الفصل 11 | من 27 فصل

رواية التركي والصعيدية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سنسن ضاحي

المشاهدات
28
كلمة
983
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

لا يمكنها التحمل أكثر من هذا. ودت لو تسحق روحها وتكتب مع الأموات، لكن لن تستسلم. عادت قوتها تراوضها، فبدت شرسة أكثر عن اللازم. لم تعطهم حقًا، ليس لهم. لم تترك جسدها متعة رخيصة، حتى ولو خارج إرادتها. فبنظرها، الإرادة تغلب المستحيل. كبلوا جسدها، ولكن روحها هي الأسبق على كل حال. بصقت على كل وجه قابلها. همّ أحدهم باستباحتها. في اللحظة الأخيرة، انفتح الباب بعنف ودخل "حامد". في اللحظة الأخيرة، حانقًا غاضبًا لأبعد حد.

"سيبوها." كانت كلمته مرغمة وتحمل الغيظة. فتلك أوامر عليا. ابتعد الرجال في سخط، فكل شيء كان على ما يرام. أردف أحدهم: "بس دي لازم تتربى." أردف حامد بعنف: "قلت خلاص، فاهم؟ ومش هكرر كلامي أكتر من مرة يا حمير." خرجوا على مضض وحنق. وجهها شاحب، عيونها متورمة، ملابسها ممزقة. حجابها فيضوى، تمردت منه خصلاتها والتصقت على وجنتها الرطبة بسبب الدموع. ولاننسى ألم روحها الذي فاق حد آلام الجسد. ولكن مهلاً، تحمل نظرات قوية. اقترب

منها حامد وبنظرات شامته: "مش لو كنتي حلوة كان زمانك عندك كرامة؟ أوعى يكون فكرك إني خليتهم يمشوا عشان عيونك الحلوة، لأ. ده عشان أوامر إني أسيبك، ولولا كدا كان زمانك من كلاب السكك." لن تخف الموت، لن تهابه، بل رحبت به وبقوتها المستمدة وشجاعتها المخيفة. بصقت على وجهه بتوالى. لم تخف، سبته بألعن ما جاء في خاطرها. صفعها بتوالى: "لولا اللي نجّاكِ مني كان زمانك مع الأموات." قالها بمنتهى التشفى.

أردفت في تحدٍ: "ربنا اللي نجاني من حيوانات زيكم، والقدر هو اللي انتشلني منك ومنهم." فتحت الباب بانكسار، حالتها رثة للغاية، روحها منهكة. فتحته وانكفأت على نفسها. صعدت في هدوء. قران الفجر بدأ للتو، كانه إشارة ليوم جديد. لم يراها أحد. رموها بالقرب من المدينة، قال ورقة التي لا تهم ولا تنفع. قامت بهدوء وحمدت الله أنها على أي حال خرجت من وكرهم. مشت شاردة العقل، إلى أن قادتها أقدامها الصغيرة بدون وعي إلى منزلها.

تذكرت هذا كله وارتمت على السرير، فأغلقت عيناها مرغمة ودون إرادتها. ذهبت في سبات عميق، أو دعني أقول فقدت وعيها. أليس يكفي على تلك الصغيرة كل هذا؟ حديقة جميلة، أزهار رائعة، نسمات هواء باردة. ما أحلى أرض الله في أي مكان، وما أروعها. جلس "أركان أغا" ووجه نظراته الغاضبة الحانقة إلى ولده، وقال منه ما تفوه به رسلان.

أردف السيد أركان بغضب: "الأمر بخصوص سفرك إلى مصر أمرٌ مُنهى ولا جدال به. فلدينا الكثير من الأعمال، انتبه لها جيداً." أردف رسلان بتبرير: "لدي أعمالي وشركاتي في مصر وسأذهب بنفسي، وهذا قراري ورغبتي، وأرجو أن تتقبلها يا أبي." يعرف جيداً رأس ابنه العنيد، ولكنه يخاف عليه لحاجة في نفسه. "حسناً، كم يروق لك." أفاقت البائسة في الصباح. "رباه، متى ينتهي البؤس؟ استغربت هدوء المنزل. لوهلة أحست بالوحشة. أين زمزمة المرضى؟

أين كل هذا؟ بل أين "فهد"؟ استحمت وارتدت ملابس بسيطة ونزلت إلى الأسفل. يبدو أن الباب منغلق، إذن أين هو الآن! قررت أن تذهب وتحرر محضرًا بما حدث لها، فهي آدمية وليست لعبة، بل هي لا تخاف. بداخل قسم الشرطة، يقودنا عسكري صارم إلى مكتب الضابط زين. فتح الباب بهدوء. قابله وجهان متلهفان. أسرع فهد بتساؤل: "هاه، فيه جديد؟ قاطعه زين بتأني: "فيه إيه يا عوض؟ العسكري برسمية: "في خناقة ومطلوبين حالا."

نفخ زين بزهق، فالمشاكل هنا كل يوم. على أي حال، هذا عمله ولا يمكنه التغاضي عنه. نظر لفهد قائلاً: "فهد، بعد ما أخلص اللي ورايا هاجيلك على البيت. الموضوع لازم يخلص النهارده بأي شكل. هجبها، لازم تبات في بيتها النهارده ولو هدفع عمري." خرج فهد من القسم، نفخ بضيق. تمنى لو يجدها، يضمها، يطمئنها. لابد أنها في حال سيء، ليته يجدها. لم ينم منذ اختطافها. أصبحت هالات كالهلال الأسود تحيط عيونه.

قرر الذهاب إلى عيادته، لعلها عادت أو تعود، فهو لم يذهب إليها منذ اختطافها. أُحبِطت بشدة حينما لم تجد "زين" بالقسم، فهو من يساعدها وبإمكانه مساعدتها. قررت العودة إلى المنزل. فتحت الباب ووجدته جالسًا، منكفئ وجهه بين يديه. استغربت حاله كثيراً. "دكتور فهد، مالك؟ فيه حاجة؟ رفع وجهه بذهول، غير مصدق أنها أمامه الآن، والغبيه تسأله عن حاله وكيف حاله بغيابها. لم يتكلم، بل أسرع إليها، راميًا الأعراف والتقاليد بعرض الحائط.

احتضنها بشدة، فتصلب جسدها. قبل أعلى رأسها. دفعته بقبضتها في ذهول مما فعل: "إيه اللي عملته ده؟ هي سايبة ولا إيه؟ اعتذر في رقي، رقة مبالغة فاضت من قلبه: "آسف، آسف." ثم وجه نظره إلى وجهها المتورم، فانعقدت ملامحه في ضيق وأسى: "مين اللي عمل فيكي كدا؟ بدأ بتحسس وجهها، فنفضت يده. "دي حكاية يطول شرحها، وأرجوك يا دكتور فهد، متفكرنيش بيها." تركها، فاستغربت، ولكنها فهمت حينما رأتـه حاملاً بيده دواء ومراهم.

"خدي دول، مراهم وانتي بيوتك هينفعوكي." أخذتهم بهدوء. أما هو، فأردف بمرح ليخرجها من أحزانها، فهو رأى مدى تعاستها. "عارفة؟ مش متعود عليكي كدا زي البنات الهادية. متعود عليكي بتتكلمي زي سواقين التكاتك." لم يهمها الأمر، تعلم أنه يواسيها ويخرجها من أحزانها. بل أردفت برجاء: "رجع المرضى بتوعك، أنا لفيت عليهم." ثم سألته متمنية: "وشمس كمان وحشتني." أردف بسرعة وعيناه لامعة: "شمس بس." أصبح المكان طاقته غريبة ومليء بالصمت.

قطعه دخول "زين" بعيون مزبهلة. اقترب منها ليتاكد مما يراه للتو. "عطر، انتي جيتي إزاي وعاملة إيه؟ حد عمل فيكي حاجة؟ شعر بالغيرة وأراد أن يركلـه ليطيره من طريقه. فهد بغيرة: "متقلقش، كويسة. يلا، منجيلكش في وحش بقى." "إنت مالك؟ إنت هتطردني ولا إيه؟ ثم هي مفهاش لسان تتكلم، ولا إيه؟ نظر له فهد بحنق: "بقولك إيه، أنا اتخنقت منك على الآخر. اتفضل امشي، الوقت متأخر. يلا سلام، روح شوف أشغالك." اشتعل غضبه: "بيت أبوك هو ولا إيه؟

إنت اتجاوزت حدودك." أردف بها زين في سخط. تدخلت منهية هذا الجدال، فقد سئمت منهم لأقصى حد. "بس بقى، إيه قط وفار. ثم إنت، ونظرت لفهد: "مالك؟ واحد بيطمن عليا وكتر ألف خيره، هتطرده من البيت بأي وجه حق؟ "أنا آسفة يا حضرة الضابط، وعايزاك توفر عليا مشواري للقسم وتفتح محضر خطف." ثم نزلت دموع عينيها، فتمالكتها: "ومحاولة اغتصاب." اشتعل غضب الاثنان. أما هي، فتركتهم وصعدت بروح مرهقة.

ولصباح يوم جديد، رأى آخر حينما فتح الباب وصعد إلى أعلى. فتح الباب الرئيسي وانتقلت قدماه للغرفة التي وجد بابها مفتوحًا. فدخل بتريث. راها نائمة بنفس ملابسها السوداء، وآثار الضرب تظهر على وجهها بوضوح. بائن وجهها بائس حزين. شعر بالحنق والغضب، فغلبته لغته التركية، فأخرج صوتًا ببحة جميلة: "عزيزتي." يبدو أنها لم تسمعه وظلت نائمة بهدوء. ولكنه قرر كلامه مرة أخرى: "أفيقي عزيزتي." أحست أنها بكابوس، خاصة أنها سمعت لغة تألفها.

"أحقًا يراودني حتى في أحلامي؟ سمعت لغته مرة أخرى، ففتحت عينيها وجحظت، وقامت كالملسوع من نحلة ما. "إيه اللي جابك هنا؟ اخرج بره، ولا أقولك اخرج من حياتي كلها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...