الايشعر اهو معدوم الإحساس ينقصه الشعور. كالبشر العادي، كيف له أن يخطو؟ بل كيف له أن يقتحم عالمها الخاص هذا، جالب المصائب؟ لم تر يومًا مستقيمًا هو في نظرها، لعنة أصابتها، أم سحر نزل عليها؟ ربااه، من أين جاء بكل هذا التبجح والانحطاط لكي يقف فوق رأسها؟ لوهلة تخيلته رسول الموت. لا، هذا ليس صحيحًا، رسول يعني ملاكًا، وهو في نظرها شيطان أحمق لعين، يجب أن تستعيذ بالله لتطرده خارج حياتها.
"ياربّي، إيه اللي جابك هنا يا ابني آدم؟ انت إيه؟ هي وكالة من غير بواب؟ كفاية بقى المصايب اللي جتلي من تحت رأسك يا أخي، حرام عليك، بطل شياطنة على خلق الله." أردف بنبرة حنونة تجعلك تستغرب أحواله. أمن الممكن أن تصبح اللعنات نعمات؟ هذا ما استغربته. أردف بالعربية الفصحى لإيصال أعذب الكلمات إليها: "عزيزتي، أنا آسف لما سببته لك من تعاسة. صدقيني، لم أقصد هذا. هذا كله بسبب القدر فقط. حقًا ما أقول، أرجو المعذرة."
نظرت مطولًا ثم أخذت تضحك ضحكات متتالية تشبه الجنون، حتى ظنها كذالك! ثم وجهت نظرها له ولم تتكلم، بل فضلت الصمت فقط. نظر إلى معالم وجهها، حاول أن يستشف بما يدور في عقلها. يبدو أنها بائسة، محبطة، فقد تقلبت بها الظروف، هو يعلم هذا جيدًا. نظرت له ونطقت بقوة تعرف عنها: "ياترى جاي تسببلي أي مصيبة جديدة؟ قول، متتكسفش. كل حاجة وحشة عملتها فيا، كل حاجة. ودلوقتي يلا روح، الله يسهلك."
ود لو يسحق قلبه وميله الطاغي إليها، ود لو يعنفه. لقد ذل اليوم، ولكنه يود احتوائها. لم يعِ على نفسه حنونًا كتلك المرة حينما حطم رأس رفيقه وحطم من كاد يفعل بها السوء. نطق بالمصري بنبرة لينة هينة: "عطر، صدقيني أنا مقدرتش أنتقم منك يا عزيزتي. البيت وكل حاجة لسه باسمك. أنا حاولت بس مقدرتش، ولا أدري لماذا. ضعفت."
انتظر ردها، ولكن بدت له لا تبالي، وكأنه هواء. بل تخيل أن وجوده بحجرتها كاتم لأنفاسها، جعلت كلامه كأن لم يكن، كأنه هباء. صمتت وما شاء الله أن تصمت. عاود حديثه مجددًا، بدت في حالة نفسية سيئة، بدت هزيلة ووجهها شاحب، عيناها تنظر في اللاشيء. تأثر لحالها، كم ودد أن يذهب إليها ويحتويها. وبخ نفسه، هو الذي فعل بها هكذا. لكنه عاود سؤاله، بل قال أمرًا بنبرة لينة: "يمكنك المجيء معي الآن إلى القصر؟
فأنا لن أتخلى عنك هذه المرة." ثم نداها مجددًا: "عزيزتي." لم تبد منها أي ردة فعل، غير أنها تكلمت وهي تشدد على كل حرف ليوصل إليه بنفس قوتها: "اخررررج برررره." لم يأبه لكلامها، بل زاده الأمر إصرارًا عجيبًا وغريبًا. هو لم يجرب الحب، ولم يعلم أن هذا الشعور هو هكذا، لكنه على أي حال يفكر بها منذ أن رآها ورأى قوتها وعندها. ولكنها الآن تتظاهر بهم وكأن الأصل وبزرتهم قد انتزعوا. أردف رسلان بحنو وظهرت لمعة بعينيه:
"سأتزوجك. أساعدك بذلك. سأفعل لك ما تتمنى فقط لتكوني معي، عزيزتي." ألم يكفيه إلى هذا الحد؟ ذلك الشيطان المتمرد، من أي نوع هو؟ ما خطته إذا؟ انتقم منها بكل الطرق. يبدو أنها تلك الطريقة الجديدة التي يستعملها. أيعقل شكله اللطيف يختبئ خلفه وحش مهيب وثعلب خبيث؟ كانت تسمع كلامه ببسمة ساخرة. حسنًا، لندعه يكمل تلك المسرحية التي يبدو أنها ستكون بطلتها مجددًا. سأسمع له ببسمة ساخرة. مللت أخيرًا من كلامه، فنفخت
في ضيق وقلبت عيناها بملل: "وقت خلص يا رسلان بيه، وبلاش اللعب على المكشوف وجو الحب ده والكلام الفاضي، واتفضل اخرج بقى من حياتي." فتحت له الباب بملل وفرتت كفها الرقيق لتريه طريق خروجه. هم بالخروج، لكن أوقفه صوتها العادي المترجي. حسنًا، يبدو أنها اقتنعت بالأمر وستأتي معه، فهو لا يريد إجبارها على أي شيء. "عطر،" بهدوء: "الرجاء يا أستاذ رسلان متجيش هنا تاني، وسبني أعيش حياتي بهدوء. ولا إيه؟ انت شايف إن ده كتير عليا؟
أومأ لها بهدوء ورحل. المكان وصل إلى منزله فدخله للتو وكسر كل شيء وقع تحت يده. وعينه، أحبها أجل، فلا يمكن لروحه المشتاقة أن تنكر هذا. بل لا يمكن لحواسه نكرانها، فالحب لا يمكنه الاختباء. مادام قويًا، فالحب القوي ليس بالجبان، يظهر بوضوح ويغير الحال. يدها الصغيرة تدق الباب بهدوء، وصوتها الطفولي ينادي: "عمتو عطر، افتحي أنا شموسة." فتحت لها في الحال وشاكستها، بادلتها العناق. تبسمت الصغيرة بمرح لوجودها مع هذا الملاك.
أما بالأسفل، دخل إلى البيت، وجد جمع كبير من المرضى. حمد ربه كثيرًا أن هذا الشخص سينشغل لأكبر وقت ممكن. ابتسم ابتسامة جانبية رائعة ومسك هاتفه ورن عليها يخبّرها بوجوده بالأسفل متحججًا بالمحضر اللعين. تمتم في فرح: "الحمد لله، النهاردة بس يظهر إني محظوظ." قطعه صوت "فهد" بتقدمه في ثبات: "أهلًا حضابط، عامل إيه؟ وجاي ليه؟ فيه حاجة ولا إيه؟ قلب زين عينيه في ملل وتأسف لحظة العسر: "لأ، جاي عشان المحضر. ثم انت مال أهلك؟
طفح به الكيل كما طفح بالأخير، فرد "فهد" بغضب: "مال أهلك انت واللي جابوك! رد زين وبدأ هذه المرة عنيفًا للغاية، وتكلم ما يمليه عليه قلبه وسط المرضى وقد ذهب عقله: "ولاااا، البت دي ملكش دعوة بيها، وعلى المكشوف بقى، أنا بحبها وهتحوزها غصب عنك أو برضاك، فاهم؟ هو يعلم ما يقول، هذا اللعين، ولكنه كان يشك في نواياه. لكنه استرجع كلمته، حب؟ أيحب؟ أيحب من يحبها سيجعل يومه باردًا كالثلج؟ كيف يتجرأ ويحب محبوبته؟
نطق فهد بهمجية خالصة: "ده لما تشوف حلمة ودنك، البت دي تخصني، وأنا اللي هتجوزها، فاهم ولا لأ؟ ولو قربت منها هعملك عؤ."
أصبح صوتهم عالٍ لأعلى درجة واشتد الخناق بينهم. الكل يتفرجون، الجميع يتهامزون على تلك التي تقف أعلى الدرج تشاهد تلك العركة بحزن، خاصة حينما رأت نظرات الناس إليها كأنها خبيثة عديمة الحياء. فهم وضعوها كالبقرة ويتساومون عليها. أحست بالقرف منهم أيضًا، أصبحت تمقت ثلاثتهم. ما هذا اليوم العصيب الذي لا يمر مرور الكرام؟ كان ينقصها أن تباع وتشترى كالجوارى والرقيق. أيعقل أنها أصبحت لا تملك شأنًا لنفسها؟
عدت من أمام أعينهم فانشغلوا بها وتركوا ما هم عليه. ولكنها أبت الانصياع لكلامهم. لقد وضعوها في موقف لا تحسد عليه، خاصة بنظرات الناس إليها. أما فهد وزين فخرجا خلفها. فوقفت تقلب عينيها في ضيق: "فيه إيه؟ خلصتوا البيعة والشروة ولا لسه؟ هاه؟ نطق بتأسف وغيره: "أنا آسف، حقك عليا." قطعه زين ونظرته إليه تحمل بعضًا من القرف، وربما الكثير: "هو اللي دعاني لكده." أسرع فهد مغيرًا الموضوع وباندفاع قال:
"عطر، أنا طالب إيدك، أرجوكي توافقي." جحظت عين الأخير وقاطعه بغضب: "اييييييه ده؟ على جثتي! سئم كل شيء عدا عمله، فهو يحبه، لكنها تظهر إليه في عقله بكل لحظة. أيعقل أن يكون الحب هو نفسه الشعور بالجنة والشعور بالنار؟
فهذا الإحساس تملكه بشدة. كان يجب عليه أن يبدأ معها قريبًا، وليس اضطهادًا عنيفًا. لعن بجاحته وهمجيته، رغم أنه صلب قاسٍ، ولكنه لم يعامل النساء ذات يوم بضغينة. يؤمن أنهم مخلوقات ضعيفة يفرحون بسرعة ويحزنون لأتفه الأسباب. نطقت بثقة: "وأنا موافقة يا فهد، ومعنديش مانع."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!