غيرت اللطيفة التي دخلت حياتها الفرحة والبهجة إلى قلبها من جديد. هي بطبيعتها طفلة لا تحمل في قلبها الضغينة لأي شيء كان، لكنها قوية للحد الكافي الذي يجعلك تهاب حضورها وبقوة. قررت عطر في نفسها الترفه بعض الشيء هي وشمس، وقد كان. رآها ترتدي الأسود، كم بدت به جميلة وأنيقة رغم بساطة ملابسها. ملابسها ذات الطابع المحتشم الواسع جعلتها ملكة متوجة لنفسها، فالتاكيد عيناه تفضحه الآن. حمحم واردف بنبرة مهتمة: "غيرة... راحة فين؟
ضاق وجهها وتذمرت ملامحها: "وانت مالك؟ استفزه ردها واستفز رجولته، فأردف بنبرة حادة: "ردي بأدب يا آنسة، أنا بسالك. ثم إنتي واخدة شمس معاكي وأنا خايف عليها منك، ولا ناسيه؟ ضاق صدرها منه، وودت أن تنطحه برأسه الصارم المستفز، ولللحظات تخيلت أنها تركله كالكرة. فخرج صوت تفكيرها: "أو شلوت." استفسر منها حينما سمع آخر ما تفوه به: "بتقولي إيه يا آنسة عطر؟ "بقولك إيه، إحنا نسأل شمس ولو مش عاوزة تيجي معايا خلاص، يبقى مش هنروح."
ثم اخفضت نظرتها إلى الصغيرة واردفت: "هاه ياشموسة، تيجي معايا ولا منروحش خلاص؟ ودون أن تفكر ردت قائلة: "لا يلا نمشي، إحنا اتأخرنا." فهد بمزحة جميلة: "براحتك يا أختي، روحوا، يكش تاخدوا وسام الخروج من الدرجة الأولى." "آنسة عطر، عاملة إيه دلوقتي؟ نظر فهد لهذا الصوت: "أها، كملت." حدث بها نفسه: "بخير يا حضابط، شكراً لسؤالك." اردف بنبرة مستفسرة: "إيه خير، راحة فين كدا؟ حدثت نفسها بسخرية: "هو فيه إيه النهارده، مالهم كدا؟
اردفت مجيبة: "لا، أصل أنا خارجة أفسح شموسة." خرجت نبرته متلهفة في الحال: "خلاص مفيش مانع، يلا بينا. أنا هلففكم مصر كلها." ضاق صدره ذرعاً واردف بغضب: "إيه يابا، تاخد مين وتفسح مين يا عم أمين. لما أنا بنت أخويا راحة معاها واتحرجت أعرض عليها أروح، فيه إيه يابا؟ ما كلنا عارفين بعضين، وبلاش نقطع على بعض. إيه هو واحد يعكر والتاني يصطاد؟ اشتدت المناقشة الكلامية وأصبحت في ذروتها.
"اتكلم عدل، إنت عارف إنت بتكلم مين. وبعدين إنت مالك بيها؟ قريبها؟ ابن عمها؟ ولا عمها ولا خالها؟ فهد بغضب وحزم: "عمها إيه وخالها إيه، شايفني في نهاية ربيعي الستون ولا في منتصف العمر؟ وأيوا ياسيدي قريبها، ليك شوق في دا كمان؟ "أيوا ليا شوق، ونسأل الآنسة بنفسها يا... هي راحة فين؟ نظر له فهد وعلى محياه بسمة سخرية. زين بإحراج:
"طب يادكتور، سلامو عليكم. وفرصة سعيدة جداً، وعن إذنك بقى، أصل ورايا مهام أد كده. وروح إنت كمان شوف شغلك، ربنا يوفقك." اردف بنبرة هادئة عادية: "حصل خير يا حضابط زين، وأنا آسف. فرصة سعيدة، أروح أشوف المرضى." اردف زين بنبرة متسرعة: "أيوه وهتم بيهم، سلامو عليكم." تبتسم بلطف عارم وتتطعم القرد السوداني ببهجة. تجولوا بسعادة وفرحة، أكلوا حلوى غزل البنات.
حقاً هما أطفال صغار مع فرق سنين العمر، ولكن القلب يبقى شاباً مهما خط الزمن خيوط عمره عليه. "فرحانة ياشموسة؟ قالتها بوجه طفولي مبتسم. فردت عليها اللطيفة مجيبة في سعادة: "أووووي أوووي قد الفيل ده." اردفت ببسمة: "إنتي كميلة أوووي." خرج من سيارته وترقب الشارع حوله كالقط المشاكس المتنمرد. "واديني خلصت منك ياسى فهد، والله دماغك في حتة تانية ياواد يازين." نزل من التاكسي بهدوء وروية وترقب الشارع حوله. "كلها المغفل."
وأطلق ضحكة منتصرة. كلاهما دخل، وكل منهما كان في طريق، وفي الآخر تقابلوا. زين بعصبية مفرطة: "إنت إيه اللي جابك هنا؟ فهد بغضب: "وانت مالك يا جدع إنت؟ هو ممنوع آجي أفسح وأنبسط ولا إيه؟ أما عجايب." زين بنبرة مغتاظة: "إنت مش قولت إنك عندك شغل؟ روح شوف العيانين يلا، إنت دكتور وكل وقت عندك مهم، يلا سلامو عليكم." رد فهد بغضب: "وانت شوف مهامك يلا." رد زين بذكاء: "هو أنا مقولتكش أنا عندي مهمة حلوة أوي جوه، أقصد مهمة جادة أوي."
رد بسخرية: "لا ياشيخ، أهو نفس مهمتك دي، أنا برضه جايالها. جاي آخد بنت أخويا، يكش تحس على دمك." تسلل بوجه خبأه جيداً، وتسلل. أجل هو ذاك الهدف. نظر في الصورة مرة أخرى، ثم طبقها بيده الغليظة الخشنة، وتحرك في ثبات، ونظر لمن معه نظرة فهمها الأخير جيداً بمعنى: "يلا". وجدها ممسكة بأيس كريم وتتقدم بخطوات سعيدة لطفلة ما. "بقولك خدي ياابله امسحي اللي على خشمك ده." "إيه ده؟ هو فيه حاجة على بوقي؟ عمتا هات، شكراً جداً."
أخذت المنديل، وياليتها لم تأخذه، فهذا منديل به مخدر عالى التركيز. تساقطت المثلجات من يدها، فتلقفها الرجل سريعاً بيده وخرج من بوابة الأمن. نطق أحدهم بتسأل: "إيه يا عم إنت خارج من بوابة الأمن ليه؟ ثم إنك شايل الآنسة كدا ليه؟ هي تقربلك؟ ثم نظر له بشك: "نهار أسود، أوعى تكون خطفها." نطق بتمثيل متقن ومنمق: "إنت اتجننت؟ هخطف بتي؟ ولو حتى خطفتها هاجي بيها من هنا، أنا لازم أقول لمديرك إنت إزاي تكلم الناس كدا."
أيقن فرد الأمن أنه على خطأ. "خلاص، آسف يابيه." رد عليه بسخط: "غور من وشي، وإنت شبه عود القصب المسوس." رات الصغيرة كل ما حدث وظلت مكانها مرهوبة، ثابتة كتمثال أبو الهول، تتساقط دموعها فقط. كل هذا حدث في وقت قليل. اشتدت المشادة الكلامية وظلت على حالها بين زين وفهد. سمعها جميع من بالحديقة. سمعت شمس صوت عمها بنبرته الحادة وميزته، اطمئن قلبها وساقتها قدمها لتمشي مسرعة، فاخيراً سمعت جزء من وطنها. زين بزهق:
"تصدق أنا زهقت منك وماشي بجد." فهد براحة: "أحسن ياخويا تريح والله." اغتاظ منه زين، فلكمة بقوة في أنفه، ولم يدع له المجال للاستيعاب، فبادله بأخرى في منتصف بطنه. أما فهد فأصبح اسماً على مسمى، بادلة أخرى. وللإنصاف، فالاثنان في نفس المستوى، ولكن الذكاء جاء بانحياز لزين، فهو خبير ويتصرف بذكاء ويتوقع الضربة من أي اتجاه تأتي. سمع فهد صوت يناديه، فنظر هو وزين إلى ذلك الصوت الباكي:
"عمو فهد، عمتو عطر، الراجل أخدها. تعالي وديني ليها." اردف فهد بغضب: "كنت حاسس المتخلفة دي، إزاي تسيبك كدا وتمشي وإنتي معاها أمانة؟ نهار اللي خلفوها أسود." اردف زين بقلق وهدوء: "استنى بس يافهد، نفهم لحظة." ثم رقق نبرته ومال أمام الصغيرة يحدثها: "هي مشت معاه كدا عادي يعني؟ أول ما جيتوا سابتك وقعدت مع الراجل ده؟ اردف فهد مقاطعاً: "مهي دي عادتها ولا هتشتريها." اردفت الطفلة ببراءة:
"لا يا أونكل، هو اداها منديل وقالها امسحي بؤك، فالآيس كريم وقع منها وهي كمان وقعت، والشرير أخدها على إيده ومشي." وأكملت، وصلت ببكائها مجدداً. نظر فهد وزين وكلاهما أصبحت نظراتهم متوترة. تمتم زين بغضب عارم: "غبية." "بس اللي خطفها هفعصه تحت جزمتي." أما فهد فتملكه القلق عليها، وأحس أنه أخطأ في حقها، ولكن أقسم بداخله أن يجدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!