الفصل 2 | من 11 فصل

رواية اللعنة الفصل الثاني 2 - بقلم مني حارس

المشاهدات
30
كلمة
2,749
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

صابرين كانت طول الطريق بتفكر في كل حاجة حصلتلها في الحياة، ودموعها كانت بتنزل في صمت. ذكريات الماضي كانت قدام عينيها وكأنها فيلم سينمائي بتتفرج عليه. مش قادرة تعمل حاجة، الظروف، المجتمع، الكل تخلى عنها وهرب. حتى أقرب إنسان ليها بالكون، جوزها "مهاب".

المفروض إنه كان السند والأمان. عقلها مكنش قادر يتخيل ولا يستوعب الصدمة. الصدمة اللي تخليه يبيع حتى الشقة اللي كانت ساكنه فيها ويهرب. ويسيبها تعاني مع أولادها اللي محتاجين رعاية خاصة وأمان. مقدرتش تتخلى عنهم وترميهم في الشارع، قلبها مقدرش يعمل كده خالص.

ملهاش قلب ترمي ضناها في الشارع وأولادها. كانت دايما بتحاول تبان إنها قوية وترسم الضحكة قدام الجميع. بس القلب مليان جروح والنفس مكسورة من الخذلان والألم. خذلان الجميع، وحتى الزمن كسرها. ملقتش رحمة ولا أمان. وحتى أختها اللي من نفس الدم واللي ملهاش غيرها في الدنيا بتعايرها بمرض أولادها. وهما إيه ذنبهم، مش فاهمه، وهي إيه ذنبها هي كمان.

مكنش حد حاسس بكل النار دي جواها غير صاحبتها روقية. كانت حاسة بيها وحاسة بمعاناتها. مسكت إيديها بحنان وقالتلها: "متقلقيش يا صابرين، كل حاجة هتتحسن إن شاء الله. إن بعد العسر يسر وفرج كبير أوي صدقيني من ربنا، هو العالم بأحوالنا."

حاولت تبتسم بس الضحكة رفضت تخرج المرة دي. لأنها كانت حاسة بعدم الراحة، مش هتنكر. في حاجة بتقولها بلاش وابعدي لأنه مش خير أبداً وشر كبير. بس مفيش مفر ولا حل تاني بعد موقف أختها إمبارح مع أولادها. هزت راسها ومتكلمتش. كانوا رايحين مع زميلهم حسين في عربيته. وفضلت تتفرج على الشوارع والناس. بس كانت مستغربة الناس والشارع وكل حاجة من حواليّها. هو حسين ماشي ليه في الشوارع دي وبين البيوت دي؟

لا دي بيوتها ولا الناس دي تشبهها وتشبه ظروفها التعبانة. كان ماشي في شوارع نضيفة ومنطقة راقية نوعاً ما. لفت راسها وبصت على حسين اللي كان سايق وكان بيتكلم مع "سامح" زوج روقية وزملهم بردوا في نفس الشركة. واللي أصر يجي معاهم. يمكن روقية وجوزها عوضوها فقد الأهل واليتم. وقفوا معاها من أول أزمتها ومرضها ومتخلوش عنها ولا عن ولادها زي ناس كتير قريبين منها وبتربطهم صلة قرابة ودم.

بس الدم بقى رخيص أوي الأيام دي وبقى سهل. كانت بتبص لحسين وهو بيتكلم وبتفكر. يا ترى شمتان فيها وبيضحك عليها في سره؟ معقول يكون نسى وفعلاً بيساعدها؟ افتكرت لما اتقدملها من تمن سنين بس هي رفضته. لأنها مكنتش شايفاه زوج، كانت دايماً شيفاه زميل عمل مش أكتر. كان في حاجز جواها بيخليها دايماً تبعد عنه قبل ما تتعرف على مهاب وتتجوزه.

هو حسين مادياً كان كويس جداً وعريس ميترفضش. بس هتعمل إيه في أحكام القلب والهوى اللعينة. فعلاً مكنتش قادرة تتقبله ولا تشوفه كرجل ممكن ترتبط بيه وزوج تعيش معاه وتكمل نصفها الثاني. وحتى بعد مصيبتها واللي حصلها لسه الحاجز موجود، شيء داخلي بيكرهه ومش طايق وجوده. نفور كبير أوي وكراهية ملهاش مبرر ولا سبب لحسين رغم إنه بيحاول يساعدها. بس متعرفش سبب الكراهية دي كلها.

حاولت تاخد نفس عميق وتبعد كل الأفكار السودا دي عن دماغها. الرجل بيحاول يساعدها، على الأقل يستاهل إنها تقوله شكراً وتقدره. تبتسم في وشه مجاملة. وهنا بص عليها في مراية العربية، وشاف توترها ولاحظ دموعها، وقالها بصوته الهادي جداً: "خلاص يا مدام صابرين، إحنا وصلنا العمارة اللي على إيدك اليمين علطول." التوتر زاد والقلق. وهي بتقول لنفسها بقلق: "الرجل ده مجنون، عمارة إيه؟

" كان بيشاور على بيت من خمس أدوار في مكان راقي وشارع واسع. البيت حواليه سور من الحديد وبوابة كبيرة مقفولة. وفي بعض الزهور والورد وكام شجرة، جنينة صغيرة. قالت بتوتر من المفاجأة وعدم التصديق: "فين البيت يا أستاذ حسين؟ مش فاهمه؟ شاور بايده وقالها: "البيت ده، هو مفيش غيره على يمينك؟

الكلام كان غريب. حتى روقية وزوجها استغربوا من كلام حسين. لأن شقة في عمارة زي دي إيجارها مش هيقل عن ٥٠٠٠ جنية مش ٥٠٠، ولو مفروشة ممكن توصل ١٠٠٠٠ جنية. يبقى في حاجة غلط. من الصدمة وعدم التصديق صابرين متكلمتش. بس سامح قال بعدم تصديق: "حسين، إنت بتهزر؟ شقة إيه اللي هيكون إيجارها ٥٠٠ جنية؟ وكملت روقية: "فعلاً الكلام مش منطقي يا حسين، شقة في مكان زي دا هيكون إيجارها غالي جداً على صابرين." ضحك حسين وقالهم:

"يعني أنا هضحك عليكم ليه يا جماعة؟ اصبروا بس واتكلموا مع صاحب البيت، هو ده المبلغ اللي طالبه." وشاور على عمارة كبيرة آخر الشارع وقالهم: "أنا ساكن في العمارة الصفرا اللي هناك دي في الدور الثالث. بعد ما نخلص هنعمل غدا كلنا وفرصة تتعرفوا على المدام بتاعتي." وضغط على آخر كلمة وهو بيبص على صابرين بطرف عينه. وشبه ابتسامة ساخرة على وشه.

القلق والخوف زاد في قلب صابرين، وكانت عايزة تمشي. بس اضطرت تضغط على نفسها وتبلع لسانها وتسكت. وهتعمل إيه؟ لازم تلاقي مكان تعيش فيه. ومش هينفع تقول لروقية أبات عندك كمان الليلة. كفاية راحت لها في نص الليل وطلبت تبات عندها هي وأولادها. وهي كتر خيرها استقبلتها هي وجوزها أحسن استقبال. بس مش هينفع تبات عندها يوم تاني وتكون ضيف تقيل على حد. حتى لو اضطرت تبات في الشارع.

نزلوا كلهم من العربية، وقفل حسين باب العربية وقرب من البوابة الحديد ورن جرس كان جنب الباب. ولونه أسود شبه العين، ومكنش باين من بعيد. واستنوا عشر دقايق ومحدش رد. كانت صابرين عايزة تمشي ودقات قلبها بتزيد. وحتى روقية وجوزها حسوا بعدم الراحة. بس ابتسامة حسين الصفرا اللي بتطمنهم إنهم ميقلقوش.

وكانت صابرين بتحاول تركز في أي حاجة بعيداً عن البوابة وبتتفرج على الشارع. وشافت ست عجوزة واقفة قصادها من الناحية التانية من الطريق. بتشاور لها بإيدها وزي ما تكون بتقولها: "لا، لا، لا."

مكنتش فاهمه هي الست بتقولها لا على إيه. ولسه هتعدي الشارع وتروح تسألها في إيه. بس في اللحظة دي وبعد طول انتظار اتفتحت البوابة الكبيرة مرة واحدة. وظهر من وراها رجل عجوز وظهره محني والبثور مليانة وشه بطريقة صعبة ومقززة. كان شكله يخوف ومرعب. ورفع عيونه ليهم. وكانت عيونه كبيرة وبارزة أوي بطريقة مش طبيعية. وقالهم بصوت قوي ميتناسبش أبداً مع سنه الكبير والشيب اللي في شعره ولا حتى ظهره المحني والعكاز اللي بيتسند عليه:

"معلش يا أولاد، حكم السن، اتأخرت عليكم. اتفضلوا، البيت بيتكم." ورحب بيهم وسلم على حسين وقاله: "عمرك ما اتأخرت عن معاد يا ولد." "عمري ما أتأخر عنك وأنت عارف وطلباتك أوامر يا سيدنا؟ رد حسين كان غريب للكل. هو كان قالهم إنه ميّعرفش الرجل. ده مجرد جار ليه وعاوز يأجر شقته. لكن ليه كلامه غريب كده وواضح إنه يعرفه كويس؟ نظرات عيونه في حاجة مش كويسة. صابرين بصت لروقية برجاء.

كانت عايزة صاحبتها تقولها: "يلا نمشي، المكان ده مش مريح وفيه حاجة غلط." بس ده محصلش. بالعكس صاحبتها دخلت ورا جوزها وحسين. ولما لاحظت إن صابرين واقفة مكانها بتبص للمكان بتعجب، رجعت شدت ذراعها وقالتلها: "يظهر ربنا هيعوض صبرك خير يا صابرين." ردت بصعوبة مش عارفة.

الجنينة كانت طويلة ولفة حوالين العمارة مع السور الحديدي. مساحتها كانت كلها بالطول. العرض كان يدوب ٣ متر. ورصيف طويل بلاطة وبلاطة. البلاط شكله قديم والبيت شكله قديم أوي. بيت من خمس أدوار، بس مكانه المميز وسط الشارع الكبير. ومكنش فيه بيوت غيره. كل العمارات كانت آخر الشارع. وكان عامل زي الولد العاصي اللي أهله طاردينه برا البيت ومش عاوزين يشوفوا وشه ولا يكون لهم صلة بيه.

كان قدام بوابة البيت الداخلية في تمثالين من الرخام الأسود. كان تمثال واحدة ست وماسكة طفل صغير بين إيديها وبتحاول تحميه وتغطي عينه. وزي ما تكون بتصرخ أو هربانة من شيء. والتمثال التاني كان ملوش ملامح مرعب. زي ما يكون طفل صغير لعب بالصلصال وعمل شكل ملوش معالم محددة ولا مفهوم هو إيه بالظبط. بس فيه طاقة وحشة. صابرين لقت صاحبتها بتشدها جامد علشان تدخل البيت. وهي عمالة تبص على التمثال والست اللي بتهرب بطفلها من المجهول

وبتفكر في سرها وتقول: "يا ترى، هي الست دي كانت بتغطي عين ابنها ليه ومش عايزاه يشوف إيه يا ترى؟ كانت ملامحها واضحة، بس واضح إنها ست لابسة جلباب طويل وشعرها مفرود، وعينيها محفورة بنظرة مرعبة. والتمثال التاني راجل ماسك عصاية طويلة ووشه مشوه كأن حد كسره ورجعه تاني. وكل تمثال فيهم على طرف باب العمارة كأنهم بيحرصوا المكان أو بيحذروا الناس من الدخول.

صابرين وقفت مكانها، قلبها بيخبط بسرعة. الإحساس بالخطر كان بيزيد كل ثانية. وكأن روحها بترفض تخطي أول خطوة داخل السور. بس خطوات الناس اللي معاها كانت بتجبرها تمشي وراهم غصب عنها. وأول ما دخلوا من بوابة العمارة، حسّت كأن الدنيا اتغيرت. الهوا بقى تقيل. وفي ريحة قديمة كأنها طالعة من كتب مهجورة أو أكفان قديمة. حسين كان ماشي قدامهم وبيتكلم بصوته العادي. بس كلامه ما كانش مريح.

الراجل العجوز اللي فتحلهم الباب، كان ماشي بصعوبة قدامهم. وصوته بيرن في ودانها كل ما يقول حاجة. حسين كان ماشي جنبه كأنه خادمه مش ضيف عنده. وصابرين كل خطوة بتاخدها حاسة كأنها داخلة في عالم تاني. عالم ما فيهوش رجعة.

روقيه كانت بتحاول تهزر وتكسر التوتر. بس ضحكتها كانت باينة إنها مصطنعة. وصابرين لاحظت إن كل ما يقربوا من مدخل العمارة، الحيطان بيظهر عليها نقوش غريبة. شبه الرموز القديمة أو التعويذات. مش مفهومة بس مخيفة. وكل ما قربت منهم، حسّت بدوخة خفيفة. زي ما يكون في حاجة بتسحب طاقتها. كان فيه هواء بارد خرج عليهم، كأن البيت نفسه بيتنفس برد. والأنوار كانت ضعيفة، والسلم قديم وبيطلع صرير في كل خطوة. والرجل العجوز وقف عند

أول السلم وقال بصوت خشن: "الدور التاني على الشمال… الشقة جاهزة ومستنياكي يا بنتي." لكن صابرين ما قدرتش تتحرك. حسّت بحاجة بتشدها لتحت. لدرجة إنها ساندت على باب الشقة علشان ماتقعش. رفعت عينيها وبصت للسلم، وكأن فيه عيون بتراقبهم من فوق. والبيت كله بيهمس بأسرار، كأن الجدران نفسها عايزة تحكي. روقيه سبقت صابرين. وهنا، بدأت اللعنة. الباب اتفتح مرة واحدة وسمعت صوت عالي بيصرخ في وشها:

"لو كنتي فاكرة إن الحياة هتنصفك بعد كل اللي حصلك واللي شوفتيه في الدنيا وفاكرة إنك هتلاقي الراحة، تبقى غلطانة. الحياة عمرها ما بتقف مع حد زيك ولا بتقف جنب حد يا غبية. لازم تفهمي دا كويس يا جبانة. هتفضلي كده طول عمرك وهتموتي كده غبية وجبانة ومستسلمة لكل حاجة. يا غبية يا جبانة." وبعدها صوت ضحكة عالية ملهاش معنى وصويت عالي. صابرين وقفت وهي بتسمع الكلام ده والدموع نازلة من عينيها. بتحاول تبعد

عنها من الخوف وبتفكر بقهر: "ليه الست دي تقولها كده وتعرف إيه عن حياتها وعن اللي شافته في الدنيا؟ ومين قالها إنها ضعيفة وجبانة؟ للدرجة دي باين على ملامحها؟

هي دخلت من باب البيت هي وصاحبتها. وكانت طالعة السلم، لأن الشقة كانت بالدور الثاني ومفيش أسانسير. وهما طالعين السلم، إنفتح باب الشقة الوحيد اللي بالدور الأول وخرجت الست الغريبة دي. شكلها في أواخر الخمسينات من عمرها. التجاعيد باينة على ملامحها وأثر الزمن. وكانت لابسة هدوم غريبة وألوانها كتير وشعرها منكوش.

خرجت مرة واحدة ومسكت إيد صابرين وقعدت تقولها الكلام ده بصوت عالي. إيدها كانت محروقة وآثار التشوه صعبة جداً في إيديها. لما صابرين صرخت من الفزع، روقية رجعت بسرعة ومسكت إيدها وحاولت تشدها وقالت للست: "لو سمحت اسكتي، كفاية كده. إنتي مين؟ ونادت على جوزها وعلى حسين. وهنا نزل حسين وصاحب البيت بسرعة. اللي أول ما شاف الست متكلمش. شاور بإيده إنها تدخل الشقة تاني. وفعلاً من غير كلمة واحدة دخلت الست الشقة وقفلت الباب بصوت عالي.

صاحب البيت قالهم بصوته القوي:

"متخافوش منها. دي "الحياة" بنتي بس عقلها على قدها. مش مؤذية خالص. بس بعد موت ولادها قدام عينيها والنار مسكت فيها وشوهت جسمها وهي كده ودا حالها. نادر لما تتكلم ودايما ساكتة. بقالها سنين وسنين مفتحتش بقها حتى نسينا صوتها. وأوقات كده تتكلم مرة واحدة وبعدها تسكت. متخافيش يا بنتي منها. هي قاعدة معايا ومبتخرجش برا باب الشقة. بس استغلت إنّي نزلت ونسيت أقفل الباب بالمفتاح. معلش الغلط عندي. أنا قلت أفرجكم على الشقة بسرعة."

وهنا ردت صابرين بتوتر: "هي ولادها ماتوا إزاي لو سمحت؟ "قدر ونصيب، متشغليش بالك. كله مكتوب وكلها موتة يا بنتي. حتى لو كانت الطرق مختلفة، المهم النهاية واحدة. اطلعي يلا اتفرجي على الشقة هتعجبك علشان نمضي العقد. عارف إنك عاوزة ترتاحي. ومتقلقيش هترتاحي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...