تحميل رواية «القصيرة و صاحب الهيبة» PDF
بقلم منة عصام
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنتي يابنتي مش هتبطلي تتلمضي وتردي الڪلمة بعشرة عليا؟ لا مش هبطل ياعم في مشڪلة؟ لا ياريس ولا أي مشڪله. متجوز بنوته رقيقة ولا سيد توڪتوڪ. أنت بتعترض يامحمود؟ لا وبتتريق عليا ڪمان. طيب لما أعيط دلوقتي هتفرح. ياقلبي أنا أقدر. والله ما قصدي. دا أنتي أوزعتي. أنا مش قصيرة. أنت الطويل أوي. وبعدين أنا بقولڪ أي بقى، طلقني والشقة من حق الزوجة وتبعتلي النفقة عشان العيال. نفقة وعيال؟ بت ياأوزعة فوقي. أحنا بقالنا شهر متجوزين. يعني دا عذر عشان تتهرب من نفقة ولادڪ السبعه. يانهار ابيض. سبعة ياأوزعتي. هو أنا عار...
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم منة عصام
رواية هيبة بقلم مريم محمد غريب
امرأتي
ليلة زفاف ابنته ..
كانت تلك هي الليلة الوحيدة منذ سنواتٍ طويلة التي يغطّ فيها بنومٍ عميــق ..
إذ لم يكن ليتخيّل حتى بأحلامه أن تتزوج فتاته خاصةً بسبب وضعها وحالتها العقلية العقيمة، لكنه حدث، الزواج حدث، وقد تزوّجت "ريهام البدري" من أحد أبرز وألمع رجال الشرطة المصرية قاطبةً ..
تزوّجت بـ"زين نصر الدين".. وكان مجرد إدراك ذلك يبعث فيه الطمأنينة والراحة ..
لقد باتت ابنته في آمنة طوال حياتها، ولم يعد قلقًا عليها، أخيرًا استطاع أن يضمن لها مستقبلًا واعدًا، فإن لم يكن الزمن يخبئ لها عائلة تصنعها وتؤسسها، فإنه حتمًا سيمنحها من تأنس بقربهم ويحاوطونها بالمودة والدفء حتى رمقها الأخير ..
لن تبقى "ريهام" وحبدة بعد اليوم ...
-قـووووووووم.. اصحـــــــــــــــــــــــــى ...
هبّ "عاصم البدري" من نومه مفزوعًا على إثر صياح ابنه ...
-عمــر! فـي إيـه إيـه إللـي حصـل؟؟؟!!
بالكاد نهض "عاصم" من فراشه ساحبًا روب بيجامته من فوق الأريكة الملاصقة للسرير، بينما يعترضه "عمر" هاتفًا بعنفٍ:
-اتغفّلت يا معالي السفير.. اتغفّلـــــــت.. وروحت إديت بنتك لنا من الأول عايزين يستخدموها ويعملوا منها ورقة ضغط. انت ضيّعت ريهام.. ضيّعت أختــي!!!
شلّ عقل "عاصم" عن التفكير أو الفهم، ليستوضحه بعصبيةٍ:
-انت بتقول إيه؟ وضّح كلامك يا عمر وفهمني قصدك!!
عمر يغلظةٍ: أفهمك إيه؟
هو انت عقلك ده كان فيـن؟ فالح بس تتقن دور الندل في كل مراحل حياتنا؟
انت إيـــــه؟ للدرجة دي بتكرهنا؟؟؟؟؟
رنّت صفعةً مدويّة بأرجاء الغرفة، كما علّمت أصابع كف "عاصم" على صدغ "عمر" الذي أدار وجهه ثانيةً تجاهه، لينظر إليه بنظراتٍ دموية، بينما يقول "عاصم" بصوتٍ متحشرج من شدة الغضب:
-أنا فضلت ساكت عليك كتير. استحملت قلة أدبك بما فيه الكفاية
بس في حدود. وانت ماتنساش نفسك أبدًا وانت واقف قدامي. أنا أبــوك
أنا عاصم البدري. بهاودك وبعاملك بلطف بس ده مش ضعف مني. وفي أي وقت يا عمر شوفتك محتاج رباية يبقى هاتتربّى!
-أنا قلتها لك قبل ما أمشي!.. تمتم "عمر" من بين أنفاسه الملتهبة:
-انت مابقاش عندك ابن اسمه عمر.. وقريب هاتخسر بنتك.. ريهام هاتموت بسببك. زي أمل. زي أمي!!
وتراجع بعيدًا عنه خطوةً واحدة وهو يضيف بجفاف:
-أنا هارجعها.. هاعمل المستحيل وأرجعها بس للأسف. مش هقدر أمنع القدر
زي ما حصل زمان ومقدرتش أمنعه لما أمي ماتت.. أتمنى تكون نهايتك أسوأ من نهايتها. وهاتبقى لوحدك ساعتها.
وجاء ليذهب من أمامه، تحرّك "عاصم" على الفور قابضًا على ذراع ابنه هاتفًا بصلابةٍ:
-انت كنت جاي تقولّي إيه؟ إيه إللي عرفته وعمل فيك كده يا عمر؟
أدار رأسه مجددًا ليرمقه بنظرةٍ انتقامية أخيرة، ثم قال بهدوءٍ:
-عقابك تكون جاهل.. وزي الأطرش في الزفة
أنا مش هاريّحك ولا هقولك حاجة.
وشدّ ذراعه بقوةٍ من قبضته، ثم انطلق مغادرًا من فوره، مغادرًا حياة أبيه للأبد ..
أما "عاصم" فلم يتجاهل كلام ابنه، بل إنه قد أحس بالخطر المحدق، الآن فقط ..
ألقى نظرة صوب ساعة الحائط، وجدها قد تخطّت الثامنة صباحًا، إتجه في الحال نحو الخزانة ليبدل ملابسه ..
سوف يتوجه رأسًا إلى منزل آل"نصر الدين" ...
__________________________________________________________
قلّت جودة نومها مؤخرًا إلى حدٍ كافٍ جعلها تميز أقل حركة تمر بجوارها ..
رصدت "ليلى" تحركات "نديم" منذ الصباح الباكر، ولاحظت الهدوء المتعمّد الذي بذله لكي لا يزعجها ويقلق منامها النادر، في البداية سمعته يغتسل بالحمام، ثم يخرج ويرتدي ملابسه ..
وعرفت بالضبط الثانية التي غادر فيها الشقة ..
لتقوم مسرعة من الفراش، تخرج من الغرفة مندفعة نحو باب الشقة، أمسكت بالمقبض لتفتحه، لكن الصدمة!
موصد!!
لقد حبسها ..
لماذا لم تتوقعها منه؟
ألم تبدي له مرارًا رغبتها في تركه؟
هل ظنّت أنه بهذه السذاجة كي يترك لها بابًا مفتوحًا لتهرب منه؟
إنه "نديم الراعي".. تحتّم عليها أن تدرك وتؤمن بأنه رجلٌ لا يترك شيئًا للصدفة ..
ومؤكد بأنه لن يتركها، مهما كلفه الأمر، لن تخرج من حياته بسهولة، أو لعلها لن تخرج أبدًا ما دام أحدهما على قيد الحياة ...
-مش هاتحبسني يا نديم! .. تمتمت "ليلى" لنفسها وهي تتلفت حولها بحثًا عن أيّ ثغرة
لم تتقبّل الواقع الذي فرضه عليها ..
وفجأة لمعت الفكرة برأسها، انطلقت تجاه المطبخ، وأتت بسكينٍ غليظٍ، عادت إلى باب الشقة وبدأت محاولاتها بفتح القفل، كسره ..
أمضت ثلث ساعةٍ بلا كللٍ أو مللٍ، تباشر جهدها الدؤوب في تحرير نفسها، كم هو قوي ذلك الهيكل الخشبي!
لم يتحطّم بسهولةٍ، وجعلها تصبب عرقًا حتى استطاعت نزع القفل عبر إحداث فجوةً عميقة من حوله!!
تنفست "ليلى" الصعداء وهي تجذب القفل في قبضتها وتبقيه أرضًا، لا تصدق بأنها نجحت، والباب مفتوحًا الآن ..
جذبته لتخرج ..
لكنها تنصدم مرً أخرى، حين وجدت بابًا آخر من حديد موصدٍ بقفل كبير سيكون مستحيلًا عليها فتحه أو كسره مهما حاولت!!!
سالت دمعة قهرٍ من عينها وهي تجثو على ركبتيها منهكة وخائرة القوى، وتشعر مجددًا بالهزيمة، هزيمةً مقدّرة عليها ...
____________________________________________________________
ينفحا جفناها دفعةً واحدة، كدأب كل صباح، هكذا تستيقظ "ريهام البدري" وتلتمع الأنجم في أفق عيناها الزرقاوان في جمالٍ حيّ وفريد ..
لوهلةٍ استغربت المكان من حولها، ثم ما لبثت أن تذكرت، رفست الغطاء وقامت من السرير الواسع متلفتة حولها، لم تجد أثرًا له ..
أين ذهب؟
لم يكاد الخوف يستقر بقلبها، إلا وسمعت حركة من خلفها، استدارت، لتجده يخرج من باب الحمام الملحق بالجناح ...
-زيـن! .. هتفت "ريهام" بجذلٍ
بدا على وجهها الارتياح ما إن رأته ..
بينما يغلق خلفه باب الحمام ويقف للحظاتٍ بمكانه، يحدق فيها مبتسمًا وهو يشدّ زنار روب الاستحمام حول خصره جيدًا:
-صباح الفل على أحلى ريري.
سار ناحيتها وهو يجفف شعره القصير بمنشفةٍ صغيرة ...
-إيه يا حبيبتي نمتي كويس؟ .. سألها بنبرةٍ هادئة
تطلّعت "ريهام" إليه مشرأبة بعنقها لفرق الطول بينهما، ابتسمت له بحبورٍ قائلة:
-آه نمت كويس.. بس انت ضحكت عليا ومش نمت جنبي!
وكشرت فجأةً ..
اعتذر منها بلطفٍ:
-أنا آسف يا ريري. ماحبتش أضايقك. أصل أنا نومي محدش يستحمله بصراحة.
لم تفهم ما قاله، فأصرت:
-ماليش دعوة انت لازم تنام جنب ريري كل يوم.
-كل يوم كل يوم؟
-آه كل يوم كل يوم.
ضحك بخفةٍ وقال:
-حاضر ياستي. أوامر.. هانام جنبك كل يوم. بس استحملي بقى أنا بشخّر!
اتسعت عيناها بذهولٍ، فساومها رافعًا حاجبه:
-هـاااا.. إيه رأيك؟
لسا عايزاني أنام جنبك؟
ردت على الفور:
-آه لسا عايزاك تنام جنبي.. عادي ميمي ساعات بتشخر.
أطلق ضحكةً مجلجلة قائلًا:
-طيب.. إللي انتي عايزاه يتنفذ يا حبيبتي.
وتجاوزها متوجهًا نحو حجرة الملابس الصغيرة، تبعته، فانتبه إليها بينما يلقي بالمنشفة من يده وقال بهدوء:
-عاوزة حاجة يا ريري؟
هزّت رأسها: بتعمل إيـه؟
-هالبس هدومي يا حبيبتي. مش معقول يعني أخرج بالمنظر ده.
-هاتروح فين؟
-شغلي.
مطّت شفتها بحزنٍ وقالت:
-هاتسيب ريري تقعد لوحدها هنا؟
-غصب عني يا ريري. لازم أروح شغلي. مش باباكي وأخوكي كان عندهم شغل وبتشوفيهم وهما خارجين؟
أومأت له ..
-طيب. شوفتي بقى أنا زيهم بالظبط. لازم أروح شغلي.
زفرت بضيقٍ قائلة:
-طيب هاتيجي امتى؟
زين مبتسمًا: مش هاتأخر عليكي. بصي.. انتي هاتفضلي قاعدة هنا مستنياني لحد ما أرجع
هابعت لك فطارك تفطري وتقعدي بعدها تعملي إللي انتي عايزاه. عندك تي في وعندك البلاي ستيشن بتاعي موجود لو بتحبي تلعبي عليه
وأنا في ساعة الغدا هاتلاقيني رجعت ومعايا ميمي. هانتغدى وأخدك نلف شوية في البيت عشان تتعرفي على المكان كله.. خلاص اتفقنا؟
بدا ما قاله مقنعًا ..
ابتسمت بجذابيتها المعهودة وقالت:
-اتفقنا!
وباغتته وهي تشبّ على مشط قدميها لتطبع قبلةً رقيقة فوق خدّه ..
أجفل من تصرفها واضطرب بشدة، خاصةً وأنها لم تبتعد فورًا، فأتاح له قربها استنشاق رائحتها الدافئة، الشيء الذي جعله ينسى نفسه للحظاتٍ وهو يحدق في وجهها ذي الملامح الأنثوية البريئة ..
تنحنح عدة مرات وهو يقول بتوترٍ طفيف:
-خلاص بقى.. استنيني برا شوية لحد ما ألبس هدومي.
أطاعته عائدة للداخل في صمتٍ ..
بينما يطلق زفرة حارة من صدره وهو يشعر بالحرارة تجتاح جسده بالكامل ..
هذا ليس جيدًا، وما يجري له ليس مقبولًا على الإطلاق، عليه أن يجد حلًا ..
حلًا يذكره دائمًا بحقيقة وضع تلك الفتاة المسكينة، الفتاة التي صارت بين عشية وضحاها زوجةً له، امرأته أمام الناس ..
لكنه يدرك جيدًا أن ما من أملٍ في علاقتهما، لن تكون هناك علاقة حقيقية بينه وبينها، لذلك عليه أن يكفّ عن رؤيتها كـ امرأة ..
إنها مجرد.. ملاك!
ملاكٌ بريئ لا ينبغي أن يدنّسه ...
_________________________________________________________
اجتماعه العاجل برفقة مستشاره القانوني انقطع فجأةً ..
حين ورده اتصالًا من حارس البناية التي تقع بها شقته السريّة، يخبره بأن زوجته أحدثت جلبة شديدة أزعجت بقيّة الجيران ..
عاد على وجه السرعة إلى الشقة، ونظر بصدمة إلى الباب الخبي الذي تحطّم تقريبًا، دفع بالمفتاح بقفل الباب الحديدي وهو ينظر إلى الداخل مفتشًا عنها بالقرب، لكنه لم يرى شيئًا ..
اقتحم الشقة مثل إعصارٍ، يبحث في كل مكانٍ كالمحموم، حتى وجدها بغرفة النوم، نائمة في وضع الجنين فوق السرير ..
تنفس بغضبٍ ملقيًا عليها نظرة ناقمة، ثم خرج ثانيةً، الارس ينتظره أمام باب الشقة ..
أستل "نديم" من جزدانه الفاخر بعضةً من الأوراق النقدية وأعطاهم إليه قائلًا بصوته الأجش:
-تروح حالًا تجيب لي نجار. أشرح له الوضع قبل ما يجي.. أنا عايز الباب يرجع زي ما كان في ظرف ساعة.
أومأ له الحارس طائعًا وقال:
-تحت أمرك يا بيه.
و ولّى ذاهبًا على الفور ..
بينما يتذرع "نديم" بالصبر، فقط حتى يعيد إصلاح ذلك الباب اللعين، ثم سيلقنّها درسًا قاسيًا!!!
__________________________________________________________
أستدعى عبر هاتفٍ معلّق بزاويةٍ ما بغرفته إحدى المستخدمات، أمرها بإعداد سفرة الفطور من أجل عروسه، وإحضارها إلى هنا ..
كان قد أرتدى ثيابه الرسمية، المؤلفة من كنزة سوداء ضيّقة تبرز عضلاته الضخمة كالمعتاد، وسروال رمادي مرقّط باللون الأسود، تترأسه شارة جهة عمله ..
نثر عطره المفضل ببزخٍ، ارتدى ساعة يده الثمينة، سحب نظّارته الشمسية في يده، ثم استدار ناحيتها ..
حيث كانت تجلس وتراقبه خفية، ما إن أولى انتباهه لها حتى تظاهرت بمشاهدة التلفاز، ابتسم بتلسية وهو يسير صوبها على مهلٍ قائلًا:
-أنا نازل يا ريري.. الفطار طالع لك حالًا. عاوزة مني حاجة قبل ما أمشي؟
هزت رأسها سلبًا ..
فمد يده مداعبًا شعرها برفقٍ، ثم قال بتنهيدة:
-أوكي.. خلي بالك من نفسك.. وماتعمليش شقاوة طول ما أنا مش هنا ..
يدق باب الغرفة في هذه اللحظة ..
هتف بصوتٍ مسموع:
-أدخل.
فتح الباب وبرزت "عطيات" قائلة:
-زين بيه.. معالي السفير عاصم البدري وصل وطالب يشوف حضرتك حالًا
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم منة عصام
_ هشّة _ :
في أقل من ساعة عاد حارس العقار برفقة عامل النجارة ومعهما إطارٌ جديد بمواصفات الباب الذي نزعته "ليلى" ..
قام العامل الشاب بتركيب الإطار، ليعود الباب كأنه جديد تمامًا، حاسبه "نديم" جيدًا وأعطى الحارس بخشيشًا، ثم أصرف كلاهما ..
أقفل الباب بالمفتاح وأودعه بمزهريةٍ جانبية، ثم توجه نحو غرفة النوم، حيث لا تزال هناك، لم يسمع حركة أو همسة من جانبها ..
دلف إليها، فإذا بها تجلس أمام المرآة، وقد ارتدت ملابسها تحضرًا للرحيل، حقًا؟
تظن إنها سترحل؟
-هو ده إللي كنتي ناوية عليه! .. هتف "نديم" من خلفها والشرر يتطاير من عينيه
توقف على بُعد ذراعٍ منها، وعندما لم ترد عليه، مد يده قابضًا على ذراعها، وشدّها بعنفٍ لتقف قبالته:
-كنتي مستنياني أغفل عنك في أي لحظة عشان تهربي مني يا ليلى؟
كتمت "ليلى" الوجع الذي يسببه لها وهي تقول ببرودٍ شديد:
-أيوة.. كنت ناوية أهرب. بس مش منك
من كدبك.. من خيانتك وطعنك فيا!!
عبست ملامحه بشدة وهو يقول مشددًا قبضته عليها أكثر:
-أنا خنتك؟ أنا كنت بحميكي من الحقيقة
أنا حميتك طول عمرك يا ليلى. وفي الآخر مصرّة تطلعيني أنا الوحش في كل ده؟؟!!
أفلتت صرخة ألم وقهرٍ من بين شفتيها وهي تردد:
-الحقيقة دي هي كل إللي عملته فيا. أول طعنة جات لي كانت بإيدك انت.. أنا كمان كنت فكراك بتحميني. لحد ما سمعتك بوداني يا نديـم!!
يتنفس "نديم" بعنفٍ، صوته يرتجف بين الغضب والندم وهو يقول:
-أنا بحبك.. ماكنتش عايز حد ياخدك مني أو يشاركني فيكي.
ليلى ببكاءٍ مرير:
-إللي بيحب بجد مايدنسش إللي بيحبه يا نديم.. مايقبلش عليه كلمة من أي حد. بس تخيّل إني سمعت كلام زي ده منك انت
انت بوّظت كل حاجة حلوة كانت بينّا. الحب إللي كان جوايا ليك حاولت أدوّر عليه. بس خلاص.. مابقتش لاقياه!
دفعته كلماتها إلى حافة هاوية من الجنون حقًا ..
طوّق خصرها بذراعه، وقبض على فكّها بقسوةٍ متمتمًا من تحت أنفاسه الحارقة:
-مابقتيش لاقياه هه؟ الحب إللي فتحتّي عينك عليه. إللي كبرتي في حضنه لحد ما قبلتي بإرادتك تكوني ملكه.. دلوقتي مابقاش موجود؟ طيب ما تيجي ندوّر عليه سوا يا ليلى.. تعالي أما أساعدك عشان تلاقيه!!
فهمت نيّته قبل أن يهمّ بها ..
لتحتج صارخة ومحاولة الفكاك منه:
-أنا حلفت.. مش هاتلمسني تاني
انت سامع؟ مش هاتلمس شعرة مني!!!
باءت كل محاولاتها في الفرار بالفشل المزري، بينما يضحك باقتضابٍ متهكم وهو يقول:
-مش هالمس شعرة منك!
انتي جسمك كله بين إيديا يا ليلى.. انتي أصلًا كلّك بتاعتي
ماتقدريش تنكري ده مهما عملتي ..
أفلتها للحظاتٍ كي يتمكن من نزع سترته، لكنه وقت كان كافيًا ليتيح لها الهرب من بين يديه والركض نحو باب الغرفة!
شهقت بهلعٍ حين وجدته يستبقها إليه ويعترض طريقها، جمدت بمكانها، بينما يغلق الباب بقدمه وينظر إليها بتصميمٍ وهو يحلّ أزرار قميصه قائلًا بخفوتس مخيف:
-ماتبصليش كده وتحسسيني إنها أول مرة أو إني بجبرك.. إنتي مراتي.
هزّت رأسها بقوة وبدأت بالتراجع للوراء تزامنًا مع تقدّمه نحوها ...
-مش هاتاخد إللي انت عايزه بالسهولة دي!
لاحت على ثغره ابتسامة شيطانية وهو يرد عليها:
-ومين قال إني بحب الحاجة السهلة؟ انتي طول عمرك كنتي حلم صعب أوصله. وده إللي علّقني بيكي أكتر. ده إللي خلّاني مجنون بحبك أكتر!
وكدأبه لا يمنحها فرصة لتتوقع خطوته التالية، مد ذراعه في لمح البصر لافًا إيّاه حولها، جذبها إليه بقوة لتصطدم بصدره الصلب ..
يتشنّج جسدها بين يديه مبديًا استنفاره، الأمر الذي يجعله يستشيط غضبًا بشكلٍ أكثر تفاقمًا، فيهمس لها بخشونةٍ:
-أنا عارف علاجك. أنا عارف إيه إللي واجعك للدرجة دي.. ابننا إللي راح
هاعوّضك عنه. هاخليكي أم تاني يا ليلى.. ساعتها بس هاترجعي لي زي ما كنتي!!
وبدون كلمة أخرى، رفعها عن الأرض ورماها فوق السرير جاثمًا فوقها، ومكبلًا حركتها الركيكة بجسده الضخم ..
مرّت أمام عينيه وهو ينظر إلى وجهها صور عديدة لها عبر مراحل نموّها، رقتها، صفاءها، براءتها التي صانها طوال عمرها معه، والتي انتزعها منها أيضًا عندما أحس بتهديد فقدانها ..
غمغم لها بينما يقيّد معصميها في قبضة، وبقبضته الأخرى يزيل ما يعوقه عنها من ملابس:
-مش متخيّل انهم كانوا شايفينك مجرد بنت عمي.. شايفنّي الأخ الكبير ليكي. وعمي نفسه إللي طول الوقت كان يوصيني عليكي
ويقولّي دي أختي. انتي عمرك ما كنتي بنت عمي. عمرك ما كنتي أختي.. انتي حبيبتي.. انتي الهوا إللي بتنفسه يا ليلى ..
سالت دموعها عبر عيناها المغمضتين، تأثرًا بكلماته التي تحاول بيأسٍ اتسمالتها، قبل لجوئه إلى انتزاع عواطفها بطريقةٍ ربما لن تجدي ما يرجوه من نتائج ..
أمرها بصرامةٍ: بصيلي يا ليلى.. بقولك بصيلي!!
لم تستطع إلا أن تذعن له، باعدت بين أجفانها وتطلّعت إليه، إلى عينيه الخضراوين بمسحة عنفٍ، إلا إنها تمكنت من رؤية العشق يطل عميقًا من نظراته الجائعة إليها ..
لفحتها أنفاسه الدافئة بينما يدنو منها مرددًا بهمسٍ حميمي:
-آن الأوان تكبري.. زي ما جسمك كبر.. عقلك لازم يكبر
لازم تفهمي إنك تابعة ليا أنا.. أنا حبيبك.. أنا نديم يا ليلى!
يذكرها بما تعرفه ويقرّ بقلبها فعلًا، أنه حبيبها، أنها ومع الأسف لا يمكن أن تتوقف عن حبّه، وأن أيّ كلمات تحاول بها إنكار ذلك الحب ما هي إلا محض كذب ..
تكذب عليه لتتركه، لتهجره، لتعاقبه على طعنه لقلبها ..
إلا إنها ومن جديد ..
تهوى في شِباكه بكامل إرادتها ...
__________________________________________________
انضم "زين نصر الدين" إلى والد زوجته على الفور، حيث أمر باستقباله في الصالون الرئيسي، وحُسن مضايفته ريثما يحضر إليه ..
يجلس "عاصم البدري" هناك أمامه فنجانًا من القهوة لم يُمس، بدا عليه الانفعال المكبوت، بينما أقبل "زين" عليه هاتفًا بحفاوةٍ كبيرة:
-أهلًا أهلًا معالي السفير.. البيت نوّر والله
مش كنت تقول إنك ناوي تزورنا؟ ده أنا كنت جاي لسيادتك. وبعدين ماينفعش تخرج منغيري يافندم!
مد يده ليصافحه، إلا إن "عاصم" رفض مصافحته وقام واقفًا قبالته وهو يقول بصلابةٍ:
-زيـن.. أنا عايزك تفهمني ودلوقتي حالًا
إيه إللي انت عايزه من بنتي؟ إيه إللي بيحصل من ورا ضهري يا زين؟؟
تلاشت ابتسامة "زين" وهو يرمقه بتعبيرٍ غامض، ثم قال بصوتٍ فاتر:
-مافيش أي حاجة بتحصل من ورا ضهرك يا عاصم بيه. أنا كنت صريح معاك من البداية. وأظن حضرتك عارفني وقبل ما توافق على جوازي من بنتك كنت عارف كويس بتجوزها لمين.
عاصم بحدة: سيبك من الكلام ده كله.. أنا دلوقتي مش جاي أكشف وأتحرّى عنك
أنا جاي أتأكد إذا كانت بنتي في المكان الصح ولا لأ. مع الشخص الصح ولا لأ!!
أومأ "زين" له وقال بهدوء:
-طيب ممكن أعرف إيه إللي خلّى حضرتك تفكر وتتصرف كده دلوقتي بالذات؟
حكى له "عاصم" ما دار بينه وبين ابنه "عمر" قبل مجيئه ..
كما توقّع "زين" تمامًا، صار الذي حسبه بالحرف الواحد، ما عدا تعمّد شقيق زوجته إخفاء دافعه الأساسي للزواج من "ريهام البدري" ...
-اسمحلي يافندم حضرتك من الأول فاهم موقف ابنك من جوازي أنا وريهام. سيادتك قولتلي بنفسك إنه مستحيل يوافق عشان كده كتبنا الكتاب في السر منغير ما يعرف.
-انت عايز تقول إيه؟
تنهد "زين" بعمقٍ ودعاه للجلوس بلطفٍ:
-ممكن تقعد لو سمحت.. أنا هافهمك كل حاجة. بس اتفضل ماينفعش نتكلم على الواقف كده.
يعاود "عاصم" الجلوس على مضضٍ، ويجلس "زين" قبالته مستطردًا:
-شوف يا معالي السفير. أنا ماخترتش أخدم مع حضرتك. انت عارف كويس إني تم اختياري مش أنا إللي كنت مخطط أجي لحد عندك.. بناءً على كده قابلت بنتك.. أعجبت بيها. ومش هابالغ لو قلت لك حبيتها. لأنها فعلًا تتحب. الفترة القصيرة إللي قضتها مع سيادتك خلتني أقرب منها في نفس الوقت. أتعود عليها. وبقى من الصعب إني أتخيّل حياتي منغيرها. ريهام بنتك حتة جوهرة. ومش أي حد يقدرها كويس.. أنا محظوظ بيها جدًا. ومقدرش غير إني أشيلها في عنيا وأعاملها بكل حب وتقدير لحد أخر يوم في عمري.
لم يتخلّى "عاصم" عن نزعة التحفظ العصبيّ في صوته وهو يُعيد سؤاله ثانيةً:
-انت بردو ماجاوبتش على سؤالي.. عمر ابني كان يقصد إيه لما قالّي إنك بتستخدم بنتي كورقة ضغط؟؟!
زين بحزمٍ: يا باشا مافيش الكلام ده. مين ده إللي يتجرأ أصلًا ويفكر يعمل حاجة زي دي مع ريهام؟
أنا مستعد أفديها بروحي. أنا هافهم معاليك.. الحكاية كلها جت صدفة من أول ما اتعيّنت حرس حضرتك لحد ما امبارح بس
لما ابنك جه لحد هنا وعرفت منه إن ابن خالته إللي اسمه نديم الراعي ده يبقى هو نفسه الراجل إللي بينه وبين عيلتي مشاكل
وعلطول افتكر اني اتجوزت ريهام لمجرد إني ابتزه.. يعني معقول ده كلام حد يصدقه؟
عبس "عاصم" متسائلًا:
-إيه إللي بين عيلتك وبين نديم مش فاهم؟!
-القصة باختصار ان عمتي الله يرحمها اتوفت وسابت بنت. البنت دي لظروف ومشاكل عائلية جدي قرر يتبرى منها وماتترباش في العيلة. ف أخدها مهران الراعي عم نديم وإللي بالمناسبة كان خاطب عمتي زمان بس الخطوبة اتفسخت.. المهم من فترة قصيرة جدي حن لحفيدته وراح لمهران يطالب بيها لكن أول حد رفض كان نديم ده. وعشان يجبر جدي إنه يتخلّى عن حفيدته للمرة التانية قام اتجوزها عرفي وحملت منه وأجهضت وأحداث كتير حصلت أنا ماكنش ليا يد فيها نهائي. لما ابن حضرتك بلغ نديم بخبر جوازي من ريهام عرفني وعرف إني من عيلة نصر الدين ف حب يفتري عليا ويألف قصص.. بس يافندم. هي دي كل الحكاية.
-يعني هو فعلًا بيفتري عليك يا زين؟ .. سأله "عاصم" بنظرة مشككة
جاوبه "زين" بثقة:
-أكيد يا باشا.. والدليل إني اتجوزت ريهام على سنة الله وسوله. لو كنت بفكر زي ما قال كنت لعبت بيها وعملت حاجات ماتخطرش على باله
لكن أنا صادق معاك. ومن أول لحظة.. أنا حبيت ريهام وماعنديش أي نيّة آذيها أو أجرحها. واتجوزتها قبل ما اعرف حتى ان نديم يقرب لها بأي صفة.
-وبعد ما عرفت إنه يقرب لها.. إنه يبقى ابن خالتها وإنها بتعزّه ومتعودة على وجوده في حياتها. هاتعمل إيه؟
ردّ بصرامة: بعد ما عرفت إنه يقرب لها مافيش أي حاجة جوايا اتغيّرت ناحيتها. حبي ليها هايفضل ثابت.. لكن بالنسبة لعلاقتها بيه. أعتقد إنه مش هايكون بالأهمية دي عندها ورايح.. أنا هعرف إزاي أخليها تتعود على عدم وجوده. لأن حضرتك عارف. النقطة دي حسّاسة عندنا. والمشكلة إللي بينه وبين عيلتي مالهاش حل غير إن بنت عمتي ترجع والعلاقات بينّا تتقطع نهائي.
صمت "عاصم" ممعنًا التفكير بكلمات زوج ابنته ..
بينما ظل "زين" هادئًا واثقًا كعادته، ليميل "عاصم" أخيرًا إلى الاقتناع بتصريحاته، يتنهد بثقلٍ، ثم يقول بجدية:
-أسمع يا زين.. أنا لا يهمني نديم ولا حتى عمر. عمر راجل ويقدر يقود حياته كويس أوي
أنا كل إللي يهمني بنتي. ريهام.. انت وعدتني إنك هاتصونها وتحافظ عليها. لو حصل عكس كده بأي شكل من الأشكال. أنا إللي بوعدك إنك هاتدفع التمن غالي جدًا.
زين بثباتٍ: أطمن يا عاصم بيه.. هدفنا مشترك. زي ما انت أولويتك ريهام أنا كمان بقت هي أهم حاجة في حياتي
وبكرر وعدي ليك.. مافيش أي حاجة ممكن تضايقها أو تئذيها طول ما أنا عايش.
نظر له "عاصم" طويلًا، ثم هز رأسه مرارًا وهو يسترخي في الكرسي الوثير، والآن فقط، مد يده رافعًا فنجان القهوة ليحتسيه في هدوءٍ ..
اهتز هاتف "زين" بجيبه في هذه اللحظة، ليعتذر من "عاصم" ويقوم مبتعدًا قليلًا، ثم يرد بحذرٍ:
-آلو!
أتاه صوت "عمر" صارمًا:
-أنا عرفت مكان ليلى.. قابلني بعد نص ساعة في "......." هاخدك ونروح عندهم
بس ماتنساش. بمجرد ما ترجع تسلّمني أختي وتطلّقها.
ابتسم "زين" بخبثٍ خافت وقال:
-إتفقنا!...
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم منة عصام
_ أسكن قلبي _ :
داعبت ابتسامةٌ مغتبطة ثغره الدقيق وهو يبتعد عنها أخيرًا على مهلٍ، كأن بينهما خيطًا غير مرئيٍّ لا يزال يشدّه إليها، عيناه تتأملانها بعمقٍٍ، في امتزاجٍ من الحزن والدفء، والدهشة التي لا تنقضي كلّما رآها تذوب ثم تتجمّد من جديد ..
ضحك بخفوتٍ وهو يهزّ رأسه، مزيجٌ من الدهشة واليأس من طبعها العنيد الذي يعصف به، ثم يتركه في منتصف الإعصار ..
نهض من الفراش، يجرّ سرواله القصير على خصره، مرّ أمام المرآة فاستوقفته آثارها عليه ..
خريطةٌ مرسومة بأظافرها الحادّة، تمتد على كتفيه وصدره وحتّى عنقه، وكأنها تركت توقيعها عليه عنوةً ..
-سعرانة! .. تمتم "نديم" مبتسمًا بحبورٍ
توجّه نحو البرّاد الصغير في زاوية الغرفة، أخرج قنينة العصير الذي تفضّله، وعاد إليها بخطواتٍ بطيئةٍ ..
اضطجع بجوارها ملامسًا كتفها برقة، لتنتفض له رفضًا، فيقبض على ذراعها ضاربًا بتمردها الأخرق عرض الحائط ..
أدارها نحوه بحزمٍ، لتغرق نظراتها في عينيه، كان في صمتهما عتابٌ حنون، وفي عينيه بريقٌ متناقض، نصفه ندم، ونصفه وجعٌ خفيّ ..
رقت نظرته إليها وهو يدمدم بصوتٍ خفيض كأنه يداعبها:
-ينفع إللي عملتيه فيا ده؟ انتي قطّعتي جسمي بضوافرك.. بصي!
أخذ يدها ووضعها فوق صدره المخدوش، دون أن يغفل نظراتها المتفحصة له، أحسّت بحرارة جلده، بسخونة ما زالت عالقة فيه ..
تجمّدت عقلها لبرهةٍ، لتستعيد ذكريات الساعة الماضية معه، تحديدًا تلك اللحظة التي انهارت فيها كل دفاعاتها أمامه، كيف استطاع ببضع كلماتٍ وهمساتٍ أن يُسقط أسوارها كلها، أن يتمكن منها بسهولة ..
بمنتهى السهولة التي صدمتها، وانتزعت منها صرخات الاستنكار الممزوجة بالنشوة، لم تتخيّل أن ينجح في الإيقاع بها على هذا النحو المخزي!!!
يا لسهولة السقوط!
وكأنها لم تعش كل ذلك الوجع بسببه ..
إذلالها، جنينها الذي فقدته، سطوته التي كانت تسحقها ثم يعيدها إليه في لحظة ضعفٍ واحدة، فكيف خانها قلبها من جديد؟
لكنها لم تكن خيانة بقدر ما كانت انكسارًا لكبريائها، لحظاتٍ غاب عنها الوعي مأخوذة بدفء أحضانه ودفقات حنانه التي لطالما تاقت إليها، وكانت تستيقظ من حالتها تلك من حينٍ لآخر لتتحوّل بين ذراعيه إلى قطةً هائجةً تنهش جسده بأظافرها، كأنها تريد أن تمحو عنه أثرها، أو ربما تمحو عن نفسها ذنب الضعف ..
ومع ذلك لم يكن يشعر بالألم، كان مأخوذًا بها إلى حدٍّ أنساه حتى جراحه، يبتسم كالمسحور، كأن كل ما فعله بها وكل ما فعلته به لم يعد يعني شيئًا أمام حضورها المتّقد ..
عادت "ليلى" إلى واقعها من جديد متطلّعة إليه، إلتقت نظراتها بنظراته، فوجدته يبتسم تلك الابتسامة التي تذيب ما تبقّى من ثباتها، وتهوي بها من جديد، إلى الهاوية ذاتها ..
أخذ يداعب كتفها وعنها بأنامله وهو يهمس لها مقربًا وجهه من وجهها:
-عرفتي إنك مالكيش غيري؟ إنك ماتقدريش تبعدي عن حضني؟ امتى تبطلي عناد يا ليلى؟
أنا وانتي مالناش غير بعض يا حبيبتي. أنا كمان زيك لو جنبي مليون إنسان بكون وحيد.. انتي بس أهلي
انتي حبيبتي وكل حاجة في حياتي..عايزاني أثبت لك تاني إزاي إنك ماينفعش. مستحيل تبعدي عني؟!
أغرورقت عيناها بالدموع بينما نظراتها معلّقة بعينيه، لم يرف لأحدهما جفن حتى وشفاههما تتلاقى في قبلةٍ طويلة، متعمّقة ..
انفجرت مشاعر "ليلى" بغتةً في صورة بكاءٍ مرير، دون أن يقطع "نديم" قبلته طفق يهدهدها ويضمّها بحنانٍ جارفٍ، ثم ابتعد مقدار سنتيمتراتٍ قليلة حتى يتيح لها التنفس، فشهقت كما لو إنها خرجت من الماء ..
يقبّل "نديم" عينيها الدامعتين برقة وهو يعتذر منها على أيّ شيء وكل شيء، فبقيت ساكنة تتلقّى مشاعره في هدوءٍ وآناة، إلى أن عاد ليحدق بها باستعطافٍ مرةً أخرى مرددًا بهمسٍ:
-مش هاتسبيني يا ليلى صح؟ انتي بتحبيني. أنا عارف!
تحدثت أخيرًا قائلة بصوتٍ مرتعش مليئٌ بالوجع:
-أيوة.. أنا بحبك!
أطربه اعترافها ..
رغم علمه وثقته التامّة من هذا، لكن أن تقولها في ظروفٍ كهذه، أن يسمعها ويحسّها حقًا، فهو كل ما يريده ويرضيه ...
-أنا ماحبتش غيرك! .. قالها ماسحًا على شعرها بحنوٍ:
-كل حاجة عملتها بس عشان تفضلي جنبي. تحت عنيا.. عشان أبعد عنك أي حاجة ممكن تئذيكي أو توجعك.. سامحيني لو مقدرتش أحميكي مرة... أرجوكي سامحيني.. أوعدك إنها إستحالة تتكرر.. طول ما أنا عايش محدش أبدًا هايقرب لك أو ياخدك مني يا ليلى!
______________________________________________________________
إلتقى "مهران الراعي" بـ "عمر البدري" ورفيقه هنا.. في منزل آل"الراعي" المملوك لابن أخيه ..
"نديم الراعي" ..
صافح "مهران" كلا الرجلين، وأشار لهما بالجلوس قائلًا:
-اتفضلوا اقعدوا.. أهلًا وسهلًا.
جلس ثلاثتهم، وبدأ "عمر" الحديث بنزقٍ واضح:
-أنكل مهران. أقدم لك الرائد زين نصر الدين.
رد "مهران" بهدوءٍ وهو يلقي نظرة فاترة على الأخير:
-عارفه يا عمر.. عارفه
سيادة الرائد زارنا هنا قبل كده. خير يابني في حاجة حصلت؟
أومأ له "عمر" وقال بجدية:
-في الأول يا أنكل أنا جيت لحد عندك لأني مش حابب أواجه نديم في الموقف ده بالذات. لأول مرة هايحصل بينّا الصدام ده
وتقريبًا خلاص.. علاقتي بنديم ادّمرت للأبد.
مهران باهتمام: يابني وضّح كلامك. إيه إللي حصل طيب؟!
جاوبه "عمر" وهو يشير نحو "زين":
-الباشا ده اتجوز أختي. أختي ريهام حضرتك عارفها.. اتجوزها بقى عشان يساوم نديم عليها
يعني من الآخر ليلى قصاد ريهام. وانت عارف حالة أختي يا أنكل. ريهام مالهاش ذنب في لعبة زي دي
والصح إن ليلى ترجع لأهلها أصلًا. أنا مش هاسيب أختي تقع ضحية لأنانية نديم وغروره!!
أمعن "مهران" التفكير بكلماته، ثم قال حائرًا وصوته لا يخلو من وهن الذنب والحزن على ابنته التي ربّاها:
-طيب انت جايلي ليه يا عمر؟ أنا ماعرفتش أحمي بنتي للأسف. لا من نديم في الأول ولا من أهلها إللي بتتكلم عنهم. أنا في إيدي إيه أعمله يابني؟
عمر بخشونة: في إيدك تقف جنب نديم. لأن أنا شخصيًا هقف قصاده.. أنا عارف مكانه هو وليلى وعرفته لسيادة الرائد.
اتسعت عينا "مهران" وهو يردد بتوترٍ:
-بس.. بس ليلى متجوزة نديم
آه مش جواز شرعي. لكن جوازهم متوّثق محدش يقدر ياخدها منه!
تدخل "زين" في هذه اللحظة قائلًا بصرامةٍ:
-مع احترامي لحضرتك يا مهران بيه. مافيش حد بقى له سلطة على ليلى من دلوقتي
لا انت ولا حتى نديم ده.. الجواز إللي بتتكلم عنه ده ممكن بسهولة نطعن فيه
بالإضافة إنه محتجزها بالإكراه ومحدش فيكوا حضر جلسة المحكمة الاسبوع إللي فات وإللي بالمناسبة أثبتنا فيها إن ليلى بنت عمتي دهب وبنت دياب نصر الدين. من أهم رجالة عيلتنا وفي مقام عمي بردو.
انسحب الدم من وجه "مهران" لسماع تلك الأخبار المروّعة، وسأله بصوتٍ مكتوم:
-عرفتوا.. ان ليلى بنت دياب؟!
تنهد "زين" قائلًا باقتضابٍ:
-مش موضوعنا ومش مهم المهم إننا خلاص معانا إللي يثبت نسبها لعيلة نصر الدين. كده كده نقدر نرجعها بأي شكل. لكن عمي دياب قرر إننا نمشي قانوني. أنا كلمته قبل ما أجي لحضرتك وقالّي هانستنى لبكرة لحد ما قرار النيابة يخرج ونروح نجيب ليلى من المكان إللي قالّنا عليه الأستاذ عمر. حضرتك بقى لو عاوز تقف جنب ابن أخوك وتعقّله هاتيجي معانا عشان ناخدها بهدوء منغير شوشرة.. قلت إيه يا مهران بيه؟
نظر له "مهران" ولم يتكلم.. انتابته حالة خرس مؤقت ..
فكل ما سمعه الآن لا يمكن لعقله أن يتقبّله بسهولة!!!
_________________________________________________________
إنه رجلٌ (صعيدي) كما يُطلق عليه ..
كلمته عقد، لا يمكنه التراجع عنها مهما كلّفه الأمر، فإذا وعد فإنه يفي بوعده ..
غادر "زين نصر الدين" منزل آل"الراعي" مصطحبًا معه "عمر البدري" إلى منزل عائلته ..
لكنه عرج أولًا على فيلا السفير ...
-إيه إللي جابنا هنا؟ .. سأله "عمر" بحدة
نظر له "زين" مجيبًا بهدوء:
-أصل ريري موصياني أجيب لها ميمي وأنا راجع. مش هاغيب جوا خمس دقايق وراجع.
وجاء لينزل، قبض "عمر" على رسغه بقوة مستوقفًا بغضبٍ مكبوت:
-وإيه لازمتها ميمي دلوقتي؟ لما ريهام راجعة معايا!!
تنهد "زين" بصبرٍ وقال وهو يسحب ذراعه من قبضته بحزمٍ:
-لازمتها إنها هاتكون مجرد عامل مساعد.. انت عارف هي متعلّقة بكلبتها أد إيه
ممكن لو شافتها معاك تتشجع. ترضى بسهولة تمشي معاك.. صح ولا إيه؟
تفكر "عمر" في كلامه للحظاتٍ، وبدا عليه الاقتناع، فابتسم "زين" بخبثٍ دفين ونزل من سيارته ..
عاد بعد ثلاث دقائق مجتذبًا الكلبة (الجولدن) من خلال طوق عنقها الأنيق، فتح لها باب السيارة الخلفي وعاد ليستقلّ خلف المقود، ثم انطلق تجاه قصر آل"نصر الدين" ..
كانت ساعة الغدا، عندما ولج برفقته "عمر".. إلتقى أفراد عائلته بحجرة الطعام القريبة ..
شملت نظرات الجميع الضيف الغريب، ليعرفه "زين" ملاعبًا الكلبة التي تعرفه وتحاول التقرّب إليه بموّدة:
-مساء الخير يا جدي.. أعرفك بعمر البدري. أخو ريهام مراتي.
حدجه "عمر" بنظرة محتقنة، تجاهلها "زين" بينما يرحب "رياض" بضيفه:
-عارفه يا ولدي. ده لسا كان عندنا من مافيش.. اتفضل يا أستاذ عمر
أجبر الزاد معانا يلا. جوم يا طاهر خلي أخو العروسة يجعد.
احتج "عمر" بصلابةٍ:
-لأ معلش يا حج. أعذرني مش هقدر.. أنا مستعجل أصلي.
ونظر إلى "زين" الذي بدوره تطلّع إلى إحدى المستخدمات هاتفًا:
-عطيات.. من فضلك أطلعي قولي لمدام ريهام إني وصلت ومعايا ميمي
قوليلها تنزل حالًا. أنا مستنيها.
أطاعته الأخيرة وذهبت في الحال ..
بينما يراقب أفراد العائلة ما يجري وقد توقفوا عن تناول الطعام ..
وما هي إلا دقائق قليلة وهبطت "ريهام" متقافزة كطفلةٍ صغيرة، أول ما رأت عيناها كان "زين".. ثم كلبتها ..
ركضت صوبهما صارخة بمرحٍ:
-زيــــــن جـاب ميمــــــــــــــي!!!
اصطدمت به بقوة كبيرة كانت لتوقع أحدٍ غيره، لكنه لم يتزحزح إنشًا واحدًا، بينما تتعلّق الفتاة بأحضانه، تعانقه وتقبّل خدّه مغمغمة:
-أنا بحبكككككك أووووووي.. مش اتأخرت عليا المرة دي
جبت لي ميمي.. ريري بتحب زيــن!!!
ابتسم لها "زين" رابتًا على كتفها وهو يقول بلطفٍ:
-زين إللي بيحب ريري والله. أنا بحبك أكتر يا روحي.. حتى شوفي جبت لك مين كمان!
وأشار نحو شقيقها ..
انتبهت "ريهام" لوجود "عمر" ما إن استدارت، شهقت بهلعٍ، تتذكر موقفه العدائي تجاه "زين" وكيف أنه كان يصرّ على أخذها عنوةً منه ..
تصرفاته مؤخرًا كانت كفيلة لدفعها إلى بناء سدّ من الرفض والصد بداخلها لأيّ محاولة منه للاقتراب، لأن عقلها منذ ذاك الحين بات يترجم قربه بأنه محض تهديد لوجودها بجوار "زين".. الشخص الذي تفضّله وتأمن وتأنس بصحبته ...
-ريري! .. نطق "عمر" برفقٍ
يحاول رسم ابتسامة بسيطة على شفتيه، بدأ يتقرّب إليها، لتبتعد تلقائيًا ممسكة بذراع "زين".. اختبأت خلفه مطلّة برأسها فقط لتنظر إلى أخيها ..
بينما بقف "عمر" على بُعد خطوتين منها مرددًا بثباتٍ:
-ريهام.. أنا جاي أخدك ونمشي يا حبيبتي
هانرجع الفندق. أنا وانتي وميمي.
هزّت "ريهام" رأسها رفضًا على الفور، فتمالك "عمر" أعصابه مستطردًا بهدوءٍ متكلّف يرغّبها:
-انتي عارفة؟ أنا محضر لك مفاجأة حلوة اوي هناك.. جبت لك الاسكيت إللي كان نفسك فيها
وهانسافر باليخت بتاعي. هاوديكي كل الأماكن إللي قولتيلي نفسك تروحيها. هانتفسح سوا كل يوم. وهاجيب لك أي حاجة تطلبيها يا حبيبتي.
يخرج صوت "ريهام" خافتًا بلهجة حسمٍ:
-مش عايزة.. ريري مش عايزة تروح مع عمر
ريري بتحب زين. مش هاتسيبه.. ريري مش عايزة كل ده
ريري عايزة زين وبـس!
في هذه اللحظة فقد "عمر" السيطرة على نفسه ..
لينفجر بعصبيةٍ وهو يمد ذراعه نحوها، يجتذبها بعنفٍ صائحًا:
-انتي مش هاتقفي قصادي وتقوليلي أنا الكلام ده. انتي سامعة؟
هاتيجي معايا. وغصبٍ عنك!!!
بكت "ريهام" صارخة وهي تحاول فك قبضته عن يدها:
-للللللللللللأ.. مش هاتيجي معاك ريري
مش عايزة تيجي معاااااك. أنا عايزة زيـــــن ..
عمر بغضب: مافيش زين. انتي فاهمة؟
من اللحظة دي تنسيه. انتي هاتيجي معايا حالًا.. يلاااااا.
وشدّها بقوةٍ آلمتها، بينما يزداد صراخها حدة وتنهمر مدامعها بشدة وهي تدير عنقها تستجير به:
-زيــــــــــــن.. إلحقني يا زيـــــــــــن عـاوز ياخـدنـي.. يا زيـــــــــــــــــــــــــن ...
جمد "عمر" في هذه اللحظة، وساد الصمت المطبق إلا من عواء الكلبة التي توترت جرّاء ما يجري لصديقتها البشرية ..
كان "زين" قد اعترض طريق الأخير قابضًا على يده التي تمسك بشقيقته، رفع "عمر" وجهه ناظرًا إليه بعداءٍ، ليقول "زين" بهدوءٍ صارم:
-سيبها يا أستاذ عمر.. من فضلك!
عمر باستنكارٍ: أفندم؟
زين بحزمٍ: أنا قلت لك هاوفي بوعدي وأسيبها تمشي معاك.. وده حصل وأنا مامنعتهاش
لكن دلوقتي هي إللي مش حابة تروح. واختارتني.. أنا آسف. مش هقدر أسيبك تاخدها.
احتدمت نظرات "عمر" وهو يقول من بين أسنانه:
-انت ادتني كلمة.. بترجع فيها؟
هز "زين" رأسه وقال ببرودٍ:
-كلمتي سيف.. لكن لحد ريهام أنا شخصيًا بتنازل قصادها
لو هي وافقت تمشي معاك اتفضل خدها. هاتسألها دلوقتي لأخر مرة. لو قالت لأ.. حضرتك هاتمشي وهاتسيبها معايا.
عبس "عمر" بشدة غير مصدقًا، نقل بصره إلى أخته التي لا تزال تبكي محاولة الفكاك منه، ارتبك الآن وهو يدرك ما على وشك أن يحدث ..
وقال محاولًا للمرة الأخيرة بلهجةٍ تفيض رجاءً:
-ريهام.. تعالي معايا يا حبيبتي... أرجوكي!
هزّت "ريهام" رأسها باصرارٍ مغمغمة من بين دموعها:
-للللللللأ.. ريري عايزة زين!!!
توقف "عمر" عن التنفس للحظاتٍ.. ثم أفلتها بغتةً وهو يشهق مصعوقًا من الفكرة ..
من الخاطر الذي راوده ..
نفس المشهد.. نفس الحالة تتكرر ..
رؤى والدته تتجسّد مجددًا أمام عينيه في شخص شقيقته.. "ريهام".. نسخة "أمل".. "ريهام"... سترث ذات المصير لا محالة!!!
إلتجأت "ريهام" بأحضان "زين" على الفور، بينما يضمها إليه ممسدًا على رأسها ليطمئنها دون أن يحيد بنظره على أخيها ..
يشاهد "عمر" ما يحدث مذهولًا، يرفع عينيه عنها لينظر إلى الأخير قائلًا بصوتٍ جاف:
-خليك فاكر اللحظة دي كويس.. ذنبها هايبقى رقبتك انت. سامعني؟ انت!!
وألقى عليها نظرة أخيرة آسفة، وكأنها الوداع، ثم استسلم أخيرًا ..
وغادر ..
أحاطها "زين" بذراعيه أشدّ وهو لا ينفك يفكر بكلمات شقيقها.. لا ينكر احساسه بالذنب.. لكنه في نفس الوقت لا يستطع التخلّي عن الوعد الذي قطعه لأبيها ..
ما دامت الفتاة تريده.. فستكون معه.. ولن يغيّر أحد ذلك!.....
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم منة عصام
_ العاصفة _ :
-تقدر تشتري أي حاجة في الدنيا بالفلوس.. حتى الحب أحيانًا. لكن إلا حاجة واحدة بس مالهاش تمن.. ولا حد يقدر يكتسبها... الهيبة!
إستدار "دياب نصر الدين" بعد إتمام جملته، ليواجه "زين" بنظرة ملؤها الثقة، ثم قال بثباتٍ وهو يضع فنجان قهوته فوق طاولة جانبية:
-الهيبة يا زين. مش حاجة الإنسان ممكن يتعلّمها.. دي غريزة بتتولد معاه
وبتكبر كل ما بيكبر. الهيبة إللي بتجبر أعلى وأكبر الناس يلتفتوا ليك. يخضعوا
الهيبة مفعولها أقوى من الحب.. لأنها لو موجودة. السيطرة من أول نظرة مضمونة.
يتطلّع "زين" إليه ممعنًا التفكير بكلماته، لا يزال جالسًا أمامه في استرخاءً، واضعًا ساق فوق الأخرى، مسندًا ذقنه إلى قبضته القوية ..
تنهد بعمقٍ، ثم قال بصوته الأجش:
-يعني في رأيك نديم الراعي قدر يسيطر على ليلى بقوة شخصيته. بالهيبة زي ما بتقول.. ولا إن في بينهم حب؟
أمال "دياب" رأسه مفكرًا للحظة وقال:
-نديم الراعي مايقلّش قوى عن أي حد فينا.. أنا أعرفه كويس وأعرف عيلته. وكل إللي قلتهولك دلوقتي ينطبق عليه مية في المية.
-ماجاوبتش على سؤالي يا دياب!
رمقه "دياب" بنظرة صمت مطوّلة، ثم تقدّم خطوتين ليجلس على مقربة منه، وقال باسلوبه الفاتر الشهير:
-بص يا زين. نديم راجل ذكي جدًا. وقوي. وعنده نفوذ
والحاجات دي لما تتجمع في إنسان بيعملوا منه كيان ناري
لو قرّبت منه تتحرّق أكيد.. إللي بيربط بين ليلى ونديم في المقام الأول سلطته عليها
زي ما قلت لك نديم نفوذه واسع ومغطي كل إللي حواليه حتى عيلته
مهران الراعي مايملكش شيء ومايقدرش يتحكم في أي حاجة بدون ما يرجع لابن أخوه
إللي درسته وفهمته كويس اليومين إللي فاتوا إنه كان قايم معاها بدور الولي. أو المسؤول
ليلى اتربت في بيته. تحت جناحه وسيطرته طول عمرها
كل صفة فيه وأبرزهم الهيبة إللي في دمه وطبعه خلتها إجباري تخضع له.. وبعدين منغير ما تحس وطبيعي وقعت في حبه.
زين باستنكارٍ حاد:
-لدرجة إنها تتعمي عن الصح والغلط؟
لاحت على ثغر الأخير شبه ابتسامة تهكمية وهو يرد عليه:
-مش هاتفهم سطوة الهيبة إللي نتيجتها الطبيعية حب طول ما قلبك متحصن بسور نفوذك وقوتك يا زين.. لما يجي يوم وتقابل حد يقدر يلاقي ثغرة فيك. ساعتها بس هاتفهم.
انفعل "زين" بغتةً وقد ثار اعتراضًا:
-أفهم إيه يا دياب؟؟!!
دياب ببرودٍ شديد نقيض غضب الأخير المستعر:
-تفهم ان الحب ضعف.. أكبر نقطة ضعف للإنسان وإللي لو لاقيتها ممكن تدمره حتى لو كان من جبل... يتهدّ!
زين بسخرية لاذعة:
-بتتكلم كأنك مجرّب!
ده انت قدوتي في الثبات الانفعالي والبرود يا عمي
أنا عمري ما شوفتك راجل عاطفي.
اكتفى "دياب" بابتسامةٍ باهتة ولم يرد عليه ..
ليظهر بعد ثوانٍ فردٌ آخر من العائلة، الابن الوحيد لـ"غنيمة نصر الدين".. اقتحم المجلس الصغير الآن ...
-عمـي ديــاب!!!
_________________________________________________________________________
في ذات المقهى التي إلتقيا بها قبل بضعة أيام ...
جلس "عمر البدري" قبالة "راندا منصور".. كلاهما على صمتهما منذ لحظة اللقاء ..
يدخن هو سيجارته موزعًا نظراته في كل مكانٍ إلا صوبها، وتظل هي في ترقبٍ مكتفية بملاحظة ردود أفعاله الصامتة.. إلى أن أستقر بصره عليها أخيرًا ..
حبس أنفاسه لا شعوريًا كدأبه كلّما وقعت عيناه عليها فجأةً، كالعادة تأسره تفاصيلها، جاذبية ملامحها الدقيقة، عيناها البنيتان كلون السائل الشهيّ بفنجان قهوته، شعرها الداكن الأشبه بنسيجٍ من الحرير الفاخر ..
ورائحتها ..
رائحتها التي لا ينساها مهما مرّ الزمن، فهي مزيجٌ فريد بين الأنوثة الناعمة والطبيعة الصافية، تركيبة يظنّها شذى من عبير الياسمين، تتغلغل قليلًا ليحسبها أزهار الكرز، ثم يستقر نهائيًا على قاعدتها المؤلفة من نسيم خشب العود والمِسك، فيقرر أخيرًا بأنها خليطٌ من جميع ما سبق ..
إنه العطر الذي تجرأ ذات مرة وسألها عن أسمه، فأجابته بابتسامتها الخجلى الحلوة: "أسمه Kenzo Amour!" ...
-تقدري ترتاحي دلوقتي يا راندا!
عبست "راندا" رامقة إيّاه بعدم فهم، ليكمل وهو يطفئ سيجارته بالمنفضة أمامه دون أن يحيد بناظريه عنها:
-حقك من نديم بيرجع.. عشان أكون دقيق أكتر
بكرة هايكون حقك منه رجع.
رفعت حاجبيها المرسومين بإتقانٍ وقالت:
-عمر انت عايز تقول إيه؟ أنا مش فاهمة منك حاجة من ساعة ما كلمتني!
سحب نفسًا عميقًا وتجرّع ما تبقّى من فنجان قهوته دفعةً واحدة، ثم حدق إليها ثانيةً وقال بصوته الخشن:
-بكرة ليلى هاترجع لأهلها.. المكان إللي واخدها فيه نديم أنا عارفه
شقة في الزمالك كان شاريها من سنين ومعرّفني بيها. أنا بقى بلغتهم عنها
بعد ما روحت بنفسي واتاكدت إنهم هناك لما شفت عربيته راكنة تحت البيت.
قطبت جبينها بشدة مرددة:
-انت عملت كده فعلًا؟ مش بتهزر يا عمر صح؟
-مالك مستغربة كده ليه؟ ألا تكوني مضايقة من إللي عملته كمان؟
راندا بغضبٍ حقيقي:
-عايز الصراحة لو إللي بتقوله ده صحيح يبقى آه. مضايقة منك ومن إللي عملته
لأن بعيدًا عن أزمتي ومشكلتي مع نديم.. أنا عمري ما تخيّلت إنك تضربه في ضهره
انت يا عمر؟ انت؟ انت تخون نديم؟
انتوا مش بس قرايب.. ده كان بيعتبرك أخوه!!!
يكز "عمر" على أسنانه مغمغمًا بغلظةٍ:
-زي ما حرمني من أختي واتسبب لنا كلنا في كل ده كان لازم يتعاقب.. وعقابه هو حرمانه من ليلى. أعز حد على قلبه.
هزت رأسها غير مصدقة ما يقوله، وردّت بخيبة أمل:
-معقول انت بتقول كده؟ انت نفس الشخص إللي كان قاعد قدامي من كام يوم وبينصحني ويعقّلني؟
انت بقيت كده إزاي يا عمر؟ رد عليا إيه إللي وصلك لكده؟؟
لم يسمح لكلماتها بالنفاذ إلى هدفها المنشود، أغلق الستار على عاطفته وهو يرد عليها بقساوةٍ غير مألوفة:
-قبل ما تفهموا وتدوقوا معنى الخسارة لمرة واحدة في حياتكوا.. أنا جرّبتها مرة بعد مرة بعد مرة
بس المرة دي ماخرجتش من التجربة زي أول مرة. من اللحظة دي كلكوا مش هاتشوفوا غير عمر ده
لأن كل واحد فيكوا ساهم في تكوينه حتة حتة.. وقبل ما تفكريني بمثاليتي. افتكري إنك سمحتي لكرامتك تداس لما قبلتي تتجوزي راجل ماحبكيش. واوعي تفتكري إن وقتها كنتي شاطرة أوي.. انتي لأول مرة في نظري تطلعي غبية... غبية جدًا يا راندا!!
ونهض بغتةً ملقيًا الحساب بسخاءٍ غير محسوب فوق الطاولة ..
ثم همّ بالرحيل، بل إنه انطلق بالفعل نحو باب الخروج، لتلحق به "راندا" هاتفة:
-عـمــــــــر!!
كانت تركض خلفه حرفيًا وهي تنادي عليه بصوتٍ مسموع استرعى انتباه المارّة بالخارج، إلا إنه لم يتوقف، في طريقه إلى الكراج الذي أودع به سيارته، يسمعها، يميّز خطواتها المهرولة في تجاهلٍ مصمم وعلى أمل أن تسأم وتغادر ..
لكنها لم تفعل، وظلّت ورائه، حتى تمكنت أخيرًا من القبض على رسغه الصلب صائحة:
-أستنى يا عمر.. أقف من فضلك وكلمني
بص لي يا عمر!
إلتفت نحوها نافذ الصبر وهتف بها:
-عاوزة إيه مني يا راندا؟
أجفلت باضطرابٍ لوهلةٍ وقالت بلهجة أقل حدة:
-انت مالك؟ أنا حسّاك مش على طبيعتك.. مش معقول قصة ريهام وجوازها هي إللي عاملة فيك كل ده!
-هاتفرق معاكي؟ لو في أسباب تانية. يهمك أوي تعرفيها؟؟
-أكيد.. أكيد يا عمر
انت عارف غلاوتك عندي. قبل حتى ما أعرف نديم
انت كنت في حياتي.. كنت أعز صديق ليا!!
سكت "عمر" لثوانٍ معدودة، عيناه مسمّرتان في ملامحها التي لا تنفك تذكره بكل ما حاول أن ينساه، ولكن كيف؟
كيف وهي تقف أمامه بصدقٍ عارٍ من أيّ قناع؟
صوتها المرتجف عندما قالت:"كنت أعز صديق ليا!" ضرب قلبه كصفعةٍ قاسية ..
صفعة أيقظت فيه ما كان ميتًا، وما لم يمت يومًا فعليًا!
اقترب منها خطوة واحدة فقط، خطوة كفيلة بأن تختصر سنواتٍ من المكابرة، ثم همس بصوتٍ مبحوح:
-صديقك؟ هو ده كل إللي كنته بالنسبة لك يا راندا؟
لم يمنحها فرصة لتجيب ..
ولا حتى لتلتقط أنفاسها ..
إذ انحنى نحوها فجأةً، وقبّلها قبلة مباغتة، عميقة، متوترة، كأنها انفجارٍ مكتوم منذ أعوامٍ طويلة من القهر والحنين المكبوت ..
حملت قبلته كل التناقضات: الغضب والاشتياق، الندم والرغبة، اللوم والحب في آنٍ واحد ..
تجمّدت "راندا" أول الأمر، صُعقت، عيناها اتسعتا في ذهولٍ، وجسدها توتر كوتر آلةٍ مشدود على آخره، ثم شيئًا فشيئًا بدأ الصراع يذوب بداخلها ..
شعرت بحرارته تلامس برودتها الداخلية التي كبّلتها من بعد الرجل الذي عشقته وهجرها ..
لا تعرف كيف سمحت لنفسها للحظة أن تستسلم، ليس له، بل للصدق الذي أخذ يبّثه في احساسه نحوه، صدقٍ أرعبها وأدهشها في نفس الوقت ..
لكنها ما لبثت أن أُفلتت منه وهي تدفعه بيدٍ وصفعه بالأخرى، كأنها استيقظت من حلمٍ محظور!!
تراجعت خطوة للخلف، تلمس شفتيها المتوّرمتين بذهولٍ، صوتها يتهدّج وهي تقول محملقة فيه بصدمة:
-انت.. إزاي تعمل كده؟!
أما "عمر".. فلم يتأثر كثيرًا بصفعتها ..
الأحرى أنه لم يشعر بها تقريبًا ..
حدق فيها بعينين ملؤهما الفوضى، كأن تلك القبلة لم تُطفئ شيئًا، بل أشعلت كل المشاعر بداخله أكثر ..
همس بصوتٍ مبحوح متكسّر:
-عملت كده.. عشان تعرفي أد إبه كنت غبي زيك
وأنا بحاول أعاملك طول السنين دي كصديقة.. وأنا عمري ما شوفتك كده يا راندا!
ثم أدار وجهه قليلًا وهو يضيف بصوتٍ مكتوم:
-دلوقتي عرفتي أنا دايمًا كنت بشوفك إزاي!!
أطلقت "راندا" أنفاسها المضطربة، قلبها يدق بعنفٍ وهي تتأرجح بين صدمةٍ لا تصدقها، ومشاعرٍ تعصف بكيانها لأول مرة!
لم تتحمّل الكمّ الهائل من المشاعر المختلفة، لملمت شتات نفسها بصعوبةٍ وفرّت هاربة من أمامه، تركض وهي تكاد لا ترى من الدموع الني غشيت عيناها دون سابق إنذارٍ ...
_________________________________________________________________________
هتف "كرم" بصوتٍ جهوري
استقطب نظرات كلًا من "دياب" و"زين".. بينما يمتثل أمام "دياب" بهيئته المتوّقدة ...
-إيه بايني مالك؟ .. سأله "دياب" بغرابةٍ
جاوبه "كرم" بعصبيته المعهودة:
-أمي يا عمي. يرضيك إللي جدي بيعمله فيها دِه؟ أمي تبجى بتّه وفوجه ست كَبيرة
يحبسها كيف الحيوانات. الوكل والشرب يدخلوا لها من تحت باب الأوضة؟
بص يا عمي. دي إهانة أنا ماجبلهاش على أمي. دي أمــي يا خــلـج!!!
نهض "دياب" من مكانه قائلًا بدلوماسيته الشهيرة:
-طيب اهدى يا كرم.. اهدى.
وحطّ بيده فوق كتفه مستطردًا:
-أولًا لازم تحط في اعتبارك إن غنيمة دي مش بس أمك. دي بنت رياض نصر الدين.. يعني جدك
وجدك حر في تصرفاته مع بنته. محدش فينا يقدر يدّخل يا كرم.
لم يتفهم "كرم" هذا الكلام، بل ثار بعصبية أشدّ:
-كيف يعني الحديت دِه؟ أمي مخلّفة رااااجل. أمي ماتتبهدلش يا عمي. أنا جيتك عشان ما تشوف لي حل. ما عاوزش أجف جصاد جدي!!
تدخل "زين" في هذه اللحظة محتدًا:
-اتأدب يا كرم وانت بتتكلم عن جدك.. ماتنساش نفسك!
كاد الأخير يرد عليه، فقاطعه "دياب" مدركًا فداحة الاشتباك بين الرجلين والذي لن تكون الغلبة فيه لـ"كرم" بالتأكيد:
-أسمعنـي يا كرم.. أسمعني يابني
مش انت جيت لي زي ما قلت؟ خلاص أنا هاتصرف
أنا هاتكلم مع جدك وهانصفي مشاكله مع أمك
بس أنا عاوز أقولك حاجة. إللي عملته غنيمة غلط كبير
أنا شخصيًا إستحالة أسامحها عليه.
كرم باستنكارٍ: أمي غلطت يعني عشان ما دارت عنكم الفضيحة؟
انت وجدي راضيين عادي بالعار؟ هاتبجى البت وخلفها؟؟
لأول مرة يتمكن الغضب من "دياب".. ويتركز في نظراته وصوته وهو يرد على الأخير بلهجة هادئة مخيفة:
-البت دي اتقيدت على أسمي خلاص. يعني بقت بنتي على الورق وقدام الناس كلها.. من اللحظة دي يا كرم لسانك نطق عليها كلمة بطّالة. أنا بنفسي إللي هاحاسبك.. واتأكد إن عقاب جدك لأمك هايكون أهون بكتير من عقابي ليك.. مفهوم؟
صمت "كرم" ولم يستطع ردًا عليه ..
فأشاح "دياب" عنه ناظرًا إلى "زين".. وقال ببرودٍ:
-جهز لي نفسك بكرة.. هانروح نجيب ليلى!....
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم منة عصام
_ ابنة السفير _ :
توقع أن يجدها نائمة لدى عودته، خاصةً في وجود صديقتها المقرّبة، تلك الكلبة ذات الفراء الذهبي الحريري ..
لكنها فاجئته، إذا رآها مستيقظة في السرير، تجلس فوقه بجوارها "ميمي" في مشهدٍ أذهله بشدة، حيث أن كلتاهما أمام شاشة الـ"ipad" الصغيرة تشاهدان الرسوم المتحركة في اندماجٍ تام ..
حتى هتف معلنًا عن حضوره:
-مساء الفل على البنات السهرانة!
ارتفع رأس كلًا منهما، صاحت "ريهام" بحماسةٍ فور رؤيته، وأطلقت "ميمي" نباحًا ترحيبيًا به وهي تتبع "ريهام" التي قفزت من السرير وانطلقت صوبه ...
-زيــن!!
تعلّقت بعنقه ما إن صار في متناولها، وتسلّقت "ميمي" ساقه بطريقة دفعته للضحك من الاثنتين، لم يكن يومًا بالشخص العاطفي تجاه أيّ شيء ..
ولكن تلك الفتاة الشقيّة وصديقتها الصغيرة تجبرانه على إظهار جانبٍ منه لم يتصوّر أبدًا بأنه يمتلكه!
ضمّها "زين" إليه في استجابة لعناقها إيّاه بقوة، إلتمس شيء من القلق على هيئة رجفة طفيفة تعبر جسدها بلا إنقطاعٍ، لدرجة أنها لم تشأ إفلاته وظلّت تحتضنه ..
فشدّد ذراعاه حول خصرها أكثر حتى لم تعد قدميها تلمسان الأرض وغمغم بهدوءٍ:
-إيه يا حبيبتي! إيه إللي مسهرك لدلوقتي؟
مانمتيش ليه؟ مش ميمي جت لك!
جاوبته "ريهام" بصوتٍ مكتوم وهي تدفس وجهها بين تجويف عنقه وكتفه:
-ريري مش بتعرف تنام هنا منغير زين.. وانت اتأخرت أوي. زي كل يوم!!
لاحظ الانزعاج في صوتها، فابتسم وهو يسير بها صوب السرير ولا زال يحملها، أفلتته أخيرًا عندما انحنى ليضعها فوق سطح الفراش الناعم ..
ثم جثى أمامها، يمسح على رأسها بحنوٍ وينظر إليها مأخوذًا رغمًا عنه بالجمال الفريد الذي حظيت به، ثم قال:
-المفروض إن ريري بقت عارفة. لما بتأخر بيكون ورايا شغل.. قلت لك كده صح؟
أومأت له بالإيجاب وهي تقول بنزقٍ:
-أيوة قلت.. بس أنا عاوزاك تفضل قاعد جنبي هنا
أنا مش بحب لما بتسيب ريري وتمشي. بخاف!!
قطب حاجبيه وهو يسألها بجدية:
-ليه يا ريري؟ بتخافي من إيه يا حبيبتي؟
أجابت وهي تشير له بسبابتها نحو رأسها:
-بخاف من الصوت إللي بسمعه هنا بيقولّي كلام وحش وبيخوفني. والصوت ده مش بيروح غير لما ريري بتشوف زين!
زين باهتمامٍ: صوت! بيقولك إيه الصوت ده؟!
-بيقولّي زين مشي ومش هايجي تاني
بيقولّي زين هايسيب ريري لوحدها
زين مش بيحب ريري زي كل الناس إللي مش بتحبها وبتسيبها!!
رفع حاجبيه مشدوهًا لسماع كلماتها، ولا يدري لماذا أحس بقبضة في صدره، مسّد على خدّها براحته الدافئة قائلًا بنعومة:
-الكلام ده. الكلام ده غلط جدًا.. مش صحيح يا ريري. بدليل إني رجعت أهو. أنا قدامك يا حبيبتي!
رفرفت أهدابها وقالت بحزنٍ:
-انت كنت عايز عمر ياخدني إنهاردة لما جه هنا.. انت مش عايز ريري تفضل معاك!
هز رأسه قائلًا وهو ينهض ليجلس بجوارها، وقال ممسكًا بيدها بقوة:
-لأ. ماحصلش.. أنا جبته عشان عارف إنك بتحبيه
مش هو أخوكي؟ وانتي قولتيلي إنك بتحبيه أوي؟
أومأت له ان نعم، فأكمل:
-طيب. أنا ماكنتش أعرف إنه هايعمل كده.. وبعدين انتي شوفتيني عملت معاه إيه
أنا مسكت إيده وبعدته عنك. قلت له ريري هاتفضل معايا طالما هي عايزة كده.. صح؟
صمت لثوانٍ.. ثم قالت:
-طيب انت عايز كده؟ انت عايز ريري تفضل معاك؟
من جديد تفاجئه، بكلماتٍ واسلوبٍ لا يتناسب البتّة مع وضعها وحالتها!
لكنه يتحرر من الاضطراب الممسك بلسانه ويرد عليها بهدوءٍ:
-أنا عايز كده طبعًا. عايز ريري تفضل معايا. علطول.. انتي عارفة انتي بقيتي إيه؟
صمتت في ترقبٍ، فاستطرد بصوتٍ خافت مداعبًا ظهر يدها بإبهامه:
-انتي بقيتي مراتي.. لما روحنا المسجد والمأذون إللي كان لابس عمّة فوق راسه ده كتب كتبنا
لما بصمتي بالحبر الأزرق على عقد جوازنا وكتبتي أسمك. ده كله كان أسمه ارتباط رسمي
قدام ربنا وقدام الناس كلها. انتي بقيتي بتاعتي أنا.. يعني لا باباكي. ولا عمر أخوكي ليهم حاجة فيكي
بقيتي مِلكي أنا لوحدي.. وطول ما انتي راضية وموافقة بـ ده أنا عمري ما هاسيبك ولا هامشي!
كانت تنظر إليه بتركيزٍ وسع عينيها، إلى أن فرغ، فتشكّلت ابتسامةٍ رقيقة تلقائية فوق ثغرها، وابتسم بدوره ...
-أنا عايزك تطمني ورايح. مش عايز أي حاجة تخوّفك. في غيابي قبل وجودي.. عايزك تكوني شجاعة ومابتخافيش. اتفقنا؟
-اتفقنا.
هدأ باله حين صارت أفضل حالًا وأتت محاولته معها أكلها ..
تنهد بارتياحٍ وهو يجذبها مجددًا إلى صدره، يضم رأسها بحضنه الواسع هامسًا بحنان:
-أنا بوعدك إن مافيش أي حاجة ولا أي مخلوق ممكن يئيذيكي طول ما أنا موجود.. ولا أنا ممكن أسمح لأي حاجة تضايقك أو تزعلك يا حبيبتي.
أجفل بتوترٍ حين أحس بيدها تتسلّق من حِجره لبطنه، حتى أستقرت فوق صدره الصلب، ورآها ترفع وجهها لتنظر لعينيه مرددة بوداعتها المعهودة:
-ريري بتحب زين.
حدق كالمسحور إلى عينيها وابتسامتها، ومن جديد ينسى لوهلةٍ عقلها المعطوب، ولا يرى أمامه سوى فتاة مكتملة الأنوثة، جذّابة حد الإغواء ..
لكنه يصحو من وساوسه مستعيدًا وعيه المرنّح بصعوبةٍ، فيقول وهو يزدرد ريقه ويبعدها قليلًا:
-أنا كمان.. أنا كمان بحبك أكتر يا ريري!
ثم أردف متأهبًا للنهوض:
-يلا بقى على النوم. الساعة داخلة على 1.
تتبّث "ريهام" به مغمغمة:
-بس انت مش هاتنام في الكنبة دي انت وعدتني هاتنام جنبي كل يوم!!
نظر لها بيأسٍ وقال:
-يعني هابقى أنا وميمي جنبك؟ ده كلام يا حبيبتي!
-هفرش لميمي جنب السرير بتاعنا. بس تنام جنبي.
-لا إذا كان كده ماشي طبعًا! .. وضحك منها بخفةٍ
-طيب أقوم أخد دش بسرعة وأرجع لك.
تركته الآن وهي تبتسم باتساعٍ وتراقب تحركاته حتى أخذ منشفةٍ كبيرة نظيفة ودلف إلى الحمام ..
قامت لتعدّ فراشًا بجوار السرير لأجل "ميمي".. رقدت الكلبة فوقه وتكيّفت به سريعًا ..
بينما ولجت "ريهام" إلى حجرة الملابس الصغيرة لتبدّل ملابسها التي قضت بها النهار كله، ارتدت إحدى مناماتها القصيرة، وأزالت مشبك شعرها لينسدل كله حول وجهها الجميل مضفيًا عليها حُسنًا آخذًا ..
ثم عادت إلى الغرفة، لتجد "زين" وقد خرج بسرعة كما وعدها، يجلس فوق الفراش وهو يجفف وجهه وشعره بمنشفة صغيرة، بينما يحيط خصره المنحوت بأخرى كبيرة ..
سمع خطوتها المميزة بالقرب، فهتف بينما يزيل المنشفة عن وجهه:
-إيه يا حبيبتي فينـ ..
وبتر عبارته ما إن وقع بصره عليها ..
جمّد بمكانه كأن الزمن توقف، المنشفة التي بيده انرلقت ببطءٍ إلى حِجره، بينما عيناه تعلّقتا بها في صدمةٍ صامتة ..
شعر بحرارةٍ غريبة تجتاح صدره رغم برودة الجو، وبتناقضٍ مروّع بين قلبٍ يخفق باضطرابٍ حقيقي وعقلٍ يصرخ فيه بأن يستعيد وعيه ..
إنها مريضة.. إنها ليست كالبقيّة!
لكنها في نفس الوقت مثلهن، بل أجملهن، أروعهن.. كيف عساه أن يتجاهل فتاة مثلها؟
ازدرد ريقه من جديد، ثم تنفس بعمقٍ حتى كاد الهواء يحرق صدره، أدار وجهه عنها في محاولةٍ يائسة لإستعادة توازنه، وقال بصوتٍ متحشرج:
-ريري.. الجو برد عليكي يا حبيبتي
تعالي نامي يلا عشان أغطيكي!
لم تفهم المسكينة ارتباكه ولم تلاحظه أصلًا، فقط ابتسمت بنفس الهدوء الذي يُقده إتزانه أكثر، ثم تقدّمت بخظوة واحدة نحو السرير، اعتلته متدحرجة إلى شطرها منه دون أن تكفّ عن التلامس معه ..
ليقوم فجأةً متجًا إلى حجرة الملابس، ارتدى بيجامة خفيفة على عجالة وعقله لا يتوقف عن استعراض صورتها أمام عينيه، زفر مطوّلًا وهو يحدّث نفسه بحزمٍ:
-إيه يا زين! هانخيب ولا إيه؟ فـوق لنفسك. ماينفعش. خليك فاكر.. ماينفعش!!
ثم عاد إليها ..
رآها مستلقية بالسرير ولا زالت مستيقظة، كأنما تنتظره، اقترب منها ببطءٍ، إلتقط الغطاء من طرف الفراش وافترشه عليها بحذرٍ حتى ذقنها، لكنها أزاحته حتى خاصرتها ..
تنهد "زين" بقلّة حيلة وهو يرتمي بجوارها ينازعه إحساس رجلٍ يعرف أنه يحمل في قلبه ضعفًا قد يدّمرها لو استسلم له لحظة ..
يشدّ الغطاء فوق بدوره، بينما تزحف "ريهام" متسللة إلى أحضانه، تواصل مباغتته، تلك الشيطانة الصغيرة ..
لا.. إنها ملاكٌ.. لا يمكن إلا أن تكون ملاكًا منزّهًا ..
رفعت رأسها لتنظر إليه وهي تقول مبتسمة ببراءة:
-حضن زين أحلى من حضن ميمي!
ابتسم لكلماتها رغمًا عنه، ربت على كتفها العارٍ قائلًا بخفوتٍ:
-طيب ممكن تنامي بقى؟ نامي عشان أنا بجد تعبان وعايز أنام.
أومأت له بطاعة، فأمرها بلطفٍ:
-غمضي عنيكي.
أطبقت جفنيها بطريقةٍ مثيرة للضحك، لكنه تمالك نفسه وقال برفقٍ:
-أنا هاطفي النور. ولا أسيبه؟
فتحت عيناها لتجيبه بأريحية واضحة:
-أطفيه عادي.. أنا مش بخاف وانت جنبي!
مد يده ليطفئ المصباح المجاور للسرير، وعمّ الظلام بلحظة، وكذا ساد الصمت والسكون ..
وما هي إلا دقائق قليلة، واستمع إلى صوت أنفاسها المنتظمة، وأدرك بأنها قد غفت أخيرًا ..
أطلق أنفاسه متنفسًا الصعداء، لا يكف عقله عن لومه لاقترافه هذا الجرم عن عمد، ودون أن يدرك مخاطره المستقبلية ..
زواجه منها كان خاطأءً كبيرًا، والمؤسف أنه لم يعد بإمكانه التراجع عن خطؤه.. هذا الإدراك ما لبث أن صعقه باستحضار جملة شقيقها التي لا زالت ترن بأذنيه: "خليك فاكر اللحظة دي كويس.. ذنبها هايبقى في رقبتك انت. سامعني؟ انت!" ..
هو "زين نصر الدين".. الذي لا شيء بقادرٍ على إخافته ..
يشعر بالخوف الآن ..
لا شك بأنه قد توّرط عاطفيًا ..
معها ..
مع "ريهام البدري".. ابنة السفير!....
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم منة عصام
_ أختارك _ :
-انطقي بقى يا بنتي.. بقالك ساعة متسمّرة زي الصنم. قوليلي مالك؟
نظرت "راندا" إلى عمتها في ذات الصمت، بداخلها ترددٍ كبير، رغم إنها تعتبرها بئر أسرارها، أمها إن جاز التعبير ..
فقد تركتها أمها ورحلت عن العالم في سنٍ مبكرة، ولطالما كانت العمّة "فاتن" الحضن والملاذ إلى الآمن إليها، حتى إنها الصديقة المقرّبة بالنسبة لها رغم وجود العشرات من الصديقات ..
ما حدث البارحة لم يكن سهلًا عليها، وكانت بحاجة ماسّة لإشراكها في الأمر لكي لا تفقد عقلها، أرادت أن تبوح لها، ولكن ما بالها منذ جلست أمامها تستنطقها فلا ترد ولا تنبس بكلمة واحدة!
ماذا حدث لها؟!
-عمتو! .. نطقت "راندا" بخفوتٍ وهي تضم وسادتها الصغيرة بقوة
حثتها "فاتن" بنفاذ صبرٍ:
-ها يا راندا.. اتكلمي يا حبيبتي!!
تتململ "راندا" فوق فراشها في اضطرابٍ، لا تعرف كيف تصوغ اعترافاتها، لكنها قررت ألا تفكر كثيرًا، ورددت دون ترتيبٍ:
-عمر باسني يا عمتو!
تجمّد عقل "فاتن" لبرهةٍ وهي تمعن النظر بابنة أخيها محاولة معالجة كلماتها، لكنها لم تستوعبها جيدًا، فاستوضحتها:
-نعم! عمر مين؟ ويعني إيه باسك؟!
تطلّعت "راندا" إليها بحرجٍ شديد، وقالت بينما وجهها كله محتقنٌ بحمرة الخجل:
-عمر البدري.. ابن خالة نديم
انتي عارفاه. قابلته امبارح و.. وباسني!!
ترفع "فاتن" حاجبها متمتمة وكأنها تحدث نفسها:
-عمر ابن خالة نديم.. آه.. طبعًا!
الآن حضرتها كل الظنون التي انتابتها خلال فترة زواج "راندا" كلها ..
كيف إنها قد لاحظت منذ أول وهلة هذا الشيء تحديدًا، كيف ضبطته مرارًا يرمق فتاتها خلسةً بنظراتٍ مريبة، في البادئ حاولت ألا تلقي بالًا لهذه الشكوك ..
إلا إنها لن تستطيع بعد الآن، بعد الذي سمعته من فم ابنتها الروحية، كان ينقصها دليل، والاعتراف سيد الأدلة!
-احكيلي إللي حصل! .. طالبتها "فاتن" بلهجةٍ هادئة مسالمة
فتشجّعت "راندا" وأطمأنت لها، وبدأت تسرد عليها أحداث لقائها بـ"بعمر" بالتفصيل ...
-بس يا عمتو. وفاجئني لما عمل كده.. أنا عمري ما تخيّلت إن ده يحصل من عمر. لحد اللحظة دي مش مصدقة!
فاتن بهدوء: وانتي كان إيه ردة فعلك لما عمر باسك يا راندا؟
بوغتت "راندا" بسؤالها ...
-مش فاهمة يا عمتو؟!
-يعني حسيتي بإيه؟ غير صدمتك فيه وفي تصرفه.. بالتحديد لما رجعتي البيت وفكرتي في إللي حصل. إيه احساسك دلوقتي وانتي قاعدة قدامي؟
جللت تعابير البلاهة وجه "راندا" وهي تصرف نظرها عن عمتها، لتشرد مفكرة ومفتشة بمشاعرها، ثم تقول بلا وعيٍ:
-لما عمل كده.. أنا حسيت إني اتجمدت بين إيديه
ده ماكنش طبيعي.. ولو كان أي حد تاني عملها ماكنتش سكت لحظة. بس
بس عمر قدر يخليني ارتبك. لدرجة إني مقدرتش أستوعب الموقف. كان عصبي. مندفع. ومتهور
ولما قدرت أبعد عنه وسألته إزاي يعمل كده.. ماقالهاش بصراحة. بس لمّح. إنه كان مهتم بيا
ومن زمان.. معقول ده يكون حقيقي؟ معقول أنا لا شفت ولا لمست الحتة دي فيه؟ إزاي؟!
تقرّبت "فاتن" منها قليلًا ممسكة بيدها، نظرت بعينيها وقالت بجدية:
-أنا ماتجوزتش.. مادخلتش في أي علاقة جديّة طول حياتي
بس انتي عارفة إني حبيت مرة واحدة بس. وإللي عمله عمر بيفكرني بالراجل إللي حبيته
سبحان الله. طريفتهم واحدة.. أغلبهم شبه بعض. وعلى فكرة يا راندا. عمر مايختلفش عن نديم. سلوكهم متشابه تقريبًا ..
ثم تنهدت وأردفت:
-إللي عايزة أقولهلك.. عمر فعلًا بيحبك
ومن زمان. من قبل ما تتجوزي نديم
إللي عمله ده كان نتيجة انفجار لمشاعره ناحيتك إللي فضل يضغطها طول الوقت إللي عدّى
نديم عمره ما حبك.. ولا يوم من أيامك معاه حبك.. لكن عمر هو إللي بيحبك
قبل ما تتجوزي. ولما اتجوزتي... ودلوقتي وانتي مطلقة!
تأكيد الأمر كان بمثابة صدمة أخرى أشدّ وطأة من سابقتها، بقيت "راندا" تحدق بعمتها ذاهلة، لتضيف "فاتن" رابتة على خدّها بلطفٍ:
-أنا مش عايزاكي تستعجلي المرة دي.. خدي وقتك وفكر على مهلك
قبل كده مشيتي ورا قلبك يا حبيبتي وطلع مايستهلش. دلوقتي لازم تحكّمي عقلك
في رأيي عمر راجل محترم. بعيدًا عن تصرفه الأخير معاكي.. لو هاقيّمه كشريك محتمل لبنتي حبيبتي
ف هقول إن هو ده الراجل إللي يستاهلك. أولًا لأنه بجد بيحبك. وثانيًا لأنه عنده من الصبر والمسؤولية إللي يخلي منه راجل مناسب لعلاقة تدوم العمر كله.. بس طبعًا أهم حاجة عندي تكوني راضية.. مرتاحة.. وعايزاه زي ما هو عايزك... فاهماني؟
حملقت فيها مشدوهة، تكاد لا تصدق ما تسمع، ما يجري كله ..
لكنها وجدت نفسها تومئ لها بالإيجاب أخيرًا ..
أيعقل أن يجمعها أيّ شيء بـ"عمر البدري"؟
هو دون الرجال جميعًا!!!
______________________________________________________
ناولها كأس الماء لتبتلع حبّة الدواء وهو يقول بصوته الخشن:
-خلاص يامّا.. عمي دياب وعدني إنه هايجنع جدي يطلّعك في أجرب وجت.
تجرّعت "غنيمة" الكأس كلها، ثم أعادتها إليه وقالت بغلٍ دفين:
-جدك. أبوي. العمدة رياض إللي كان مستعد يجتل بتّه ويغسل عاره.. دلوق رايح يجيب بتّها ويركبها علينا كلنا.. بس وعزة الله ما هاسكت. أمك ماهاتسكتش يا كرم!
كرم بعصبية: بزياداكي بجى يامّا. ماعدناش ناجصين.. بت دهب جاية
وعايزك لما تاجي ماتنطجيش بحرف. خليه يشبع بيها إياكش تنصفه. ولا هي أصلًا عيارها فالت كيف أمها. بس هو حر. مالناش صالح.
لم تهتم "غنيمة" كثيرًا بحديث ابنها، غيّرت مسار الحديث وسألته:
-كيفها مرتك؟
هدأ قليلًا وهو يجاوبها:
-بخير. فايتها في بيت أبوها اليومين دول.. انتي عارفة حبلها عزيز ما صدجنا عملية الحجن نجحت المرة دي وربنا عوض علينا.
ابتسمت له بحنانٍ وقالت:
-ان شالله ربنا يفرحك بعوضك يا ولدي.. بس أنا ماعايزهاش تجعد في بيت أبوها
مرته تشجّيها وتتعبها. هاتها لي هنا أجلّه تونسني وأنا أرعاها لحد ما تولد بإذن الله.
أومأ لها طائعًا:
-إللي تشوفيه يامّا. حاضر هانزل البلد أجيبها.. بكرة تكون عندك بالمشيئة.
-صح ماجولتليش.. سليمان لساه مختفي من ليلة جواز زين؟
-مش مختفي تمام. جاعد في دايرته اليومين دول. جال راجع لما جدي يخلص مشاكله ويحدد معاد كتب كتاب زين على شهد.
-مش جادرة ألومه. له حج يزعل.. مين يصدج. زين.. زينة رجال عيلة نصر الدين يتجوز جوازة زي دي
يهمّل شهد وتكون أول بخته بت مخبّلة. كله من جدك الله لا يسامحه.
-يامّا الجوازة تمت بالاسم بس.. اوعك تفكري إن بت كيف الهبلة دي تملا دماغ زين ..
وتابع شاردًا لبرهةٍ:
-رغم إنها كيف الجشطة. البت ناعمة وزبدة اكده.. جطّة سيامي. خسارة في العبط والله!
عبست "غنيمة" معقّبة بحدة:
-انت اتخبلت انت كمان يا واد؟ إيه إللي بتجوله ده؟ عينك من مرت زيـن؟؟!!
غطى "كرم" على كلماته بضحكة متهكمة:
-عيني من مين يامّا؟ هي البت دي تنفع لأي راجل أصلًا؟
دي بلوة.. الله يعينه عليها مش هايجدر يخلع منها بسبب أبوها ما انتي عارفة
كان وزير. ودلوق سفير.. واصل يعني.
غنيمة بغلظة: مهما كان.. إياك عينك تطرف عليها. فاهم؟
الكل عارفك نجس وبتاع حريم. بس النوبة دي محدش هايسمي عليك.. ابن خالك اتجوزها. يعني بجت عرضه وشرفه كيف بنات العيلة.
زفر "كرم" بضيقٍ وقال:
خلاص بجى يامّا.. ماهتكلميش عيّل اصغير. وبعدين أنا صح بتاع حريم
بس دي مالهاش صالح بالحريم. هي شكل بس. لكن عمرها ما تبجى حرمة.
غنيمة بابتسامة تهكمية:
-الراجل يا كرم مايهموش إلا الشكل.. اسألني أنا
يعني حتى لو بت السفير دي عجلها عجل عصافير مسيرها تجيب زين تحت رجليها
بكرة تجول أمي جالت!
________________________________________________________________
استغل أولى ساعات النهار ليأخذها في جولة، حيث غالبية ساكني المنزل لا يغادروا غرفهم مبكرًا كالعادة ..
كما إنها من أكثر الأشخاص الذين قابلهم نشاطًا، والآن صار يحفظ أطوارها جيدًا، ماذا تفعل منذ صحوتها وحتى يغلبها النوم ليلًا ..
يعرف بأنها تستيقظ لدى بزوغ الصبح، تتناول فطورها، تمارس هواياتها العديدة وتلهو، تأخذ قيلولة قصيرة بمنتصف النهار، ثم تقوم مجددًا بنشاطٍ أكبر لتستأنف اللعب والمرح، روتين الطفلة المثالية ..
والتي لم تكن سوى "ريهام".. زوجته.. طفلته ...
-خلصي طبقك يا ريري! .. قالها "زين" آمرًا بصوتٍ يخلو من أيّ نبرة مزاح
لم يتبقَ إلا القليل، فنظرت إليه "ريهام" وهي تقول بتبرّم:
-ريري شبعت يا زين. خلاص مش في مكان تاني في بطني بص!
وقفزت عن الكرسي الملاصق لبنش المطبخ المفتوح، مدت خصرها للأمام ليرى حدبة بطنها المسطح أصلًا، فضحك رغمًا عنه قائلًا:
-يااااه. صحيح. انتي أصلك يا عيني خلصتي على الفطار كله ..
واقترب منها قارصًا أنفها بلطفٍ وهو يقول بغيظٍ:
-انتي ناوية تجنني زين. أو أنا اتجننت خلاص.. خدي طيب ..
وناولها كأس الحليب الدافئ بصرامة:
-هاتشربي كوباية اللبن بتاعتك كلها زي ما انتي متعودة.
تأففت "ريري" عابسة بتذمرٍ:
-يووووه بقى. لبن لأ. طعمه وحش. عمر كان بيخليني أشربه بالعافية.. ريري مش هاتشرب لبن بـس!!
زين بحزمٍ: لأ ريري هاتشرب. ولو عندتي مافيش فسح ولا لعب ولا أنا هاكلمك أصلًا.
ضربت الأرض بقدمها كالأطفال تمامًا وصاحت برفضٍ قاطع:
-لللللللللللللأ. لبن لأ. وحش وحش وحش مش بحبه!!!
وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقد استبد بها العناد كليًا ..
أدرك "زين" ذلك وعرف بأن إجبارها لن يأتي بنتائج حميدة، بل ستعانده أكثر، وربما بتسبب لها بالمزيد من التقلبات العاطفية خاصةً التي تؤدي بها إلى حزنٍ يصعب مداواته ..
فكر للحظاتٍ، ثم تركها متجهًا إلى إحدى الخزائن، أضاف القليل من مسحوق الكاكو الخام إلى الكأس، قلّبه جيدًا، ثم عاد إليها وقدّمه من جديد قائلًا بلهجة أكثر لطفًا:
-اتفضلي يا حبيبتي. حطيت لك في اللين الكاكاو إللي بتحبيه. يلا بقى أشربي عشان خاطري. هاتلاقي طعمه بقى حلو والله!
وأخذ يلاطفها ويهدهد لها حتى تخلّت عن عنادها تدريجيًا وتقبّلت ما يعرضه عليها ..
أخذت الكأس من يده، رفعته لفمها وتجرّعته دفعةً واحدة، أنزلته عن فمها فارغًا وقد صنعت لنفسها شاربًا من الشوكولاه ..
ابتسم "زين" معجبًا أكثر ببراءتها النقيّة، سحب منديلًا ورقيًا ومسح لها فمها قائلًا:
-شطورة يا ريري.. بحبك أوي لما بتسمعي الكلام. ياريتك تكوني كده علطول!
وأطلق نهدة قصيرة، ثم أمسك بيدها وشدّها برفقٍ للخارج وهو يقول:
-تعالي يلا.. هافرجك على البيت قبل ما دياب يوصل.
وأخذها وجاب بها أرجاء القصر كاملًا ..
أراها المنزل من الداخل، والحديقتين الرئيسية والخلفية، أغرمت كثيرًا بحوض السباحة الكبير، وأعجبها اسطبل الخيول، لدهشته لم ترهب الخيل، بل أرادت مداعبته ..
فسمح لها، إذ فتح مقصورة معيّنة بها فرسٌ لونه كالعسل، تركها تداعبه وحتى إنها قبّلته ...
-عجبك بحر يا ريري؟
نظرت له وأومأت بقوة:
-حلو أوووي يا زين.
-خلاص طالما عجبك أوي كده هايبقى بتاعك من إنهاردة.
-يعني إيه هايبقى بتاعي؟
-يعني زي ميمي كده. الفرق بس إنه مش هايقدر يطلع معاكي الأوضة طبعًا. انتي إللي هاتنزليله. تلعبي معاه وتركبيه شوية وقت ما تحبي.
أشرق وجهها بابتسامتها الحلوة وهي تهتف بحماسةٍ:
-الله. يعني أنا دلوقتي عندي حصان بتاعي ليا أنا وبس؟؟
أوما لها: أيوة يا حبيبتي.. بحر بقى بتاعك وليكي انتي وبس. وعارفة؟ عندي ليكي مفاجأة تانية.
سألته بفضولٍ متلهف:
-مفاجأة إيه. إيه يا زين المفاجأة؟؟؟
-ليلى صاحبتك.. إنهاردة هاتكون عندنا هنا.
شهقت بفرحٍ: ليلى. قصدك ليلى؟
طيب نديم هايجي معاها؟؟
تجهم وجهه وهو يرد عليها:
-لأ. نديم مش جاي معاها.. ومش عايزك تجيبي سيرته تاني
لو بتحبيني مش عايز أسمعك بتقولي أسمه حتى. وإلا هازعل منك بجد.
تلاشى مرحها مرةً واحدة ..
لا تفهم لماذا يقول ذلك، لا تفهم شيئًا على الإطلاق، فقالت بصوتٍ مكتوم:
-نديم أخويا.. نديم زي عمر.. ريري بتحب نديم.
عبس "زين" بشدة واقترب منها كثيرًا، تعلّقت عيناها بعينيه بينما يقول بهدوءٍ ضاغطًا على الأحرف:
-نديم مش أخوكي. مش زي عمر.. وأنا بقولك أنا مش بحبه ومش عايزك تحبيه من دلوقتي
لو مش هاتسمعي كلامي ده بالذات أنا هازعل زي ما قلت لك. ولو زعلت المرة دي مش هاخليكي تقعدي هنا معايا
هاكلم عمر يجي ياخدك. أو نديم لو عايزة.. يعني يا ريري أنا بخيّرك. أنا.. أو نديم. هاتختاري مين؟
ارتجفت شفتاها، كأنها تحاول أن تفهم معنى كلماته الكبيرة على وعيها القاصر، نظرت له طويلًا بعينين تلمعان بحيرةٍ صافية، ثم قالت وقد خرج صوتها مرتعشًا:
-يعني.. لو قلت اسم نديم تاني.. زين مش هايحبني؟
ابتسم بخفةٍ مصطنعة، وربّت على شعرها بلطفٍ قائلًا:
-مش كده بالظبط يا حبيبتي.. بس أنا بحبك أوي.. ومش عايز حد تاني ياخدك مني. عايزك تكوني معايا وليا أنا بس. فاهمة؟
نوعًا ما فهمته هذه المرة، وقالت دون تفكيرٍ:
-ريري بتحب زين.
توقف الزمن في عينيه لحظة، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وهو يجذبها إليه في حضنٍ دافئ، قوي وهو يقول بخفوتٍ عاجزًا عن مقاومة استنشاق عبيرها المُسكِر:
-وأنا كمان بحبك يا ريري.. بحبك أكتر من أي حد.
أغمضت عينيها في صدره، وهمست كأنها تصدّق على قرارها باقتناعٍ تام الآن:
-ريري اختارت زين!.........
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم منة عصام
_ غفران _ :
لآخر لحظة أستطاع كتم صوت ضميره، لم يسميها خيانة لابن خالته بقدر ما أعتبرها انتقامٌ منه، لأنه حين وقع بين اختيارين فضّل أخرى غريبة على تلك التي تحمل دماؤه ونسبه ..
فضّل "ليلى" على "ريهام".. وهذا شيء لن يسامحه عليه أبدًا ..
ولكن في الوقت الراهن، نفسه تجلده بلا هوادةٍ، وتدفعه دفعًا للإسراع في درء الكارثة قبل وقوعها، رغم مقاومته تلك المشاعر ..
إلا إنه لم يصمد طويلًا!
أستيقظ باكرًا، أو بالأحرى قام من فراشه بعد ليلة مؤرّقة، ارتدى ملابسه على عجالةٍ وانطلق إلى منزل آل"الراعي" ..
لم يجد "مهران" هناك، فاضطرب قلبه وأجرى الاتصال به ...
-أنكل مهران! حضرتك فين؟
-أنا رايح أقابل الرائد زين نصر الدين في المكان إللي إتفقنا عليه يا عمر
خلاص قربت أوصل. خمس دقايق وأكون عنده.
استبد بـ"عمر" التوتر بشدة وهو يهتف به بنزقٍ:
-لأ يا أنكل من فضلك. ماتروحش لزين. لو تقدر تعطله
أنا حالًا رايح لنديم. لازم يمشي هو وليلى قبل ما يوصلوا لهم!!
بدت الدهشة في صوت "مهران" وهو يرد عليه:
-يسلام! وإيه إللي غيّر موقفك فجأة كده؟
مش انت بنفسك إللي جيت لي وإتفقت معايا نسلّمهم ليلى عشان أختك؟
-أيوة. أيوة عملت كده.. بس اتصرفت غلط
أنا مش هقدر أعمل كده في نديم. لازم أصلح إللي عملته.
-انت جاي تقولّي الكلام ده دلوقتي يا عمر؟ المطلوب أعمل إيه مش فاهم!!
-ماتعملش حاجة يا أنكل. أنا إللي هاعمل. سلام.
وأغلق معه مسرعًا إلى سيارته، قاد رأسًا تجاه حيّ الزمالك، حيث يستقر "نديم" هناك وزوجته بعيدًا عن الأعين ..
____________________________________________________________
تركها في عهدة إحدى وصيفات أمه الموثوقات، أوصاها بالإلتزام بأوامره، فقد سمح لها باللهو قليلًا بحديقة القصر رفقة كلبتها، ثم العودة مباشرةً إلى جناحهما دون الإحتكاك بأيّ من أفراد المنزل ..
إنصاعت "ريهام" لكلمته وأظهرت الطاعة، وبالفعل ما إن ذهب حتى طفقت تستكشف المساحة الخضراء ركضًا ومرحًا هي وكلبتها الصغيرة، إلى أن أحسّت بالتعب، فقررت العودة للجناح كما أملى عليها ..
ولكن كانت هناك أعين تراقبها منذ فترة طويلة، منذ كان "زين" هنا معها، ولم تدع الفرصة تمر دون استغلالٍ ..
هبطت إلى الأسفل مطمئنة لخلو المنزل من معظم ساكنيه، وبالأخص هو.. "زين" ..
قابلتها بمنتصف الباحة الواصلة بين الحديقة والشرفة الداخلية، بدت "ريهام" وكأنها مبرمجة على كلمات "زين" بالحرف، فلم تنتبه لها، أو أنها تعمّدت ألا تنتبه لها وسلكت طريقها غير آبهة ..
لتعترض "شهد" طريقها، مرة، مرتان!!
فتضطر "ريهام" للوقوف والتطلّع إليها ...
-ممكن أعدّي لو سمحتي! .. قالتها "ريهام" ببراءة وتهذيبٍ كما تعوّدت
شملتها "شهد" بنظراتٍ غلٍ متأججة، عقدت ذراعيها أمامها وهي تقول بلهجةٍ تهكمية:
-انتي بقى البت العبيطة إللي لبسها زين؟!
عبست "ريهام" مرددة من فورها بتلقائيتها المعهودة:
-أنا مش بت. ومش عبيطة. أنا أسمي ريري
وزين ماينفعش يلبسني عشان أنا مش حاجة بتتلبس زي الـ تي شيرت بتاعه
انتي إللي عبيطة كده!!
تضرّج وجه "شهد" بحمرة الغضب، فحاولت الوصيفة التدخل قبل إزدياد الوضع سوءًا:
-أنسة شهد. من فضلك زين باشا أمرني أوصل مدام ريهام أوضتها بهدوء منغير مشاكـ ..
-أخرسـي انتـي!! .. صرخت "شهد" فيها مقاطعة
أجفلت "ريهام" وهي تقول باندفاعٍ معبّرة عن إنزعاجها:
-إيه ده انتي بتزعقي في وشها كده ليه؟ انتي محدش علّمك إنه عيب نعلّي صوتنا على حد كبير؟
وتهاني كبيرة وانتي كده بنت مش محترمة. لما يجي زين أنا هقولّه!
شهد بسخرية: قوليله يا حبيبتي. انتي فكراني ممكن أخاف من زين؟
زين ده يخوفك انتي يا هبلة. يابت يا عبيطة أحسن تكوني متخيّلة إنه جايبك هنا عشان بيحبك مثلًا
زين ماتملاش عينه واحدة زيك. وإستحالة يبص لك حتى. إللي ماتعرفيهوش يا قطة إنه يبقى خطيبي
فاهمة يعني إيه خطيبي؟ يعني أنا وهو هانتجوز. وفرحنا قرب أوي. ولحظة ما هابقى مراته هاتنسي إنك في حياته أصلًا
لأن زين ده بتاعي أنا.. سامعة؟ زيـن.. بتاعـي أنـا!!!
لم تعي "ريهام" كل حديثها، لكنها توترت بشدة من بعض ما فهمته، وأحست بقبضة تعتصر صدرها ببطءٍ، فقالت من بين أنفاسها:
-زين بيحب ريري. انتي كدابة.. زين مش بيكدب
ولما يرجع أنا هقولّه إنك شتمتيني وقولتي عليا عبيطة وهبلة!
ابتسمت "شهد" قائلة باستخافٍ:
-يا حرام.. تصدقي صعبتي عليا يابت!
معذورة. عقلك الفسفس ده مش هايستوعب إنك كنتي في القصة دي كلها مجرد كوبري
بمجرد ما ليلى ترجع مش هايبقى لك لازمة. وهاتعيشي هنا زيك زي الكرسي ده
ده يمكن الكرسي يبقى له لازمة عنك.. زين لا يمكن يحبك.. دي معلومة عايزاكي تحطيها حلقة في ودنك هه؟ إيّاكي تنسيها.
تجمّدت "ريهام" في مكانها، كأن الكلمات التي سمعتها للتو لم تكن مجرد لغو حديث، بل خناجر انغرست في صدرها ..
ظلّت عيناها تتسعان شيئًا فشيئًا، تتقلّب فيهما الحيرة والخوف، كطفلةٍ ضلّت طريقها في عتمة الغابة ..
لم تفهم تمامًا ما الذي يعنيه كلامها، لكنها شعرت بشيءٍ غامض في داخلها، أنها آذتها ..
رفعت يدها إلى صدرها، كأنها تتحسس نبضًا أختنق هناك، لم تبكِ فورًا، لكن حين تذكرت وجهه، وجه "زين".. زوجها ..
انكسرت ملامحها دفعةً واحدة!
تهدّلت شفتاها، واهتز صوتها بارتجافةٍ طفولية وهي تقول:
-زين.. زين بيحب ريري.. هو قال كده!!
ثم انحدرت دمعةٌ واحدة على خدّها، لا تشبه دموع الضعف، بل دمعة من أصيب في أكثر المواضع براءةً في قلبه ..
أطلقت "شهد" ضحكة مجلجلة، وكادت تكيل لها المزيد من الكلمات السامّة، لولا أن صدح ذلك الصوت الذي أخرسها في الحال:
-شـهـــــد!
________________________________________________________________
انقضى صباحها أخيرًا بإفراجه عنها ..
غادرت السرير متجهة إلى الحمام وكأنها تلوذ بنفسها بعيدًا عنه، ليس لأنها تبغض قربه، بل لأن هذا القرب لو أستمر فإنها تخشى على كرامتها أمامه ..
فهي لا تضمن نفسها البتّة عندما تكون معه، قريبة منه، بإمكانه وبسهولة دفعها لمسامحته، لنسيان ما حلّ بها بسببه ..
بكت "ليلى" كثيرًا أسفل رذاذ الماء الساخن ..
بكت حبها له، خسارتها، حياتها التي اتضح بأنها لطالما كانت كذبة ..
ماذا يجب عليها أن تفعل؟ كيف تنقذ نفسها؟ كيف تهرب منه وعشقه يجري مجرى الدم بشرايينها؟
إنه المستحيل بعينه!!!
-ليلى!
أتاها صوته من وراء الباب، فعلمت بأنها استغرقت وقتًا طويلًا هنا وحتمًا أنه قلق، فأغلقت المياه ليتأكد بأنها سمعته وسوف تخرج قريبًا ..
ارتدت روب الاستحمام وعادت إلى الغرفة، لحسن حظها لم تجده، فارتدت ملابسها بسرعة ..
وقفت أمام المرآة تجفف شعرها، تتأمل الثوب الفيروزي الطويل الذي ارتدته، والذي يذكرها بلون عينيه كثيرًا ..
لا تمر دقيقة من عمرها إلا وتراه في خاطرها، إنه لعنتها الأبديّة، موجودٌ في كل الأشياء ..
وتفكر في تركه؟
كيف ستفعل ذلك؟
إنها تتوّهم، يائسة إلى ذلك الحد!!!
تنتهي "ليلى" من تهيئة نفسها مجددًا لفكرة الفرار بأيّ لحظة، وإن كانت تدرك إستحالة سماحه لها بهذا، لكنها تأمل ..
تخرج من الغرفة، لتسمعه ينادي عليها من مكانه بالمطبخ:
-تعالي يا ليلى.
ذهبت إليه مذعنة ..
رأته يقف هناك خلف البِنش، يعد لها شيئًا من الطعام، دعاها للجلوس، فلم تستجيب ..
تنهد "نديم" بثقلٍ وحمل طبق المعكرونة الشهيّ واستدار حتى وصل إليها، جلس هو بأحد المقاعد، ثم مد يده ممسكًا برسغها، شدّها إليه بلطفٍ إلى أن جلست فوق قدمه ..
استطاع أن يشبك عينيها بعيناه، واستمر التواصل البصري بينمهما للحظاتٍ طويلة، حتى قال بهدوءٍ وبتلك اللهجة الخافتة المميزة التي تذيب كل محاولة منها للتمرد عليه:
-ممكن عشان خاطري.. تاكلي؟
أنا بسببك مأكلتش حاجة من إمبارح. ولو فضلتي كده رافضة تاكلي أو تشربي أنا عمري ما هاكل ولا هشرب كمان
عشان خاطري يا ليلى.. أرجوكي.. كُلي من إيدي!
أنّى لها الرفض؟
بعد أن طلب منها بهذه الطريقة؟!
طواعيةً وجدت نفسها تباعد بين شفتيها، حين مد الملعقة صوب فمها، وصار يطعمها كما لو أنها طفلة صغيرة، حتى أنهت الطبق كله ..
ابتسم برضا وهو مسح على رأسها قائلًا:
-ألف هنا.. يارب يكون أكلي بيعجبك
عمومًا احنا مش هانطول هنا. أوعدك.. بس بمجرد ما نتصافى
هانرجع بيتنا.. وكل حاجة هاتكون أحسن.. هانرجع أحسن من الأول يا حبيبتي.
عاودت الدموع الظهور بعينيها من جديد، وانهمرت مدامعها وهي تنظر إليه بحزنٍ جمّ، ليتقلّص وجهه بألمٍ ..
يجد نفسه ضعيفًا مرةً أخرى، لا يستطيع شيئًا أمام حزنها، ولا يدري كيف يقيها هذه المشاعر ..
يضع الطبق من يده جانبًا، ويجذب رأسها إلى حضنه، يضمّها إليها بشدة هامسًا:
-عارفة إنك بتقتليني؟ دموعك دي أنا مش قادر أتحمّلها. خصوصًا وأنا عارف إني سببها
كفاية يا ليلى.. شوفي إيه إللي يرضيكي وأنا أعمله.. أنا مستعد أقف للعالم كله وأحارب الدنيا عشانك.
انفلت صوتها من بين سلسلة من الشهقات المنتحبة:
-انت أكتر إنسان حبيته.. وأكتر حد آذاني.. هو انت يا نديم... انت خدعتني وكدبت عليا!!
-أنا عملت كل حاجة عشان أحافظ عليكي. أنا كنت في سباق مع الزمن. عايزك تكوني ليا.. ليا وبس يا ليلى!
ورفع وجهها بيديه، يقبّل عينيها الدامعتين وهو يقول بلهجة معذّبة:
-أنا آسف.. عارف إني خذلتك.. الطريقة إللي خليتك بيها ملكي كانت غلط
بعد ما عشتي عمرك طله جنبي. في حمايتي.. فعلًا آذيتك.. بس أقسم لك مافكرتش كده
كل إللي فكرت فيه انتي.. وأي سكة توصلّني ليكي مشيتها منغير ما أحاسب نفسي
أنا بحبك يا ليلى.. وده عذري الوحيد. أنا بحبك!!!
وبترت كلماته تلك القبلة التي جاءت دون وعي منه، قبلة مفاجءة، مرتجفة، أقرب إلى الاندفاع منها إلى الاعتذار ..
لامست شفتاه شفتيها برفقٍ أولًا، ثم اشتدت القبلة مع انهمار دموعها، وامتزج فيها الندم بالعاطفة، والخذلان بالغفران ..
لدقائق لم يشعر بها كليهما، حتى همس من بين قبلاته التي خدّرتها كليًا ومقاومتها أيضًا:
-سامحيني.. ماقصدتش آذيكي... سامحيني على اي حاجة عملتها لأني ماعملتش حاجة غير إني حبيتك!!
قاطعهما دوي جرس الباب بغتةً ..
راوده قلقًا خفيًّا، فقام ممسكًا بها، وقال باقتضابٍ وهو ينظر تجاه الباب:
-ادخلي جوا يا ليلى.. وماتطلعيش إلا بأذني.. فاهمة؟
أومأت له بآلية وسارت عائدة للغرفة ..
بينما يخطو "نديم" صوب باب الشقة، يستعرض عبر شاشةٍ صغيرة موصولة بكاميرا خارجية هوية الزائر، ليتفاجأ برؤية "عمر".. ابن خالته ..
لكنه لا يتردد وهو يمد يده ليفتح له ...
-عمر!
-نديم!! .. ردد "عمر" من بين أنفاسه المتسارعة
يعبس "نديم" معقّبًا بصوته الأجش:
-خير! إيه إللي جابك يا عمر؟ وعرفت منين إني هنا؟
-مش وقت أسئلة يا نديم.. من فضلك
أدخل هات ليلى ويلا بينا بسرعة.
-في إيه يا عمر؟؟
ينفعل "عمر" بغتةً:
-قلت لك مش وقت أسئلة.. لازم نمشي فورًا. رياض نصر الدين عرف مكانك وجاي هو وعيلته ياخدوا ليلى بأمر من المحكمة!....
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم منة عصام
_ ردّت إليك _ :
ألجم ظهور السيدة "رؤيا" تهجّم "شهد" على زوجة خطيبها ..
سارت "رؤيا" تجاههما متجهمة، وخاطبت "شهد" مباشرةً بلهجةٍ صارمة:
-إيه التصرفات دي يا شهد؟ وإيه الكلام إللي أنا سمعته ده؟
انتي لحقتي تنسي كلامنا؟
انفعلت "شهد" ثانيةً وهي ترد عليها:
-مش قـادرة. مش قادرة يا طنط رؤيا.. حطي نفسك مكاني
إزاي كلكوا طالبين مني أكون عادي وباردة وأنا شايفة زين مع العبيطة دي ورايح جاي بيها قصاد عيني؟؟؟
-أنا مش عبيطـة!! .. صاحت فيها "ريهام" غاضبة
فأدارت "شهد" رأسها نحوها صارخة بعصبيةٍ:
-لأ عبيطة ومتخلفة كمان. فوقي يا ماما. يا أم عقل فسفس انتي
فاكرة نفسك واحدة.. ده أنا إللي هافوقك بقى ...
ومدت يدها نحوها قابضة على شعرها تجتذبها منه بعنفٍ، بينما تنفجر "ريهام" بصراخٍ مذعور، تتألم وهي تحاول تخليص نفسها باكية ...
-زيـــــــــــن.. زيـــــــــــــن.. يا زيـــــــــــــــــــن!!!
المسكينة بقيت تنادي بأسمه ولا من مجيب، بينما "رؤيا" تهرع فورًا ممسكة بـ"شهد".. تسعى للحلّ بينها وبين الأخيرة ولكن عبثًا ...
-شهد. بت يا شهد.. سيبيها. يخربيتك سبيها البت هاتموت في إيدك!!
تمكنت "شهد" من الإيقاع بـ"ريهام" بسهولةٍ، وبركت فوقها تكيل لها الصفعات وتشدّ شعرها بغلٍ حتى أقتلعت بعض الخيصلات، وسط موجات من الصراخ والبكاء الشديد اللا منقطع من فم "ريهام" ...
-مش سايباها. لازم أعرفها مقامها الهبلة دي
ولازم تسمع وتفهم إن إللي بعمله فيها ده ولا حاجة لو حاولت تقرب من زين. سامعة يا بت؟
هامـ/ وتك لو قربتي من زين.. انتي لسا ماتعرفيش مين هي شهد سليمان!!
في هذه اللحظة، تبرز "ميمي" راكضة عبر الشرفة الرئيسية مُلبية استغاثة صديقتها البشرية، كأنما رصدت عن بُعدٍ صوت صراخها المدوي ..
أقبلت جريًا نحو العراك وهي تطلق نباحًا قويًا متواصلًا، في غمرة غضب "شهد" لم تنتبه لتحذيرات الكلبة وزمجرتها ودورانها حولهم قبل أن تقرر الهجوم والدفاع عن صديقتها، ثم فجأة ..
انقضّت "ميمي" على ظهر "شهد" من الخلف، تغرس أسنانها بقوة في عضلة كتفها المكشوفة، فتصرخ "شهد" في الحال بلهعٍ:
-آااااااااااااااااااااااااااه.. الكلبة
الكلبة عضّتني.. الكلبة مسعـووورة
إلحقيني يا طنط رؤيـاااااا !!!
لكن "ميمي" لم تُفلتها بسهولة ..
كانت تشدّ وتنتزع، تعض بقوة دفاعًا عن صاحبتها التي فقدت الوعي الآن، جسدها المكسو بالفراء الذهبي اللامع يهتز من شدة الغضب ..
في جهةٍ أخرى اندفعت "رؤيا" من فورها، تحاول سحب الكلبة من فوق "شهد".. لكن الكلبة كانت في حالة دفاعٍ هستيري ..
حتى جاءت الخادمة التي بالكاد صادقت الحيوانة الأليفة واستطاعت جرّها بعيدًا ...
-أبعدووووها.. أبعدوووووها عنـــي! .. صرخت "شهد" وهي تتلوى بألمٍ ممسكة بكتفها المجروح
دموع مفاجئة انهمرت من عينيها، رعب خالص تمكن منها وهي تستنجد بـ"رؤيا":
-إلحقيني يا طنط رؤيا.. هموت
الكلبة دي مسعورة!!
لا تزال "ميمي" في وضعية الهجوم، تنبح نباحًا مفزع يناقض شكلها الوديع، تقف بين صديقتها وبين الآخرين الذين يشكّلوا عليها خطرًا، تحرسها، تتحدّى أيّ أحد يفكر بإلحاق الأذى بها مجددًا ...
________________________________________________
-وانت عرفت منين إن رياض نصر الدين وحفيده جايين يا عمر؟
كان الشك يملأ صوت "نديم" ..
بينما انفعل "عمر" هاتفًا وهو يحثّه:
-قلت لك مش وقت أسئلة.. يلا أدخل هات ليلى. لازم نمشي حالًا!!
نديم ببرودٍ: مش هانمشي.
عمر بدهشة: نعم؟
كرر "نديم" بنفس الأسلوب:
-زي ما سمعت.. مش هاتحرك بـ ليلى
جدها جاي؟ أهلًا وسهلًا. ليلى مراتي. وهي بنفسها إللي هاتختار تفضل معايا.
-لأ مش جدها إللي جاي لك.. أبوها!
سكنت الأجواء لحظة بروز الصوت الرجولي العميق ..
وظهر "دياب نصر الدين".. من ورائه "زين نصر الدين" مرتديًا الزّي الرسمي لجهة عمله ..
لم يتراجع "نديم" عن مدخل الباب، بينما إلتفت "عمر" مأخوذًا، غريزيًا اقترب خطوة صوب ابن خالته، يتخذ وضعية دفاعية مظهرًا موقفه بوضوحٍ من الوهلة الأولى ..
يلج "دياب" عبر المساحة الواسعة مارًا بجوار "نديم".. يقف قبالته كتمثالٍ نحت من جلمودٍ قاسٍ ..
يلاحظ "نديم" انضمام بضع رجالٍ من أفراد الشرطة ينتظرون بالخارج، لكنه لا يهتز طرفة عينٍ، يواجه "دياب" بثقة غير محدودة قائلًا:
-معلش بس أعرف مين إللي بيكلمني. حضرة الظابط أنا عارفه
والحج رياض معرفة من زمان.. انت بقى.. مين؟
جاوبه "دياب" محتفظًا في عمق نظرته إليه بحقدٍ شديد:
-أنا دياب نصر الدين.. أبو ليلى.
على الفور فهم "نديم" اللعبة التي يحيكونها، فقال باستخافٍ مستفز:
-فعلًا!
إللي أعرفه ان ليلى مالهاش أب.. قصدي متأيدة على أسم عمي مهران
فجأة كده طلع من عيلتكوا أب ليها؟ سبحانه!
كز "دياب" على أسنانه وهو يستمع إليه، ثم رد بجفافٍ:
-طلع لها أب. وعم. وخال.. وجوز لو عايز
أصلها محجوزة من وهي في بطن أمها لابن خالها.. زين.
وأشار نحو "زين" الذي وقف خلفه ملتزمًا بأقصى درجات ضبط النفس كما أوصاه قبيل وصولهم ..
سدد "نديم" نظرة حادة واحدة نحو "زين".. ونظر ثانيةً إلى "دياب" قائلًا بصلابة:
-آه الكلام ده ممكن تصدقه في أحلامك انت وأهلك وإللي يتشددلك
لكن الواقع. وانت واقف قصادي كده.. أضحك لما أسمعه.. ليلى مراتي. حتى لو طلع لها 100 أب. محدش يقدر ياخدها مني.
دياب بنصف ابتسامة:
-تراهن؟
وقبل أن تسنح الفرصة لـ"نديم" حتى يرد ..
علا صوت "زين" آمرًا:
-عساكر نفذ أمر ضبط وإحضار.. هاتوا لي ليلى دياب نصر الدين فورًا!
تصدّى "نديم" لفرديّ الشرطة مزمجرًا بخطورة:
-خطوة كمان وهاتبقى جريمة دفاع عن النفس!!
رد عليه "زين" متحرقًا للنيل منه:
-عز الطلب.. أنا مستني لك عليها!!
تأهب جسد "نديم" للهجوم بأيّ لحظة، ليمسك "عمر" بذراعه محاولًا كبحه وحمايته في آنٍ، بدا الوضع على شفى هوّة بركانٍ سينفجر لا محالة ..
وفجأة ...
-مش من حقك تنفذ الأمر قسريًا يا حضرة الظابط!
انضم صوتًا آخر إلى المشهد ..
بحضور المستشار القانوني الموكل لعائلة "الراعي".. أحضره "مهران" بنفسه وقد رافقهم فرديّ شرطة مماثلين ..
بدا "زين" كأنما قد بوغت، بينما لا يزال "دياب" هادئًا إلى أقصى حد، وكأنه واثقًا من ظفره بمبتغاه اليوم، ليس غدًا حتى ..
يقترب المحامي من "زين" مكملًا بلهجةٍ رسمية:
-أنا معايا ما يثبت إن مدام ليلى الراعي.. أو ليلى نصر الدين أيًّا كانت
السيدة إللي حضرتك جاي تاخدها دي متزوجة بعقد قانوني 100% من السيد نديم رشيد الراعي
وهو الوحيد إللي في إيده السلطة الكاملة والمطلقة عليها. يعني سيادتك ماتقدرش تاخدها لا بأمر محكمة ولا غيره. لأنها في عصمة زوجها.
وأشهر أمام الجميع نسخة مصوّرة من عقد الزواج العرفي الموّثق ..
استحال توتر "زين" إلى غضبٍ خطر خاصةً حين نظر إلى "نديم" ورآه يبتسم له كأنما انتصر مجددًا، أدار وجهه نحو المحامي صائحًا بشراسةٍ:
-الإثبات إللي معاك ده تبلّه وتشرب مايّته يا متر.. ده مزوّر!!
المحامي بثباتٍ: لو حضرتك شاكك في صحة العقد نقدر نثبته أمام المحكمة. ببساطة أطعن وانتظر الحكم.
زين باستهجانٍ: أطعن؟ أنا جاي أنفذ.. غصبٍ عنك وعن موكليك
أنا الرائد زين نصر الدين. عايز أشوف مين إللي يقدر يمنعني؟؟؟
-العقد فعلًا مزوّر!
إلتفت الجميع تجاه الصوت الأنثوي ..
واضطرب قلب "نديم" لوهلةٍ عندما رآها وسمعها، لا يتصوّر ما هي موشكة على اقترافه!!!
تتقدم "ليلى" نحو الجمع وعيناها على كلًا من "نديم" و"مهران".. دموعها تسيل بلا سابق إنذارٍ وهي تقول بتصميمٍ داعسة على قلبها:
-أنا ليلى نصر الدين.. ومقيمة هنا بالإجبار
وعقد الجواز ده ماعرفش عنه حاجة.. أنا مش متجوزة!!
نظر لها "نديم" مصدومًا، محذرًا، يناشدها التراجع عن أقوالها وإلا فستكون العواقب وخيمة ..
لكنها لا تأبه، لا تتراجع، تشيح بناظريها عنه محدقة في "زين" وهي تقول بصوتٍ أبح:
-أنا عايزة أخرج !
صاح "نديم" مندفعًا نحوها:
-يعني إيه تخرجي ؟؟؟
يعترض "دياب" طريقه إليها، بينما يمسكا به كلًا من "مهران" و"عمر" ..
يحاول الفكاك منهما هاتفًا بغلظةٍ:
-مش هاتخرجي يا ليلى.. على جثتي. انتي سامعة؟؟؟
انهمرت دموعها مدرارًا وهي تُساق بعيدًا عنه، لا ترى من يمسك بها، فقط نظراتها معلّقة به وتسمعه يهدر بعنفٍ:
-ليلــى.. مـش هاتمشـي.. مـاتقدريـش تسيبيني
انتـي مراااااتـي!!!
نطقت بصعوبةٍ بما تبقّى لديها من شجاعة:
-انت خسرتني يا نديم.. وباختيارك. بكلامك
وده اختياري.. نارهم.. ولا جنتك!
لا زال "دياب" قابضًا على ذراعها بلطفٍ حازمٍ، سحبها في هدوءٍ إلى الخارج دون أن يهتم لحظة للثورة المندلعة خلفه، العقار كله يضجّ بصوت "نديم" الأشبه بقصف الرعد، الجيران كلٌ يقف على عتبة شقته، حتى المنازل المجاورة.. الكل يراقب ما يجري بفضولٍ ..
بينما لا يعبأ "دياب" إلا لها، يفتح لها الباب الخلفي لسيارته، فتصعد "ليلى" بآلية، ثوانٍ وتجده يجلس بجوارها من الجهة الأخرى هاتفًا بصوتٍ آمر:
-أطلع على القصر يا فضل.
ينظر إليها، ليراها تحدق أمامها ذاهلة، ترتعش من رأسها لأخمص قدميها ..
تمتد يده تلقائيًا ويمسك بيدها، تنتفض وهي تدير رأسها ناظرةً إليه، بينما يقول بلطفٍ جمّ:
-ماتخافيش.. من اللحظة دي
محدش يقدر يهوب ناحيتك أو يئذيكي.. طول ما دياب نصر الدين عايش وبيتنفس.. طول ما أبوكي جنبك يا ليلى!..
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم منة عصام
_ الأولى _ :
جلست تحصي دقات قلبها منذ سماعها هدير محرك سيارته، عرفت فورًا بأنه قد عاد للمنزل، وتأكدت بمجرد أن ألقت نظرة من وراء ستار شرفتها ورأته ..
تحركت في غرفتها بعشوائية، عقلها وكأنه شلّ عن التفكير لدقائق، حتى أستقرّت بالنهاية على الجلوس في أريكتها الصغيرة، والتظاهر بالقرأة، لأنها واثقة من إنه سوف يقتحم غرفتها بأيّ لحظة ..
وبالفعل ..
إن هي إلا دقائق أخرى حتى ارتعدت فرائصها فور سماعها قرعًا عنيفًا على باب الغرفة ..
قسرت نفسها على الهدوء وهي تهتف من مكانها:
-أدخــل!
لم تمر ثانية، إلا ودفع الباب، ليظهر "زين" من خلفه ببنيته الضخمة، مخيفًا كالوحش الكاسر ..
تمالكت أعصابها وهي تبتسم له بوداعةٍ قائلة:
-أهلًا زين.. إيه المفاجأة الحلوة دي؟
أول مرة تزورني في أوضتي. خير في حاجة ولا إيه؟!
أستاطعت أن تشعر بذبذبات غضبه عن بُعدٍ، بينما يلج تاركًا الباب مفتوحًا خلفه وهو يقول بصوتٍ أجش:
-وانتي بتضربي مراتي يا شهد توقعتي لما أعرف هايكون ردّ فعلي شكله إيه؟
آلمتها الكلمة.. وصفه لمكانة تلك الفتاة بحياته.. إقراره بأنها زوجته!
ابتلعت غصّتها وردّت عليه باستنكارٍ واجمٍ:
-ضربت مين؟ مراتك؟
سلامة الشوف يا زين. ما أنا قاعدة قصادك أهو وماتحركتش من مكاني من الصبـ ...
-ماتكدبيــــش!! .. صاح فيها بضراوةٍ
انتفضت شاخصة عينيها برعبٍ، ليكمل بغضبٍ واضح:
-ريـهام مش كدابة. انتي الكدابة
وقسمًا عظمًا يا شهد لادفّعك تمن إللي عملتيه فيها. إللي حصل ده مش هايعدي على خير!!
أغلقت الكتاب بعصبيةٍ، ثم وثبت قائمة وهي تقول باستهجانٍ:
-لا والله!
هاتعملّي إيه يعني يا زين؟ هاتمدني على رجلي ولا هاتحرمني من المصروف؟
طيب ضربتها. وريني كده أخرك!!!
ورمقته بتحدٍ سافرٍ ..
سرت دماؤه بغليانٍ في شرايينه وهو ينظر إليها بغضبٍ شديد، ولم يشعر بنفسه إلا هو مندفعًا نحوها، قبض على رسغها وجذبها بعنفٍ للأمام كما يفعل بالمجرمين ..
صرخت "شهد" باحتجاجٍ:
-انت بتعمل إيـه؟ شيل إيدك عني يا زيـن
انت واخدني على فيـن؟ اوووعـــى بقـولك ...
لكنه لم ينصت لها، وكأنها لا تتكلم، جرّها جرًّا حتى منتصف الرواق، دفعها نحو كرسي جانبي، فتأوهت بألمٍ، بينما صدح صوته الجهوري مناديًا:
-عـمــــــــــــــي سليمـــــــــــــتــــان... يـا جـــــــــــــــــــــــــــدي ...
واستمر في صياحه المصمّ للحظاتٍ، ليحضرا والديه أولًا فزعين على إثر صوته والطريقة التي ينادي بها، وفورًا تساءلا:
-في إيه يا زين؟؟
-مالك يابني حصل إيه؟؟
لكنه لم يرد على كلاهما ..
ثوانٍ وبدأت أبواب الغرف تنفتح، وخرج "سليمان نصر الدين".. ه "رياض نصر الدين" الذي هرول نحو حفيده مرتابًا بشدّة:
-خير يا زين حصل إيه يا ولدي.. بتزعق كده ليه؟؟؟
انتبه "سليمان" لابنته ولاحظ حالتها المضطربة، فسأله بصوتٍ حاد:
-هاتهمّلنا نسأل في إيه كاتير؟ إيه الغاغة إللي عاملها دي؟ ما ترد!!
قست ملامح "زين" إلى أقصى حدٍ وهو يقول مخاطبًا جدّه أولًا:
-أسمعني كويس يا جدي.. أنا طول عمري ماشي في طوعك وماخرجتش عنه
كل كلمة بتقولها لي بنفذها منغير ما أناقشك حتى. ومكبرك من صغري لحد ما أنا نفسي كبرت عمري ما حسيت إني كبرت عليك. لكن بعد ده كله أحس إني مش متقدّر من عيلتي. في عز ما إللي برا كلهم عارفين ومقدرين كويس مين هو زين نصر الدين.. كده أفهم إن ماعادش ليا لازمة هنا وأكرم لي أخرج من دايرتك يا جدي.
شحب "رياض" لتهديد حفيده ولهجته العاصية لأول مرة، أدرك بأن المشكلة كبيرة حقًا، فرد عليه برفقٍ:
-ما عاش ولا كان إللي مايقدرش زين الرجال.. أنا طول عمري أقول عيلتي مالهاش كبير ولا سند بعد ربنا إلا انت يا ولدي. قولّي حصل إيه ومابقاش جدك رياض نصر الدين إن ما جبت لك حقك.
في هذه اللحظة، نظر "زين" إلى "سليمان" مستطردًا بصلابةٍ:
-عمي سليمان. بنتك غلطت إنهاردة غلط في وشك أول واحد.. للأسف ماعرفتش تربّيها وأنا عاذرك لأنك تقريبًا ربّيتها لوحدك منغير أم.
سليمان بحدة: انت إزاي تتحدت معايا بالاسلوب ده ياض؟ انت نسيت أنا مين؟
زين بلا اكتراث:
-لأ مش ناسي. وعارف أنا بقول إيه كويس.. بنتك مدت إيدها على مراتي
ولما روحت لها أكلمها ردّت عليا وقلّت أدبها. بنتك إللي المفروض خطيبتي وفي مشروع جواز. أتجوزها إزاي دي وهي واحدة مش محترمة ولا عارفة تحترم الراجل إللي معاها؟ دي حتى ماعملتش حساب ليك!!
كان "رياض" ينصت له باهتمامٍ، فما إن فرغ حتى رمق "سليمان" بغضبٍ قائلًا:
-الكلام إللي قاله زين ده مايرضنيش يا سليمان. معقول على أخر الزمن الحريم تقف قصاد الرجالة؟
بتّك صح مش متربية. إزاي ترد عليه؟ وكمان قبلها تضرب مرته؟
نظر "سليمان" نحو ابنته سائلًا باقتضابٍ:
-صح إللي جاله زين يا شهد؟ انتي عملتي اكده؟
إلا إن "زين" قاطع ردّها مخاطبًا إيّاه باستهجانٍ حاد:
-انت بتسألها؟ يعني أنا هاكدب عليك مثلًا؟
تدخل "رياض" بحزمٍ:
-عيب تراجع ورا كلام زين يا سليمان.. فيك إيه راخر؟
انتفخت عروق الأخير لشدة غيظه والضغط عليه من الجميع، وكل هذا بسبب سوء أخلاق ابنته، هي التي زجت به إلى هذا الموقف ...
-جول إللي يرضيك وأنا أعمله يا زين! .. قالها "سليمان" بجفافٍ نزق
حوّل "زين" ناظريه صوب "شهد" قائلًا:
-شهد قدامها اختيار من 3.. يا أجيب مراتي تعمل فيها إللي عملته معاها. يا تروح تتأسف وتعتذر لها لحد ما ترضى.. يا الخطوبة إللي بينا دي تنتهي دلوقتي حالًا وكل واحدة يروح لحاله.
-انت بتحلـم!! .. هتفت "شهد" بانفعالٍ، وأضافت برعونة:
-بتهددني بفسخ الخطوبة وفاكرني ميتة عليك؟ لأ يا سي زين ده انت تغور في ستين داهية انت ومراتك الهبلة ولا تفكر مجرد تفكير إن شهد سليمان تتذلل لجنابك انت وهـ ...
لم تكد تتم عبارتها ..
هجم أبيها عليها من فوره، يسكتها بضربٍ مبرحٍ، صفعاتٍ لا يحصها العدّ بينما يهدر فيها بخشونةٍ:
-أخـرســــي يا جليلة الرباية
صوتك ده مابعلاش. ماسمعش حِسك يا فا جرة. بتعرّيني جصاد أهلي. الكل عرف إني ماعرفتش أربي صح.. لا ده أنا أجتـ لك وأخلص من عارك بيدي!!!
ملأ صراخ "شهد" الأرجاء، بينما حاول كلًا من "طاهر" وزوجته الحؤول بين الأب وابنته، حتى تمكن "طاهر" بشقّ الأنفس من فصله عنها ..
انفجرت "شهد" باكية بين أحضان "رؤيا".. وصاح "سليمان" من بين أنفاسه العنيفة:
-تعتذري لخطيبك دلوق.. وإلا وعزة الله لاجطع خبرك.
-تعتذر لمراتي قبل مني يا عمي! .. قالها "زين" بذات النبرة الباردة
وكأن ما فعله بها "سليمان" لم يرضيه كفاية ..
رمقه "سليمان" بحنقٍ بَيّن، وأدار "طاهر" رأسه ناظرًا لإبنه وهو يقول بزجرٍ:
-خلاص يا زين.. مش وقته
عمك بيراضيك!!
زين بعنادٍ: أنا هاتراضى لما تتراضى مراتي.. مراتي كرامتها من كرامتي
وإللي غلط فيها كأنه غلط فيا. تعتذر لها ويخلص الموضوع.
لم يحاول "سليمان" إثارة النقاش أكثر وصرخ بابنته:
-جـووومي يابت.. خديها يا رؤيا لمرت ولدك عشان تعتذر لها
جـومي جامت جيامتك إن شالله.
تعالت شهقات بكائها، بينما تسحبها "رؤيا" وتنهضها برفقٍ، سار "زين" خلفهما حتى جناحه الخاص، دخل هو أولًا، ليجد "ريهام" كما تركها ..
جالسة فوق السرير، بجوارها "ميمي" تربض شامخة، ما إن رأتا "شهد" حتى تحفزتا ..
ارتعدت "ريهام" بخوفٍ، بينما زمجرت "ميمي" نابحة بتحذيرٍ، أسكتها "زين" بصيحة واحدة، فأذعنت الكلبة طائعة ..
غتجه نحو زوجتها مادًا يده إليها، سحبها صوبه قائلًا بهدوء:
-ريري.. شهد جاية تعتذر لك.
وأشار لأمه حتى تقرّب الأخيرة منها ..
كم كان هذا عصيبًا عليها، ثقيلًا لدرجة دفعتها لتمني الموت على طلب العفو من تلك الفتاة عديمة الفائدة بالنسبة لها، لكنها لم تجد بُدًا ..
بالكاد كانت "رؤيا" تسندها، عندما اقتربت خطوة واحدة وهي تقول بجفاءٍ بينما دموعها تسيل من غير بكاء:
-أنا آسفة عشان ضربتك.. ماكنتش أقصد.. أنا آسفة وده مش هايحصل تاني.
نظرت لها "ريهام" بريبة، وتشبّثت أكثر بـ"زين".. همست له وهي تزيد لصوقًا به دون أن تحيد عن الأخيرة التي لا تنفك ترمقها بنظرات غلٍ وحقد:
-خلّيها تمشي يا زين.. ريري مش عايزاها.
أشار "زين" ثانيةً لأمه لتخرج بها، فعلت "رؤيا" ما طلبه، ليمسك بكتفيّ "ريهام" ويحدّثها بلطفٍ:
-دقيقة وراجع لك يا حبيبتي.
وتركها مجددًا ..
عاد حيث ترك عائلته ...
-مرضي يا زين؟ .. سأله "سليمان" بصوتٍ حاد
أومأ له "زين" قائلًا بفتور:
-خلاص يا عمي الموضوع انتهى.. أنا كل إللي طالبه منكوا كلكوا إنكوا تحترموا مراتي
ريهام بنت سيادة السفير خلاص بقت على ذمتي. وأنا مش ناوي أغير ده أبدًا. ف أي حد عنده مشكلة في الموضوع ده يقول دلوقتي. احنا لسا على البر.
كان "سليمان" لينفجر به في هذه اللحظة لتعمّده إهانته بعد أن حطّ من شأن ابنته أيضًا، لولا تدخل "طاهر" بالثانية المناسبة:
-ربنا مايجبش مشاكل يا ولدي.. احنا كلنا أهل
ومرتك بقت مننا. محدش يقدر يقلل منها ماتقلقش.
وربت على كتف "سليمان" مبتسمًا وهو يضيف:
-ساعة شيطان وراحت.. بإذن الرحمن ماتعاودش تاني. وكلها كام يوم ونفرح بولادنا يا سليمان ياخوي.. أبوي حدد معاد فرح زين على شهد بعد اسبوعين ان شاء الله. الاسبوع الجاي كتب كتابه على ليلى. وبعدين الفرح الكبير لعروستنا شهد.
تدلّى فك "شهد" من هول الصدمة ..
تلك المعلومة جديدة، لم تكن تعرفها، إذن "زين" سيتزوج من "ليلى"؟
ستشاركها فيه امرأة أخرى غير تلك الخرقاء؟
لا يمكن ...
أحسّت "رؤيا" بانهيار الفتاة الوشيك، فأمسكت بها بإحكامٍ واقتادتها نحو غرفتها، بينما يقترب "رياض" من حفيده وهو يقول رابتًا على ذراعه باعتزازٍ:
-اوعك تاني مرة تقول إني مش مقدّرك.. انت مش حفيدي.. انت ولدي يا زين.. الدنيا كوم وانت كوم.
ابتسم له "زين" وانحنى على يده يقبّلها، ثم قال:
-ربنا يخليك لينا يا جدي.
انقضى الخلاف أخيرًا وعاد الكل إلى غرفهم ..
عاد "زين" إليها، أغلق الباب وسار نحوها، حيث كانت تنتظره في السرير، تحتضن "ميمي" بينما ملامحها متهدّلة بحزن ...
-إيه ريري. مبوّزة كده ليه؟ انتي لسا زعلانة ؟
وجلس بجوارها ..
تركت "ميمي" وزحفت لحضنه، ضمّها إليه بينما تقول بصوتٍ مكتوم:
-هي شهد دي تقرب لك إيه يا زين؟ أختك؟
مسح على شعرها بحنوٍ وهو يجاوبها:
-لأ يا روحي. مش أختي.. أبوها وأبويا ولاد عم.. وللأسف مخطوبين.
عبست وهي تبتعد عنه قليلًا لتنظر إليه:
-يعني إيه مخطوبين؟
أدرك "زين" المأزق الذي زج بنفسه إليه، لكنه تحلّى بالشجاعة والثقة وهو يخبرها بهدوء:
-مخطوبين يا حبيبتي يعني بينّا علاقة هاتوصل لجواز.. أنا هاتجوز شهد.
-يعني إيه هاتتجوزها؟ قصدك زي ما اتجوزت أنا وانت؟
-أيوة مظبوط.. عندنا في الشرع التعدد حلال.. يعني الراجل ممكن يتجوز مرتين وتلاتة وحتى أربعة.
-انت هاتتجوز أربع مرات يا زين؟
ضحك منها بخفةٍ وقال:
-لأ طبعًا مش هايحصل.
تجهمت مرددة: بس أنا مش عايزاك تتجوزها!
-ليه يا حبيبتي؟ انتي لسا مضايقة منها؟ انا جبتها لحد عندك وخليتها تتأسف. وهي وعدت إنها مش هاتعمل معاكي كده تاني!
هزت رأسها بعصبيةٍ قائلة:
-لأ أنا مش عايزاك تتجوزها.. يعني هي هاتبقى زيي.. هاتقعد معاك في أوضتك. هاتنام جنبك زي ريري
لأ.. زين مع ريري وبس.. خلّي شهد دي تمشي خالص!!!
انقبض صدره ما إن لمح طبقة من الدموع قد تكوّنت في لحظاتٍ بعينيها، وسرعان ما سالت مدامعها على خدّيها، أجفل وهو يمد يديه محاوطًا وجهها بكفّيه وهو يقول بخفوتٍ:
-بس بس.. ليه الدموع دي كلها؟
أنا هنا معاكي يا حبيبتي. مقدرش أسيبك ولا أبعد عنك. وشهد مش ممكن تاخدني منك. أطمني.
ردت بصوتٍ ملؤها النشيج:
-مش عايزاك تتجوز شهد.. اتجوز ريري بس!
ابتسم لبراءتها وقال برفقٍ:
-ما أنا فعلًا اتجوزت ريري الأول.. يعني ريري هي حبيبتي الأولى والوحيدة
أنا هاتجوز شهد بس عشان جدي طلب مني كده. لكن أنا ماختارتهاش. وبالنسبة لي أنا ماتجوزتش غير ريري.
-خلاص مش تتجوزها خالص بقى.
-ماينفعش أكسر كلمة جدي يا حبيبتي.. قوليلي. لو حد كبير طلب منك حاجة. باباكي مثلًا أو عمر أخوكي.. هاتقولي لأ؟
تفكرت للحظاتٍ، ثم هزت رأسها للجانبين، فتنهد وهو يسحبها لأحضانه من جديد متمتمًا لها:
-أنا كمان مقدرش أقول لجدي لأ.. لأنه كبير العيلة
احنا كلنا اتربّينا على كده. نسمع كلام الكبار. كبارنا وبس.
ريهام بصوتٍ مختنق:
-قالت لي زين بتاعي.. وإن زين مش بيحب ريري.. انت مش بتحبّني؟
كوّر قبضته بغضبٍ، لكنه تمسك برباطة جأشه وقال بلطفٍ مداعبًا شعرها بأنامله:
-أنا مش بس بحبك.. أنا بعشقك.. عارفة يعني إيه؟
يعني مقدرش أعيش منغيرك. وحياتي كلها مابقاش لها طعم ومعنى إلا لما دخلتيها انتي.. اوعي تسمعي كلام أي حد.. زين نصر الدين بيحب ريهام البدري.. زين بيحب ريري.. وعمره ما هايحب غيرها. ولا حتى شهد.
ورفع ذرقنها بسبابته وإبهامه، طبع قبلة طويلة على جبهتها، ثم أمال رأسه ليقبّل خدّها بعمقٍ ..
ولم يشعر بنفسه إلا مقبّلًا فمها أيضًا، قبلة بدأت بخفة، لكن شيئًا ما إنفرط بداخله، شيء لم يستطع السيطرة عليه ..
فما إن شعر بحرارة أنفاسها تلامس شفتيه، حتى مال صوبها أكثر، سرت يده خلف رأسها برفقٍ، فيما احتوت يده الأخرى خصرها النحيل ..
وتعمّقت قبلته دون وعيٍ منه ..
لم يفكر.. لم يتردد.. كل ما رآه أنها هي.. "ريهام".. فقط!
أطبقت شفتاه على شفتيها بشوقٍ مكبوت لم يفهمه، بينما "ريهام" بقيت ساكنة بين ذراعيه بلا حراكٍ، ذاهلة، تحدق فيه من بين جفنين نصف مغمضين، كأن عقلها يعجز عن تفسير ما يحدث ..
حرارى أنفاسه، قربه المفرط، وطريقته التي لم تختبرها من قبل لا منه ولا من غيره ..
كل ذلك جعل جسدها يتصلّب بين عجزٍ وخجلٍ، إلى أن تشبّثت أصابعها بطرف قميصه، كما لو أنها تلتجئ به منه هو نفسه!!
وفجأة ..
كأنه استفاق من غيبوبته ..
ابتعد "زين" عنها بسرعة، لهث مضطربًا، صدره يعلو ويهبط بعنفٍ، يحدق فيها غير مصدقًا ما فعل ...
-ريري! .. ناداها بصوتٍ قلق
كانت تحملق فيه بعنين متسعتين، خدّيها متوّردان، وشفتيها زادتا احمرارًا، ملامحها كلها مذهولة، لا تفهم ما حدث، لكنها تشعر بشيءٍ جديد يهز قلبها هزًّا ..
-انت عملت إيه يا زين؟ .. تساءلت ببراءةٍ مذهولة
تجمّد "زين" في مكانه للحظة، لا يدري ماذا يقول لها، و لا يجد كلمة واحدة يبرر بها فقدانه على السيطرة ..
هو نفسه لم يفهم كيف انجرف بتلك الحدة!!!
-أنا ..
ابتلع ريقه بتوترٍ، خفض بصره لحظة، ثم عاود النظر إليها، يغلبه الخوف عليها، ثم تمتم بخشونة:
-أنا آسف.. أنا هادخل أخد دش وأغيّر هدومي... وراجع لك.. مش هاتأخر عليكي.
وقام بلحظة مجفلًا إيّاها ..
توجه مسرعًا صوب الحمام، أغلق الباب عليه ممسكًا بظهر عنقه، ومارًا بأنامله على شفتيه، مصدومًا من فعلته ..
ماذا فعل؟
هذا السؤال ضرب رأسه كالسهم ..
لم يكن ينوي.. لم يكن يخطط ..
كانت مجرد لحظة ضعف، لكنه يدرك جيدًا أن لحظات الضعف هذه هي التي تغيّر مجرى الأمور ..
رفع يده إلى جبينه بضيقٍ وهمس بينه وبين نفسه:
-ماينفعش.. مستحيل.. مستحيل يحصل!...
رواية القصيرة و صاحب الهيبة الفصل الخمسون 50 - بقلم منة عصام
_ شوكولاه _ :
ألهذه الدرجة يحبّها؟!
ما برح "عمر البدري" يتساءل في نفسه هذا السؤال منذ ليلة أمسٍ، حين تبع ابن خالته إلى هنا، إلى مكانٍ يطئه "نديم الراعي" لأول مرة بحياته ..
في زاويةٍ معتمة من البار الشهير، حيث تختلط رائحة الدخان بضجيج الموسيقى الخافتة، جلس "نديم" منكفئاً على الطاولة الصغيرة ..
يطوّق كأسه كأنّها خشبة نجاةٍ لا يريد إفلاتها، عيناه زائغتين، غارقتين في حزنٍ ثقيل يلتف حول عنقهه كقيدٍ خانقٍ ..
أمامه جلس "عمر" يراقبه بقلقٍٍ صريح، يضرب بأصابعه على سطح الطاولة في محاولةٍ يائسة لإعادته إلى وعيه ..
رفع "نديم" الكأس وتجرّعة دفعةً واحدة، ثم أسند ظهره إلى المقعد، ليهوي بجسده المُتعب كأنّه انتهى لتوّه من معركةٍ خاسرة ..
هتف "عمر" بنزقٍ وهو يميل عليه يخطف الكأس من يده قبل أن يملأها مجدداً:
-نديم.. كفاية كده
انت عمّال تشرب من من ساعة ما جينا. انت عمرك ما شربت أصلًا!!
رمقه "نديم" بنظرةٍ زائغة، وابتسامةٍ باهتة تنزلق على شفتيه وهو يقول:
-ليلى تستاهل.. ليلى تستاهل أشرب عشانها يا عمر.
هزّ "عمر" رأسه بضيقٍٍ ممتزج بالشفقة وقال:
-إللي بتعمله ده مش هايصلّح حاجة يا نديم.. ولازم تفوق
ليلى خلاص اختارت طريقها. دي مش نهاية العالم. اصحى لنفسك.
ضرب "نديم" بقبضته على الطاولة، فارتجّت الكؤوس وبدا كأنّ الصخب حولهما قد اختفى، ولم يتبقَّ سوى صوت أنفاسه الثقيلة وهو يرد عليه بصوتٍ مبحوح، أشبه بزجاجٍ ينكسر:
-مالهاش حق تختار. بعد كل إللي حصل بينّا. خلاص كانت اختارت وبارادتها
ليلى يا عمر.. البنت إللي أنا ربيتها. إللي عاشت في حضني. إللي كبرت قدّامي وبقت.. بقت كل حاجة بالنسبة لي
ولما بقت مِلكي خلاص.. تضيع.. تبيعني بالساهل كده.. معقول كرهتني؟؟!!!
صارت لهجة "عمر" أكثر لطفًا وهو يخاطبه بهدوء:
-نديم.. انت غلطت آه. بس ليلى مش بتكرهك
هي بس مجروحة منك. وانت لازم تفهم إن أي تفاهم أو تصرف دلوقتي مش هايجيب أي نتيجة إيجابية
لازم تهدا وتوقف إللي بتعمله ده.. قبل ما تكسر نفسك أكتر.
مدّ "نديم" يده المرتجفة نحو الكأس التي انتزعها منه "عمر" وكأنه لم يسمع شيئًا من حديثه، لكن الأخير دفعها بعيداً عنه صائحًا بحزمٍ:
-لأ. مافيش شرب تاني.. على جثتي لو سيبتك تشرب نقطة كمان.
زفر "نديم" بيأسٍ وهو يحني رأسه، يدفن وجهه بين كفّيه، وصوته يخرج مخنوقاً:
-ليلى سابتني يا عمر.. مابصّتش وراها حتى.. ليلى بتكرهني. أنا عمري ما تخيّلت إنها تكرهني.. طول عمرها بتحبّني مهما أعمل فيها!
تنفّس "عمر" بعمقٍ، كأنّه يحاول جمع كل ما تبقى لديه من صبر وقال:
-طيب وهاتفضل تعمل كده في نفسك؟ انت فاكر إن ليلى لو شافتك بالمنظر ده هاترجع؟ بالعكس.. هاتخاف أكتر.
رفع "نديم" رأسه ببطءٍ، أحتقن وجهه بعجزٍٍ موجعٍ، وتماوجت خضرة عينيه بمسحة غضبٍ جلي وهو يردد بخشونةٍ:
-هـاترجع.. مابقاش نديم الراعي إن مارجّعتها
ومش جدّها بس إللي هايدفع التمن. لازم أردّ لها الضربة. على أد الوجع إللي حسيته وانا شايفها بتمشي قصاد عيني. على أدّه بالظبط يا عمر!
عمر بريبةٍ: مش فاهم!
هاتعمل إيه يا نديم؟
أظلم وجهه وهو يرد عليه بغموضٍ مخيف:
-هاخليها تكرهني بجد!!
_______________________________________________
استيقظت "ليلى الراعي".. بل "ليلى نصر الدين" ..
مع أول خيطٍ باهتٍ للضوء ينساب عبر النافذة المواربة، كأنما يخشى الصباح أن يصطدم ببقايا ليلةٍ منهكة، أثقلت جفونها بالبكاء وقلبها بالقهر ..
شعرت بثقلٍ غريب فوق صدرها، ليس كشيء مادّي، بل إحساسٌ غامض لا تعرف له مصدر ..
لتفتح عينيها ببطءٍ، فإذا بظل يجلس إلى طرف السرير قبالتها، ساكنًا يراقبها بصبرٍ وأناة، وكأنه لا يجد في مراقبتها أيّ نوع من أنواع الملل ..
حبست أنفاسها للحظة ..
إنه ذلك الرجل الذي أعادها إلى بيت عائلتها أمس، الرجل الذي أعلن أمام جدّها بأنه سوف يكفلها، وإنه سيجعلها ابنته، على أسمه ..
انتفضت "ليلى" من مرقدها بغتةً، جلست في مكانها محملقة فيه بعينين متسعتين، بينما يديها ترتجفان فوق الغطاء السميك ...
-ماتخافيش. ده أنا دياب! .. قالها "دياب نصر الدين" رافعًا كفّيه قليلًا بحركةٍ مسالمة
وتابع بهدوءٍ يُطمئنها:
-أطمني خالص يا ليلى. أنا أبوكي دلوقتي. ماينفعش تخافي في وجودي.. وعمومًا أنا آسف إني دخلت لك منغير استئذان.. بس بصراحة مقدرتش أقاوم شوقي ليكي!
عبست بعدم إرتياحٍ، فابتسم موضحًا:
-قصدي إني فرحان برجوعك لينا.. أمك كانت أختي
أختي بجد. كنا اخوات في الرضاعة. يعني أنا فعلًا زي أبوكي مش كلام ولا مجرد ورقة عملتها.. وأنا كمان ماعنديش ولاد.. ف انتي بقيتي بنتي.. وريثتي كمان.
لم تجبه، لم تكن تأبه بالترهات التي يتفوّه بها، لم تكن مرتاحة البتّة ..
عيناها تتحركا بسرعة بين ملامحه وبين الغرفة، حتى وقعتا على مصدر الشذى الذي ملأ رئتيها ..
باقات من الزهور، بيضاء وحمراء، مبعثرة حولها فوق الطاولات والأرفف وحتى الشرفة.. هذا شيء لم تعتد رؤيته.. ولم تتوقعه ..
رمشت بعينين مبللتين ببقايا دموع الأمس، لاحظ هو ارتباكها، فحافظ على هدوئه وهو يقول بابتسامته التي تمحو الذعر تمامًا وتغرس الطمأنينة محله:
-أنا مش مقيم في القصر هنا. عندي فيلا في زايد عايش فيها لوحدي. عشان كده لاقيتيني فوق راسك من النجمة
يدوب نمت ساعتين وصحيت غيّرت هدومي وجيت على هنا طوّالي أشوفك. وجبت لك الورد ده كله.. يعني فكرت أرحب بيكي على طريقتي.. وكمان عشان أحسسك إني مش زي أي حد قابلتيه من عيلتنا لحد دلوقتي. أنا غير الكل. وبمجرد ما بقيت في الصورة حتى جدك نفسه مايقدرش يضايقك بكلمة.
ظلّت تتنفس ببطءٍ، جراح الأمس، الفترة الماضية كلها تسحب ظلالها فوق وجهها الشاحب ذي الملامح الجميلة، ما أشبهها بأمها.. وكأنها نسختها!
امتدت يده من جانبه، حركة محسوبة غير متسرّعة، ثم قدّم لها صندوق شوكولاه أنيق، فاخرٍ لايمع برباطه الذهبي ...
-أمك كانت بتعشق حاجة أسمها شوكولاتة. وتحديدًا النوع ده
كنت دايمًا أجيبه ليها.. اتفضلي ..
وضع الصندوق بجوارها ..
حدّقت "ليلى" في الصندوق، ثم في عينيه الرماديتين، داهمتها مشاعر متناقضة إزائه ..
خوف.. ارتباك.. دهشة.. شعورٌ خافت يشبه الامتنان!
ربما لأنه بدا مختلفًا عن جميع من قابلتهم هنا، ربما لأنه.. مألوفًا!
بقى "دياب" جالسًا مكانه، محافظًا على مسافته، يقول بلا تعجل وهو يرنو إليها بنظراتٍ مبهورة:
-تعرفي إنك شبه أمك جدًا.. أنا كأني شايف قدامي دهب
انتي صحيح شبهها. وبنتها.. بس إستحالة تكون حياتك شبه حياتها
طول ما أنا عايش مش هاسمح إن ده يحصل... أوعدك.
دق الباب في هذه اللحظة، وأطلّ من خلفه "رياض نصر الدين" في غضون ثوانٍ، رفع حاجبيه بدهشةٍ حين رآى "دياب" ...
-الله!
انت هنا يا دياب؟
دياب وهو يلتفت إليه قليلًا:
-صباح الخير يا عمي.. أيوة أنا هنا.
-جيت امتى؟ .. تساءل "رياض" وهو يلج متجهًا صوبهما
-لسا جاي من مافيش.. ربع ساعة كده
قلت أعدي على ليلى أصبّح عليها. وجبت لها هدية بسيطة عشان تفك. وكمان فضلت سهران طول الليل بعمل أوردر ليها مخصوص. اشتريت لها هدوم وشوية حاجات كده ..
وأشار نحو كدسات من العلب والحقائب الورقية مكوّمة هناك بجوار الخزانة العريضة ...
-طبعًا ماينفعش ينقصها أي حاجة هنا.. دي بنت دياب نصر الدين!
رياض بامتنانٍ: تسلم يا ولدي.. فاتتني التفاصيل دي.
دياب مبتسمًا: ماتشيلش هم ليلى ورايح يا عمي
أنا خلاص هاكرّس حياتي ليها. طلباتها وكل أحلامها أوامر من إنهاردة.
نقل "رياض" بصره إليها، تحتويها نظراته بتلهفٍ ويحزن للغاية للتنافر الواضح عليها، لكنه يتخطّاه قائلًا بلهجة لطيفة:
-صباح الفل يا ست البنات.. أنا ماكنتش ناوي أصحيكي من الساعة دي
قلت بس أجي أطل عليكي وأطمن. بس بما إنك صحيتي إيه رأيك ننزل نفطر سوا؟
أنا وانتي وخالك دياب!
-أبوها يا عمي! .. علّق "دياب" بصرامةٍ
ضحك "رياض" بخفة وقال:
-أبوكي دياب.. يلا يا جلبي
جومي اتسبّحي كده وجهزي نفسك
وأنا ودياب هاندّلا ونستناكي تحت في الجنينة.
______________________________________________________
تلقّت منه رسالة مقتضبة عبر الهاتف يستدعيها إلى الصالون الذي يتوّسط طابق الغرف ..
تركت "رؤيا" زوجها نائمًا، وخرجت من الغرفة في هدوءٍ لتلاقي ابنها، ذهبت إلى حيث أرشدها ..
وجدته جالسًا هناك فوق كرسي وثير، مسندًا ساقه إلى ركبته وقد ارتدى ثياب عمله كالعادة، لكنه لم يكن منفرج الأسارير كدأبه خاصةً في حضورها، بدا منزعجًا من شيءٍ ما ...
-صباح الخير يا حبيبي!
لم يرد "زين" على تحيّة أمه، فقط تطلّع إليها بتجهمٍ وقال مباشرةً:
-مراتي اضطربت في وجودك امبارح.. وفوق ما سكتي وفوّتي وكنتي ناوية تداري على شهد. سبتي ريهام خايفة ومرعوبة في الأوضة لحد ما رجعت.. للدرجة دي أنا قليل عندك يا أمي؟
نفت "رؤيا" في الحال مقتربة منه:
-إيه إللي بتقوله ده؟ انت سامع نفسك؟
انت ابني الوحيد يا زين. هو أنا قاعدة ومستحملة العيشة طول السنين دي مع أهل أبوك عشان إيه؟ عشانك انت يابني. دول ناس مايتعاشروش!!
زين بعصبية مكبوتة:
-أنا ماجبتش سيرة أهلي دلوقتي.. أنا بكلمك عني
إزاي تعملي كده مع حد يخصني؟ إللي اضربت دي تبقى مراااتي.
أمتعضت ملامح "رؤيا" وهي تقول بعدم رضا:
-طيب بالله عليك ماتتكاش أوي على مراتي دي عشان بتحِز في نفسيتي
بعد شقايا في تربيتك وضياع عمري وكرامتي مع عيلة نصر الدين وبالأخص جدك.. تروح في الآخر وتتجوز واحد عبيـ ..
-أمـــي!!! .. صاح "زين" بتحذيرٍ غاضب
ابتلعت "رؤيا" الكلمة، ثم تنهدت بضيقٍ وقالت:
-يا حبيبي ماكنش قصدي والله أي حاجة من إللي فهمتها. أنا في الأول والآخر مايهمنيش حد غيرك هنا
مش هانطط حد عليك يعني.. بص أنا ماسكتش. وقبل ما ترجع كنت مسوّية شهد على الجنبين وسمعتها الكلام. وكمان جبت دكتور لمراتك لما وقعت من طولها وماسبتهاش إلا بعد ما أطمنت إنها بقت كويسة.
عقد "زين" حاجبيه يسألها بوجومٍ:
-أيوة صحيح.. لما وقعت من طولها طلعتيها الأوضة إزاي؟
جاوبته "رؤيا" بديهيًا:
-كرم ابن عمتك كان معدي بالصدفة ف ندهت له وشالها لـ ..
-كــــرم؟؟؟؟
ارتعدت مذعورة على إثر صيحته التي قاطعتها بعنفٍ ..
نظرت له مرتعبة، بينما يهب من مكانه مستطردًا بغلظة:
-إزاي تسيبي كرم يلمس مراتي يا أمـي؟؟؟
رؤيا بتوترٍ: الله! وفيها إيه يابني ماله كرم ده ابن عمتك!!
زين بغضبٍ مستطير:
-كرم إللي طلعته من جنحة تحرّش وهو في الجامعة. كرم إللي وقت ما كان عايش هنا وهو بيدرس كنا بنغيّر طقم الشغالات كل يوم من سفالته و وسا×ته. كرم إللي اتجوز مراته في قاعدة عرفية بعد ما شافها معديّة قصاد بيتهم في البلد وخطفها وبـ آ ...
بتر عبارته لعجزه عن توصيف ما فعله ذلك القذر بالمرأة التي تزوجها سلفًا ..
أغمض عينيه بشدة مكوّرًا قبضته بقوة حتى أبيّضت عظام كفّه، ثم نظر لأمه من جديد قائلًا بخشونة:
-اسمعيني كويس.. أول وآخر مرة تسمحي بحاجة زي إنها تحصل
سواء شهد لو هوّبت ناحية ريهام. أو كرم جرّب يقولها حتى صباح الخير.. انتي المسؤولة قدامي.. انتي يا أمي.. مفهـــوم؟؟؟
كانت تستمع إليه عاجزة عن الرد، متفهمة ثورته، ومن داخلها تقر بخطأها ..
تنهدت وهي تومئ له طائعة وقالت بخفوتٍ:
-حاضر يا زين.. وحقك عليا يابني!
لم تليّنه مهادنتها ..
ظل على عبوسه، ثم أولاها ظهره وإتجه عائدًا إلى جناحه الخاص، ولج مغلقًا الباب خلفه ..
وتلقائيًا أرسل نظراته نحوها ..
زوجته.. ملاكه.. لا تزال غافية في سريرهما ..
توترت أنفاسه ما إن ضربت ذكرى أول قبلة لهما عقله!
تذكر كيف اضطربت الفتاة.. كيف استسلمت بين ذراعيه جاهلة بما حاول جرّها إليه دون وعيٍ منه ..
كانت الأفكار تغزو رأسه منذ البارحة، من ضمنها فكرة عقد عليها قراره.. فهو لا يمكنه تصوّر الآتِ بينهما على هذا النمط ..
لا بد من حلّ!..