أنتفض جسدها بخوف وهي تراه يدخل كالثور الهائج وملامح وجهه لا تبشر بالخير. تجحظ عيناه أكثر وهو يراها حرة طليقة من أصفاده المعيقة للحركة. ليقول بجنون هستيري: كيف فعلتيها!! كيف استطعتي تحرير نفسك والاتصال بزوجك؟ تلبدت مشاعرها خوفاً وتعجباً، فكيف عرف بأنها قد اتصلت به؟ لتقول بغضب: لقد سئمت منك، ألا تستطيع أن تفهم بأنني لا أحبك ولن أحبك، ليس بالغصب يا أخي، افهم ذلك.
أمسك بها من حجابها جاذباً معه خصلات شعرها بين أصابعه وهو يقول بجنون مأرجحاً إياها بين قبضة يده: لا، لن أفهم ذلك. ماذا ستفعلين؟ هيا أخبريني. قالت بدموع ألم ارتسمت تحت عيناها التي انتفخت من تزايد الدموع عليها بلآونة الأخيرة: أتركني، أنت تؤلمني. سحبها من شعرها بعنف خلفه وهي تحاول تحرير نفسها لكن دون جدوى. وبسبب الألم المتزايد على شعيراتها (التي شعرت وكأنهن سيخرجن بين أصابعه) لم تشعر بأنه قد أخرجها خارج الشقة.
قال بصراخ لتلك التي تحاول التملص من يديه غير راضية أن تصعد لسيارة: اصعدي. قالت بشهقات متتالية بسبب بكائها الذي أطلقه ألم رأسها: أتركني، لن أذهب لمكان. صفعها بقوة حتى سقطت على الأرض، ليمسكها من شعرها مجدداً وهو ينهضها وقد أعماه الغضب. ليصفعها المرة الثانية لتسقط مرة أخرى والدوار بدأ يعصف بها ولم تساعدها قدميها على الوقوف هذه المرة. لينشلها بقوة وهو يمسك بها من تلابيب ملابسها قائلاً:
سأقدمك للموت وجبة وألحق بك، ولن أسمح له بأن يمس شعرة واحدة منك. بزقت بوجهه ليتناثر لعابها المليء بالدم على وجهه، ليزيد جنونه وهو يلقي بها بعنف بداخل السيارة. وعندما دخل هو سمع صوته الغاضب المنادي: بلقيس، أتركها وشأنها. ركب زياد سيارته مسرعاً وتحرك بها بسرعة كبرى وسيارة يزن تلحق به. ***
وصل سيف للعنوان الذي قد أخبره به يزن ولم يجد شيئاً يدل على الغرابة. بحث عن العمارة التي أمام المقهى حتى وجدها ليصعدها وهو يفتش بعينيه لعل وعسى يجد شيئاً. وعندما فقد الأمل وجد أول شقة في الدور الرابع بابها مفتوح على مصرعيه. دخل بحذر وهو ينادي بخفوت: بلقيس عزيزتي، هل أنتي هنا؟
لم يأتيه الرد. بحث وبحث ليعرف من خلال فردة حذاء بلقيس بأنها كانت هنا. وعندما هم بالخروج لكي يتصل بيزن وجد صورة رجل معلقة بجدار مدخل الشقة ولم يركز عليها عند دخوله. عندما نظر لها وجد بأنه ليس غير زياد نفسه. ليهمس بغضب: اللعنة. *** يقود السيارة بسرعة فائقة لدرجة شعور بلقيس بأن الإطارات بالأسفل قد ولّد احتكاكها بالأسفلت نيران.
نظرت بلقيس خلفها ولا زالت أنظارها مشوشة وزائغة لترى بأن يزن خلفهم مباشرة. انتفض جسدها بخوف عندما أخرج زياد سلاحه يصوبه نحو سيارة يزن الذي ظل يتفادى طلقاته عدة مرات. استعادت بلقيس وعيها ولو قليلاً لتقفز على عنق زياد تتمسك به بغضب حتى انحدرت سيارتهم نحو البحر تحت صراخ يزن الخائف. أوقف يزن سيارته قد تصاعدت أدخنتها لينزل للبحر بعد أن التقط مسدس زياد الذي سقط من يده.
ظل يزن يبحث ويبحث لكن لم يجد شيئاً. ليسمع صوت قارب سريع قد تحرك حول نظراته نحو مصدر الصوت. ليجد زياد وبجانبه بلقيس المربوطة بحبل على يديها قد تحركا به بعد أن نظر زياد نحو يزن بسخرية. خرج يزن سريعاً من الماء ليذهب نحو الشاطئ ويستأجر قارب أيضاً ويلحق بزياد الذي غاب عن ناظريه تماماً. *** قالت بلقيس بخوف شديد: إلى أين ستذهب بي؟ نظر نحوها بأعين جاحظة وهو يلتفت كل دقيقة لورائه مخافة أن يلحق به يزن:
سنذهب لمكان لا يلحق بنا يزن. لم يتبقى الكثير، ستأتي مروحية لتقلنا من نقطة معينة وسنعيش معاً ولن يفرق بيننا شيء. أرتعش جسدها خوفاً ونظراتها زاغت مجدداً لتقول برجاء: أرجوك دعني وشأني، لن أخبر أحد عنك. قال بصراخ حاد أدى إلى انتفاض جسدها وسيلان دموعها: هل تمزحين معي!! مد يديه يمسح دموعها وهي تبتعد للخلف ليقول بصوت مهزوز وشرود:
هل تعلمين، كان كل همي هو أن أنتقم من والدك، لكنه مات قبل أن أُحط يداي عليه. فبسببه وبسبب تهوره، قدم أبي حياته فداء. لو لم يخالف الأوامر المبعوثة له وتقدم، لما دافع عنه أبي وانتهت حياته. نظر نحوها بأعين حمراء للغاية مكملاً: لقد مات والدي وهو أفضل شيء بحياتي، خمس سنوات لم أستطع بهن تقبل موت والدي وجعلته لازال على قيد الحياة.
تنهد بحرارة وهو يكمل: عندما مات والدي كان عمري حينئذ 32 عام. وكم كنت أحب نظرة الفخر به عندما يراني بلباسي العسكري، فأنا الرائد / زياد الهاشمي. تلبدت عيناه غضباً وهو يردف: لكن بسبب والدك تقلبت حياتي رأساً على عقب. لذلك بدأت أجمع عنه المعلومات حتى وجدته، لكن بنفس السنة التي وجدته بها كان قد مات. وعرفت بأنه ترك خلفه ابنته ذات 16 عاماً. بدأت بمراقبتك وأنا كلي عزم أن أنتقم من والدك بك. لامت ملامحه وألتمعت
عيناه بحب الامتلاك: لكني لم أستطع. وجدت نفسي أتمناك لي وأحبك بشدة. ظللت هذه الثلاث سنوات أراقبك فيها ولم أسمح لك بالزواج أبداً. دكنت عيناه بالغضب مجدداً وهو يقول: حتى أتى ذاك اليزن وخرب كل شيء. تعترف بأنها شعرت بالشفقة تجاهه، لكنها أجابته بهدوء لعل وعسى تلتمس به بؤرة الإنسانية: اسمعني، أنا لا أعلم كل ذلك، لكن صدقني ما تشعر به اتجاهي ليس حباً. أرجعني لمنزلي وأرجع أنت لحياتك.
نظر نحوها بأعين ثابتة ثم انفجر بضحكات هستيرية متتالية قائلاً بهمس خشن: أرجعك لمنزلي!! ماذا تقولين أنتِ؟ نعم، عشم إبليس بالجنة. همت أن ترد ولكنها رأت قارب يزن يقترب أكثر نحوهم. وما أخافها هو بروز بعض الدماء من جانب كتفه عبر قميصه الأبيض. نظر زياد حيث تنظر ليصرخ بغضب: لا ييأس هذا أو ماذا! يزن بغضب: أتركها وواجهني كالرجال. ابتسم زياد بجانبيه وهو يتحسس على خصره يريد إخراج سلاحه، لتجحظ عيناه صدمة عندما لم يجده.
يزن باستفزاز: تبحث عن هذا؟ قالها وهو يشهر سلاحه نحو زياد. ليضرب قاع القارب ويتسرب نحوه الماء ثم يصيح: بلقيس الآن! تقفز بلقيس للماء تحت صدمة زياد بما يجري. ليمسك بها يزن ويصعد بها الأخير لقاربه ويرجع أدراجه. التفت يزن لقارب زياد ليراه ليس به. ليعتلي ملامحه التعجب. قال زياد بابتسامة مستفزة وهو يصعد بخفة لقارب يزن: هل تبحث عني؟ صرخت بلقيس وهي ترى يزن وزياد يضربان بعضهما باللكمات متناسيان القارب الذي فقد السيطرة.
أمسك زياد بعنق يزن وهو يدنو به للأسفل وينزل رأسه حتى لامس الماء ووجهه قد احمر من نقص الأكسجين. وبلقيس تحاول بكل الطرق بأن يرخي زياد قبضته حول عنق يزن التي لا محالة ستقتله. رأى يزن بطرف عيناه التي بدأت بالتشوش بأن القارب قاب قوسين أو أدنى من أن تضرب مقدمته بالجبل. ليركل زياد بين قدميه الذي سقط متألماً. ويمسك بلقيس من خصرها ويلقي بنفسيهما للبحر. ليصتدم القارب بالجبل وينفجر حتى تطايرت شراراته واشتعل بعنف.
نظرت بلقيس نحو القارب بدموع، فمهما فعل زياد بها لم تتمناه أن تكون نهايته هكذا. قال يزن بلهفة: هل أنتي بخير؟ قالت: نعم، ثم انفجرت ببكاء مرير أخرجت به كل التوتر الذي أصابها في هذه الفترة. أحتضنها يزن ليشعر بها تلتف حوله وهي تقول بحنين: افتقدتك كثيراً. قال وهو يتلمس وجهها المتورم أثر صفعات ذاك المختل المتتالية: أنا أكثر. مد يده عليك صحيح؟ قالت بقلة حيلة برجاء: لقد انتهى كل شيء، ودعني لا أتذكر. قال بحزم:
لكنني أريد معرفة كل ما مررتي به. قالت بقلة حيلة: عندما نصل للمنزل. ضحك يزن بخفة قائلاً: كيف سنصل للمنزل؟ قالت بخوف: حقاً، لا أعلم. لقد اتصلت بعمي سيف سيأتي بعد لحظات. ثم دعنا نستمتع بهذا الوضع الرومانسي، قالها بضحك وهو يتحسس خصرها بجرأة من أسفل الماء. صفعت يده قائلة بضحك: جو رومانسي قصدك جو بارد. قال بأعين راغبة: يمكنني أن أرجعه حار خلال لحظات. تعمقت بعنقه قائلة بدلع: كيف ستفعل ذلك؟ قالها بهمس وهو
يلتقط شفتيها بين شفتيه: هكذا. يقبلها برقة بالغة يودع بتلك القبلة كل اشتياق وخوف وحنين قد مر به في غيابها. ضربته على صدره بضعف عندما شعرت بصراخ رئتيها طالبتاً للهواء. ليبتعد عنها هو بتردد ويسند جبينه على جبينها قائلاً بهمس: لا يزال الماء بارداً؟ ضحكت بخفة وهو تحتضنه هازة رأسها بنفي. قالت بسعادة وهي تراه يقترب منهم بقوارب خفر السواحل: عمي سيف. ليتم إنقاذهم ثم يأخذوا إفاداتهم حول ما حدث لتغلق قضية المختل وإلى الأبد. ***
أحتضنتها سوزان بحب وهي تبكي بحرقة مخافة أن لا تراها مجدداً. لتقول من بين بكائها وشهقاتها: الحمد لله إنكِ بخير. لقد أنتابني الخوف والفزع بألا أراك مجدداً. ربتت بلقيس على ظهر سوزان حتى هدأت لتقول بابتسامة: لا تبكي أرجوك خالتي، ها أنا أمامك وبخير. قالت سوزان وهي تمسح دموعها: الحمد لله. لتكمل بحزم: ستقضون الليلة عندنا وهذا نهائي. نظرت بلقيس نحو يزن الذي فتح عيناه المليئة بالرفض.
أبتسم سيف وهو يحتضن سوزان قائلاً: دعيهما يا حبيبتي يذهبان لمنزلهما. أكمل كلامه بغمزة. أنزلت بلقيس رأسها خجلاً وضحكت سوزان لتقول: لابأس اذهبا وانتبهي لزوجك جيداً يا بلقيس. قالت وهي تنهض ممسكة بيد يزن الذي نهض قبلها ليتجهان نحو السيارة: حسناً. ماذا!! قالتها بلقيس ليزن الذي ينظر لها ولم يقم بتحريك السيارة. داعب بظهر سبابته خدها قائلاً: لا أصدق بأنك أمامي. أراحت
رأسها بين أحضانه لتهمس: وأنا أيضاً لا أصدق بأنك أمامي وبخير. قبلها أعلى رأسها بعشق، ثم أدار سيارته متجهاً نحو منزلهما، الحضن الآمن لهما. *** ضرب براحة يده على ظهر المكتب بقوة قائلاً بصراخ غاضب: ماذا تعني بأنكم لم تجدوه؟ -اهدأ يا أستاذ سامر، نحن بذلنا قصارى جهدنا ولكن شقيقك قد احترق بداخل القارب ولم نستطيع إيجاد جثته. لكن يا سيادة اللواء، شقيقي، قالها سامر بدموع حارقة وهو يجلس على الأريكة بانهيار شديد. وضع
اللواء يده على كتف سامر: الحمد لله بأنه قد فارق الحياة، وإلا لكان الآن يتحاكم بعدة قضايا منها اختطاف وإرهاب المدام بلقيس وضرب النار على زوجها واقتحام شقة الأستاذ سيف وغيرها الكثير، وأيضاً سيتسرح من رتبته، وكل هذه الأشياء ستجعله يتأزم نفسياً أكثر ويمكن أن ينهي حياته بداخل السجن. معك حق، قالها سامر وهو ينهض مبعداً دموعه بعنف شديد عن وجهه ليخرج خارج قسم الشرطة وهو يتمتم بحزم: لن أيأس وسأبحث عنك يا زياد. ***
تنهدت بعمق شديد وهي تدخل لمنزلها وظلت تدور بعينيها على كل ركن به وكأنها تحتضنه بعينيها لتشعر بيده تتطوق خصرها واليد الأخرى تبعد حجابها ليدفن رأسه بين خصلات شعرها لتشعر بتنهيداته الحارة التي تضرب جدار عنقها كلما اقترب منها. استدارت لتنظر له بحدقتيها الحرة بعشق شديد وهي تتلمس كتفه قائلة بخفوت: كل ذلك حصل بسببي. وضع سبابته على شفتيها وهو يهز رأسه بلا. أحتضنته بقوة قائلة: أخبرني ماذا حصل معك.
أنتي أيضاً أخبريني، أريد معرفة كل ما حصل معك، قالها وهو يجلس ويجلسها بجانبه على الأريكة. زفرت بضيق وهي تتذكر ما حصل معها لتبدأ بسرد كل شيء ولم تخبئ عنه أي شيء. لم يرد بأي كلمة، فقط ملامحه الغاضبة هي الرد على قصة بلقيس. نهضت بلقيس لتجلس على قدميه بدلال قائلة بهمس أمام وجهه: أرجوك أن تنسى ما حصل، فقد انتهى كل شيء. ابتسم لا إرادياً لهجومها السافر عليه حتى تهدأ من روعه ليحاوط خصرها قائلاً بهمس وهو يقترب من شفتيها: حسناً.
وضعت يدها على شفتيه قائلة: أخبرني أنت أيضاً بما حصل. حملها بين ذراعيه صاعداً بها لغرفة نومهم، دلف لداخل قائلاً بهمس محب: ما حصل معي هو أنني أفتقدك كثيراً ولن أستطيع أن أفهمك، نظري لابد من العملي. ضحكت بخفة وهو يبتلع باقي ضحكاتها بين شفتيه عابراً وإياها بحور العشق ليغرق بها حد النخاع وتتشبث به حد الهيام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!