دوار شديد عصف بها وهي تحاول فتح عينيها المثقلة وتحاول تحريك أطرافها المتخدرة. شعرت وكأنها تحارب مراراً كي تستطيع فعل ذلك، حتى رفعت ستائر رموشها الكثيفة وهي تعقد حاجبيها بألم شديد وعدم تركيز.
زارت ببقرتيها الحرة التي لم تهتم بالأسر جميع ماحولها لتشهق بقوة وهي تتذكر ما حصل وتنزل دموعها بشدة وهي تهمس باسم زوجها بقلة حيلة وخوف، ما أن يكون قد مات. حاولت أن تتحرك لترى بأن كل يد مقيدة بطرف من السرير التي تقطن به. نزلت عيناها لقدميها لترى بأن كل قدم قد قيدت منفردة بكل طرف من السرير من تحت مثل يديها تماماً.
أنتابها الخوف الشديد وهي تتذكر ذاك المختل الذي لم يوقفه شيء عن ترك علاماته على جسدها التي لم تزول تماماً حتى الآن. والآن لن يمنعه شيء عن فعل ما يريده بها، فمصدر أمانها وحمايتها ليس بجانبها ولا تعلم ما قد حصل له. أرتعش جسدها خوفاً وغرق وجهها بالدموع وهي تدعي ربها أن ينجي زوجها من الموت المحتم وينجيها من هذا المختل قلبياً وعقلياً. "يا خبر، لما لم تنادي لي عندما استيقظتي؟
نظرت بعينيها نحو صاحب الصوت لتراه واقفاً أمام باب الغرفة بكل أريحية. مالفت نظرها هو ارتدائه لحذائه الفرو الذي على شكل قطة. "أعلم بأني وسيم، لا داعي لتأملي"، قالها زياد باستفزاز. "ماذا تريد مني يا هذا؟! " قالتها بلقيس بنفور شديد. ضحك زياد بفم مغلق وعينان مغمضتان ليقول بهمس غير متزن: "ماذا برأيك قد أريد منك يا حبيبتي؟
"لست حبيبتك، أنا امرأة متزوجة وعاشقة لزوجها، لذلك أرجعني لزوجي"، قالت كلماتها وهي تسك أسنانها غضباً، محاولة كسب القوة ولو قليلاً. هذه المرة فتح فاهه ليضحك بكل قوته لفترة طويلة جعلت من قوة بلقيس تتفتت والخوف يتخبط بداخلها محتلاً كل ركن بها. أكمل ضحكه وهو يمسح دموعه قائلاً: "من زوجك؟ لا يرضيني أن أرجعك لزوجك في المقابر، ذاك المكان ليس لك بعد."
أهتز جسدها بعنف وأرتعشت شفتيها منذرتاً ببكاء مرير، أما عن قلبها الذي أرهقها بدقاته العنيفة. كل ذلك جعل من الدوار يلاطم بها بعنف شديد لتهمس بعدم تصديق: "ماذا تعني؟ "ماذا سأعني مثلاً؟ المسمى زوجك قد تم دفنه ومات مبكراً"، قالها بسخرية وابتسامة جانبية. "يزن"، همست بضعف لتطلق العنان لبكائها الحاد ودموعها الحارقة بالانطلاق.
أدار ظهره لها وهو يبتسم بانتصار شديد ويتجه نحو المطبخ مكملاً عمله وهو يدندن على نغمات بكائها بكل استمتاع ولذة. *** فتح باب غرفة صغيرته ليجدها غارقة بنوم عميق. كم هي بريئة ومنزهة عن كل أخطاء العالم. سحب قدميه بتثاقل ليدخل لغرفتهم ويجد زوجته جالسة على السرير ومن ملامح وجهها يظهر القلق والخوف. وعندما رأته يدخل همست بخفوت: "غادر عمي محمود."
فرد ظهره على السرير بجانبها ووضع رأسه على قدميها ويدفن رأسه تحت صدرها وهو يتنهد بحرارة. تعرفه جيداً. لا يريد التكلم الآن. فقط يحاول إخراج الضيق بداخله. لذلك خللت يديها البيضاء جداً بين شعيراته الشبيهة بخصلات شعر شقيقه الأكبر بكل حب ويدها الأخرى تزور وتربت برفق على ظهره وذراعيه. بعد فترة طويلة لم تشعر هي بتعب لجلوسها تلك الفترة كلها. خرج
من بين أحضانها ليقول بخوف: "حالة زياد تتدهور يا آيزل، وعمي يخبرني بأنه يحتاج لجلسات مكثفة حتى يرجع لسابق عهده." "وكيف الآن؟ هو بالتأكيد لن يوافق"، قالتها آيزل بقلة حيلة. زفر سامر الهواء الساخن من جوفه: "هذه هي المشكلة. وأنا لا أعرف حتى أين مكان شقته ولا ماذا يفعل الآن حتى. أشعر وكأنني قليل الحيلة يا آيزل." وضعت يدها على صفحة خده الأسمر وهي تداعبة
بباطن إبهامها قائلة بحب: "لا تيأس من رحمة الله يا سامر. ولدي فكرة، لما لا نؤثر عليه بغصن كونها هي الأحب إلى قلبه، لربما وبإذن الله يوافق للذهاب لطبيب النفسي." وضع يده على يدها وهو يقول بأمل: "عندما يأتي سنحاول بهذا ولعل وعسى يوافق." "إن شاء الله سيوافق"، قالتها بابتسامة بعثت الراحة لقلب زوجها الذي ظل ينظر لها بامتنان شديد وهو يفكر: "أليست هذه الأجنبية التي قاطعوني من أجلها أكثر أفراد أسرتي عندما تزوجتها؟
" فهي ذات أصول روسية تعرف عليها عندما ذهب لروسيا لغرض الدراسة ليقع بحبال حبها مباشرة. لم تعدي فترة طويلة حتى نسجاء مع بعض أروع قصة حب مختلفة الأديان. ساعده في ذلك معرفتها للغة العربية بطلاقة وعدة لغات أخرى. لاقوا صعوبة كبرى بإقناع والدتها المتزمتة دينياً. فكيف لأبنتها المسيحية أن تتزوج فتى مسلم؟
سنة بأكملها تعرض فيها لأقصى اختبارات والدتها الصارمة حتى رضخت أخيراً. ليتزوجها ويضع أفراد أسرته تحت الأمر الواقع. والده الحبيب رحمه الله لم يمانع دخول فتاة مسيحية لمنزله عكس والدته التي وقفت أمام وجهه وأذاقت زوجته أسوأ أنواع العذاب. لم يرتاح منها إلا عندما تطلقت من والده وتزوجت من رجل آخر. كان شرطه الوحيد أن لا تتذكر أي من أبنائها، فوافقت مباشرة. أبتسم وهو يتذكر اعتناق زوجته للإسلام بعد خمسة شهور من زواجهم بكامل قناعتها ورضاها. فكيف لها ألا تعتنق الإسلام وقد اعتنقت قلب زوجها عشقاً واعتنقها لهفة وحباً.
"بما شردت؟ " قالتها بهمس. "بِك"، قالها بنفس همسها. تبسمت ببعض الخجل فلا زالت تحمر وجنتاها وقد مر على زواجهم سبع سنوات. "أحبك كثيراً يا آيزل"، قالها أمام شفتيها. "وأنا أموت بك يا قلب آيزل"، قالتها وهي تنظر بحدقتيها الزرقاء الفاتحة لعيناه السمراء الفاتنة بكل عشق. غرز شفتيه بين خاصتها وهو يعتليها بينما هي ألتفت بيدها لخلف رأسه مستوقفين قارب الحب كي يأخذهم لدومة عشقهم اللذيذة والأبدية. *** "ماذا بك؟
"، قالها بغيظ لتلك التي تدور في الغرفة ذهاباً وإياباً دون أن تتفوه بكلمة واحدة. "سوزان! " صرخ بها بقوة. أخيراً انتبهت له لتقول بضياع: "ماذا؟ ماذا تريد؟ تنهد بتأنيب ضمير لصراخه فوقها وهو يرى تشتتها وضياعها بشرودها. ليقف وهو يحتضنها بقوة باعثاً لها شعور الأمان. ليهمس بحب: "سوزان، ما بكِ؟ حبيبتي." أعطاها تذكرة الانفجار بالبكاء لدى احتضانه لها. لتترك العنان لدموعها الصامتة وشهقاتها المكبوته.
ظل يربت عليها يريدها أن تهدأ حتى فعلت. ليهمس مرة أخرى عائداً بسؤاله: "ما بكِ؟ حبيبتي! أخبريني." نظرت نحوه بأعين مترقرقرة بالدموع: "لا أعلم يا سيف. أشعر بالضيق جاثم على صدري وأشعر بالقلق الكبير على بلقيس، لا أعلم لماذا." "نرجع؟ "، قالها سيف وهو يمسح دموعها بعشق ظاهر. هزت رأسها بالإيجاب تاليًا ثم تدفن رأسها بين أحضان زوجها متمنياً بأن ما تشعر به ما هو إلا سراب وأوهام. فلن تحتمل أن يصيب صغيرتها أي خدش حتى. ***
تقطعت حبالها الصوتية وشحب صوتها وجف حلقها وأنكتمت شهقاتها ولكن دموعها رفضت أن تتوقف. ظلت ترسم خط سيرها مراراً على خدها. قلبها يرفض التصديق عكس عقلها الذي يصور لها موت عديل روحها يزن. "بلقيس"،
همس بباكي: "أعلم جيداً بأنك لم تمت. لو كنت كذلك لشعرت أنا بذلك، لكنني لازلت أشعر بموجات عشقك تلتف بي وبقلبي. لازلت أشعر ببصيص أمان يلتف حول قلبي. يزن لا تتركني أرجوك." رجعت لأنتحابها بصوتها المبحوح لتصدر صرخة متقطعة لم تسمع ولم تخرج حتى عبر جدران الغرفة، لكنها وصلت للسماء وهي تقول برجاء: "يارب."
فتح الباب ليدخل وهو مرتدٍ بدلة رجالية سوداء من "سن لورين" ناسبة بشدة صفاء بشرته الواضح. وقام بتصفيف شعيراته الكثيفة جداً للأعلى في منظر يوحي للأناقة الشبابية والوقار الكلاسيكي. نظرت نحوه بتقزز ونفور شديدين بينما هو يبتسم بجانبيه ليقف أمامها قائلاً بمرح: "لدينا احتفال لعيد مولدك يا جميلتي، هيا بنا." "لن أذهب معك لأي مكان ليكن بعلمك"، قالتها بحدة وغضب.
نزل لمستواها ليهمس بأذنها: "ستأتين أن لم يكن برضائك فليكن غصب عنك، لا أمانع ذلك بالمرة." بزقت بوجهه وعيناها تشتعل بالغضب قائلة: "لو كنت رجلاً لم قلت هذا الكلام. لا بأس، ليعود يزن كي تتعلم منه ما معنى أن تكون رجلاً." أنهت جملتها بنظرة سخرية حارقة. مسح وجهه بهدوء ظاهري ليخلع جاكيته ثم ربطة عنقه يليها أزرار قميصه ببطء شديد تحت أنظارها التي أهتزت بالخوف. "سأريك الآن إن كنت رجلاً أم لا"، قالها زياد بهمس غاضب. "ماذا ستفعل؟
"، قالتها بارتباك وتلعثم. قهقه باستفزاز واضح: "ما بك قد تحولتي لقطة خائفة؟ ألم تكوني الآن تتحدثين بكل قوة؟ أبتلعت ريقها بخوف وهي تراه يرمي بقميصه مظهراً عن صدره العاري المليء بالعضلات المصاغة بشكل فريد. وإن دلن على شيء فهن يدلن على قوة صاحبهن. أعتلاها بينما هي تتململ بهستيرية تحته وتصرخ بقوة. "لا تخافي، لن تشعري بأي ألم، فأنا على كل حال لست رجلاً"، قالها بعيون مهتزة وأنفاس متثاقلة.
"أتركني بالله عليك"، قالتها برجاء خائف. "لن أفعل قبل أن تتأكدي من رجولتي"، قالها بعدم اتزان وهو ينزل برأسه لعنقها ممراً عليه بشفتيه ببطء بكل اتجاهاته. بينما هي شعرت وكأنها ستتقيأ وكم شعرت بحرارة دموعها التي سالت على خدها وهي تشعر بشفتيه تداعب عنقها. رنين هاتفه أعلن عن اتصال. رفع أنظاره لشاشة الهاتف ليجد رقم شقيقه مزينناً الشاشة. أنتفض من فوقها وهو يجيب قائلاً بخوف: "نعم سامر... غصن مابها!! ... آتي حالاً."
أخذ ملابسه ودلف خارج المنزل تاركاً خلفه تلك التي تبكي بحرقة وهي تحمد الله على عدم لمسها. *** طوال الطريق وهي تشعر بالاختناق وعدم الراحة تدعي بكل ما يجاش بصدرها المليء بالضيق وتفرك يدها بتوتر ظاهر وعيناها شارده في محجريهما وأنفاسها متلاحقة وغير منتظمة. "سوزان حبيبتي اهدأي"، قالها بصوت هادئ. نظرت نحوه وهي على وشك البكاء: "لن أستطيع الهدوء، كيف وهي لا ترد على هاتفها، لا هي ولا زوجها."
زفر سيف بضيق متمنياً عدم صحة شكوكها التي بدأت بالتسلل إليه. فمعها حق على كل حال. من الغريب ألا يرد يزن وبلقيس على هواتفهم النقالة. أوقف السيارة: "إلى أين ستأخذنا؟ فلقد وصلنا للمنزل، قالتها سوزان بتعجب. خرج سيف من شروده: لم آخذ بالي. هيا لننزل الحقائب ثم ننطلق لمنزل بلقيس ويزن. هيا، قالتها سوزان بلهفة وهي تترجل من السيارة. حملت حقيبتها وشدت خطاها لباب منزلهم، لتعقد حاجبيها بتعجب قائلة: لما الباب مفتوح؟
أنا متأكده بأننا قد أغلقناه عندما ذهبنا. لما لازلتي عندك؟ قالها سيف بأستغراب. سوزان بقلق: ألم نغلق باب المنزل عند ذهابنا؟ بلى فعلنا، من فتحه؟ قالها سيف بشك. دخل سيف أولاً، جال بأنظاره ليرى ما أجفل قلبه. ودخلت بعده سوزان لتصرخ بقوة عندما دخلت وجالت بأنظارها لزوايا منزلهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!