ثم رحمها أخيراً وهو يقول ببرود صقيعي: بصي عشان نبقى على نور من أولها... كل واحد في حاله وميدخلش في اللي يخص التاني، اشطا. الشقة قدامك، اعملي اللي أنتِ عاوزاه فيها. أما أنا، مليكيش أي دخل بيا، ماشي. ثم تركها ودخل غرفته دون كلمة أخرى. لتسقط هي على المقعد خلفها بصدمة. ظلت تنظر أمامه غير مستوعبة لما قاله وفعله. إن كان لا يريدها ولا يريد أن تتدخل فيما يخصه، فلماذا تزوجها إذن؟ هل غصبه أحد عليها؟
أم تزوجها شفقة عليها وعلى حالها وما آلت إليه أمورها؟ لما فعل ذلك بها؟ لما جرحها بهذه الطريقة؟ شعرت أنها كطير اقتنصته رصاصة غادرة مزقت قلبه. بكت بحرقة، بكاء يمزق نياط القلب. فهي لا تستحق ذلك أبداً، لا تستحق أن يجرحها في ليلة زفافها بهذه الطريقة. ألا يكفي ما في قلبها من جروح حتى يأتي هو ويكمل على ما تبقى منه.
تعبت أخيراً من البكاء، لتقوم وتذهب إلى إحدى الغرف. خلعت فستانها وتوجهت إلى الحمام، توضأت وبدأت في الصلاة تشكو حالها لربها، فمن غيره يسمعها. انتهت من الصلاة لتشعر براحة تغمرها، لتستلقي على سريرها وتغفو في نوم عميق.
في صباح اليوم التالي، خرج وسيم من غرفته وهو يشعر بالعطش، توجه إلى المطبخ ليقف مكانه بصدمة، غير مصدق لما يراه. أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى حتى يتأكد أن ما يراه حقيقياً. كانت تعبث في أحد الأرفف وهي ترتدي عباءة منزلية وردية اللون أظهرت جسدها المكتنز. ولكن ما صدمه هو شعرها، فشعرها طويل جداً يتعدى آخر ظهرها، بني اللون وبه بعض الخصلات الكستنائية المموجه.
فتح باب الثلاجة بعنف، جعلها تنتبه له، فاستدارت له وهي تبتسم ابتسامة واسعة جعلته يفغر فاهه بصدمة. فما يراه عكس ما توقعه تماماً، فقد كان يعتقد أنها عندما تراه سوف تصرخ عليه، تطلب منه الطلاق، أو على الأقل تقابله بتجهم، وليس بهذه الابتسامة الواسعة. تكلمت هيا لتخرجه من شروده: صباح الخير... ثواني والفطار يكون جاهز. لثاني مرة تصدمه، فلم يكن منه إلا أن يرد عليها وهو يهز رأسه: صباح النور. ثم أخذ زجاجة المياه وخرج.
جهزت هيا الفطار على المائدة ونادت على وسيم: وسيم... يلا الفطار جاهز. خرج وسيم وجلس على المائدة دون أن ينطق بكلمة واحدة. تجاهلته هيا وهي تبدأ بالأكل. راقبها وهي تأكل بهدوء وبطء ونعومة، لا تأكل كميات كبيرة من الطعام، إذا من أين يأتي هذا الوزن الزائد وهذه السمنة المفرطة؟ نفض أفكاره بحدة، فهي تتجه إليها دون إرادته.
ثم قام دون أن يكمل طعامه ودون كلمة شكر واحدة. أكملت هيا طعامها بلامبالاة وحمدت الله وقامت بلم المائدة. ثم دقائق وسمعت صوت الباب يفتح ويغلق، فعلمت أن وسيم غادر الشقة. مرت 10 دقائق لتسمع صوت جرس الباب. فتحت ورأت بسمة تقف أمامها تقول بمرح: صباحوو يا عروسة. ابتسمت هيا: صباحوو يا بسبوسة، ادخلي. دخلت بسمة وجلست على الأريكة أمام التلفاز، وجلست هيا بجانبها لتقول بسمة بغضب مصطنع: طفشتي الواد من أولها. ضحكت هيا بصخب وقالت:
والله يا أختي ما جيت جنبه... هو اللي طفش لوحده. ضحكت بسمة، ولكن لاحظت وجه هيا الحزين لتردف بجدية: هيا، وسيم زعلك ولا حاجة؟ هزت هيا رأسها بنفي. لتسطرد بسمة: لو في حاجة احكيلي... أنتي أختي زي بالظبط، حتى أنا كمان بحبك أكتر منه. ابتسمت هيا: مفيش حاجة والله... لو زعلني أكيد هقولك يعني. هزت بسمة رأسها بتفهم ثم قالت فجأة: بت يا هيا... هو أنتي قاعدة بالعباية دي قدام وسيم؟ نظرت هيا لعباءتها وهي تقول: أيوا، هي العباية مالها؟
ماهي حلوة أهه وجديدة كمان. ضحكت بسمة وهي تخبط هيا على رأسها: وأنا أقول الواد طفش ليه؟ أثاره من اللي شايفه يا قلب أمه. نظرت لها هيا بعدم فهم. فقالت بسمة: لا دا أنتي عاوزة قعدة بقا... هاتي ودنك وأنا أقولك. عند وسيم، نزل إلى شقة والديه. فتحت له أمه لتنظر له بصدمة: إيه اللي نزلك دلوقتي؟ رد وسيم ببرود: هو أنا هفضل محبوس طول النهار ولا إيه؟ ردت أم وسيم بجدية: أيوا، أنت لسه عريس ولازم تفضل في شقتك. هز رأسه باستنكار:
لا مفيش الكلام ده، أنا هعمل اللي أنا عاوزه. ثم تركها وتوجه إلى غرفته السابقة. قابله والده لينظر له باستنكار وقال: إيه اللي نزلك هنا؟ مش ليك شقة تقعد فيها؟ زفر وسيم بضيق: هو كل ما حد يشوفني يقولي إيه اللي نزلك؟ رد أبو وسيم بسخرية: أصل احنا مش متعودين إن عريس بيسيب شقته يوم الصباحية. شعر وسيم بالحرج: في ملفات مهمة تبع الشغل نسيتها هنا فجيت آخدها. هز الأب رأسه بتفهم وتركه.
دخل وسيم إلى الغرفة ورمى نفسه على الفراش بضيق، يشعر أنه محاصر من جهة هيا ومن جهة والديه. أخرج هاتفه من جيبه واتصل بفادي. ثواني ورد فادي بمرح: لا لا متقولش إني وحشتك ومش قادر تعدي يومك من غيري. هتف وسيم بغضب مصطنع: فاااادي اتلم بدل ما أزعلك. ضحك فادي وقال: خلاص خلاص متزعلش... بتصل عاوزني في إيه يا عريس؟ أجاب وسيم: ابعتلي كل حاجة تخص المشروع الجديد على الإيميل. ضيق فادي عينيه وقال: مشروع إيه يا بني؟
ما تركز في اللي أنت فيه... مش تقولي شغل وزفت. زفر وسيم بضيق: فادي اعمل اللي قلتلك عليه وإلا هتلاقيني فوق دماغك. رد فادي بضيق: ماشي هبعتهولك... أولع بجاز أنا مالي. ثم أغلق الهاتف في وجهه. رمى الهاتف وهو يتمتم بغيظ: مجنون والله مجنون. رن هاتف فادي مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت سالي خطيبته. رد فادي بضيق: أيوا يا سالي. تكلمت سالي بصوتها المائع الذي كان يؤثر به في فترة ما: هاي فادي... ممكن نتقابل النهارده؟ هتف فادي:
لا النهارده عندي شغل كتيرر. تأففت سالي ولكن ردت برجاء: بليزز يا فادي... بليزز عاوزاك في موضوع مهم. زفر فادي بضيق: تمام، شوفي عاوزة نتقابل فين. ابتسمت سالي بنصر: أوكي، نتقابل في مطعم... الساعة 7 تمام. رد فادي: تمام. ابتسمت سالي: أوكي باي. جلس وسيم يتابع عمله، وهيا تسير أمامه ذهاباً وإياباً وكأنها تفكر في شيء. هتف وسيم بضيق: هيا اقعدي في مكان بقا... خيلتيني. تلجلجت هيا وردت: سوري... كنت بفكر في حاجة.
ثم جرت إلى المطبخ. تأفف وسيم ودخل ورائها ليراها تقف على أحد المقاعد تجلب شيئاً ما. اختل توازنها وكادت تقع لولا يد وسيم التي سندتها. أغمضت هيا عينها بقوة خوفاً من السقوط، ولكنها لم تسقط. لتفتح عينيها ببطء وتقابلها عين وسيم الزرقاء. كان وجهه قريباً منها ليتأمل في عينيها الذهبيتين ذات الأهداب الكثيفة، فهي تبدو كشموس صغيرة. غزت الحمرة خديها، ليفيق وسيم من شروده بعينيها وهو يعنف نفسه على تأثره بها من أول يوم. أهذه من كان يقسم ألا تكون له أبداً ولن يقع لها مهما كان؟
بالتأكيد هي لم تؤثر به، هو فقط لم يراها بهذا القرب من قبل، فكأنه يكتشفها من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!