…….. في اليوم الرابع، لم يتبق أمام الأغوال إلا حائط سميك من الصخر قبل أن يدخلوا المملكة. ولما انهار، فوجئوا بأسراب من الثعابين تخرج عليهم من كل مكان، وتدافع الأغوال في النفق. وحاولوا الخروج، وقد استبد بهم الهلع الشديد، وملأت أجسادهم الجراحات. كان الوزير يطل من أحد النوافذ مع الملك، وعلت وجهه الدهشة، ثم قال: "لقد كنت أعتقد أن هذه الوحوش لا تخرج إلا في الليل، فما الذي جاء بها الآن والشمس تتوسط السماء؟ ضحك وأجابه:
"لقد كنت أيضا أعتقد ذلك، حتى خرجنا يوما للصيد، فطاردت الكلاب ثعلبا يحمل بيضة أحد هذه الثعابين، ولما كادت تدركه رماها. وبعد أيام مررنا بها، فرأيت فرخا أضناه الجوع، فرميت له طعاما فأكله، ثم حملته معي وصرت أطعمه حتى كبر وأصبح يطير ويرجع إلى عشه. لقد تعلمت أن الفراخ لما تخرج من بيضها في النهار فستتعود على ضوء الشمس، وبحثنا عن بيضات أخرى ثم وضعتها في مغارة يدخلها الضوء، فتكاثرت حتى صارت بالألوف."
كان الوزير يسمع الصرخات والهرج ويفرك يديه بسرور. ثم سأله: "وكيف لا تعلمني بهذا الأمر يا مولاي؟ أجابه: "الانتصار يكون أهم كلما كتمنا أسرارنا وآجلا أم عاجلا. أعرف أن الأغوال ستجيئنا وتنقب الصخر، لذلك استعددت كما يجب لذلك اليوم." هربت الأغوال من المغارة وفي إثرها الثعابين، وقد زاد صياحها. ولما رأى علاء ما يحصل صاح: "أهربوا وإلا هلكنا! لكن الغول أبو الأسود قال: "لن تهزمني هذه المخلوقات."
ثم اقتلع شجرة وراح يضرب فيها يمينا وشمالا، حتى خرج كل قومه من المغارة. وقاتلت الأغوال مع ملكها بشجاعة كبيرة، ولولاها لفتكت الثعابين بفرسان الأمير علاء الذين اختبئوا وراء الصخور ورموها بالسهام والحجارة.
وفجأة سمع الجميع صيحات حادة في السماء، ولما رفع علاء عينيه رأى مئات اللقالق الكبيرة تنقض على الثعابين الطائرة، ودارت في السماء معركة شرسة. لكن اللقالق كانت قوية وقطعتها بمناقيرها الطويلة، ثم اتجهت إلى أعلى الجبل وقلبت المنجانيقات وكل آلات الحرب التي وضعها الجن. فبدأ الأغوال في تسلق الجبل، أما علاء وفرسانه فدخلوا من المغارة التي فرت منها الثعابين. ولما شاهد الملك ما يحصل قال للوزير: "المدينة ساقطة لا محالة.
سأهرب مع أهلي، وأنت ستدير المعركة ريثما أبتعد، ثم تلحق بي مع الحاشية والأعوان. سأركب الآن قاربا في مجرى الماء الذي يمر تحت الأرض، وموعدنا في البحيرة الزرقاء. لن يأخذ ذلك الفتى ابنتي حتى ولو هربت إلى آخر الأرض." لم يمض وقت طويل حتى ألقى جنود الجن سلاحهم، فلم تكن لهم قدرة على مواجهة الأغوال الضخمة التي تسلقت الجبل ودخلت إليهم من الشعاب والوديان، وكانت تغطيها الجروح وهذا ما زاد في شراستها.
أما الوزير وكبار رجال الدولة فلقد تسللوا إلى الجدول الصغير الذي يمر تحت الصخور وركبوا القوارب ولحقوا بالملك ومن معه من أهله وحرسه، وتركوا قومهم لمصيرهم، ولم ينسوا أن يأخذوا ما في الخزائن من ذهب وسلاح ولباس.
أمر علاء الدين فرسانه بعدم نهب المدينة، فالجن ليسوا أعداءه، وكل ما يريده إجبار الملك على تنفيذ وعده بتزويجه ابنته بعد كل ما قاساه في سبيل إنقاذها. الأغوال أيضا لم يفكروا في ذلك، فقد حصل كبيرهم على التفاحة الذهبية التي يبحث عنها، أهداه له علاء الدين من بستان أبيه. لكنه جاء ليأخذ بثأر قديم من الملك الذي خدعه حول مغارة الكنز. أما الأمير فحينما دخل إلى القصر وسط الجبل اكتشف اختفاء حبيبته وأبيها، فانزعج كثيرا.
وقال في نفسه: "لا شك أنهم دبروا هربهم قبل ساعات من دخولنا." ونادى الشيخ الذي أجابه: "ذلك اللعين لن يستسلم وسيهرب إلى آخر الدنيا، ومن الصعب تتبع أثره، لكن كرة الساحر ستدلك على مكانه. ألا تزال معك؟ ضرب الفتى على جبينه وقال: "كيف نسيتها، فهي على سرج حصاني، سأحضرها بسرعة وأنت انتظرني هنا." ولما رجع، أخرج علاء الدين الكرة الزجاجية ومسحها، فرأى حبيبته على جزيرة وسط بحيرة زرقاء المياه. فصرخ الشيخ:
"أعرف هذا المكان، والجن يسمونه أرض التمساح، وهو وحش عظيم يأكل كل شيء ولا تنفع معه الشجاعة، وهم يقدسونه ويقدمون له القرابين من البشر." كان أحد فتيان الجن ينظر إليهما ويستمع بانتباه. ثم اقترب من الأمير وقال: "أنا رضوان وملك الجان عمي، وأنا أدلكم على ذلك الممر." سأله علاء: "ولماذا تفعل ذلك؟ أجابه: "لقد ثار عليه أبي لظلمه فأمسك به وقتله.
أما أنا وإخوتي فألقى بنا في دهليز مظلم وماتوا كلهم، وكنت سألحق بهم لولا أن جاء رجالك وأخرجوني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!