الفصل 9 | من 25 فصل

رواية الصغيرة و القاسي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
20
كلمة
970
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

كانت تجليات فانتونه جميلة حد الرعب. يقولون إذا جلست وسط الغابة مغمض العينين لمدة طويلة، يوم أو يومين، فإنك تستمع لكل أصوات الغابة. ليس صرير الصرصور، ونقيق الضفادع، وزمجرة الرياح، وأصوات الحيوانات، وخرير المياه، ودقات المطر، وحفيف الأشجار، بل أعمق من ذلك. هناك أشياء لا يمكن رؤيتها بالعين. ليس معنى أنك تمتلك عينين أنك مبصر. إن كل أصوات الغابة تصبح في داخلك، حتى أخفت الهمسات.

فانتونه كانت تجلس بالساعات مطرقة. إنها لا تشعر بالملل الآن، بل بجمال الطبيعة التي خلقها الله. لقد فتحت فانتونه قلبها وروحها لجمال الله الذي أسكنه مخلوقاته، فاستقر داخلها. ولم يكن مستغربًا أن يسمعها أردين تبكي بحرقة منتصف الليل، متألمة لجرح حيوان أو عذاب طائر يغدو على رزقه. لقد أصبح جسدها نحيلًا. كان عذاب كل مخلوق يعيش في الغابة عذابها. وعندما تضحك فانتونه، يعلم أردين أن هناك أمرًا جيدًا قد حدث.

لقد أصبح أردين يفهمها ويحس بها. لقد تفوقت التلميذة على الأستاذ. لطالما تمنى أردين أن يصبح مثلها. منذ صغره كان يخرج لأماكن بعيدة معزولة ويراقب ويستمع للطبيعة، لكنه على حال يسمع كل ذلك من خلال فانتونه. في صبيحة يوم مشمس، فتح أردين عينيه ووجد فانتونه تقف تحت أشعة الشمس القاسية. ظنها تلعب، لكن فانتونه ظلت واقفة. ساعة، ساعتين، ثلاثة، حتى تصلبت قدماها. كان جسدها يصرخ من الوجع. أغلقت فانتونه عينيها وسمحت للألم أن يصعقها.

في الرمق الأخير من النهار، اختفى الألم. توحدت فانتونه مع الطبيعة. لقد ظن أردين أنه سيفقدها. لكن فانتونه عادت بحماس للكهف، وبرغم أثر التعب. أردين كان مهتمًا بنظافة الكوخ وإعداد الطعام. كان مهتمًا بفانتونه ويحرص أن لا ينقصها شيء.

في مساء تلك الليلة، بعد نوم أردين، سكنت فانتونه تحت النجوم المتلألئة. لقد ذهبت بروحها للشاطئ حيث يقبع هرم ميت. سكنت داخله وماتت معه. نُهش جسدها الضباع والطيور. تفسخ جسدها وتعفن. تحلل إلى التربة. أصبحت لا شيء. كانت تشعر بكل هذا من مكانها، حتى أنها شعرت حقيقة أنها ميتة. سافرت فانتونه مئات الأميال. عاشت داخل الصخر والحيوان. كانت تقضي أيامًا ربما طالت، متوحدة مع ذاتها. الفناء من أجل الذات.

وبعد أكثر من بضعة شهور، أطلت فانتونه على أردين بفكرة جديدة. قالت إنها لن تأكل ولن تشرب. تريد أن تتعلم إنكار الذات مثل النساك والزهاد. ولأن أردين يعرف أن فانتونه تعشق الأكل والطعام والفاكهة المسكرة، كان متأكدًا أنها تمزح. قرفص على الأرض وجعل يضحك بصوت مرتفع. لكن فانتونه لم تبالِ بكلامه. وشعر أردين أنها جادة عندما وجد طعام الإفطار متروكًا مكانه. لكن أردين قال: "وقت الغداء ستركض على الكهف".

مر الغداء والعشاء وفانتونه جالسة مثل التمثال من الطين، متوحدة مع ذاتها. يسمع أردين صوت طقطقة معدتها. اندهش أردين. كيف لتلك الصغيرة أن تتحمل كل ذلك؟ ما الدافع الذي يحمسها؟ كان واثقًا أنه صباح اليوم التالي سيجد كل لقمة في الكوخ مأكولة، حتى بقايا الطعام. في الصباح، كانت فانتونه متسمرة في مكانها لا تتحرك، حتى ظن أردين أنها ميتة. قرب منها وضربها في كتفها! "هي يا قديسة! أنتِ حية؟ ألا تشعرين بالجوع؟

الغريب أن فانتونه كانت بصحة جيدة، كأنها تعدت كل ذلك وتخلت عنه. "فانتونه، كفاية؟ ممكن تموتي من الجوع؟ "سأستمر. ابعد عني يا أردين، فأنا أشعر بالسعادة." لكن قلق أردين خلاه يراقبها. لم يكن عقله يتصور أن هذا ممكن أن يحدث. الليلة التالية، كانت فانتونه جالسة في مكانها وأردين يراقبها. لما اقترب منها نمر. أردين استعد للتدخل، لكن شيئًا خفيًا جواه قال له: "انتظر لحظة". تذكر الحكيم أنتخ، المعلم الأول والقصص التي كان يسمعها عنها.

قرب النمر من فانتونه مكشرًا أنيابه، وفانتونه ثابتة لا تشعر بأي شيء. دار النمر حولها وأردين على أعصابه. فجأة، جلس النمر جوار فانتونه. حك رأسه بكتفها ومشى، وكأنه مقدر لها أن تصبح شيئًا آخر. قرب منها أردين، كان يريد أن يقول لها كلامًا جميلاً كاتمه في صدره. قالت فانتونه: "اجلس للتأمل معي على بعد 15 خطوة". قعد أردين يتأمل مثلها، وترك مكانه أكثر من مرة ليأكل ويشرب، من غير ما فانتونه تشعر بها.

آخر الليل، بكت فانتونه بكاء مر، بكاء محرق قاسٍ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...