جلس على حافة سريره، واضعا رأسه بين كفي يديه. جسده الضخم جامد، لا يتحرك. مشاعره مبهمة. عيناه مغمضتان، وكأنهما تهربان من هذا الواقع المحيط بهما. ورغما عن كل هذا الجمود والثبات، هناك شيء في داخله محطم. ليس لكونه قد خسرها فقط، بل لكونه أدرك بخسارته لها مدى قوته وجبروته الذي طغى على الجميع. وأدرك بأنه حطم بهما قلوب الكثير، وأولهم قلبها هي. هل كانت تعاني؟ هل كانت تتعذب وهو لا يعلم؟
أسئلة كثيرة تدور داخل عقله، أسئلة تتعب وتزيد من عذابه. رفع رأسه أخيرا ما إن سمع صوت طرقات على باب غرفته. نهض من مكانه وسار نحو باب غرفته بخطوات واهية ليفتح الباب، فتظهر الخادمة أمامه وهي متشحة بالسواد. تنحنحت الخادمة بحرج وقالت موضحة سبب مجيئها: "السيد عادل وزوجته في الخارج ينتظران مجيء حضرتك...
أومأ برأسه دون أن يرد عليها، ثم أغلق الباب في وجهها. اتجه نحو الحمام الملحق بغرفته. وضع رأسه أسفل صنبور المياه بعدما فتحه. لم يشعر بالماء يغسل روحه أو يبرد قلبه كما ظن. رفع رأسه من أسفل صنبور المياه وأعاد شعره المبلل إلى الخلف. ثم حمل المنشفة وأخذ يجفف شعره. خرج من الحمام واتجه إلى خزانة ملابسه. أخرج ملابسه وارتداها. ثم خرج من غرفته متجها إلى صالة الجلوس حيث ينتظرانه ضيوفه.
دلف إلى صالة الجلوس ليجد والدته تترأس المكان. ترتدي ملابس سوداء أنيقة مع شال أسود يغطي شعرها. ومن الجهة الأخرى يوجد عادل وزوجته. اقترب من والدته، انحنى نحوها وقبل يدها وجبينها، ثم حيا الضيوف ببرود وجلس على الكنبة المقابلة لهما. "نعم... " سألهما ببرود. ليتنحنح عادل حرجا من بروده الواضح معهما ويقول بصوت مبحوح: "نحن في الحقيقة جئنا ل... هنا تدخلت زوجته وقاطعته قائلة نيابة عنه: "جئنا لنأخذ سيف معنا...
اتجه ببصره نحو والدته التي رفعت حاجبها بسخرية مما تسمعه، ثم عاد ببصره نحوهما متسائلا: "أي سيف؟ سيف ابني؟! "بل ابن ابنتي... " كان هذا رد الزوجة، والتي تدعى رجاء. عاد وتحدث بدوره قائلا بنبرة متحفزة: "وهل تظنين بأنني سأمنحك ابني؟! قالت رجاء بنبرة حادة وقد بدأت تفقد أعصابها تدريجيا: "أخبرتك بأنه ابن ابنتي... هنا تدخل عادل في الحوار وقال موجها حديثه لزوجته: "آخرسي أنتِ... ثم التفت إليه وقال بنبرة محرجة:
"فارس يا بني، سيف حفيدنا، إنه ابن نشوى رحمها الله. ونحن كنا نطمع بكرمك وأن تسمح لنا بأخذه وتربيته وتعويضه عن فقدان والدته... صوت شيء ما ضرب الأرض أثار انتباههم جميعا. لقد كان صوت العصا التي تستند عليها والدته. "اسمعوني جيدا... سيف ابننا، ومكانه هنا بيننا. شرعا وقانونا مكانه معنا وبيننا." كان هذا تصريح الأم (صفية) ، والتي كانت حازمة صارمة فيما تقوله. تحدثت رجاء بنبرة جاهدت لتجعلها هادئة، كما أنها أضافت عليها
القليل من الرجاء والتوسل: "ولكن يا صفية خانم، أنت تعرفين أن نشوى كانت ابنتي الوحيدة. أنا لا أمتلك غيرها. ومن حقي أن أربي ابنها وأراه يكبر أمامي... ردت صفية بجدية: "بعيد عن والده... تريدنه يصبح يتيم الأم والأب أيضا." تدخل عادل في الحوار قائلا: "ولكن سيف طفل رضيع، من سيهتم به؟ أعلم أن لديكم خدم كثير، ولكن طفل صغير بحاجة إلى أم تعتني به، تعوضه فقدان أمه الحقيقية... "أنا قادر على أن أمنح ابني كل ما يحتاجه...
" قالها فارس، بينما يتابع ابتسامة رجاء التهكمية، والتي قالت بعدها: "وماذا إن تزوجت؟! هل سيتربى حفيدي لدى زوجة اب... الله وحده يعلم ما ستفعل به؟! قاطعتها صفية: "ولكن الزواج سنة الله ورسوله، وبالتأكيد ابني لا ينوي البقاء عازبا لفترة طويلة... "أنتِ قلتيها... ابنك سيتزوج عاجلا أم آجلا، وسينجب بدل الولد عشرة. ولكن أنا لم يتبق لدي سوى سيف. من حقي أن أطمئن عليه مع أم ترعاه وتعتني به... هزت صفية رأسها وقالت:
"أتفق معك في جميع ما قلتيه... نقل فارس بصره بين الاثنتين بعدم تصديق. من المستحيل أن توافق والدته على شيء كهذا. إنه حفيدها ولن تتخلى عنه لأيا كان. سمعها تردف بنبرتها الحكيمة: "أنت تريدين أم ترعى حفيدك وتربيه جيدا. وأنا أيضا أريد كذلك لحفيدي. لهذا فأنا قد وجدت الزوجة المناسبة والتي ستجعلك تطمئنين على حفيدك معها...
تطلع كلا من عادل ورجاء إلى بعضيهما بعدم فهم، بينما أخذ فارس يتابع حديث والدته بملامح مستغربة. هو يعلم والدته ومدى حكمتها في حل أكثر الأمور تعقيدا، ولكن يشعر أن هذه المرة لن يعجبه حلها. "سيد عادل، أنا أطلب يد ابنتك الصغرى لإبني فارس... اتسعت عينا فارس بعدم تصديق، ولم تكن دهشة عادل ورجاء أقل من دهشة وصدمة فارس. انتفضت رجاء من مكانها بعدما استوعبت ما قالته صفية فقالت بصوت جهوري صاخب: "ماذا تقولين أنت؟! بينما
قال عادل بعدم استيعاب: "سيدة صفية، هل أنت متأكدة مما تقولينه؟! التفتت رجاء نحوه ترمقه بنظرات حادة، بينما التزم فارس الصمت وأخذ يتابع ما يجري بملامح جامدة ونظرات خالية المعنى لا توحي بشيء. تولت صفية مهمة الحديث فقالت بنبرة عقلانية: "ألم تقولا بأنكما تبحثان عن أم ترعى سيف وتعاملله جيدا وتعوضه عن فقدان أمه؟ أظن أنه لا يوجد أفضل من خالته أخت والدته لتؤدي هذه المهمة... صمت عادل ولم يقل شيئا، مما جعل
رجاء تصرخ به بنفاذ صبر: "عادل قل شيئا... هنا نهضت صفية من مكانها مستندة على عكازها وقالت بنبرة صارمة لا تقبل جدال: "لا يوجد شيء يقوله يا سيدة رجاء. سيف ابننا ومكانه هنا. ونحن لأجل راحتكما قدمنا لكما عرضا يناسب الجميع. أنتم لكم حرية قبوله من رفضه. لكن بكل الأحوال ابننا لن يتحرك من هنا انش واحد...
كان هذا الكلام النهائي والقاطع، والذي جعل رجاء تتحرك خارج الغرفة وهي تسب وتلعن بتلك العائلة، يتبعها عادل الذي أصابه دوار شديد من هول ما سمعه. في مكان آخر وتحديدا في العاصمة. تجلس على الكرسي واضعة حاسوبها الشخصي على فخذيها. تلعب إحدى الألعاب الإلكترونية بحماس شديد. تقترب منها والدتها وتقول بنبرة مؤنبة: "لمار ابنتي، كم مرة علي أن أخبرك ألا تضعي الحاسوب على فخذيكِ هكذا حتى لا تؤذيكِ فيما بعد؟!
وضعت لمار الحاسوب بجانبها ونهضت من مكانها واتجهت نحو والدتها وقالت بجدية: "ها قد وضعته بجانبي. أي أوامر أخرى؟! أجابت الأم بنفس الجدية: "واتركي هذا الحاسوب قليلا وركزي على دروسك. لقد اقتربت امتحاناتك ويجب أن تجلبي علامات جيدة كما وعدتيني... حركت لمار خصلة من شعرها ووضعتها خلف أذنها، ثم قالت وهي تحك جانب رأسها بحذر:
"في الحقيقة أنا أردت إخبارك بأنني بحاجة لدرس خصوصي في مادة الرياضيات. أنا فعلا لا أستطيع أن أفهم شيئا من هذه المادة... "دروس خصوصية مرة أخرى... لقد صرفت جميع مرتبي هذا الشهر على دروسك الخصوصية... " قالتها الأم بحيرة شديدة، فمن أين ستجلب لابنتها تكاليف هذا الدرس أيضا. تنحنحت لمار قائلة بتردد: "ما رأيك أن أحدث والدي... لعله يساعدنا قليلا... إلا أنها والدتها صرخت في وجهها: "لمار...
كم مرة يجب أن أخبرك ألا تفكري في أن تطلبي أي شيء منه؟! نحن لسنا بحاجة إلى أمواله... ابتلعت لمار ريقها وقالت: "ولكن نحن لا نأخذ منه سوى فلوس النفقة، وهو لديه الكثير من الأموال. لماذا لا يدفع لنا ويساعدنا... نهضت الأم من مكانها بصرامة وقالت منتهية الموضوع: "لا تتحدثي مرة أخرى في هذا الموضوع يا لمار. أخبرتك أنني لا أريد شيئا منه... انتهى...
أومأت لمار برأسها متفهمة، ثم نهضت من مكانها واتجهت نحو غرفتها، تاركة والدتها تفكر في حل تجد من خلاله الأموال التي تحتاجها للدرس الخاص بابنتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!