كان المكان تفوح منه رائحة كريهة، أشبه بمزبلة خرابة تضم في طياتها الخباثة والشر. حقًا، إنه مكان ملعون. بدأت تستفيق بهدوء، ولحظة واحدة أدركت ما هي عليه الآن. همت بالصراخ، ولكن تلك اللزقة اللعينة حالت دون ذلك. تقدم منها أحدهم، وهو يدخن بشراهة وينظر لها. نظرات دبت الريبة في أوصالها. أردف بتلاعب وخلع اللاصق من فمها: "لابسة حلوة صراحة. على كده، إحنا عندنا غفر يا جدعان." نظرت له بسخط،
وكل لعنات العالم عليه: "انت مين يا واطي؟ وإزاي تخطفني يا حيوان؟ مشينى من هنا يلا." أطلق ضحكات مستفزة ونظر لها بسخط: "لسانك الحلو ده حاولي تلميه، عشان محسبوش على كل اللي بتقوليه." تحولت نظراتها إلى ترجٍ، وهمت أن تستعطفه، خاصة حينما رأت أنه بوجه متشرد منحط: "عمو، طب بالله عليك تسبني أمشي، وأنا مش هقول لحد إنك خطفتني." أطلق نفس ضحكاته الرنانة المزعجة: "أنتِ يا بت عبيطة ولا إيه؟
ثم إن حامد الدهشان بيتقال له يا عمو. وبعدين، اسكتي ومسمعش ليكي صوت، فاهمة؟ اغتاظت منه لأقصى حد، خاصة أنها جلبت ما جلبت إلى هذا المكان المقزز غير الآدمي، ولا تعرف لماذا أتت إلى هنا. "بس انت مين؟ أنا معرفكش. أكيد انت تبع عملي الأسود." كانت نظراته لها ببرود، ولكن حينما سمع آخر ما تفوهت به، عقد حاجبيه وأردف بنبرة مستفسرة: "ومين عاد عملك الأسود ده؟ قصدك إيه؟ "انت هتستهبل؟
مانت عارف هو مين. أكيد رسلان الزفت هو اللي وزّك عليا. منك لله انت وهو." وجدته يقترب منها وهي مقيدة بالأربطة. خافت في نفسها. اقترب منها وجلس بجانبها ووضع أنامله ملس على وجهها. حركت وجهها بتقزز. "اوعى يابن الكلب يا واطي! " نطقتها في غضب عارم. فارت دماؤه في غضب، فتوالت الصفعات على خدها الرطب الجميل حتى فقدت وعيها بذات المكان. فبصق على وجهها وخرج في الحال. قابله أحد الرجال لوهلة،
خاف من منظره الغاضب: "فيه إيه يا معلم حامد؟ نطق بغضب: "البنت اللي جوه دي، شوفوا رجالتنا يعملوا معاها الصح." ابتسم الرجل بضحكة مسلية، أحقاً تلك الجميلة؟ لم يصدق ما تفوه به سيده، فأردف ليؤكد له ما كان: "طب والمعلم دهشان هيزعل؟ صفعه بغضب وقال: "اللي قولته يتنفذ. أنا هنا مكان أبويا، فاهم؟ عشان لو بت، يبقى يستجوبه كويس. أهي هخليهاله زي كلاب السكك، يوريني بقى هيعمل إيه."
بحث عنها بكل مكان. تشتت عقله وتشتت روحه. أصبح المنزل باردًا وبدون روح. رباه، من أخذ روحه؟ "ياترى انتي فين يا عطر؟ وعاملة إيه؟ بس متقلقيش، وربنا اللي خدك كده أيامه سودة." قطع حبل أفكاره دخول زين بوجه متجهم: "خلاص، أنا عرفت هي فين بالظبط." شعت روحه مجددًا: "احلف؟ طب فين؟ يلا نجيبها." زين بعصبية: "في خرابة الدهشان." توقف فهد ونظر له، وانتابه الخوف في الحال: "خرابة الدهشان اللي في الجبل، قصدك اللي جت في بالي دلوقتي؟
أومأ رأسه مؤكدًا له سؤاله في هدوء. أردف بحيرة: "نهار أسود. طب وهنعمل إيه؟ أجاب في الحال: "هنحاصرهم." ضحك باستهزاء: "ها؟ أنا إيه يا خويا؟ دول جيش بحاله." أصبحت أيامه باردة عادية. دخل مراد مكتبه بوسامة طاغية. أردف بنبرة عادية: "رسلان، أراك دائم التفكير عكس ما عهدتك عليه يا صديقي. بوح لي بما في خاطرك." أخرجه صوته من تشتته، ونظر له وبهدوء أردف: "لاشئ جديد غير الملل يا صديقي وبعض الأشياء فقط."
أجابه بنبرة مستفسرة: "وماتلك الأشياء؟ أراك انتقمت وحققت ما تمنيته، ولك الآن قرابة الشهر في إسطنبول وأنت على حالة الشرود هذه." أردف بهدوء: "لاشئ غير أنني أحببت موطن أمي فقط، وهذا كل شيء." أردف مراد بنبرة ذات مغزى: "وانتقمت وانتقم الله أيضًا، وتوفى من ظلم والدتك." رد مجيبًا في هدوء: "لا عليك صديقي، فأنا نسيت كل شيء." أراد مراد أن يخرج صديقه من حالته تلك، أراد أن يفرحه ويدخل السرور إلى قلبه. "لدي ما يسعدك رسلان."
عقد حاجبيه في غرابة: "وما هذا؟ رد بنبرة شامته: "كلفت أحد رجالي بمصر أن يخطفوا قريبتك، وقد كان. وأمرتهم أن يهتكوا عرضها." ثم نظر والفرحة في عينيه، توقع أن صديقه سيرقيه من سعادته. تحولت ملامحه كثيرًا، بدا وجهه مخيفًا. أقسمنا جميعًا أننا لم نر في حياتنا وجهًا مخيفًا كوجهه. قست ملامحه وتعبيرات وجهه، حتى مراد لم يراه هكذا في حياته، بل رهب كثيرًا من منظره. رد مراد متهته في الحديث: "ما بك رسلان؟
اقترب منه بثبات وأطرحه ضربًا وهم أن يخ*نقه، لكنه استوعب: "قل للأوغاد يتركوها الآن، وإلا سفكت دمائك في تلك اللحظة!
أما فهد وزين فهما في حالة يرثى لها، فهذا المكان بؤرة إرهاب يضم الكثير من وجوه الشر، ويتنقلون في كل مكان. تكافحهم الشرطة وتطهرهم، ولاكنهم في ازدياد. يمارسون الفساد في الأرض، لا تعرف لهم مكان معين، لهم في كل مكان خرابة، ويطلقون عليهم اسم خرابة دهشان دون علم أي مكان محدد لهم. سحقًا، إنه العذاب وعليهم اللعنات. زين بحيرة: "أعرف سبب مقنع يخلي الكلاب دول يخطفوها؟ يعني سوري، هي بالنسبة ليهم تافهة، ودي مش سكتهم."
فهد بحيرة: "معرفش، بس الناس دي مينفعرفش ليهم مكان ولا جبل. وكل مانسمع إننا خلصنا منهم بيزيدوا. يا جدع، بس وربنا هنجيبها حتى لو هنموت." رد زين بتفكير: "أنا مقتنع إن الراس الكبيرة دهشان هو اللي ورا الموضوع ده، بس هو كارتنا الرابح ووش الفساد، وإحنا محتاجينه، بس مقدرش أخاطر وأهددهم بيه." أردف فهد باستياء: "ليه بقى إن شاء الله؟
زين منهي الموضوع: "ده إحنا مسكناه بالعافية، هو قاعد مكانه وعملياته زي المطر ومش معترف بده، بس هتصرف." تسلل الرجال، أو دعنا نقول أشباههم، في فرحة لتلك الغنيمة التي سيحصلون عليها. وقف رئيسهم ونظر لهم بطمع لحاجة في نفسه: "بصوا كدا، عشان منقطعش على بعض، أنا هدخل الأول، وانتو ورايا." رد عليه أحدهم بسخط: "اشمعنا انت يعني؟ ما المعلم حامد قال الرجالة انت الأول ليه؟ على راسك ريشة؟
نهره بشدة حينما تمرد عليه، ولكن الآخر ظل على موقفه، فخشي أن يخبر سيده. فدخلو الغرفة جميعهم ليستبيحوا ما حرمه الله. راتهم يتقدمون منها، وتمتلئ عيونهم الرغبة كما تمتلئ عيون الأسد لاصطياد غنيمته. فك أحدهم الأربطة التي تربط بها. صرخت مستنجدة بالله. كتف أحدهم يديها خلف ظهرها وحاولوا استباحة جسدها.
ارتفعت أصواتها كثيرًا بهياج. أتتها قوة غير متناهية، ركلت أحدهم بمنتهى القوة حينما تقدم منها. سحبها الآخر إليه برغبة عارمة، فركلته. وما شاء الله أن تركل! أتلك الصغيرة تمتلك كل هذه القوة! أشجعك عزيزتي في قرارة نفسي، والويل لبائعي الهوى. ركلها أحدهم بمنتهى القوة في رأسها بدون أي إنسانية. عذرًا، فهم ليسوا ببشر حتى يكون لديهم إنسانية، هم صنف من أصناف الشياطين. اقترب منها أكثر فأكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!