بعد مرور عدة أيام … استيقظت لمار من نومها على صوت صراخ يملأ أرجاء المنزل. قفزت بسرعة من سريرها وخرجت من غرفتها متجهة إلى صالة الجلوس لتجد والديها يتعاركان سويًا. كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها والديها بوضع كهذا، فهي منذ أن وعَت على هذه الدنيا ووالديها متطلقان. ولم تأتِ لها الفرصة أن ترى والديها يعيشان حياة زوجية طبيعية فيتشاجران سويًا مثلاً كأي زوجين طبيعيين. تقدمت نحوهما مسرعة وهي تتساءل بخوف:
” ماما … بابا … ماذا يحدث هنا …؟! الا أن والدتها قالت بحزم: ” ادخلي إلى غرفتك يا لمار ولا تخرجي منها حتى أسمح لك …” لكن والدها كان له رأي آخر: ” دعي لمار تسمع ما أريد قوله … ” قالت الأم بعصبية: ” ماذا تريدها أن تسمع بالضبط …؟! ما تفوهت به من جنون قبل قليل …” رد الأب بعصبية مماثلة: ” لا تثيري أعصابي يا امرأة … ما أريده سيحدث … شئت أم أبيت … وأنتِ عليكِ أن تفهمي هذا جيدًا … هل فهمت ..؟! الأم بتحدٍ:
” هذه ابنتي … وأنا لن أسمح لك أن تفعلِي بها شيئًا كهذا …” أخذت لمار تنقل ببصرها بين الاثنين بحيرة شديدة وقلق أشد حتى صرخت فجأة بهما: ” يكفي توقفوا …” ثم التفتت نحو الأب وسألته: ” اشرح لي من فضلك ما يحدث هنا …” أخذ الأب نفسًا عميقًا قبل أن يجيبها بجدية: ” أنتِ ستتزوجين يا لمار … ” ” ماذا …؟! هتفت بها لمار بعدم تصديق. بينما أكمل والدها حديثه الصادم:
” لا يوجد حل آخر أمامي … يجب أن تتزوجي زوج أختك نشوى … هو تقدم لخطبتك وأنا وافقت …” ” ماذا تقول يا أبي …؟! أنت بالتأكيد تمزح …” هز الأب رأسه نفيًا وقال: ” أنا لا أمزح … هذا ما حدث … اسمعيني جيدًا … ” الا أن الأم قاطعته بغضب ونفاذ صبر: ” ماذا تريدها أن تسمع …؟! هل جننت … كيف تطلب منها شيئًا كهذا …؟! سالت دموع لمار التي قالت بسرعة: ” أنا غير موافقة يا أبي … من المستحيل أن أوافق على شيء كهذا …”
اقترب عادل منها وأحاط وجنتيها بيده وقال بوداعة مفتعلة: ” أرجوكِ يا ابنتي … اسمعيني أولاً وأصدري حكمك بعدها …” أشاحت لمار بوجهها بضيق بينما استرسل الأب في حديثه: ” يا ابنتي إذا لم تتزوجي من فارس سوف أخسر جميع أملاكي …. افهميني أرجوك …” اتسعت عينا لمار بصدمة قبل أن تقول بدهشة: ” كيف يعني ستخسر جميع أملاكك ..؟! أجابها الأب بإختصار:
” عائلة صفوان يملكون علينا ديونًا كثيرة … وهم يريدون ديونهم … ونحن لا نمتلك رصيدًا كافيًا لتسديد ديوننا … لهذا فإننا سنضطر لأن نعطيهم أملاكنا مقابل الديون … الشركة والقصر …” ” أنت تبيع ابنتك من أجل الأموال …” قالتها الأم بدهشة قبل أن تردف بسخرية: ” على العموم هذا ليس بجديد عليك … طوال عمرك وأهم شيء لديك المال … تبيعنا جميعًا وتبيع نفسك لأجله …” ” ولماذا يريد السيد فارس الزواج بي مقابل الأموال …؟!
هل أنا مهمة وثمينة لهذه الدرجة حتى يتنازل عن ديونه لأجل الزواج بي …؟! قالتها لمار بمرارة. لتصرخ الأم بها: ” لمار هذا الموضوع منتهي … لا تشغلي نفسك وتفكري به من الأساس …” لكن الأب لم يهتم بما قالته بل وضح لها السبب: ” فارس يريد أمًا لابنه … ومن عاداتهم هناك في القرية حينما تموت الزوجة يتزوج زوجها بأختها فهي تكون أكثر واحدة مناسبة له وخصوصًا إذا كان لديه أولاد منها …” ” أنا غير موافقة يا أبي …” قالتها لمار.
ليصرخ الأب بها: ” ماذا يعني غير موافقة …؟! أقول لك بأنني سأخسر جميع أملاكي وأنتِ ترفضين …” ” ابنتي لن تتزوج بهذا الرجل …. وأنت اخرج من بيتي …” التفت عادل نحوها وقال بتهديد صريح: ” لا تعاندي كثيرًا يا إيمان … فأنا قادر على فعل الكثير … وأنتِ تعلمين هذا جيدًا …” ” تهددني يا عادل … هل وصل بك الجبروت إلى هذه الدرجة …؟! رد عادل بحسم:
” اسمعاني أنتما الاثنان جيدًا … لمار ستتزوج من فارس … أنا والدها وولي أمرها … غير هذا أنتِ تعرفين نفوذي جيدًا وماذا بإمكاني أن أفعل من خلاله بكِ وبابنتك … وافقي على الزواج أفضل لكِ من إثارة المشاكل …” ثم خرج تاركًا لمار تبكي في أحضان والدتها. *** أغلق فارس الهاتف واتجه نحو والدته التي تساءلت بلهفة: ” ماذا كان يريد منك عادل …؟! جلس فارس بجانب أمه وأجابها بجدية: ” يخبرني بأنه موافق على طلب خطبتي لابنته …”
زغردت الأم بسعادة. بينما أشاح فارس بوجهه بضيق لتتوقف الأم عن زغاريدها وقالت لابنها: ” ما بك يا بني …؟! تبدو منزعجًا …” فارس بضيق واضح: ” لم يكن وقتها يا أمي … لم يكن وقتها أبدًا …” صفية بتساؤل واستغراب: ” متى وقتها إذا …؟! أجابها فارس بنبرة جادة: ” كان علينا انتظار فترة من الزمن … كما أن الفتاة تبدو غير مناسبة لي …” ” ومن قال هذا …؟! الفتاة بالتأكيد مناسبة لك … يكفي أنها أخت زوجتك الراحلة …”
نهض فارس من مكانه واتجه نحو النافذة وقال بشرود وهو يتطلع من خلال النافذة نحو الأراضي الخارجية المحيطة بقصرهم: ” ولكننا لا نعرف عنها أي شيء …” نهضت الأم من مكانها مستندة على عكازها وتقدمت نحوه. ربتت على كتفه قائلة: ” ستتعرف عليها قريبًا … وأنا متأكدة من كونها أنسب واحدة لك … وسترى هذا بنفسك …” ” أتمنى هذا … أتمنى هذا من كل قلبي …” قالها فارس برجاء حقيقي. ثم تحرك خارج المكان لتتقدم بعد لحظات شابة صغيرة
وتقترب من صفية متسائلة: ” أمي ماذا يحدث هنا …؟! لماذا أخي فارس يبدو منزعجًا …؟! أجابتها صفية: ” فارس سيتزوج يا نورا … لا تنسي أن تباركي له …” نورا بعدم تصديق: ” سيتزوج في هذا الوقت … لم يمر على وفاة زوجته الكثير …” صرخت بها صفية مؤنبة إياها: ” وماذا يعني هذا …؟! هل تريدينه أن يبقى عازبًا لوقت طويل … ؟! ثانيًا ما علاقتك أنتِ بهذه الأمور …؟! انتبهي على أشياء أخرى أهم من أمور الكبار وأحاديثهم …”
” حسنا حسنا … لا داعي لكل هذه العصبية … الخطأ مني لأني سألت …” قالتها نورا وهي تزم شفتيها بضيق قبل أن تتحرك خارجة من المكان لتبقى صفية لوحدها فتجلس على كرسيها مرة أخرى وهي تدعو في داخلها أن يهدي الله فارس ويقدم له الخير في كل خطوة يخطوها. *** ” وماذا إن رفضت …؟! قالتها رجاء وهي ترتشف رشفة صغيرة من فنجان قهوتها. ليضع عادل فنجان قهوته على الطاولة الموضوعة أمامه ويقول بجدية:
” لا يمكن أن ترفض … لقد هددتها بشكل علني … هما لا يستطيعان الوقوف بوجهي … كما لا تنسي بأني أصرف عليهما وحتى المنزل الذي يمكثان به باسمي …” ” ليتني أمتلك ثقتك هذه … ولكن ما كان عليك أن تخبر فارس بموافقتك قبل أن تضمن موافقة ابنتك …” عادل بثقة شديدة: ” لمار ستوافق … أنا واثق ومتأكد من هذا … لا تقلقي بشأن هذا الموضوع …” تنهدت رجاء بقلة حيلة قبل أن تقول بألم: ” وحتى لو وافقت … ماذا سأستفيد أنا …؟!
حفيدي سيبقى بعيدًا عن عيني …” اقترب عادل منها وقال: ” سنراه متى ما نشاء … كما أن لمار طيبة وستعتني به جيدًا …” ” هل تمزح يا عادل … لمار ما زالت طفلة … كيف بإمكانها الاعتناء بطفل صغير ورعايته …؟! زفر عادل أنفاسه وقال بضجر: ” هناك العديد من الخادمات … سوف يقمن بالعناية والاهتمام به بكل تأكيد …” ” ألا يهمك حفيدك ولو قليلاً حتى …؟! سألته رجاء بألم واضح. ليجيب عادل كاذبًا:
” بالطبع يهمني … وإلا ما كنت سأزوج فارس ابنتي حتى تعتني به وتراعيه …” رجاء بمقت: ” كذبك هذا ينطلي على عائلة صفوان وليس علي … كلانا يعرف أنك ستزوج لمار لفارس حتى تضمن دعم عائلة صفوان الدائم لك …” ” يكفي يا رجاء … لقد مللت منك ومن كلامك …” قالها عادل بنفاذ صبر. لتنهض رجاء من مكانها وتقول وهي تتجه خارج صالة الجلوس: ” بل أنا من مللت من كل هذا … مللت حقًا …!! ***
مرت أيام أخرى. كل ما حدث بها أن لمار وافقت على الزواج بعدما حاول عادل بكل الطرق إقناعها مستخدمًا مختلف أساليبه. فلم يكن أمام لمار سوى القبول. اتفق فارس مع عادل أن يتم عقد القران بعد أسبوع على أن يأتي فارس مع عمه الكبير إلى المدينة ليتم عقد القران بهدوء ثم يأخذ زوجته معه ويعود إلى القرية.
جاء يوم عقد القران أخيرًا. كانت لمار جالسة على سرير واسع في غرفة واسعة تقع ضمن العديد من غرف قصر والدها تنتظر انتهاء عقد القران. فقد جاء القاضي إلى المنزل منذ قليل وسبقه العريس وعائلته. انتهى عقد القران فوجدت والدتها تقترب منها وهي تقول بنبرتها الحزينة المتحسرة: ” انهضي يا لمار … والدك يريدك أن تنزلي أنتِ وأغراضك … فعريسك مستعجل على الذهاب …”
نهضت لمار من مكانها وأخذت تكفكف دموعها. بينما فوجئت إحدى الخادمات تقترب منها وهي تحمل كيسًا به ملابس سوداء. سألت إيمان باستغراب: ” ما هذه الملابس …؟! أجابت الخادمة موضحة: ” إنها عباءة طويلة ومعها حجاب … أرسلها السيد فارس طالبًا من العروس أن ترتديها …” ” ماما أنا لن أرتدي هذه الأشياء …” قالتها لمار بعصبية شديدة. لتقترب والدتها منها وتحتضن وجهها بين كفي يديها وتقول برجاء بالغ:
” لمار حبيبتي … لا تفتعلي المشاكل أرجوك … نفذي كلامه فهناك في القرية لن يقبلوا بأن ترتدي ملابس كهذه …” أشاحت لمار بوجهها بضيق وهي تفكر في تلك الورطة التي تورطت بها. بينما أخرجت والدتها العباءة من الكيس وألبستها إياها ثم لفت الغطاء الأسود على رأسها مغطية شعرها بالكامل.
خرجت لمار منكسة الرأس تتبعها والدتها. اتجهت نحو صالة الجلوس حيث يجلس الجميع هناك في انتظارها. نهض الجميع ما إن وجدوها تقبل عليهم. اقترب الأب منها وطبع قبلة على رأسها قبل أن يهمس لها: ” مبارك لكِ حبيبتي …” اتجه فارس نحوها ووقف بجانبها ثم أشار لعمه قائلاً: ” هيا يا عمي … يجب أن نذهب …” ثم قال موجهاً حديثه لعادل: ” عن إذنك يا عادل بك … سآخذ زوجتي وأرحل …” ” لن أوصيك عليها يا فارس …. انتبه عليها جيدًا …”
أومأ فارس برأسه دون أن يرد. بينما اقتربت لمار من والدتها ورمت بنفسها بين أحضانها لتربت والدتها على ظهرها والدموع تنساب من عينيها. تحركت بعدها لمار مع فارس ليتجه بها نحو سيارته. ركبت لمار في الكرسي الخلفي بينما ركب فارس وعمه في الكرسيين الأماميين. لينطلق فارس في سيارته متجهًا إلى القرية حيث ستبدأ لمار هناك حياتها الجديدة معه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!