استيقظت صاحبة الثلاث وعشرين ربيعًا في الصباح الباكر. دَلَفت إلى المرحاض وتوضأت وصلت فرضها، ثم ذهبت قاصدة المطبخ لصنع كوب من الشاي. لفت انتباهها صوت شخير. ظنت في الأول بأنه صوت أخيها، لكن عاودها الصوت مرة أخرى، خاصة حينما سمعت كركبة أسفل الكنبة. ارتجفت أطرافها، ولكنها تقدمت في ثبات ونزلت على ركبتيها ومدت وجهها أسفل الكنبة. صُدمت حينما رأت أحدهم ينام باستمتاع وكأنه بيت والده. صاحَت شروق بتذمر وصياح: "حرااااامي!
الحقونا يا ناس! ثم انتشلت نعلها وسحلته من ملابسه. أما رامي، فلم يأخذ وقتًا كثيرًا للاستيعاب. كتم فمها، فعضته بقوة جعلته يتألم بشدة. لم تترك كفه، وكادت أن تسحقها بأسنانها الحادة. تركته أخيرًا متألمًا، وعاودت الصياح مرة أخرى: "الحقونا حرامي! أنت يا علي الحق حرامي! جاء علي على صوت صراخ أخته وانتابه التوتر والارتباك. أما رامي، فاستنجد به في الحال وأردف بتألم: "الحقني يا سطا اختك بتعض!
تقدم علي منهم ونظر إلى رامي وكأنه لم يعرفه، وأردف باستفهام: "فيه إيه يا شروق؟ شروق بغضب: "انت تعرف الأشكال دي؟ دا حرامي وكان تحت الكنبة وجاي يسرقنا! رامي بغضب وسخرية: "يا أختي اتلهي، هو فيه حاجة عندكم تتسرق أصلاً؟ دانتم عيلة كحيانة وعاوزين معونة." وجهت شروق نظرات خانقة غاضبة إلى علي: "انطق تعرف الواد دا ولا أندهلك ماما؟ وإن كان حرامي هطلبله البوليس حالًا! نظر رامي لهم بتوتر،
فاقترب علي منه وهمس بإذنه: "تدفع كام يا مان وأخلصك من أم الليلة دي؟ رامي بغضب: "مش دافع مليم ومتحاولش تبتزني، لأني عندي مبدأ." شروق بغضب: "أخلص مين؟ دا تعرفه؟ علي، وقد وجه نظره على رامي فوجده كما هو، قال: "حسنًا، وليتلاعب بأعصابه قليلًا. معرفوش." شروق: "كويس، يبقى أنده على رجالة الحتة يجوا يصطفوا معاه." اقترب رامي وهمس لعلي: "هدفع يا واطي وخلصني من الحربوقة دي." "كاااااام يا سطا؟ " نطقها علي باستغلال.
انكمشت ملامح رامي بضيق وسخط، ولكنها أردف: "عشرين جنيه." رامي بغضب واشمئزاز: "ليه يا خوي؟ هو أنا هخلصك من فار؟ لأ مش موافق." "خمسين جنيه يا واطي، ودا آخر كلام عندي. ومستعد آخد علقة ومدفعش جنيه زيادة." ثم وجه نظره له فراى بعينه القبول. أردف علي براحة: "معرفوش أزاي بس يا شروق، دا أخويا وصاحبي. دا رامي صاحبي وجينا متأخر من الدرس، اضطريت أحذفه تحت الكنبة." رامي بغيظ: "إيه تحدفه دي يا كلب؟ هو أنا كورة؟
قاطعه علي بسخط: "آخرررررص ولا كلمة زيادة." وعلى الجانب الآخر، انتهى فهد من ارتداء ملابسه وتناول وجبة الإفطار، وذهب كالمعتاد لممارسة عمله. فالأيام أصبحت روتينية خالصة، نفس الزحام والتشتت الفكري، نفس الوجوه الكالحة الهالكة من متاعب ومشاق الحياة. صعد المشروع، وكان حواسه عرفت المكان جيدًا دون الانتباه لأي شيء آخر.
جلس في مكان اعتاده، فوجد أحدهم تجلس بجانبه. يبدو أنها اعتادت الجلوس بحواره. هو يعرفها جيدًا، لكنها تجلس كالعادة صامتة، تختلس النظرات إليه من حين لآخر. أما سما، فمنذ أسبوع وهي تختار مكانًا بجوار فهد، تحس بالأمان والاطمئنان بوجوده. تختلس النظرات من خلف نظارتها الطبية. ودت لو يفتح معها حديثًا ذات مرة، كما أنها أكثر من مرة تفتح فاها بالكلام، لكنها تحرج وتغلقه. أخيرًا، ولكن مهلا، لما كل هذا الحزن؟
انحفر على ملامحه وكأنه صديقه الأبدي. يبدو على غير الشباب الغاضب الصاخب، بل يبدو في التسعين من عمره، رغم لمحات الوسامة الشبابية والملامح الرجولية التي ارتسمت على محياه. حسنًا، ستحدثه، وليكن ما يكون. سما بتردد: "إزي حالك يا أستاذ؟ بالأول لم يسمعها، ولكنه استوعب أخيرًا ما تفوهت به. فهد بنبرة عادية: "الحمد لله." لم تجد كلامًا آخر لتقوله، ولكنها تريد فتح حديث معه وبشدة.
سما: "والله يا أستاذ، هفضل مديونة لك باللي عملته قبل كدا." عقد فهد جبينه بتعجب: "لا حصل خير." لا يمكنها التحدث أكثر من هذا، فهو على ما يبدو لها غير صبور بالمرة، بل زاد على هذا أنه بائس حزين. "كيف حال يدك الآن؟ " نطقها رسلان بهدوء لتلك الجالسة أمامه. فبالأمس أصابتها إحدى أشلاء الأطباق مسببة لها جرحًا سطحيًا داواه رسلان في الحال. ردت عطر بهدوء: "الحمد لله تمام."
جلس بجانبها وأخذ يرتب على كتفيها برفق، فغمرته رائحته وهابت قربه، بل توترت من نبرته الحنونة. رسلان بنبرة مشبعة بالحنان: "أراكِ حزينة، ما بكِ عزيزتي؟ لم تجبه وظلت على حالتها، فأكمل حديثه: "ما رأيك أن تذهبي اليوم معي إلى عملي؟ أنا لا أحبذ تركك هكذا." لم يدعها لتفكر، وقبل أعلى رأسها وأردف: "انتظرك." بعد قليل من الوقت، دخلت معه الصرح الشامخ، شركة أقل ما يقال عنها أنها مهيبة، ولاول مرة على أرض مصرية.
صعيدي احتضن ذراعيها ودخلوا وسط رهبتها وزهولها حتى وصلوا إلى مكتبه. أجلسها بجانبه. نظرت عطر، يبدو أنها ستغير تفكيرها به وتعيده من جديد. يبدو حنونًا، مهتمًا بها وبكل تفاصيلها. لا يريد أن يجرحها. نظراته تحمل العشق والفرح. ربما لقربها منه أصبح الصمت سيد الموقف، فقط النظرات تتحدث. تخفي عينها عنه للحظات ثم تقابله، فتجد بهما شغف الكون. عيونه جميلة ورائعة، ملامحه وسيمة للغاية. أيعقل أن هذا وجه بشري أم ملاك؟ أخيرًا
قطع الصمت المهيب رسلان: "ما بكِ عزيزتي؟ اقتربي لِـ وأجلسي بحواري." "لا، أنا مرتاحة كدا." نطقت بها عطر بخجل ونبرة تحمل الإحراج ووجه محمر مرتبك. تقدم هو منها وجلس بجوارها، فتزحزحت من جانبه. فتزحزحت حتى وصلت لآخر الأريكة، فقهقه رسلان ضاحكًا حتى أدمعت عيناه. فقامت في فزع مرتبكة محرجة، ولكنها اغتاظت منه حينما وجدته يقهقه عليها. "بتضحك على إيه يا سم؟ " نطقت بها بغيظ.
تمالك ضحكاته وأخرج من درج مكتبه صندوقًا أسود جميل المظهر، ومده إليها باهتمام. "إيه ده؟ " نطقت بها وهي تعقد جبينها. فتبدو في قمة اللطافة. "دا شوكولاتة جلبتها لك خصيصًا." لمعت عيناها بفرحة كالطفل الصغير وأخذت النظرات. جلست على الأريكة بينما هو جلس على كرسي مكتبه وأخذ يباشر أعماله. كان يختلس بعض النظرات لها. وجدها تخرج قطعة تلو الأخرى. أخذ فاهه بالاتساع مبتسمًا، تبدو لطيفة للغاية وبداخلها طفلة مرحة.
مضى كثير من الوقت، كان أنجز به قدرًا كبيرًا من أعماله. انتبه لها أخيرًا، تجلس بضيق. أنهت جميع القطع ويبدو أن التخمة أصابتها، ناهيك عن أنفها وفمها الملطخ بشكل لا يبالغ به، لكن على أي حال له أثر. اقترب منها مبتسمًا وجلس بجوارها، وأمسك منديلًا ورقيًا وأردف وهو يمسح بواقي الشوكولاتة من أنفها وفمها: "زوجتي مازالت طفلة صغيرة." نظرت له بغضب، فأردف: "وعنيدة ومشاكسة." وجهت له نظرات حانقة، فقهقه وأردف وقد
تحولت نظراته إلى عشق خالص: "لديها عينان جذابتان وروح جميلة. بالنسبة لي، لديها جميع المميزات التي صنعتها لنفسي، وجدتها بها." أصيبت حواسها بالإحراج، خاصة مع نبرته الحنونة العاشقة. أردف مكملاً، رقد علق زرقاوتيه على ملامح وجهها، رغم أنها أخفضت رأسها واصبغ وجهها، ولكنها رفعت أسفل وجهها بإصبعه وباغتها بالنظرات العاشقة. أردف رسلان بنبرة حنونة: "أحبك."
تعلم هذا جيدًا، ولكنه باغلها بالاعتراف. انعقد لسانها، اصبغ وجهها. واللعنة، حقًا على هذا الخجل! لم تجبه، لم تنظر له من الأساس. هم باحتضانها، ولكنها نفضت يداه بنفور وتقزز، وأردفت عطر بنبرة كارهة: "وأنا أكرهك! أنا لسه أحب فهد، فااااهم؟ أحب فهد وبس!!!
الحب لعنة أبدية غريبة تصيب في مقتل ولا تبالي. الحب ليس له تفسير، أنواع، أصناف، وصنوف. الحب أكبر أكذوبة، أكبر صدق، أكبر اهتمام. أشياء غريبة، تركيبة عجيبة. مرة أشد من حلاوته. صدمة نعرفه جيدًا، شيطان ورغم ذلك نهيم به، نقترب منه لا نبالي. جرح غائر ليس بأيدينا شيء غير التجربة المرة القاسية. أن أحبك الله أعطاك جنته، فالحب أيضًا مكافأة، ولكنها مكافأة تزن الشعور بالجنه.
لم تغب عن باله لحظة واحدة. صب فهد كل تركيزه على مرضاه حتى لا يكتب دواء بالخطأ لشخص لا ذنب له. لم تفارقه صورة تلك اللعينة القصيرة ذات العيون الجميلة. لم يحب شكلها كما أحب روحها. تذكر لحظات غضبها، لحظات فرحها، حتى ولو كانت قليلة. لام نفسه، وما شاء الله أن يلوم؟ أيحب خائنة باعته لرغبة تهواها من أجل تركي لعين؟ ود لو يسحق قلبه ويعصره بين يديه.
شعر بصداع يضرب خلايا رأسه، فقرر الذهاب مبكرًا. رغم ازدحام المرضى، ولكنه شعر بعدم مقدرته على مواصلة العمل، فاعتذر. وكالعادة، صعد فهد إلى المواصلة. لم تكن العادة أن يرى تلك اللزجة بآخر اليوم نظرًا لأنه يتأخر، بل مصادفة أن يراها اليوم لمرتين على التوالي. سما بفرحة: "مش ملاحظ إن فرصنا كثرت أوي؟ أجابها فهد بزهق: "المشكلة إني ملاحظ." سما بنبرة عادية: "دا لحسن حظي." تمتم في ذاته: "ولسوء حظي." ولكنها
رسم بسمة على وجهه وأجاب: "متشكر جدًا." لم ترد السكوت بعد الآن، فسألته بتروٍ: "بتشتغل إيه؟ رسم نفس البسمة وبملامح جامدة أجاب: "دكتور. بعيد عنك!!! أجابته سما ببسمة: "بسم الله ما شاء الله. اللهم صلى على النبي. دكتور ربنا يحرسك يا بني!! نظر لها باستغراب ولاحت بسمة على فمه: "بقولك دكتور مش لاعب كورة." أجابته سما ببسمة مريحة: "طب ما دي حاجة كويسة. هو حد طايل؟! نظر لها باستغراب ولم يرد الحديث مرة أخرى، بل نظر أمامه بشرود.
وعلى الجانب الآخر، يجلس منصور بغيظ. انتبه حينما سمع طرقًا على الباب، فقام وفتحه. وجد رامي بحالة مبعثرة. منصور بغيظ: "فين الفلوس يا ولد؟ مد رامي له المال، فعده وعقد حاجبه بسخط: "ناقصين خمسين جنيه. ودتهم فين؟ امتثل البكاء في الحال وأردف بحسرة: "اصل علي الواطي مرديش يخليني أبات عنده إلا لما دفعت فلوس." منصور بسخرية: "لا ولد فالح الصراحة. الليلة عنده واقعة بخمسين جنيه. شوف أنت بقى، ستاشر سنة، احسبهم."
مارس البكاء مجددًا: "نيمني تحت الكنبة يا با. بريستيجي ضاع!! قهقه منصور وأردف ببسمة: "ليه قطة؟ وبعدين استرجل ياض ومتعيطش. وحقك عليا، بس أقسم بالله العظيم هتعملها تاني لعلقك من رجلك." أما رسلان، نظر لها بصدمة، رغم غضبه وقدرته على سحقها وسحق روحها، لكن كانت لروحه رأي آخر. لم يتكلم، بل ارتدى جاكته الخاص بملامح جامدة وخرج من المكتب. فخرجت خلفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!