سامح مكنش فاهم حاجة. إيه اللي حصل للقط؟ دخل لصابرين البلكونة وقالها: –إيه يا صابرين مالكم؟ إيه اللي حصل بتصرخي ليه؟ من بين دموعها قالتله:
–الحقني يا سامح. ميشو أول ما خرجته من البوكس اتجنن وقعد يتصرف بهيستريا ويعمل حركات مجنونة وخربش سيف في وشه. وبعدها جرى على البلكونة نط وكأنه بينتحر وجري وسط العربيات زي المجنون. وكان في حاجة بتطارده وعربية دهسته تحت عجلاتها. وبعدها العربيات بقت تدوس عليه في الرايحة والجاية وتوديه يمين وشمال لحد ما فرمته خالص بالمنظر البشع ده. رفعت إيديها تشاور عليه وهي بتكمل:
–شوف يا سامح ميشو اتساوى بالأسفلت إزاي. شايف الدم بتاعه قد إيه مغرق الدنيا. قعدت تشاور على جثة القط بهيستريا وهي مش مصدقة، وعلى العربيات اللي رايحة جاية. وبعدها حطت إيديها على وشها وقعدت تصرخ بهيستريا. سامح بص ناحية ما بتشاور. كانت العربيات بتجري بسرعة ومفيش حاجة من اللي بتقول عليها خالص. قالها: –اهدّي بس يا صابرين لو سمحتي. تلاقيه نط من البلكونة وراح هنا ولا هنا وبيلعب في الجنينة وهيرجع. متخوّفيش الأولاد لو سمحتي.
لما سمعته بيقول كده، قعدت تعيط وتصرخ في وشه: –إنت مش شايف يا سامح؟ الدم بقلك العربيات فرمته تحت عجلاتها. يلعب إيه بس في الجنينة؟ دا انتحر. قعدت تشاور على مكانه. بس المرة دي كانت العربيات بتجري بسرعة ورا بعض، ومفيش دم ولا جثة القط. غمضت عينيها تاني وفتحتها، بس مكنش في حاجة برضه. مكنش عارفة إيه اللي حصل والجثة بتاعة القط راحت فين؟ دي كانت لسه موجودة قدامها. هنا سمعت صوت سلمى بتقول بفرح من بين دموعها:
–ماما ماما أنا سامعة صوت ميشو يا ماما. الأم بصت عليها بسرعة، هي وسامح، ومكنتش عارفة تقول إيه. واللي شافته دا؟ هي شافت القط وهو بينط من البلكونة وبيجري بفزع، وبعدها جري وسط العربيات لحد ما مات قدام عينيها. هي شافت كل ده والدم كان كتير أوي. لكن دلوقتي مافيش حاجة. هي كانت بتتخيل؟ معقول؟ سمعت صوت بنتها العامية بتردد: –ماما أنا سامعة صوت ميشو يا ماما من هناك. وشاورت ناحية المطبخ. سامح قرب منها وقالها:
–تعالي يا حبيبتي ندور عليه. أكيد مستخبي في مكان لأن البيت جديد وهو خايف. وقفت صابرين تبص عليهم وهما رايحين ناحية المطبخ ومش قادرة تتكلم. وبتقول لنفسها: –أنا متأكدة إنه نط من البلكونة ومات. أنا شوفته بعيوني. معقول كنت بتخيل؟ معقول؟ *** في المطبخ، سامح كان ماسك إيد سلمى وبيقلها: –أنا مش سامع حاجة يا حبيبتي خالص. إنت متأكدة؟ ردت بحماس: –اصبر بس يا عمو. أنا سامعه صوته أهو.
وقربت الطفلة من باب المطبخ، وهنا اتفاجأ سامح إنه كان ناسي باب المنور مفتوح. وقربت سلمى من الباب بالراحة وهي بتقوله: –هنا يا عمو. هنا. سامح قرب وحاول يسمع. وفعلاً سمع صوت نونوه ضعيفة جداً كانت خارجة من السلم تلضلمة البعيد. وهنا قالها بتوتر: –استنى يا سلمى. قالتله بعناد: –الصوت من هنا. وشاورت على السلم، وكان ضلمة زي القبور وشكله يخوف. –قالها لا يا سلمى مينفعش ننزل لأن الدنيا ضلمة تحت. –ابتسمت وقالتله بحزن:
–سيبني أنزل أنا يا عمو سامح. أنا متعودة على الضلمة وعايشة فيها. هخاف من إيه؟ الكلمة أثرت فيه وقالها: –استنى بس. ممكن ميكنش هو. لأن كنت واقف هنا لما ماما صرخت. هو نط في الشارع. الصوت فضل يزيد والطفلة أصرت إن القط بتاعها موجود تحت السلم. بس سامح رفض ينزل. رغم إنه ممكن يكون السلم على الشارع والقط لف ودخل مثلاً، بس شيء داخلي بيقول بإصرار:
"لا متنزلش. مش خير". وهو دلوقتي مش عاوز ينزل. يمكن من خمس دقايق بس كان ممكن ينزل. لكن لما بص لسلمى حس إنه لا بلاش يجازف. وقرر يقفل الباب وقالها: –هننزل ندور عليه في الجنينة يا سلمى. أحسن. وهو كان لسه بيقفل الباب، البنت صرخت وقالت: –ميشو تعالى دلوقتي بقولك. أنا عارفة إنك هناك في الضلمة. في آخر لحظة من قفل الباب اللي كان صوته عالي وصرير مزعج، دخل قط ضخم بسرعة يجري وهو بيموء بطريقة غريبة. سامح رجع لورا بسرعة من الخضة،
وهو بيردد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وسلمى فرحت وهي بتقول: –ميشو حبيبي. وحشتني. تعالى هنا. وفردت إيديها قدامها تتحسس الهوا علشان القط يجي عندها. بس القط فضل يبص على سامح. وكانت عيونه حمراء بلون الدم. وقرب من سلمى وهو بيبص عليه وبيبرق جامد.
سامح حس إن في حاجة غلط في القط ومش طبيعية أبداً. كان خايف. مش هينكر. غير إن القط كبر شوية. هو كان قاعد معاه امبارح وشافه كويس ولعب معاه. ومكنش بالحجم ده أبداً. ولا عيونه كانت حمراء بالشكل المرعب ده. وانيابه مكنتش بارزة كده بالطريقة دي أبداً. في حاجة بالقط غريبة. هو آه نفس القط ونفس اللون. بس ليه شكله اتغير؟ مش فاهم. وبقى مرعب أوي وغريب.
في اللحظة دي، سلمى قعدت تنادي على صابرين وهي فرحانة. وفضلت تنادي على مامتها بصوت عالي وهي شايلة القط اللي عمال يبص لسامح وانيابه باينة كأنه بيهدده وبيتوعده لو اتكلم: –يا ماما ميشو رجع. ميشو رجع يا ماما. سامح فضل خمس دقايق ثابت في مكانه مش مستوعب اللي حصل. وقال:
"يمكن بيتهيأ لي وما أخدتش بالي من القط كويس ولا من حجمه الكبير. هو قعد معاه وقت قليل وكام ساعة بس مش أيام. مهو مش معقول يكون إللي في دماغه ده حقيقي. ودا مش القط أصلاً بتاع سلمى. ودا قط تاني."
الفضول خلاه يبص للباب الموارب اللي لسه متقفلش. وسمع صوت همسات وزي ما يكون حد بيتكلم من ورا الباب. فتح الباب مرة واحدة، بس مكنش في حاجة. دخل بعدها المنور وقرر ينزل السلم ويعرف بيودي على فين. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم. وحاول يقرأ آية الكرسي، بس حس بتقل في لسانه وإنه مش قادر ياخد نفسه بسهولة.
وفتح كشاف الموبيل. وكانت خيوط العنكبوت مالية السلالم والتراب. ويظهر محدش بينزل السلم ده من سنين. استغرب إزاي القط راجع نضيف رغم لونه الأبيض. ونزل سامح سلمتين. وهو نازل سمع صوت الباب اتهبد مرة واحدة وزي ما يكون حد قفله بسرعة. وسمع صوت الترابيس اللي ركبها وهي بتتقفل واحد ورا التاني بسرعة. يظهر إن صابرين قفلت باب المنور عليه لما لقيته مفتوح وتربست الباب.
بس استغرب. هي ليه حتى ما حاولت تنادي عليه أو تشوفه جوه ولا لأ. كان حاسس بانقباض في قلبه شديد ونغزة جامدة. وشامم ريحة وحشة أوي. قرر إنه لا مش هينزل ولا عاوز يعرف نهاية السلم. وهيروح يروح لعياله أحسن علشان روقية متقلقش عليه. حاول يطلع السلمتين ويرجع. بس هنا سمع صوت صفير ريح عالي أوي في ودانه. وريحة وحشة وصوت زيت بيفور على النار. "تششششش تششششششش" أصوات كتير وغريبة متداخلة كانت في ودانه وصفير ريح عالي وشديد.
وهنا الموبيل وقع من إيده مرة واحدة جامد بصوت عالي. وقع على الأرض واتفتح والبطارية وقعت وانكسر والكشاف انطفى. وبقى واقف في الضلمة اللي سلمى عايشة فيها من سنين. وحس بنفس دافي لحد بيتنفس من وراه بسرعة. حس بسخونة شديدة من وراه. في حد واقف وراه في الضلمة. أيوه هو واثق. صوت النفس عالي أوي. وهنا صرخ سامح بفزع وحاول يدور على التليفون في الضلمة زي المجنون. وهنا حس بحاجة طرية تحت إيده. فصرخ برعب. "تششششش تششششش" ***
صابرين سمعت صوت سلمى وهي بتنادي عليها من المطبخ: –يا ماما ميشو رجع يا ماما. راحت تشوفها. لقيت سلمى واقفة لوحدها. وبتقولها بفرح: –يا ماما ميشو رجع. الحمد لله. الأم قعدت تبص يمين وشمال. مكنش في حاجة. وباب المنور كان مقفول بالترباس والقفل عليه. قالتلها: –هو فين يا سلمى؟ –ردت الطفلة بحماس: –مش عارفة. هو كان معايا بس نزل وجري يا ماما.
صابرين كانت دماغها بتلف من منظر القط اللي شافته مفروم في الشارع والعربيات دهسته. مقدرتش تتكلم. بس قالتلها: –ماشي يا حبيبتي. الحمد لله. تعالي ادخلي أوضتك يلا دلوقتي. يظهر إن أعصابي تعبانة من الإرهاق.
مسكت إيد سلمى واخدتها على أوضتها بالراحة. وكان لسه سيف قاعد على الأرض بيعيط ومغطي عيونه بإيده. وكانت حاسة بصداع وعيونها مزغللة. قربت من ابنها سيف ورفعت إيده وقعدت تشاورله إن القط بخير وميخافش. سيف كان مبيسمعش وبيكلم كلمات بسيطة. الطفل مصدقش. بس بص لأخته التوأم ولقاها هي كمان مبسوطة وبتشاور إن ميشو بخير ومحصلوش حاجة. سيف قام من الأرض ودخل الحمام يغسل وشه زي ما صابرين طلبت منه.
ووقتها صابرين افتكرت سامح جوز روقية صاحبتها. هو راح فين؟ قعدت تدور عليه في الشقة كلها وتنده بصوت عالي: "يا سامح يا سامح أنت فين؟ بس مكنش في صوت. بنتها ردت عليها وقالتلها بصوت غريب: –يا ماما عم سامح مشي. هو قالي إن مهمته خلاص انتهت هنا ولازم يروح دلوقتي أحسن. –صابرين ردت كلام بنتها بتعجب: –مهمته انتهت؟
أنا مش فاهمة حاجة. هو مشي حتى من غير ما يشرب حاجة ولا أشكره على اللي عمله معايا هو وروقيه مراته من أول اليوم. الرجل تعب معانا. ربنا يكرمه يارب. –ردت الطفلة على أمها ببراءة: –يا ماما هو هيروح خلاص لمكان أحسن عند ربنا. مش الجنة فيها حاجات حلوة كتير يا ماما؟ صابرين اتصدمت من كلام بنتها الغريب وزعقت: –أنت بتقولي إيه يا سلمي؟
بعد الشر على الرجل. ربنا يخليه لولاده ومراته. اسكتي يا حبيبتي بالله عليك ومتقوليش كده تاني بالله عليك. –ليه يا ماما؟ –كده. متقوليش كده وخلاص. أنا دماغي مصدعة وعاوزة أخلص وأرتب هدومكم في الدولاب. يا سلمى تعالي نحضر العشا سوا. إيه رأيك يا حبيبتي؟ تلاقيها جوعتي إنت وأخوك من بدري ما أكلتوش. –ماشي. أنا جعانة أوي وميشو كمان جعان وممكن ياكل أي حاجة. وبعدها قعدت تنده على القط بتاعها.
–يا ميشو تعالى هناكل خلاص. بلاش تاكل الخشب. أنا سامعة صوتك. صابرين بصت لبنتها ومش عارفة تقولها إيه. لأنها شافت القط ميت في الشارع. بس مش هتصدم البنت. خليها في خيالها أحسن. وهنا سمعت صوت سيف وهو بيصرخ بصوت عالي من الحمام.
صرخة سيف كانت عالية أوي ومرعبة. كان قلب صابرين هيقف من الرعب والخوف عليه. سيف مبيتكلمش إلا كلمات بسيطة جداً وبصعوبة. وكلماته غير مفهومة. زي تهتهة. ومبيسمعش خالص. وصوته عمره ما طلع. كانت كلماته كلها حروف متقطعة. وبيحاولوا يجمعوها زي لعبة البازل علشان يفهموا هو عاوز يقول إيه.
مكنتش مدايقة منه ولا حاسة إنه هم على قلبها. بالعكس صابرين كانت بتحب ولادها أكتر من نفسها. وضحت علشانهم بكل حاجة. رفضت تتجوز تاني لأنها مكنتش عارفة جوزها هيتعامل معاهم إزاي وهيقدر يتحملهم زي ما هي مستحملاهم. ومين هيستحمل إعاقتهم؟ إذا كان أبوهم هرب وسابهم ومرديش يتحملهم، هيتحملهم الغريب وجوز أمهم؟ يبقى بتضحك على نفسها. ودا كلام مسلسلات وأفلام هندي.
لما سمعت صرخة ابنها العالية كانت بتموت حرفياً. دا عمره ما صرخ بالشكل ده ولا صوته طلع أصلاً. جريت زي المجنونة على الحمام. وكان باب الحمام مقفول من جوه. حاولت تفتح الباب مكنتش عارفة. قعدت تصوت بصوت عالي وهي مش عارفة تتصرف. الباب زي ما يكون اتقفل بالمفتاح. وسمعت صوت تكة وبعدها تكة تانية وتالتة. بس مكنتش سامعة صوت ابنها خالص. سمعت صوت سلمى بتعيط وبتقولها: –سيف يا ماما ماله؟
صابرين مكنتش عارفة تعمل إيه وتنقذ ابنها إزاي. وحبكت يعني سامح يمشي دلوقتي. حاولت تفتح الباب بقوة وتزقه بكل قوتها وهي بتصرخ: "مالك يا سيف؟ بس الباب مكنش راضي يتفتح. أخدت التليفون المحمول زي المجنونة وقالت تتصل بسامح.
وقالت لنفسها: "أكيد سامح لسه مبعدش عن البيت. وممكن يرجع يكسر الباب." بس تليفونه كان مقفول. قعدت ترن عليه. تاني وتالت ورابع. بس مفيش فايدة. جريت زي المجنونة على شقة سيدنا اللي تحتيها. واعدت تخبط زي المجنونة. وهي بتنادي على سيدنا ينقذها ويلحق ابنها. بس محدش فتح الباب خالص. وكان صوت هدوء وصمت.
وكأن العمارة مش مسكونة. ومفيش حد ساكن غيرها هي وأولادها بس. مبقتش عارفة تعمل إيه وتروح فين. ومين هيساعدها. ملهاش حد في الدنيا. حتى الأهل تخلوا عنها. تنزل تصوت في الشارع. وهو سيدنا وبنته المجنونة راحوا فين؟ هو قال إنه مبيقدرش يخرج ويسيب البيت أبداً علشان الورثة. ومشاكله مع الورث والعيلة. وعلشان بنته المجنونة متقعدش لوحدها. دول لسه كانوا موجودين من شوية صغيرين. راحوا فين؟
محدش كان بيفتح الباب ولا بيرد عليها ليه. كانت زي المجنونة. وصوت سلمى بنتها بتنده عليها. وهنا افتكرت حسين. ولقت نفسها بتتصل بيه من غير ما تفكر. لأنه ساكن قريب منها. خطوتين من بيتها. وأكيد مش هيتأخر عليها لما يعرف إنها محتاجة مساعدة. رنت عليه. ورد عليها من أول رنة. وزي ما يكون كان مستني اتصالها وقاعد جنب التليفون. صابرين صرخت من بين دموعها: "أرجوك يا حسين إلحقني. إبني اتحبس جوه الحمام ومش عارفة أكسر الباب."
كان ردّه غريب أوي. رد ببرود وقالها: "متخافيش يا مدام صابرين. افتحي الباب بالمفتاح. هتلاقي في رف المكتبة التاني في الصندوق الأسود." مكنتش فاهمة حاجة. هو عرف منين الكلام ده ومكان المفتاح. قالته: "إنت بتقول إيه يا أستاذ حسين؟ مفتاح إيه اللي بتتكلم عنه؟ مش فاهمة حاجة خالص." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!