الفصل 3 | من 22 فصل

رواية الميراث الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
24
كلمة
3,648
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

مرت تلك الليلة الصيفية الهادئة بعدما توسط القمر السماء الحالكة بنوره. ليقطع ضوء الشمس هذا السواد الأعظم بميلاد يوم جديد. المنيا... بنشاط بالغ استيقظت "سحر" بعد قضائها لنوم ممتع ومريح بهذا المكان المريح للنفس. نظرت من شرفة الغرفة التي تواجدت بها لتتنفس بسكون وهي ترى تلك المساحات الخضراء الشاسعة من الحقول التي تحيط بهذا البيت الكبير.

بدلت ملابسها على عجل لتخرج من غرفتها لمقابلة صديقتها وابنها الصغير الذي بالفعل اشتاقت لبراءته وعذوبته. لم تكن "نسمة" أقل حماساً من صديقتها لتنتظرها بالدور السفلي منذ الصباح الباكر ومعها طفلها الصغير "مؤمن". هبطت "سحر" درجات السلم بلهفة وهي توسع ذراعيها تجاه هذا الصغير وقد اتسعت ابتسامتها بصورة كبيرة قائلة: "مين حبيب سحورة؟

أقبل "مؤمن" راكضاً تجاه "سحر" فهو يعرفها جيداً، تلك السيدة التي تغدق عليه بالكثير من الحلوى والألعاب كلما رأته. احتضنته بقوة وهي تقبل وجنته الممتلئة بعنف ثم تدغدغه قليلاً مازحة معه لتزيد من شقاوته المحببة، فهو طفل عاشق للحركة والشقاوة بخلاف طبع "نسمة" الهادئ مطلقاً. حملته بخفة لتقترب من صديقتها وهي تجلس إلى جوارها واضعة "مؤمن" فوق ساقيها بحنان. حين اتسعت عيناه بطفولية متسائلاً: " جبتي لي لعبة؟

تصنعت "سحر" الضيق وهي ترد بطفولية مثله تماماً: " معلش... ملحقتش. بس بكرة أنا وأنت نروح نجيب قطر كبييييييير أوي نلعب بيه. ونجيب كمان شكولاتات ياما. قلت إيه؟ ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه المحبب فرحاً. " ماااشي." كانت "نسمة" تلاحظهم بابتسامة وهي ترى حب "سحر" لولدها لتنهرها عن شراء لعبة جديدة بإحراج تام: " مالوش لزوم يا سحر أنتي جايبه له ألعاب كتير أوي." رمقت "سحر" "نسمة" باحتقار مازح مردفة:

" مالكيش دعوة أنتي. دي لعبة صغيرة عشان حبيب خالتو. مش كدة يا مؤمن؟ هز "مؤمن" رأسه موافقاً لتمسك سحر وجهه بإصبعيها وهي تقبل وجنتيه بقوة: " حبيب خالتو. روح خالتو. عسل يا نااااس." نظرت "نسمة" بإشتياق تجاه "سحر" مردفة بود حقيقي: " وحشتيني والله ووحشتني قعدتك ورغيك. ها قوليلى بقى أخبارك إيه؟ زمت "سحر" شفاهها بإستياء موضحة: " لا جديد. بابا وماما لسه مصممين على موضوع علام ده وأنا جبت آخري. حعمل إيه؟

قلت أجى لكم هنا يومين عقبال ما التوتر اللي في البيت ده يخف شوية." " مش يمكن أنتي ظالماه. ما تديه فرصة يا سحر."

" المسألة مش مسألة فرصة. لا أنا شبهه ولا هو شبهي يا نسمة. أنا مش عشان مقربة من السبعة وعشرين سنة أبقى كبرت. مين اللي حدد لنا سن لو عديناه خلاص بقينا بضاعة بايرة. أنا مش لازم أتجوز والسلام قبل ما القطر يفوتني. إيه المشكلة لو استنيت حد أحس معاه أني فرحانة. حتى لو عديت الثلاثين. ليه لازم ألحق قبل ما آخد لقب عانس. أنا مش عايزة علام." " المشكلة يا سحر إنك مش عايزة حد خالص. مش علام بس. أنتي عايزة شغلك وحياتك وحريتك بس."

حركت "سحر" رأسها نفياً وهي توضح بهدوء وربما أشبه بحلم تتمنى تحقيقه: " عارفة يا نسمة. أنا لو لقيت الشخص اللي أحبه ويحبني زيك أنتي وعمر كده. أنا مستعدة أسيب كل اللي أنتي بتقولي ده عشانه. ولا عايزة شغل ولا حرية ولا تعقيد. بس للأسف. ملقتش اللي ممكن أتنازل عشانه عن كل حاجة عشانه هو." ثم اعتدلت "سحر" وهي تسأل "نسمة": " المهم سيبك مني. أنتي أخبارك إيه دلوقتي. وعمر عامل معاكي إيه؟

لاح طيف "عمر" بخيالها لتجيب بنفس الحالمية التي اعتادت عليها حين تتحدث عنه: " عمر ده هو حظي الحلو في الدنيا يا سحر. هو اللي عوضني عن كل أهلي. وتعب معايا أوي بعد وفاة جدي الله يرحمه. مكنتش قادرة أتجاوز أنه مات وخلاص مبقاش ليا حد في الدنيا. بس عمر مسابنيش خالص."

بدا على "نسمة" التأثر مرة أخرى بتذكرها لوفاة جدها لتتجمع الدموع بمقلتيها فقد أصبحت هشة للغاية، حساسة لأبعد حد، تتأثر بسرعة وسهولة بأي ضغط وتوتر. لتلاحظ "سحر" حالتها فأسرعت تحاول إخراجها من تلك الحالة السيئة التي تبعت وفاة جدها حتى أنها خضعت لعلاج نفسي لشدة تأثرها بوفاته.

" ربنا يخليكم لبعض. خلاص بقى. أنتي حتقلبيها نكد ليه يا ست أنتي. أنا جايه نفرفش سوا. إضحكي كدة أمال. طب أقولك حاجة. البت دنيا كانت بتشتري شوية مكياجات من بتاعتها دي. ما أنتي عارفة هي بتعشق الحاجات دي إزاي. المهم جابت لك كريم من واحدة أونلاين وعملت لها شو إن الكريم ده وهم بقى. وهوب حطت منه وعينك ما تشوف إلا النور. أسبوع بحاله يا مؤمنة مش عارفة تفتح عينيها من الورم. أمها أصلاً كانت بتدخل الأوضة متعرفش مين دي."

تبسمت "نسمة" بتذكرها لصديقتها وعشقها الذي يصل لحالة الإدمان بطبيعة بشرتها واهتمامها المبالغ فيه بكل تلك المستحضرات التجميلية والعناية بالبشرة. " هي عاملة إيه. بقالي كتير مكلمتهاش." وجدتها "سحر" فرصة جيدة لتشغل "نسمة" بموضوع آخر بعيداً عن تأثرها وهشاشتها الجديدة بحالتها النفسية المتعثرة مؤخراً.

" إن جيت للحق. أنا عايزاكي تكلمي عمر يشد ودان وائل صاحبه ده شوية. ده في الطراوة خالص. مش هامه حاجة ولا بيفكر حتى يتقدم لها رسمي وهي تعبت من الوضع ده. عارفة لو ظروفه وحشة أوي كده كنا قلنا ماشي. لكن ده شغال كويس ويقدر على الأقل يتقدم لها دلوقتي ويرحمها من ضغط العرسان اللي بيتقدموا لها كل يوم والتاني وترفضهم." " أنا مستغربة أوي. دول بقالهم أربع سنين بيحبوا بعض. ليه مش بياخد خطوة ويتقدم لها. غريبة أوي."

" عشان كده عايزاكي تكلمي عمر يشوف حكايته إيه ده." استكملتا جلستهما يتحدثان بكل اتجاه وصوب يعيدان ذكريات الماضي والحاضر ولا تخلو محادثاتهم من مزاح "سحر" المميز وضحكات "نسمة" الرقيقة. *** مكتب المحاسبة... أخذ "وائل" يضرب بأصابعه على لوحة المفاتيح الخاصة بالحاسوب الخاص به مستكملاً لعمله وهو يلمح بطرف عينيه من وقت لآخر تلك المتجهمة أمامه خلف مكتبها وهي تعمل بصمت شديد منذ أن دلفت إلى المكتب هذا الصباح.

كان يتصنع استغراقه بالعمل بدلاً من أن تبدأ مناوشاتهم مبكراً هذا اليوم ليتجنب قدر الإمكان لومها المستمر له كما تفعل دوماً في الآونة الأخيرة. بتشتت تام أخذت "دنيا" تعمل على آخر ميزانية لأحد الشركات ثم تعيد ما قامت به مرة أخرى لتصحيح أخطائها، فهي اليوم ليست بحالة ذهنية جيدة، خاصة وهي ترى تهرب "وائل" من مواجهتها كما اعتاد وهي تدرك ذلك تماماً.

وبعد فترة طويلة من الهروب رفعت "دنيا" عيناها تجاه هذا المتسم بالبرود وهي تحفز نفسها على الحديث فقد ملت تظاهره بعدم الاكتراث والفهم بتلك الصورة، فهي تدرك تماماً أنه يعلم الصراع القابع بداخلها لكنه كالعادة يهرب منها بتصنعه الانغماس في العمل. " وائل... أنا جالي عريس امبارح." قالتها بصورة مبهمة لتثير انتباهه إليها دون أن تظهر له أنه لم يتم التوافق بينهما. رفع "وائل" حاجبيه أولاً قبل أن يدير رأسه تجاهها مردفاً ببرود:

" وعملتي إيه؟ أشعل رده البارد عصبيتها وغضبها مرة أخرى لتهتف بحده: " وهو لحد إمتى. أنا حعمل إيه. إمتى حيجى الوقت اللي إنت تعمل فيه. أنا تعبت يا وائل من كتر الأعذار. مبقتش لاقيه حجة أقولها لبابا وماما." عاد "وائل" بجزعه إلى الخلف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره قائلاً بتساؤل يحمل نبرة اتهام: " يعني وافقتي؟

هبت "دنيا" واقفة بانفعال ولولا أنها تدرك أنها ما زالت بمقر عملها لكانت تقدمت نحوه ولكمته لكمة قوية أسقطته أرضاً، لكنها تحاملت على نفسها مسيطرة على انفعالها من هذا "البارد". " ده إنت بارد. كل اللي هامك وافقت ولا لأ. لكن إن إنت تتحرك. أبداً. لحد إمتى حفضل أنا اللي أتصرف وأبعد الناس عني عشان لما يبقى ييجي مزاجك تتقدم لي. لأمتى حفضل في الانتظار يا وائل؟ زم "وائل" شفتيه متسائلاً بهدوء يتحلى بضيق وتجهم:

" أنتي عايزة إيه دلوقتي. هو نكد وخلاص؟ اتسعت عيناها بذهول وقد نهج صدرها بشدة لتجيبه بنبرة هادئة بخلاف تلك النيران التي تشتعل بداخلها من بروده الشديد: " وائل. إنت بتحبني وعايز تتجوزني ولا لأ؟

كان سؤالها مباشراً مباغتاً بصورة صادمة، كان بالنسبة إليها هو الخلاص مما تسميه بداخلها التزاماً معه فقد تضاءل الحب بقلبها بسبب أسلوبه الغير مبالي بها، بينما كان سؤالاً محيراً لـ "وائل" فإجابته عليها ستحتم عليه اتخاذ موقف ما، إما بالابتعاد عنها أو طلب يدها كما تريد. ابتلع ريقه باضطراب متفكراً بصمت دام لبعض الوقت لم تنقطع به نظراتهما المتبادلة لاكتشاف ما بداخل الآخر. صمته التام أثار حفيظتها بصدمة لتردف مستنكرة:

" يااااه. كل ده تفكير عشان ترد عليا. بتحبني وعاوزني ولا لأ؟ مسح "وائل" وجهه بكفه بتوتر محاولاً إيجاد الكلمات المناسبة لهذا الموقف الصعب. " الموضوع مش كده يا دنيا. أنتي عارفة كويس. أنا بس... ااا... قاطعته "دنيا" وهي ترفع رأسها بتشدق كمن يلملم بقايا كرامته المجروحة:

" أنا لا عارفة. ولا عايزة أعرف. اللي بيحب حد بيبقى ملهوف عليه. خايف يضيع من إيده. بيتمنى اليوم اللي ربنا بيجمعه بيه بفارغ الصبر. لكن إنت. كل اللي بتعمله. بتتهرب مني. حتى كلمة بحبك اللي المفروض تقولها من قلبك من غير تفكير. مقولتهاش. أنا حقولك يا وائل. إنت لا حبتني. ولا يوم حتحبني. إنت حاسس إنك متورط معايا. التزمت بكلمة ومش عارف تخلص منها. لكن أنا حسهلها لك. من النهارده اعتبر الوعد بينا لاغي. وأنت في حل من أي حاجة بينا. وكل واحد منا يكمل طريقه زي ما هو عايز. وجودي في حياتك كان مشكلة كبيرة. وأنا خلصتك منها. سلام يا وائل."

صدم "وائل" من رد فعل "دنيا" تلك المرة، بل وقلب المنضدة عليه بتلك الصورة. أتنهي علاقتهما وحبهما بهذه الصورة، أم أن هذا بالفعل ما كان يريده من داخله. التفتت "دنيا" تجاه مكتبها لتحمل حقيبتها قبل أن تستدير خارجة من المكتب حين أوقفها "وائل": " دنيا. بلاش تكبري الأمور. اقعدي نتفاهم." رمقته "دنيا" بنظرات غاضبة يملؤها ندم ولوم شديدين حين أردفت: " أكبر الأمور؟!!!!! ....

إنت سامع نفسك. وائل. إنت حتى عشان تراضيني مش هاين عليك تشوف نفسك مقصر في حقي. بتوقفني بس عشان تبقى حاولت. لا يا وائل. متجيش على نفسك أكتر من كده. إحنا مش لبعض. إحنا خلاص مننفعش لبعض." وقف "وائل" مدهوشاً من رد فعله البارد على انفصال "دنيا" عنه بينما خرجت هي مباشرة من المكتب تطلب العودة للمنزل لشعورها بتعب مفاجئ كحجة لها للذهاب.

جلس "وائل" خلف مكتبه مرة أخرى بضيق متذكراً ما مر به مع "دنيا" خلال تلك الأربعة أعوام كشريط ذكريات من بداية لقائه بها في الجامعة مع صديقاتها حين قرّب "عمر" بينه وبينهن وميله تجاهها وشعوره بحبه لها الذي زاد يوماً بعد يوم. همس لنفسه متسائلاً بغرابة: " إيه اللي حصل. لما أنا كنت بحبها كده. إيه اللي حصل دلوقتي. خوف. ولا ملل. ولا ده مكانش حب من الأساس؟ قضى "وائل" بقية يومه يتذكر ويتساءل متخبطاً بأفكاره بعد رحيل "دنيا" عنه.

لم تحبذ "دنيا" العودة مباشرة إلى المنزل بل آثرت أن تجلس بمفردها لبعض الوقت متفكرة بقرارها بالانفصال والابتعاد تماماً عن "وائل". ذلك القرار المحزن لكنه ليس فاطراً لقلبها كما كانت تظن، فقد كان "وائل" بعيداً عنها فليس القرب قرب المكان، فبعد قلبه سبب لها الجفاء، قتل حبها له بقلبها فقد كان غريباً قريباً. *** المنيا....

مرت الساعات ولم تمل الصديقات من حديثهن المخزن بداخلهن لأيام طويلة، قطع تلك الأحاديث رنين هاتف "سحر" لتنظر باتجاه شاشته وتتغير ملامحها باستياء شديد وهي ترفع مقلتيها نحو السقف بحركة تملل قبل أن تجيب: " ألو. أيوة يا علام. إزيك؟ " إزيك انتي يا سحر. إيه يا سحر اللي انتي عملتيه ده؟ " عملت إيه؟ " هو ينفع واحدة محترمة تسيب بيتهم وتروح تبات في بلد بعيدة مع صاحبتها. ده يصح؟

" وأنت مالك. داخلك إيه. أنا مستأذنة من بابا وماما وهم عارفين كويس أنا فين ومع مين. وبلاش الأسلوب ده. عشان أنا مش بعمل الغلط يا أستاذ يا محترم." تراجع "علام" عن أسلوبه الملوم ليردف بلطف: " طبعاً. طبعاً. محدش يقدر يقول عليكي حاجة. بس أصل كده مينفعش يعني. و... ااا... كنتي تقعدي أحسن هنا." " بص يا علام. أنا وإنت مش شكل بعض خالص. مننفعش بعض. إنت زي أخويا وبحترمك أه. بس جواز. ما أظنش. فسبني في حالي بقى وبطل إلحاح."

" طب مش تديني فرصة الأول ولا إيه؟ " للأسف يا علام. أنا وإنت مختلفين تماماً عن بعض. افهم ده. طبعي غير طبعك. وتفكيرى غير تفكيرك خالص." " عموماً متتسرعيش. خالي قال لي إنك واخدة وقت تفكري ومش حعتبر ده رد نهائي. تمام. ويا ريت بس متطوليش عندك خليكي في بيت خالي أحسن. سلام." نظرت "سحر" بدهشة نحو الهاتف بعدما أنهى "علام" تلك المكالمة بهذه الطريقة الغريبة خوفاً من ردها القاطع بالرفض لتزفر محركة رأسها يميناً ويساراً بضيق.

" إنسان مستفز وتقيل كده. اوووف." ضحكت "نسمة" على ملامح "سحر" المستاءة مردفة بعذوبة: " شكلك تحفة وأنتي متعصبة." " إنسان معصب فعلاً. فاكر إنه لما يعمل كده حافكر تاني وممكن أوافق عليه. مغرور في نفسه. مبيحبش يحس بالرفض والخسارة أبداً." " طبع صعب أوي. أمال أنتي ناويه على إيه؟ " مش عارفة. عارفة أحلى حاجة هنا إيه؟

الجو والخضرة اللي حوالينا دي. تصدقي لما جيت هنا جتني فكرة. إني ممكن أنقل شغل البورصة بتاعي في ماليزيا وأشتري حتة أرض صغيرة أعمل عليها مثلاً فندق صغير كده وتبقى حواليا الخضرة والمية. حاجة كده مريحة للأعصاب." أردفت "نسمة" بإندهاش: " ياااه. ماليزيا. ليه بعيد كده؟ " أهو أبعد عن علام وقرفه. وأبقى في مكان مريح وبشتغل برضه." دارت "نسمة" بعيونها بأرجاء البيت قائلة بنبرة حزينة منكسرة:

" المكان هنا كل حاجة كانت فيه حلوة وبحبها. بس بعد جدي صالح. حاسة المكان يخنق." تداركت "سحر" تأثر "نسمة" مرة أخرى لتحاول تغيير مجرى الحديث حتى لا تصاب بنوبة اكتئاب أخرى مجدداً. " المهم. أنتي بكرة جايه معايا وسط البلد نجيب القطر لـ مؤمن وشوية حاجات كده. تمام." ابتسمت "نسمة" بخفة لتومئ برأسها برضا: " موافقة." دلف "عمر" بتلك اللحظة من باب البيت الكبير قائلاً وهو يدنو من "نسمة": " موافقة على إيه من ورايا؟

اتسعت ابتسامتها وأشرق وجهها بعودته بصورة ملفته جعلت "سحر" تبتسم لا إرادياً بسعادة لرؤية إشراقة وجه صديقتها لرؤية زوجها المحب بتلك الصورة. فكم كانا مثالاً لعشق الروح الذي طالما تمنته وربما هذان العصفوران سبباً في رفضها للزواج إلا من قلب محب كقلوبهم. أجابت "نسمة" تساؤل "عمر" الذي جلس فوق مسند مقعدها واضعاً ذراعه فوق كتفيها بحنو: " أصل سحر عايزة تنزل وسط البلد بكرة. وحروح معاها." بتفاجئ شديد أردف "عمر"

بنبرة متحملة ببعض الضيق: " لازم بكرة. أنتي نسيتي معادك مع الدكتورة؟ بدهشة تذكرت "نسمة" على الفور موعدها مع الطبيبة النفسية التي تتابع معها بعد وفاة جدها بزيارتها الشهرية لها ممتنة بتذكر "عمر" دوماً لكل ما يخصها بذلك الاهتمام. " أه صحيح. ده أنا كنت نسيت خالص. كويس حبيبي إنك فاكر." بابتسامته الجذابة ونظراته التي تفيض بعشق يذوب بزمردته الخالصة. " وهو أنا عندي أهم منك في حياتي." ثم تدارك نفسه لوجود "سحر"

بينهما ليردف باعتدال: " خلاص خلي مشوار وسط البلد ده بعد بكرة بقى." هتفت "سحر" بإصرار: " لأ طبعاً. أنا وعدت مؤمن. خلاص مفيش مشكلة. روحوا انتوا معاد الدكتورة لأنه مهم طبعاً. وأنا حاخد الأستاذ مؤمن وننزل نشتري حاجتنا كلها ونيجي. تمام." أومأت "نسمة" بالموافقة على اقتراح "سحر": " فكرة كويسة برضه." وافق "عمر" على ذلك الاقتراح معقباً:

" خلاص ننزل سوا كلنا أنتي تاخدي مؤمن تجيبوا اللي انتوا عايزينه وأروح أنا ونسمة عند الدكتورة. حلو كده." " حلو أوي." *** بيت عبد الحميد.... وضعت "أحلام" طعام الغذاء فوق الطاولة استعداداً لتناول تلك الوجبة مع زوجها. فرغ "عبد الحميد" من غسل يديه ليجلس بهدوء يتناول طعامه وسط مراقبة أعين "أحلام" له حين همست بانكسار: " أنا عندي استعداد أنزل لمامتك و مها أعتذر لهم وأبوس على دماغهم كمان."

رفع "عبد الحميد" وجهه بصدمة ليتوقف عن مضغ الطعام مردفاً باستنكار: " ليه تعملي كده؟ " عشان أنت متزعلش كده يا عبده." " أنا منكرش إن المشكلة اللي حصلت بينك وبينهم خلتنا واخدين جنب منهم وكل واحد منا قاعد في شقته غير الأول كنا كلنا مع بعض. بس هم جرحوكي وغلطوا فيكي قدامي كمان ومعملوش اعتبار لأي حاجة. بس ده ميخليكيش تنزلي وتقللي من نفسك. هم اللي غلطوا. أنتي ملكيش ذنب إنك... ااا...

توقف "عبد الحميد" عن الحديث حتى لا يزيد من جرح "أحلام" فقد أصبحت حساسة للغاية من ذكر ذلك. لتكمل "أحلام" بانكسار: " كمل. كمل يا عبده. ماليش ذنب إني مبخلفش. صح. أنا تعبت من كتر الدكاترة والأدوية. حتى العملية عملتها ومفيش فايدة. لو كان فيه طريقة تنفع كنت عملتها بس أنا عملت اللي ميتعملش. وبرضه مفيش نصيب." " أنا مقصدش يا أحلام. أنا بس بقولك مفيش داعي تنزلي عند أمي ومرات أخويا ويرجعوا يعايروكي تاني وأنتي ملكيش ذنب."

أومأت "أحلام" بضعف فهي تحاول جاهدة لإسعاده لكن لا جدوى، حتى هذا الطفل الذي طالما حلم به لا تستطيع إنجابه فهي السبب بتعاسته تلك دائماً ولا تنكر ذلك ولا تستطيع تغيير تلك الحقيقة أنها عقيمة كأرض خاوية. كم تمنت أن تصبح أماً تسعد بوجود أطفالها من حولها تراهم يكبرون حولها يؤنسونها بوحدتهم ويكونوا عوضاً لها وله. لكن التمني وحده لا يكفي.

تنهدت بصمت لينهي "عبد الحميد" طعامه مبتعداً عن حزن "أحلام" وحساسيتها المفرطة، يتمنى من قلبه لو تتقبل قدرهم برحابة صدر وتنهي تلك الأجواء المشحونة بالحرمان طوال الوقت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...