واضع جسدها الصغير للغاية بين ذراعيه اللذان ضاع فيهما وهو يربت عليها بحب. لينزل نظره لها قائلاً: "غصن عزيزتي، ألسنا أصدقاء؟ هزت رأسها بطفولية وهي تقول: "بلى يا عمي زياد، نحن أصدقاء للغاية." "إذاً، أخبريني بصدق، أنتِ من طلبتِ مجيئي أم أحد آخر؟ " قالها زياد بشك. جلست أمامه قائلة ببراءة:
"أنت علمتني أن أحفظ السر وأوفي بالوعد، لذلك لن أستطيع أن أخبرك. أنني قد وعدت والديّ أني لن أخبرك بأنهم هم من أرادوا مجيئك، ولذلك أخبروني أن أمثل المرض. هذا سر يا عمي ولن أستطيع إخبارك به، أنا آسفة." ابتسم على براءتها وكان على وشك الضحك، فقد أخبرته كل شيء بشكل غير مقصود. لكنه تنحنح قائلاً بجدية مصطنعة: "معك حق، لن أجبرك على أن تمضي الوعد." ابتسمت هي براحة وكأنها كانت خائفة من أن يستاء منها عمها. لتقول بمرح:
"هيا قص لي قصة." قبلها أعلى رأسها بحب شديد: "حسناً." ~~~~~~~ صرخت بشدة عندما لامس حذاؤها تلك الدماء المسفوحة على الأرض. ليحتضنها سيف بقوة، فهو يعلم جيداً رهابها من الدم. "دم من هذا؟ " كانت تقول سوزان بخوف وصوت مرتعد وهي تكرر نفس الجملة عدة مرات. "اهدئي عزيزتي، أنا معك." قالها سيف وهو يقوم بسحبها برفق حتى أوصلها لغرفتها، واضعاً إياها جالسة على السرير ولا يزال الخوف يغطي على ملامح وجهها المتعرق بتوتر.
مسح وجهها بيديه قائلاً باطمئنان: "لاتخافي، وأبقي هنا. سأخرج لأرى، لعلي أجد دليلاً يوصلني لأي شيء." "لاتخرجي، قد يكون الوضع خطراً بالخارج." قالتها سوزان بقلق. "لاتقلقي، يظهر بوضوح من لون الدماء بأن لها فترة ليست بقصيرة وليست حديثة العهد." قالها وهو يشرد ولا يعلم لماذا عقله ذهب به مباشرة نحو يزن. خرج سيف بخطوات حذرة للغاية، يفتش كل البيت. وجد الوضع في كل غرفة من بيتهم عادي، إلا في الصالون، الدماء مبعثرة على الأرض.
نزل جالساً على عقبيه أمام الدماء ليجد غلاف رصاصة ملقى على الأرض. حول أنظاره ليجد آلة صنع الدخان والتي يتم استعمالها في قاعات الأفراح. نهض مرة أخرى وهو يزفر بيأس، لتجحظ عيناه فجأة وهو يرى هاتف بلقيس في زاوية بجانب قدم الأريكة. شد خطواته وهو يتمنى بأنه ليس ملكها. وعندما وصل له، أخذه بين كفيه ليدق قلبه بدقات عنيفة خائفة وهو يهمس بخوف: "بلقيس."
"لاتخبرني بأن الدماء تعود لابنتي." قالتها سوزان الواقفة خلف سيف والدموع تصب مجرى ألم على وجنتيها. ابتلع ريقه بخوف ولم يستطع أن يفتح فمه بحرف، فصوته قد كتم لرؤيته لهاتفها قريباً من مكان الدم. فإن لم يكن الدم لها، فبالتأكيد يخص زوجها. ~~~~~~~ "نامت غصن." قالتها آيزل لزياد الذي خرج من غرفة غصن بوجه متهجم. هز رأسه بنعم وهو يشد خطواته للباب الخارجي لشقه. "سامر مستوقفاً." "انتظر يازياد."
توقف زياد دون أن يلتفت، ليقول وهو لا يزال محافظاً على هدوئه: "اسمعني ياسامر، هذه المرة سأصمت وسأقوم بتفويتها. مرة أخرى سيكون هناك فعل آخر سأصدر مني. أتمنى ألا تجعل غصن واجهة لاستدعائي إلى هنا." هم سامر بالتكلم، لكن يد زوجته أوقفنه وهي تهز رأسها بلا. ابتسم زياد بجانبه وهو يغلق الباب خلفه بقوة كبرى. زفر سامر بضيق: "لماذا لم تجعلني أتكلم معه؟ جلست آيزل فوق الأريكة قائلة بفهم:
"لقد كشف بأننا جعلنا غصن كبش فداء حتى نجلبه لهنا، لذلك لن يستمع لنا وستزيد من عناده أكثر فأكثر. لذلك لن ينفع الكلام معه وهو بتلك الحالة، صدقني." جلس سامر بيأس: "ماذا يجب أن أفعل له أيضاً؟ تنهدت آيزل وهي تفكر بإيجاد طريقة للإيقاع بزياد كي يستطيعا التكلم معه وإقناعه بالطبيب النفسي، لكن دون جدوى. ~~~~~~~ فتحت عيناها المتعبة على صوته الغاضب الآتي من الصالون. جلست على السرير وهي تحاول أن تراه يكلم من.
لتجده يكلم نفسه بغضب. عقدت حاجبيها وهي تسمعه يقول: "أرأيت ابنك يا والدي؟ يريد عرضي لطبيب نفسي." رفعت أنظارها مجدداً لترى بأنه لا أحد عنده، بينما هو لازال يكلم ما يسمى والده، لكن لا وجود له. "ما هذا؟ " قالت بلقيس بخوف. "الوضع أصعب مما أتخيل." انتفضت بخوف وهي تراه يدخل بعينان حمراوتان أخافتها وملامح متهجمة غاضبة. عرفت بأنه غاضب وبشدة من عرقه النابض بعنف بجانب رأسه.
ابتلعت ريقها خوفاً واشمئزازاً، لتنزل عيناها أرضاً وتطبق شفتيها صمتاً. وضع الكعكة أمامها قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش: "هيا أطفئي الشمع." لا إرادياً نفخت تلك الشموع المشتعلة، فلا طاقة لها للمساته التي تشعر بالنفور منها على جسدها المتعب. قطع الكعكة وقد لانت ملامحه قليلاً، ليمد يده أمام شفتيها قائلاً: "هيا كلي." فتحت شفتيها كرهاً ولاكت تلك اللقمة من غير استطعام. "كل عام وأنتِ بخير." قالها بحنو بالغ.
هزت رأسها دون أن تتفوه بكلمة. بدأ الغضب يتسرب إليه من صمتها المهلك: "لما لا تردين؟ نظرت نحوه شزراً وأدارت وجهها للجانب الآخر قائلة بدموع: "لقد فعلت ما تريده واحتفلت بعيد ميلادي رغماً عني، هل لك أن تتركني وشأني الآن؟ أمسك بها من فكها قائلاً بهمس خشن: "لم تكوني تريدين الاحتفال معي إذاً؟
لا بأس، المهم أنك نفذتي ما أريده منك. وعليك فهم شيء واحد فقط وهو أنك لن تخرجي من هنا أبداً، لذلك عليك الاعتياد على العيش معي، خاصة بعد الزواج." قال كلماته الأخيرة بخبث دفين. أدمعت عيناها بشدة من ألم فكها الذي سالت منه بعض الدماء بسبب يده الضاغطة بشدة عليها. لكنها نفضت يده بعنف برأسها قائلة بشراسة: "عشم إبليس بالجنة أيها الـ...
زوجتك ولو على موتي، ولن تستطيع احتلال قلبي، فهو ليس ملكاً لك. عليك أن تفهم شيئاً واحداً وهو بأن زوجي سيأتي قريباً وسينتزعني من وحل مستنقعك أيها المختل." "زوجي.. زوجي.. زوجي.. لقد مات، عليك فهم ذلك." قالها بغضب وهو يرادف الصفعات على وجهها حتى فقدت وعيها وسقط رأسها على المخدة بإهمال. فتح عينيه وهو لا يزال يتنفس بغضب شديد، ليدنو عليها قائلاً بندم وعينان جاحظتان وهو يدير رأسه يميناً ويساراً ببطء وغير اتزان.
ليقول وهو يتلمس وجنتيها التي رسمت عليهما أصابع يده وجانب شفتيها التي أدمت: "آسف يا حبيبتي، لكنك أنتِ من تصرين على جرح مشاعري بكلماتك. لا تخافي، أعلم أن بداخلك لا تريدين أن ترجعي ليزن. لن أرجعك له أبداً، لا تخافي." وخرج من الغرفة بعد أن طبع قبلة على جبينها معلناً عن اعتذاره. ~~~~~~~ صباحاً، وعلى صوت غناء الطيور وتراقص شعاع الشمس عبر منافذ غرفتهما.
فتح عينيه بتعب بعد أن ظل طوال الليل يحاول تهدأتها حتى غفت في ساعات الصباح الأولى. لكن من سيهدأ هو؟ له نبضات قلبه التي تتذبذب على أوتار الخوف والقلق. لديه، يعلم بأنه قد طمأنها ولو بكلمات كذب، لكن هل سيستطيع أن يقنع قلبه القلق على فلذة كبده؟ زفر بقلة حيلة ويأس وهو ينهض بعد أن سحب ذراعه بهدوء من تحت زوجته التي آثار دموعها لازالت ظاهرة. طبع قبلة على خدها بحب وهو يخرج من الغرفة ثم من البيت نهائياً.
ويقف أمام باب منزله يستنشق بعض الهواء وعيناه شاردة في مكانها دون أن تهتز حتى. "صباح الخير أستاذ سيف." خرج سيف من شروده ليبتسم بتعب قائلاً: "أهلاً بك يا عم صابر." "أهلاً بك. كيف حال يزن الآن؟ " قال صابر بلجلجة. عكف سيف حاجبيه باستغراب ليقول: "ما به يزن؟ هل تعلم عنه شيئاً؟ لقد ذهبت لمنزله بالأمس ولم أجده، حتى على هاتفه لا يرد." تعجب صابر: "ألم يتصل بك المشفى؟ لقد أعطيتهم رقم هاتفك البارحة." أقترب سيف بلهفة قلِقة:
"هاتفي ضاع وعليه جميع أرقامي. أخبرني ما الذي ذهب بيزن المشفى؟ وهل تعلم شيئاً عن الدماء التي بمنزلي؟ وابنتي بلقيس، هل تعرف لها أثراً؟ أخبرني أرجوك وطمئن قلبي يا عم. تنهد صابر وهو يربت على كتف سيف قائلاً:
-اهدأ يا بني، سأخبرك ما حصل. أغلقت هاتفي بعد أن اتصلت بيزن كي أخبره عن الدخان المتزايد الخارج من شقتكم ليأتيني اتصال من منزلي يطلب مجيئي بسرعة. أغلقت دكاني وذهبت. وعندما أتيت بعد كم ساعة لأتفقد هل أتى يزن لتفقد الشقة، وجدت... *فلاش باك* لفحها على كتفه وهو ممسكاً بها من قدميها ورأسها مدلدل على ظهره. صابر بحدة: -أنت إلى تذهب ببلقيس.
نظر نحوه زياد متجاهلاً الرد عليه ليدخل بلقيس السيارة، وهو يرى المحاولات المستميتة لذاك الرجل العجوز في الركض إليه ليتنهد بملل وحرك سيارته قبل حتى أن يصل إليه صابر. وصل صابر إلى مكان السيارة متأخراً للغاية، فقد تحركت قبل مدة. صابر بأسف: -لم ألحق به. ياترى أين ذهب بها ومن هذا الشخص؟ لفت نظره باب الشقة المفتوح ليذهب كي يغلقه، لكنه وجد يزن محاطاً بدمائه وتنفسه ضئيل للغاية.
دق صابر بعض الأرقام ليتصل على أولاده الأربعة الذين لبوا نداء والدهم وهموا لأنقاذ يزن للمشفى القريب. بعد عدة ساعات من الانتظار الدؤوب خرج الطبيب ليلتم عليه صابر وأولاده. أحدهم: -كيف مريضنا أيها الطبيب؟ تنهد الطبيب براحة: -الرصاصة لم تكن ذي مكان خطير، فهي لم تكن مقصداً للموت الصريح، لكنها سببت له نزيفاً حاداً بجانب الضربة التي على رأسه.
وأكمل: تأخر الإسعاف، لكننا سيطرنا على الوضع الحمد لله. وغداً بإذن الله سيستيقظ، لا تخافوا. *باك* وهذا ما حصل. قالها صابر وهو يتنهد بقوة. ترقرق الدموع في عيني سيف، وامتزج القلق مع الغضب بداخله وهو يتذكر اختطاف بلقيس. صابر بخجل: -سامحني يا بني، فلم أستطع أن أنقذ بلقيس أو ألحق يزن بالوقت المناسب. ابتسم سيف بامتنان صادق وهو يقول بعتاب:
-لا تتكلم هكذا أيها الرجل الطيب، فما فعلته كان أكثر من اللازم، ومعروفك هذا لن أنساه أبداً. تنهد الرجل براحة ليقول وهو يخرج ورقة من جيبه: -هذه الورقة يوجد بها بيانات موقع يزن بالمشفى. أخذ سيف الورقة بلهفة من يد صابر وهو يشكره، ثم دخل مسرعاً وغير ملابسه بسرعة كبرى، ثم ركب سيارته وهو يدعي الله بين الحين والآخر بأن يكون يزن على ما يرام. ~~~~~~~
فتحت عينيها صباحاً بألم شديد. شعرت وكأن خديها قد تضخما أكبر من حجمهما بأضعاف مضاعفة، وشعرت بثقل يجثم على رأسها من تزايد الدوار الذي يعصف بها. نزلت دموعها حسرة وحرقة وهي تتذكر ما حصل وكيف أنه قد ضربها على وجهها دون رحمة. تجزم الآن بأن أصابع يده ترسم لوحة بنفسجية اللون على وجنتيها.
أدارت وجهها للجانب الآخر لتشهق بصوت مكتوم وهي تراه مستغرقاً بنوم عميق للغاية بجانبها، وهو جالس على كرسي وكأنه قد قضى الليلة هكذا. لفت نظرها مفتاح تلك الأغلاق التي توصدها عن الحركة بدآخل جيب قميصه ويظهر منه الطرف. ألتمعت عيناها بأمل لترفع يدها وتمسك به بخفة، والعرق بدأ بالتصبب بجانب جبينها بسبب التوتر. أخيراً استطاعت أن تأخذه لتشعر بيده تمسك يدها. أغمضت عينيها بخوف شديد مقبلة على غضبه الهائج عندما يعلم بنيتها بالهرب.
عقصت حاجبيها باستغراب عندما لم تجد أي فعل آخر ناتج عنه، لتفتح إحدى عينيها ناظرة نحوه بخوف لتتنهد براحة وهي تراه لا يزال نائماً ويده سقطت على يدها ليس إلا. ~~~~~~~ تتابعت خطواته بممر المشفى بلهفة وخوف بآن واحد، ليقف أمام موظفة الاستقبال قائلاً بتعجل: -إذا سمحتي، غرفة يزن فؤاد ناظم أين؟ نظرت الموظفة نحو السجل الذي أمامها لتقول بعملية: -غرفة 707، الدور الرابع.
وجد المصعد مشغولاً، ليشد خطواته نحو السلالم يصعدهن دون أن يرتاح وهو يلهث بتعب جامح. أخيراً، بعد معاناة طويلة للغاية وصل لباب الغرفة ليفتحه بلهفة وزع أنظاره الغائرة على الغرفة الخالية من أي أحد، ليعقد حاجبيه بتعجب ويبتلع ريقه الخائف بصعوبة كبرى وأنفاسه لا تزال تتلاحق، وهو يفكر: لما يزن ليس بالغرفة وأين ممكن أن يذهب؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!