقتلها وتاخد القرار ده؟
إذا كان رب العالمين مأمرش بقتلها حتى في الغلط إللي وقعت فيه. إزاي هانت عليك؟ وإزاي جاي دلوقتي وطالب مني أنسى وأثق فيك؟؟
رمقها بنظرة جافّة تطوي بعمقها وجعًا سحيق لم يحسّه إلا هو.. وقال بصوته الخشن:
-مايجوزش تقارني رحمة العبد برجمة الرب.. ربك غفور وكريم
رحمته واسعة ويقبل التوبة مهما غلط عبده. لكن إحنا بنى آدم. مانقدرش نعفي بسهولة
انتي نفسك مش قادرة تعفي.. لا عني.. ولا حتى عن الراجل إللي حبتيه وسلمتيله حالك.. ولا غلطان أنا؟
احتقن وجهها بدماء الغضب:
-عايز توصل للنقطة دي من الأول صح؟ وأنا معاك.. آه
حبيت نديم الراعي وسلمتله نفسي. بس اختياري ليك ماكنش أكتر من عقاب له هو
أنا عارفة ومتأكدة إنه بيحبني. لكن عندك حق. مش قادرة أعفي عنه. لحاجة واحدة بس
وهي إنه خدعني.. وبخداعه ليا أضطر يجرحني كتير.. وأنا حلفت لادفعه تمن كل جرح سبّبه ليا.
كان ينظر لها متأملًا، على العكس لم يغضب من كلماتها، بل قال بعد ثوانٍ:
-أول ما بصيت في عنيكي ماشوفتش الخوف إللي بشوفه في عيون الكل مني
أمك كانت تهابني.. لكن انتي.. مش هايبة حد واصل!
صمتت ولم ترد.. بينما دمعت عيناه وهو يستطرد بصوتٍ أجش:
-من سنين وافقت على قتل بتّي عشان عارها ماكانِش عاري لوحدي. كانت على اسم عيلتي كلها.. ومقدرتش أقف لهم.
ردّت بصوتٍ مكتوم:
-يعني لو كنت أنا كمان على اسم عيلتك.. كنت وافقت على قتلي؟
جاوبها دون أن يرف له جفن:
-كنت وافقت.. أول ما اتولدتي كنت هاعملها بيدّي
لولا مهران الراعي دافع عنك كيف الديب المسعور. كتبك على أسمه
قولك على سر؟ أنا سجدت لربي وشكرته لما عمل كده.. لما رحمك مني ومن عيلتي ..
فرّت دمعة من عينه وهو يضيف بصدقٍ واضح:
-إوعك تكوني مفكرة إني قاطعتك طول السنين إللي فاتت دي.. أنا كنت متابعك
أخبارك كانت بتوصلني. ولما حسيت خلاص إني مش قادر على فراقك قررت
قررت أخدك ولو كنتي وسط مين..
ليلى بسخرية مريرة:
-وإيه إللي اتغيّر دلوقتي؟ إيه إللي مانعك تقتـ لني؟
ما أنا بقيت على اسم عيلتك رسمي!
استحالت تعابيره الهِرمة الحزينة إلى قناعٍ من الوحشية وهو ينطق بغلظةٍ:
-مافيش مخلوق يقدر يقرب لك طول ما أنا عايش.. انتي بقيتي في حمايا
ودياب من بعدي يفديكي بروحه. أنا موصيه. لو جه أجلي في أي لحظة يكون ضهر وسند ليكي.
عبست بشدة وهي تتساءل:
-عاوزني أقتنع بالسهولة دي!
فجأة كده بقيت مضحي وطيب؟ وبنتك إللي أجهضتني وقت ـلت ابنــي؟؟؟
مد يده نحوها ممسكًا يدها بين كفّيه وهو يقول واعدًا:
-حقك راجع.. من كل إللي آذاكي
وده وعد من رياض نصر الدين. من جدك.
سحبت يده من بين يديه رافعة ذقنها وهي تردد باقتضابٍ:
-لأ. وعدك مايلزمنيش
ومحدش هايرجع حقي غيري.. أنا مابنساش!
______________________________________________________
الريح تداعب الستائر الطويلة بغرفة "مهران الراعي" ..
هنا بشقته الخاصة، مساحته المستقلّة بعيدًا عن ملك ابن أخيه، أبدى رغبته في الانفراد بنفسه لبعض الوقت ..
إذ عكف على الجلوس فوق كرسي وثير قرب النافذة، كتفاه المنهكتان يشهدان على عمرٍ طويل قضاه في الحماية، والحماية فقط ..
في البادئ حمل على عاتقه حماية ابن أخيه وصون إرثه له حتى بلغ واشتد عوده، ومن قبله "ليلى".. "ليلى" التي ربّاها منذ أول بعمرها كأبنته ..
يمر طيفٌ حزين بعينيه وهو ينظر إلى صورتها في يده، كانت بعمر الخامسة، بجواره، تحتضنه ضاحكة ..
كم كانت آسرة، بريئة، لكنه الآن لا يسعه أن يراها كما كانت، لم يعد يرى الطفلة التي التقطها بين ذراعيه يوم أراد جدها التخلّص منها، بل يرى الآن الشابّة التي تنصّلت من أبوّته وعادت إلى عائلتها الحقيقية بحكم القانون، والأهم.. باختيارها ..
كان صدره يعلو ويهبط ببطءٍ، حنينه لها يزدحم داخله حتى كاد يسمع له خفقان ..
قطع سكون اللحظة دخول "مشيرة" المفاجئ، المرأة التي لم قلبها أيّ ودّ لابنته الروحية، ولم تتخذها يومًا ابنةً لها كما زُعم ...
-مش ناوي تعقل بقى يا مهران؟ يعني نحمد ربنا إنها جت من عنده والبت دي غارت من حياتنا عشان نفوق لنفسنا و ولادنا. ولا انت شايف إيه؟
تطلّع "مهران" إليها بنظراتٍ غائمة، رآها تقف أمامه، يداها متشابكتان، وجهها مشدود كوتر على وشك الانفجار ...
-البت دي بنتي يا مشيرة! .. قالها لحدة، وتابع:
-انتي سامعة؟ ليلى بنتي
كانت.. وهاتفضل.
مشيرة بغضب شديد:
-لسا بردو بتقول بنتك؟
انت إيـــه؟ عايز مني أنا إيـــه؟ مش مكفّيك إللي عملته فيا واستحملته بقالي سنين؟؟؟
هب واقفًا في مواجهتها وهو يهدر من بين أنفاسه الملتهبة:
-استحملتي إيــه يا مشيرة؟ ررررردددي؟
انتي طول عمرك كارهة البنت. طول عمرها حاسة منك بالقسوة والجفا
في كل مراحل عمرها حتى لو مرضت.. كنتي دايمًا واقفة ضدها.. عايز أعرف إيه إللي استحملتيه؟؟؟
ترمقه بعينين تتسعان بجنونٍ، تهرّبت من سؤاله لعجزها عن الجواب وصرخت فيه بقهرٍ:
-البت دي خدت منك إللي محدش خده!
حب ورعاية وفلوس.. واهتمام مريض
انت مهووس بيها يا مهران لدرجة إنها اتمرعت وهي على اسمك
ماحترمتش إنها بنتك على الأقل. وراحت اترمت في حضن نديم وخدته من مراته السافلة. ولسا بتختارها!!!
خفق قلب "مشيرة" بعنفٍ وهي تنظر إليه وقد شعرت بأن الجدار الذي ظلّ بينهما لسنواتٍ صار أعلى وأقوى ..
بقى "مهران" على هدوئه المخيف، اقترب منها خطوة، لفحت أنفاسه وجهها وهو يقول بخفوتٍ:
-أيوة لسا بختارها يا مشيرة.. عارفة ليه؟
لأني يوم خدتها رضيعة في حضني من أول يوم في عمرها كانت أنضف من الدنيا دي كلها
ولحد دلوقتي.. ومهما حصل هاتفضل في عيني أنضف من الكل.. ومنك انتي شخصيًا.
كتمت "مشيرة" شهقة كمن تلقّى صفعة موجعة، احمرّت عيناها غضبًا، بينما لم ينتظر "مهران" ردّها ..
أولاها ظهره وغادر المكان كله دون أن يضيف كلمة أخرى ...
___________________________________________________________
أنهى جلسته برفقة "دياب نصر الدين" وانطلق مسرعًا ليلحق بموعده ..
في عيادة طبيبة المخ والأعصاب الشهيرة.. "سهام صالح" ..
جلس "زين" أمام الطبيبة الأربعينية هازًا قدمه بشيء من العصبية، رفعت الطبيبة نظارتها قليلًا، ونظرت له باهتمامٍ مهني قائلة:
-كمل يا زين بيه.. حضرتك كنت بتقول إن زوجتك وارثة علّتها عن والدتها. ممكن أعرف إيه المشاكل إللي بتواجهك معاها؟
تخطّى "زين" مشاعر التوتر ومضى يخبرها بثباتٍ:
-أنا متجوزها من فترة قصيرة زي ما قلت لحضرتك.. بس لحد دلوقتي. مقدرتش أقرب لها
كل مرة أكون جنبها أحس إني مشدود لها. لأنها دايمًا قصادي بنت ناضجة على الأقل جسديًا
بس لما بفتكر إن عقلها عقل طفلة مش بقدر أخد أي خطوة.. وبخاف.. بخاف عليها من نفسي يا دكتورة. بخاف أنسى نفسي في مرة وأصدمها أو حتى آذيها وأنا مش حاسس!
كتبت الطبيبة ملاحظة صغيرة بالدفتر أمامها، ثم نظرت إليه وقالت:
-تمام أنا زي ما فهمت منك إللي جابك هنا إنهاردة خوفك عليها. وإنك عايز تعرف هل هي ممكن تحس؟ تفهم؟ أو حتى تخاف؟ صح!
أومأ لها: أيوة مظبوط.. و الأهم هو أصلًا ينفع يحصل بينّا علاقة؟
أنا مش عايز أظلمها. ولا عايز أتسبب لها في أزمة نفسية أشدّ من أزمتها الأساسية..
وتنهد بحرارة مسندًا ظهره إلى الكرسي، وأطرق رأسه مرددًا بخفوتٍ:
-هي.. بريئة أوي. وفي نفس الوقت ساعات بتبص لي بطريقة بتخوّفني
بتحسسني إني مسؤول عن حماية عقلها. ومجبر أنتبه لحقيقة إنها.. مراتي!
أغلقت الطبيبة دفترها بهدوءٍ، ثم مالت للأمام قائلة:
-زين بيه. مبدئيًا عايزة أقول لحضرتك معلومة مهمة جدًا.. أنا دكتورة مخ وأعصاب
مش متخصصة في الطب النفسي. واستشارتك جزء كبير منها يتطلّب طبيب نفسي
لكن خلّيني أشرح الجزء المتعلّق بتخصصي..
واستطردت بوضوحٍ مهني:
-زوجتك في حالتها ممكن تحس وتشعر بالعلاقة؟ أيوة. الجسم بيستجيب بشكل طبيعي جدًا
لكن الإدراك. والقدرة على فهم معنى العلاقة الزوجية والهدف منها ده أمر مختلف تمامًا
والمشكلة مش في الإحساس. المشكلة في الوعي.. هي ممكن تتلخبط. ممكن تخاف
ولو حصلت العلاقة منغير تهيئة نفسية ده ممكن يسبب لها صدمة عصبية.
رفع "زين" عينيه بسرعة وكأن كلمة "صدمة" وخزته.. وسألها:
-يعني حضرتك تنصحيني بـ إيه؟ هي للأسف اتعلّقت بيا جدًا
وأنا.. أنا حاسس إني ممكن أضيّعها وأنا مش واعي. مش هقدر أسيبها وفي نفس الوقت مش ضامن نفسي.. أعمل إيه؟!
-طبعًا هي لازم تكون فاهمة على أد إدراكها إنك جوزها.. وإن إللي بيحصل مش خطر عليها. انت بتقول انها متعلقة بيك صح؟ يعني بتحبك؟
-أيوة.. تقدري تقولي كده.
هزت رأسه وأردفت بهدوء:
-تمام. الموضوع مش مستحيل في الحالة دي.. لكن لازم التأهيل النفسي قبل الجسدي ده ضروري.
زين بإصغاء: إيه إللي ممكن أعمله؟
بدأت الطبيبة تشرح له خطة علاج محكمة، ودوّنت له رقم هاتف طبيب زميلًا لها في قسم النفسية والعصبية، بالكاد شكرها "زين" على وقتها ونصائحها ..
ليدق هاتفه فجأة ويرى أسم "عاصم البدري" يضيئ شاشته ..
تنفس بعمقٍ وهو يقرّ بداخله.. هذا الرجل حمّله مسؤولية هو بنفسه لم يقوَ عليها... ويتوقع منه أن ينجح
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم منة عصام
_ حجر شطرنج _ :
ارتقت "ليلى" الدرج على مهلٍ دون أن تكف تفحص منزلها الجديد، رأت مجموعة من الصور معلّة على الجدران، تعرف بعض الأشخاص، والآخرين لم تتعرّف إليهم بعد ..
ربما استوقفتها صورة لفتاة، ولعلها ميّزتها فور أن رأتها.. إنها واثقة من أن تلك الفتاة هي "دهب"... والدتها!
كانت شديدة الشبه بها حقًا، لدرجة أنها قد عرفتها في التو، هي التي لم ترها مطلقًا، وحتى لم تعرف بها إلا مؤخرًا ..
الغريب إنها لم تشعر تجاهها بشيء.. كل مشاعرها حيال تلك العائلة كلها ..
فاترة!
فقط فردٌ واحد تكنّ له حقدٍ عظيم.. خالتها "غنيمة" ..
وقد تعهّدت لنفسها بأنها سوف تقتص، وسيكون انتقامها أضعاف آلامها وجرحها الذي لم ولن يبرأ أبدًا ..
تنهدت "ليلى" بثقلٍ وسرعان ما جمدت فجأة بمنتصف الردهة المفضية لجناحها الخاص، إذ رأت "ميمي".. صديقة "ريهام" الوفية ..
والآن تنتعش ذاكرتها، فيتفتأ ذهنها عن تلك الذكرى القريبة، في شقة "نديم" بحي الزمالك عندما احتجزها هناك، وسمعته يتحدّث إلى ابن خالته "عمر البدري" ..
أخبره بأنهم قد وضعوا أيديهم عليها، وصرخ فيه الأخير بأنه يجب أن يستعيدها مهما كلفه الأمر، لم تُدرك حينها، أو لعلها لم تصدق، ولكن الآن ...
-ريهام! .. نطقت "ليلى" مشدوهة
وسارت صوب "ميمي" في الحال، عوت الكلبة بترحابٍ ما إن ميّزتها، هرولت نحوها هازة ذيلها بقوة، ربتت "ليلى" على رأسها بموّدة وهي تقول:
-ميمي ازيك يا قمر.. فين صاحبتك؟
ها. فين ريري؟
وكأن الكلبة فهمتها، أخذت تنبح وهي تشير لها بعنقها نحو إحدى الغرف القريبة، سارت "ليلى" خلفها بخطى حثيثة، ثم من عدمٍ تظهر "ريهام" خارجة من باب الغرفة وهي تهتف:
-ميمــــي. تعالي هنا قلت لك مش هانلعب دلوقتـ ..
بترت عبارتها ما إن رأت "ليلى".. رمقتها بذهولٍ مرددة:
-ليلى!
انتي جيتي بجد؟؟؟
أفلتت ضحكة غير مصدقة من "ليلى".. سعدت كثيرًا لرؤيتها وهرعت إليها ...
-ريري!
أخذتها في عناقٍ حار، بادلتها إيّاه "ريهام" وهي تقول ببراءة:
-زين قالّي إنك هاتيجي بس مش كنت مصدقة. لأ زين مش بيكدب
قصدي مش كنت عارفة ليه هاتيجي هنا يعني.. هو ده بيتك يا ليلى؟ طيب فين أنكل مهران وأنطي مشيرة؟
أمسكت "ليلى" بيدها قائلة بروية:
-بالراحة يا حبيبة قلبي. واحدة واحدة وهاجاوبك على كل حاجة
قوليلي بس الأول.. انتي جيتي هنا إزاي؟
أجابت "ريهام" بتلقائية:
-جيت مع زين.
ضحكت "ليلى" بخفة وقالت:
-لأ مش قصدي يا ريري. أقصد مين إللي قالّك تيجي هنا؟
-بابي قالّي الأول وبعد كده زين أخدني وجابني هنا.
-باباكي؟ أنكل عاصم هو إللي سمح لزين ياخدك؟؟
لم تكن "ليلى" تصدق ما تسمع، ولكن "ريهام" أقرّته وهي تومئ لها بالإيجاب قائلة:
-آه.. زين بيشتغل عند بابي
وأنا كنت بشوفه كل يوم. و ..
قاطعتها "ليلى" : بقولك إيه مش هاينفع نتكلم هنا. انتي اوضتك إللي هناك دي؟
ابتسمت "ريهام" وهي تلقي نظرة للخلف وقالت:
-لأ دي أوضة زين.. بس أنا بنام معاه فيها
وميمي كمان بتنام معانا. بنعمل لها سرير في الأرض جنب سريرنا أنا وزين.
زمت "ليلى" فمها محاولة تحجيم غضبها، ثم قالت باقتضابٍ:
-طيب تعالي ندخل.. أنا عايزة أتكلم معاكي شوية.
وأخذتها للداخل ..
عاينت "ليلى" الغرفة بنظرة فاحصة سريعة، ثم جلست أمام "ريهام" بالصالون الصغير قرب الشرفة، وبادرت متساءلة:
-ها يا ستي.. أحكيلي بقى
وبصي من الأول. يعني اتعرفتي على زين إزاي لحد ما جابك هنا.
جاوبتها "ريهام" مشدوهة:
-أنا هاحكي كل ده؟ كده هانقعد لبكرة بنتكلم يا ليلى!
قهقهت "ليلى" لبراءتها النقيّة ورددت:
-يا قلبي.. مش بالتفاصيل يعني يا ريري
بصي قوليلي بس الحاجات المهمة. فاهماني؟
-ماشي.. بصي أنا شوفت زين أول مرة خاااالص عند عمر في الأوتيل
أول ما شوفته كنت مرعوووبة.. كان شكله بيخوّف أوووي. كان بيفكرني بـ "هالك" عشان عضلاته الكبيرة. بس بعد كده مش بقيت أخاف ..
ومضت تحكي لها بقيّة التفاصيل والأحداث الهامّة ..
كيف توطدت علاقتها به، كيف أقنعها أبيها بسهولة شديدة بزواجها منه، وكيف أنها تخلّت عن محاولات أخيها لاستردادها فقط لتبقى برفقة "زين" ...
-ليه مارجعتيش مع عمر يا ريهام؟ .. سألتها "ليلى" بجدية وقد انزعجت كثيرًا ولأول مرة لجهل الفتاة وبراءتها الساذجة
ردّت "ريهام" عابسة:
-عشان ريري مش عايزة تسيب زين.. عمر كان عاوز ياخدني بالعافية!
-أيوة يا حبيبتي عمر عنده حق. انتي مكانك مش هنا
انتي لازم تكلمي أخوكي وتخلّيه يجي ياخدك حالًا!!
-لأ. لأ ريري مش هاتمشي .. ريري هاتفضل مع زين.. ريري بتحب زين!
صرّحت بالجملة الأخيرة بلا أدنى تفكير ..
وكأنها شعورٌ طفى على السطح دون أيّ تزييف أو تكليف ..
حدقت "ليلى" فيها مصدومة وهي تقول:
-بتحبي زين؟ بتحبي زين يا ريهام؟؟
أومأت لها بقوة :
-آه بحبه.. وهو كمان بيحبني.
ليلى باستنكارٍ: مين إللي بيحبك؟
ريـــهام. انتي كبيرة وأنا بعاملك زي الكبار. أفهميني من فضلك
انتي ماتنفعيش لزين. هو له حياة وانتي ليكي حباة مختلفة عنه تمامًا
وكمان الناس إللي هنا. ماينفعش تعيشي معاهم!!
انتفضت "ريهام" بغضبٍ هاتفة:
-انتي كمان هاتعملي زي عمر؟ انتي جيتي هنا عشان تخلّيني أمشي؟
أنا مش هامشي ومش هاسيب زين يا ليلى.. ريري بتحب زين ومش هاتمشي..
عقدت "ليلى" حاجبيها بشدة، عقلها لا يكف عن العمل بينما تستمع إليها بتركيزٍ، لتقول فجأة:
-شبطانك فيه ده مش طبيعي يا ريهام.. إيه إللي حصل لك؟
انتي في حاجة حصلت بينك وبينه؟؟؟
نظرت لها ببلاهةٍ:
-حاجة إيه؟!
لم تستطع "ليلى" إفلات الأمر، فسألتها باسلوبٍ غير مباشر:
-يعني بتعملوا إيه مع بعض لما بتقبوا لوحدكوا هنا؟ بيقرب منك؟ بيلمسك؟
عبست "ريهام" بمزيج من الاضطراب وعدم الفهم، ثم قالت بشيء من التوتر غير المفهوم:
-بيقرب آه.. و. أيوة.. بيلمسني عادي.. أنا مش فاهمة كلامك يا ليلى!!
تقرّبت منها "ليلى" وخاطبتها برفقٍ وهي تحطّ بيدها على كتفها:
-اسمعيني يا حبيبتي.. عملك إيه زين؟
بتنامي جنبه؟ بيلمسك إزاي؟
جاوبتها "ريهام" ببراءة تامّة:
-أيوة بنام جنبه.. بنام في حضنه كل يوم
ف بيلمسني عادي. بيحضن ريري.. بيلمس شعري وإيدي و وشي... وبس!
تنفست "ليلى" الصعداء ..
أخيرًا تأكدت بأنه لم يمسسها حتى الآن، على الرغم من دهشتها، فهي لم تتوقع منه أيّ نبل أخلاق ...
-طيب قوليلي يا ريري
زين بيعمل إيه زيادة عن عمر أو.. أو نديم؟
هما كمان بيحبوكي.. ليه شبطانة فيه كده؟
ريهام بانفعالٍ مكبوت:
-زين.. زين مش زيهم
أنا بحب عمر ونديم.. بس بحب زين أكتر. بحبه.. بحب زين.. ريري بتحب زين.. بحبه. بحبه يا ليلى.. بحب زين يا ليلى!!!
ومضت تكرر نفس الكلمات حتى فاضت مدامعها بغتةً وأجهشت في البكاء ..
قامت "ليلى" من مكانها في الحال مسرعة إليها، جلست على طرف المنضدة أمامها وضمّتها إلى صدرها بقوة متمتمة بتأثرٍ بالغ:
-بس خلاص.. اهدي. اهدي يا ريري
اهدي يا حبيبتي خلاص..
انهمرت دموعها أشدّ وكأن "ليلى" ضغطت على مشاعر كامنة بداخلها جهلت "ريهام" عن وجودها حتى الآن ..
راحت "ليلى" تهدئها وهي تمسح على شعرها بحنوٍ مرددة بهدوء:
-هشششش.. خلاص يا قلبي.. والله ما قصدي أزعلك
ومش هقولك أي كلام يضايقك تاني. خلاص.. يعني بتحبي زين؟ بصيلي يا ريري..
وأمسك بوجهها بكلتا يداها ..
تطلّعت "ريهام" إليها عبر دموعها وبشرتها المحمّرة، أفلتت منها شهقاتٍ متفاوتة، بينما تعاود "ليلى" سؤالها من جديد:
-بتحبي زين يا ريهام؟
أومأت "ريهام" لها ببطءٍ ..
ابتسمت "ليلى" بحزنٍ وقالت هامسة:
-زين ده محظوظ جدًا.. عشان جميلة الجميلات ريري
الملاك الرقيق. تحبه.. حبتيه امتى ده يا ريري؟
هزت "ريهام" كتفيها بخفة، فضحكت "ليلى" بمرحٍ وضمّت رأسها في حضنها من جديد مغمغمة:
-ماتقلقيش.. أيًّا كان الوضع.. أنا هفضل جنبك. ومش هاسيبك أبدًا يا حبيبتي.. أطمني!
___________________________________________________________________
-ليه ماجبتش ريهام معاك؟
يحتسي "زين" القهوة لأول جالسًا أمام السفير "عاصم ادري" بصفته زوج ابنته ..
ينظر إليه بجمودٍ وهو يقول بهدوء:
-كنت برا البيت لما سيادتك كلمتني
أنا عارف إن إنهاردة مافيش مواعيد. لو عايز تشوفها أجبها لك حالًا.
-لا لا مافيش داعي ماتتعبش نفسك.. أنا هابقى أعدي أشوفها بنفسي..
-تنور يا باشا أي وقت.
وأشاح بناظريه في إتجاهٍ آخر متجرعًا بقيّة فنجانه ..
تنهد "عاصم" وهو يتأمل حالة الأخير، وقد أحس بخطبٍ ما على ضوء خبرته الحياتية، فسأله مباشرةً:
-خير يا زين.. في حاجة؟
عاود "زين" النظر إليه:
-خير يا باشا. أبدًا مافيش!
رمقه "عاصم" بنظرة مطوّلة غير مصدقة.. ثم قال:
-أنا مسكت الوزارة 25 سنة من عمري. وقضيت في السلك الدبلوماسي زيادة عن 10 سنين
مش هاتعرف تلف وتدور عليا يا زين.. يلا قولّي مالك.. إيه المشكلة إللي عندك؟
تمالك "زين" نفسه وهو يقول بحيادية:
-صدقني يا باشا مافيش أي مشكلـ ..
قاطعه: متعلّقة بـ ريهام؟
أجفل "زين" الآن.. ثم قال بعد نصف دقيقة:
-مافيش أي مشاكل بيني وبين ريهام. بالعكس.. مش هابالغ لو قلت إنها ملاك
مطيعة وبتسمع الكلام.. بس!
-أيوة بس دي.. بس إيه بقى؟
كزّ "زين" على أسنانه متفكرًا للحظات، صراعٍ يتخبّطه بين مصارحته وإخفاء ما يتنازعه، لكنه رضخ في الأخير وقال:
-أنا.. أنا خايف على ريهام يا عاصم بيه!
تلقّى منه "عاصم" في صبرٍ ولم يتفاجأ مطلقًا لسماع أيّ شيء يقول، بل مضى يجاريه:
-خايف عليها من إيه؟
لم يحاول "زين" تزيين كلماته البتّة، فقال وهو يضع فنجان القهوة من يده:
-مني.. خايف عليها مني. أنا مش عارف أتعامل معاها إزاي.. عارف لما كأنك ماسك قلبك بين إيديك وخايف عليه من أقل حركة أو غلطة.. إحساسي بـ ريهام زس كده بالظبط.. بخاف عليها من كل حاجة.. بس بخاف عليها من نفسي أكتر!
أومأ له "عاصم" متفهمًا وقال بهدوء:
-كلامك مظبوط جدًا.. عارف ليه؟
لأني حسّيته. ومرّيت بيه قبلك.. بس تعرف الفرق بينّا يا زين.. أنا ضميري ماكنش صاحي دايمًا زيك!
نظر له "زين" مقطبًا جبينه، ليستطرد "عاصم" بينما تيدو نظرة الندم جلية في عينيه:
-لما اتجوزت أمل أم ريهام.. كنت زيك بالظبط.. ماكنتش بعرف أتعامل معاها
بس مع الوقت اتولّدت بينا الألفة. احنا الاتنين بدأنا نتقرّب لبعض ومنغير ما نحس
أنا حبيتها يا زين.. حبيتها بجد. بس هي اتعلّقت بيا أكتر ما حبتني.. والتعلّق يا زين... مميت!
انقبض قلبه لأخر كلمة.. ليتابع "عاصم" بأسفٍ عميق:
-وده إللي حصل.. ماتت بسببي. مهما حاولت أهرب من الحقيقة دي
جايز انت ماتعرفش التفاصيل دي. لكن لازم أقولهالك دلوقتي
ريهام زي أمها.. وغالبًا إللي حصل بينّا هايتكرر بينك وبينها
بقولك كده عشان أحمّلك المسؤولية.. انت جيت لحد عندي وطلبتها
وكنت مصمم. بغض النظر عن أيّ اعتبارات تانية. سلّمتك بنتي راجل لراجل
وانت وعدتني إنك هاتحافظ عليها.. ومافيش قدامك غير كده يا زين
لأن خلاص. لا أنا ولا انت هانقدر نتراجع خطوة.. وإلا بنتي هاتحصّل أمها
وده لو حصل.. زي ما قال ابني وأنا ماصدقتوش... أنا مش هارحمك!
استبد الصمت بـ"زين" حتى بعد أن فرغ "عاصم".. كانت صدماتٍ أكبر من استيعابه تلك التي سمعها ..
ليتنهد "عاصم" بعمقٍ ويمد يده رابتًا على قدم الأخير قائلًا:
-أنا واثق إنك مش هاتغلط غلطتي.. لأن وضعك غير وضعي
أنا ماختارتش أمل. أيوة حبيتها مع العشرة والولاد.. لكن انت اخترت ريهام. محدش جبرك عليها صح؟
أومأ له "زين" دون أن يتكلّم، فأضاف "عاصم" بجدية:
-بالنسبة لمخاوفك ناحية العلاقة بينكوا. أنا فهمت إللي في دماغك وعايز أقولك قلقك مالوش أي داعي
ريهام من الناحية دي طبيعية جدًا. خد انت بس خطوة وهاتلاقي الباقي سهل إن شاء الله.
-أنا هاتجوز!
بُهت "عاصم" لتلك المباغتة، أعوزه الأمر دقيقة ليعود إلى سلوكه الطبيعي ويسأله:
-بالسرعة دي؟
زين باقتضابٍ: أنا ماكدبتش على سيادتك. لما جيت أطلب ريهام صارحتك إني هاتجوز وانت وافقت.
عاصم بحدة: أيوة قلت وأنا وافقت.. بس مش شايفها غريبة دي؟
لسا مافاتش شهر على جوازك من بنتي. لأ وبتلمح لي دلوقتي إن ماحصلش بينكوا حاجة وجاي تقولّي هاتجوز؟!
تحمّل "زين" ضغطه على أعصابه بصعوبة وقال بصوتٍ مكتوم:
-إللي هاتجوزها تبقى بنت عمي. وكانت خطيبتي من قبل ما أشوف ريهام
وعلى فكرة هاكتب على بنت عمتي كمان. أنا صريح مع حضرتك. وعلى أي حال ريهام هاتفضل بعيدة عن كل ده.
رفع "عاصم" حاجبه معلقًا بغلظة:
-بنت عمتك ولا بنت عمك دي ليلى قريبة نديم الراعي صح؟
يعني كلام عمر ابني كان كله حقيقي مش كده؟؟
زين بصلابة: لأ مش حقيقي. احنا اتكلمنا أنا وسيادتك في الموضوع ده قبل كده
وقلت لك إن ليلى بنت عمتي وكانت عايشة طول عمرها عند مهران الراعي وفاكرة إنها بنته
ولما جدي حب يرجعها نديم ابن أخوه خدها واتجوزها عرفي.. إللي أنا هاعمله هو إني هاصلح غلطته معاها لأنها من دمي
شرفي وعرضي ولازم أكتبها على أسمي. عشان حتى لو سبتها في يوم من الأيام تقدر تعيش حياتها وراسها مرفوعة
محدش يقدر يغلّطني يا عاصم بيه.. زي ما حضرتك بتخاف على بنتك ليلى دي منّي. جدي طلب مني أتجوزها ف هاتجوزها. ولما اتجوزها ده مش هايأثر على ريهام بأي شكل من الأشكال.
يعقد "عاصم" حاجبيه بشدة، ثم يقول متوعدًا لأول مرة:
-أسمع يا زين.. أنا كل يوم بكتشف فيك حاجة ماكنتش أتخيّلها
أقسم بالله. لو مسّيت بنتي بـ شر انت أو عيلتك أو أي طرف يخصك لاكون جايب أخرتك
فاهمني؟ مش هاخلّي في سيرتك سطر واحد تكمل بيه حياتك زي ما كانت
لأ ده أنا هامسح تاريخك كله من الداخلية. وحياتك برّاها هاتبقى كوابيس مش هاتفوق منها طول ما أنا عايش على وش الدنيا!!!
سمعه "زين" محتفظًا بهدوئه للنهاية ..
ثم قال بثباتٍ:
-خلصت يا باشا؟
أنا موافق على كلامك كله.. لو بنتك حصلها أي حاجة أو طالها سوء هاسلّمك رقبتي. وأبقى أعمل فيا ما بدا لك.
وهب واقفًا وهو يسحب سلاحه من فوق الطاولة، دسّه بغمده المثبت بطوق خصره وهو يقول بصوته العميق:
-لو سيادتك مش محتاج لي أستأذنك أمشي.. لازم أعدي على مكتبي في الوزارة في قضية مهمة شغالين عليها محتاجين لي هناك.
أشار له "عاصم" بيده ليرحل ..
زين باقتضاب: بالإذن!
واستدار مغادرًا والدخان يتسرّب من أذنيه من شدة الغضب ..
يشعر وكأنه حجر شطرنج.. كلٌ يحرّكه حسب أهوائه ..
أما هو ..
ماذا يريد.. ما يود فعله حقًا... لا يمكنه اختيار أيّ شيء!....
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
ضـ.. ضربتني ..
في هدأة الليل ..
يعود "زين نصر الدين" أخيرًا إلى المنزل، لقد كان نهارًا حافلًا، وسلوته الوحيدة الآن هي مرافقتها ..
بمجرد مرورها على خاطره قبيل عودته، جعلته يسرع فقط ليلحق بها قبل أن تغفو، لكنه فتح باب الجناح الآن ولم يجدها!
كان الإرهاق يُقل كتفيه، لكنه جمد عند عتبة الباب متناسيًا كل شيء فقط لأنه لاحظ غيابها.. الغرفة ساكنة على غير عادتها مؤخرًا ..
الفراش مرتّب، ولا أثر لها في أيّ مكان!!
عقد "زين" حاجبيه باستغرابٍ، يتلفّت حوله بحثًا عنها لعلها غفت في أيّ ركنٍ بالجوار، لم يكد يخو خطوة حتى دوى نباح خافت متوتر من "ميمي" ..
إلتفت "زين" ليرى الكلبة الصغيرة وهي تقف متحفزة أمام السرير، تحدق أسفله بقلقٍ، ذيلها منخفض وصوتها يشي بالإنذار ..
اقترب "زين" منها قائلًا بنبرة متعجبة:
-إيه يا ميمي مالك؟ وفين ريهام؟
رفعت الكلبة رأسها إليه، ثم خفضتها لأسفل السرير، قبل أن تنحني بمحاولاتٍ واضحة لجذب انتباهه، كأنها تريه الطريق ..
أدرك "زين" رسالتها لكنه لم يتخيّل ما سيراه ..
انحنى ببطءٍ وهو يزيح شرشف السرير، فأصابته الدهشة حين لمح "ريهام" متكوّرة على نفسها هناك بالأسفل، عيناها متسعتان، ورجفة قوية تمر عبر جسدها بلا إنقطاعٍ ...
-ريري! .. صاح "زين" مشدوهًا، وتابع وهو يمد يده إليها بلطفٍ:
-إيه ده يا ريري.. بتعملي إيه هنا. تعالي يا حبيبتي.
ترددت "ريهام" لثوانٍ، ثم اندفعت نحوه بمجرد تأكدها من أنه هو.. هو "زين" الذي جاء إليها أخيرًا ..
وكأن وجوده يثبت لها أن العالم صار آمنًا، وما إن تلقّاها حتى ارتمت بين أحضانه منفجرة بالبكاء، شهقاتها ترتجف على صدره ...
-إيه إللي حصل؟ .. سألها بقلقٍ كبير:
-وليه مستخبية تحت السرير؟ ردّي عليا يا ريهام!!
رفعت وجهها بصعوبة، صوتها يتهدّج وهي تحاول إخباره:
-ضـ.. ضربتني ..
تجمّد للحظة، ضمّ حاجبيه بشدة وهو يستوضحها:
-مين إللي ضربك؟
تحاول أن تتكلم، تتلعثم، والدموع تخنق صوتها، يمسح على رأسها بحنانٍ وهو يقول بنبرة ثابتة يُطمئنها:
-بالراحة.. قوليلي. مين؟
قبضت أصابعها في قميصه وكأنها تتشبّث به مخافة المتربّصين بها، ثم مضت تهمس بصوتٍ يرتعش خوفًا:
-شهد.. أسمها شهد ..
جمدته كلماتها من جديد، لكنه حاول أن يبقى هادئًا ليستمع إليها، بينما بدأت تحكي له بصوتٍ متقطّع ..
كيف نشب الشجار بينهما، كيف شدّتها من شعرها ومزّقته، وكيف صرخت في وجهها، وكيف دفعتها بقسوة حتى ارتطمت بالأرض ..
ومع كل كلمة كانت أنامله تتصلّب على كتفيها، والغضب ينساب في عروقه ببطءٍ قاتل.. حتى فرغت ..
لم يكن في وجهه سوى غضبٍ أسود ..
حملها بين ذراعيه حين لاحظ هشاشة أعصابها، وضعها في سريره برفقٍ وجلس بجوارها لدقائق يُهدئ من روعها، رغم تفاقم الحنق بداخله كلّما رآى عليها علامات الشجار التي سردت عليه تفاصيله ..
كدمة أسفل فكّها، تجلّط طفيف أعلى زاوية فمها، وتوّرم ملحوظ بوسط فروة رأسها ..
سحب نفسًا عميقًا وخاطبها برقة وهو يمسح على شعرها:
-ريري.. أنا هاسيبك شوية
هاروح أعمل حاجة وراجع لك علطول.
ذعرت وهي تتمسك به متوسلة:
-لأ. لأ عشان خاطري مش تسيب ريري لوحدها.. هاتيجي تاني وتضربني!!
ضغط على فكه بقوة ومن داخله يتوّعد من تسبّب لها في كل هذا ..
قاوم الغضب مجددًا وهو يقول بصرامة محيطًا وجهها براحتيّ يده:
-ماتخافيش.. محدش يقدر يجي جنبك طول ما أنا موجود
وحتى وأنا مش موجود. أنا بوعدك. إللي حصل ده مش هايتكرر تاني أبدًا
وهاحاسب إللي عمل فيكي كده.. عشانك مش هاعديها على خير.. وهاتشوفي.. إهدي.. وأسمعي كلامي. أنا مش هاخرج وراجع لك.. مش هاتأخر عليكي.
وتمكن من انتزاع قبضتها عن قميصه بصعوبةٍ ..
تقدّم بخطوات ثابتة نحو باب الجناح، جذب المقبض بعزمٍ، توجّه رأسًا صوب غرفة "شهد".. بينما الليل خلفه بدأ أضيق من أن يحتوي غضبه