الفصل 25 | من 27 فصل

رواية التركي والصعيدية الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سنسن ضاحي

المشاهدات
30
كلمة
1,700
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

ضاق صدره واصبح الملل وانقلاب حياته هو رفيقه. قرر "فهد" التنزه قليلا ووزن الأمور حتى يتخلص من إرهاق روحه التي تبعثرت. يريد فقط صفاء ذهنه. كل أيامه أصبحت سوداء متشابهة متضاربة. ليس بإمكانه وزن نفسه كالمعتاد، بل أصبح تحت سيطرة حب حرق روحه وأدمى فؤاده بكل قوة وعنفوان. أيُعقل أن تدمع عيناه؟ أن يتألم؟ هو الذي كان كالجبل الشامخ، يهزه حب.

ارتسمت بسمة ساخرة على فاهه حينما تذكر كيف كانت نظرته سابقًا للحب. كيف كان يراه شيئًا هزيلًا تافهًا؟ كيف كان يضحك بسخرية على من يتدور عشقًا وهيامًا. وها هو الآن تزلزل من الداخل. ويجب على الرجال أمثاله وأد الحب حتى ولو كان يحب. حب بدون حبيب كصحراء جرداء تنتظر الماء الذي يعاودها كل عشرة أعوام بعد أن تموت بذرتها.

أصبح لا يطيق أي شيء. تذكر تلك الخائنه التي جعلته لعبه بلاستيكية أمامه نفسه وكشفت ضعفه. طبق "فهد" يده بقوة وجلد ذاته وما شاء الله أن يجلد الإنسان ذاته. أصبحت عيونه سوداء حالكة كالليل. كان يمشي يشوط الحصى الصغير الذي يتجلل أمامه في الطريق وكأنه جزء من أحلامه وأيامه المتبعثرة. هكذا صور له عقله.

يمشي وتلفح نسمات الهواء وجهه الرجولي بهدوء. سمع "فهد" صوت ضحكات يألفها فتصور أن هذا بفعل عقله ووهمه. ولكن عاد الصوت له مجددًا وبدا واقعيًا للغاية. صوب نظره يمينًا وجدها هي "عطر" تضحك، تبتسم، مرحه، تحب. كل هذا في آن واحد. الويل لمن يدمر القلوب وتحسبه مظلومًا وهو أعن من أن يكون إنسانًا. فرت دمعة شاردة دون رغبة منه من عيونه واعتصر قلبه حتى الموت. انتفض كيانه. انكسر. انكسر. وما أظلم وأقبح من كسرة النفس. إنه البؤس بذاته.

استعاد قوته المهزوزة ووقف قبالتها وعيناه بها صرامة. صرامة ليس إلا. وأردف: "يارب أشوفك فرحانة دايما وسعيدة بتدمير قلوب البشر." وجه رسلان نظراته التي تحمل الشر له وكاد أن يتقدم. فأوقفته "عطر" ونظرت لفهد بخيبة وأردفت: "فهد، إزيك عامل إيه؟ قهقه فهد بصوت ساخر وأردف: "حلو وطول ما أنا بعيد عنك كويس وهفضل كده. أنتِ كنتِ فاكرة إن حياتي هتنتهي بعدك؟

لا بالعكس دي ابتدت وابتدت صح واصح وخطبت وهتجوز وأموري عال العال والحمد لله والدنيا مش بتقف على حد يبيعك لأنك هتلاقي اللي يشتريك بالغالي ويعزك ويقدرك." كلماته مهزوزة فهو إنسان شاء أم أبى فهو إنسان. لاحظت انكساره. لم يدعها "رسلان" ولو للحظة أن تكمل حديثها بل سحبها بقوة وعيونه تحمل الشر والغيرة والغيظ.

أما هو، فبمجرد ذهابها أدمعت عيناه وبقوة وصرخ قلبه بعنفوان ورهبة وخوف. أصبح الحب مرضًا لا يطاق. أصبح الحب ضيقًا بلا فرج. أصبح عسرًا بلا يسر. كل كلمات المرار ومشاعر الغربة حب. كل آلام العالم اجتمعت في شخصه. أصبح مرضًا. لو يحبه الله لخلصه منه. أما "رسلان"، فوقف مرة واحدة ونظر لها بغيظ وبنبرة قوية أردف: "ما بالكم كالعاشقان الهائمان في بحور الحب؟ ماذا بينك وبينه؟

أقسم لو كان شيئًا من قبيل الحب، ولعنته. لأزهقت أرواحكم بكل سلاسة." نظرت له بتعجب. أيتغير حاله بين لحظة والأخرى؟ "مفيش حاجة صدقني. هو صعب عليا مش أكتر. هو طيب. أنا مبحبش حد غيرك أنت يارسلان." أردف رسلان بغيرة: "لو علمت وقوفك بجانبه أو حتى الحديث معه، سيكون الأمر منهي بالنسبة لي ولكِ وله." أردفت محاولة تهدئته: "والله والله بالله مافي مشاعر ليه. أنت إيه؟ أنا بحلف." أردف بتعصب:

"صدقيني هذه المرة لن أكون الحنون الهادئ. بل جميعكم سترون شرارات شرّي في أبهى صورها. سيحل البؤس على كل من يتخطى نظره عليكِ. لذا راعي كل ما يتفوه به لساني. لن أندفع كالسابق وأطلقك. لكن سأفعل ما هو أشد وأقوى." هال كلماته عليها وذهب بغضب وصدره يعلو ويهبط أثر تنفسه المستمر من الغضب.

ببيت الأستاذ "منصور" كانوا يتحدثون بكل بهجة وكيف عليهم أن يرتبوا كل شيء خاص بالخطوبة والفرح. ملامح وجه "زين" بدت مقروفة للغاية وكان يسمع الحديث بضجر. فقابله وجه أخيه اللئيم فازدادت نظراته سخطًا وتوعدًا له. أما رامي، فلم ينكر خوفه. أفاق "زين" من شروده والده حينما أردف: "هاه يازين؟ كنت شايفك هتاكل العروسة بعينيك. أنت أحرجتني. اهدى على نفسك لما تتلموا في بيت واحد بإذن الله." أجابه زين بتعجب: "هو مين دا يا حاج؟ قصدك أنا؟

منصور بهدوء: "أيوه. أمال خلاص أنا هحدد الفرح ونتفق. عاوزين نلمك بدل ما تجيب لنا مصيبة." هنا قهقه رامي بصوت ولم يستطع كبت ضحكاته. وهذا استفز "زين" حد الجنون. لم يستطع "زين" الصمود أكثر فأردف بما في قلبه: "حاج أنا بصراحة مش عاوز أتجوز." منصور باستفهام: "ليه؟ ناقص إيد ولا رجل؟ أردف "زين" بهدوء: "ناقص حب. وبصراحة كده البت دي مش بتنزل من زور. وكل ده بسبب الحيوان رامي. هو اللي كذب وقال إني بحبها وطبعًا أنت صدقته."

منصور بغضب: "قصدك إني غبي صح؟ زين: "لا. أنت فهمت غلط." منصور بنفس النبرة الغاضبة: "يعني غبي؟ قول يا حضرة الظابط. متتكسفش." زين بزهق: "ياحاج كله من رامي. هو أصل المشكلة." رامي متدخلًا بتوتر: "وأنا مالي يا عم." منصور بعصبية: "زين كلمة زيادة وهنسى إنك ظابط أصلًا. أنت هتعلي عليا يا وله. ثم متدخلش رامي في الموضوع. هو ملوش ذنب أصلًا." زين باستفزاز:

"دلوقتي بقى حلو وملاك. ما علينا. بس أنا مش هتجوز البت دي ولا بالطريقة دي أصلًا. دي مسترجلة. ما فيهاش ريحة الأنوثة." منصور بصوت مرتفع مهدد: "طب عليا الطلاق لتتجوزها. شوف طلاق وحلفت بيه ومش هرجع في كلمتي." زين بزهق: "إيه اللي بتقوله ده يا حاج؟ هو أنا عيل هتتحكم عليا؟ طب مش هتجوزها." اقتربت منه "حنان" في ألم وملست على كتف زين. فنظر لها بألم: "أنت شفت يازين بابا حلف." زين بألم: "أعمل إيه؟

هضطر آخدك معايا الصعيد وربنا يرزقك بابن الحلال يا ست الكل." دخل منكسرًا للمرة التي لا يعلم "فهد" عددها. شعر بأنه في دوامة سواد أو اكتئاب. لابد له من التخلص منها على أي حال. لربما يصبح في وضع تحسن لو يمحيها من أفكاره وعقله وقلبه. قلبه المسكين. القلوب ضعيفة. رغم قوة صاحبها لا تضعف من المرض بقدر ضعفها من الغدر. فالغدر ليس هين. ليس هين. بل هو الموت البطيء. موت حق عليه تدمير كل خلية قلبية.

قابلته والدته وقد أشْفَقَت على فلذة كبدها وروح قلبها وأردفت بألم وقلب مفطور: "فهد. زينة الرجال. صعبان عليا اللي عامله في حالك. صعبان عليا مرارة قلبك. تغييرك! حزينة وهموت على وجعك. أنت فيك إيه؟

احكي لي. مش حابة أشوفك كده متعب حزين ضعيف. لو مشكتش لربك ووليته أمرك هتفضل طول عمرك شريد. روح يا بني. الله المستعان. روح صلى. روح اتوضى يا فهد وصلي واستغفر ربنا وادعي إنه يهون عليك مرارك. أنا أمك صحيح بس هو ربك وربي. هو اللي قادر ينجدك ويفك ضيقة قلبك. وأمانة عليك يا ولدي. تترجاه يعوضك خير. خير يا ولدي. اترجاه مش هيردك أبدًا. اطلب منه اللي لا أنا ولا غيري قدرنا نحققه لك. اطلب منه العوض. هفضل مش مرتاحة طول ما أنت مش مرتاح. يمكن أموت. بس لو مت هفضل حزينة على حالك يا ابني. صدقني يا فهد الدنيا مبتوقفش على حب ولا على كره. بس دا لون من لونها. حتى لو شفت سوادها. فنقطة بيضة بس في حياتك لو اتعلقت بيها هتمحي كل الحزن والسواد. سيب قلبك وفكر بعقلك شوية."

في جميع كلامها تتساقط دموعها بغزارة بخلاف انفطار قلبها. الأم كائن هش ينفطر قلبه بسهولة. أما "فهد"، فقد احتضنها وبقوة كانه كان يريد هذا من ذي قبل. انهارت قواه بداخل حضن أمه الذي هو مسكن الدفء والأمان والاطمئنان. حضن الأم برودة ودفء علاج لجميع الأمراض النفسية. سحب نفسه وأردف بارتياح رغم إظهار روحه الضعف قبالة والدته: "صدقيني بعد النهارده خلاص. وكأني ارتحت. كان هم وانزاح. أنا دخلت حزين متألم مشتت! كلامك حنيتك علجونى!

فوقونى! لازم أرمي أي جراح ورايا وأرجع أحسن. ادعي لي يا أمي. عرفة يا أمي الدنيا دي صعبة ومرة مفيهاش حاجة حلوة. بس دنيا ولازم نحبها ونتعلق بحلوها ومرها." أردفت حنان بألم: "يعني إيه يازين؟ للدرجة دي نفسك تهمك أكتر من أمك؟ مكنتش أعرف إن تربيتي فيك حرام وإنك ابن عاق." زين بغضب: "دلوقتي؟ دلوقتي؟ دلوقتي أنا عاق وفيا كل العبر. وفكرني حماااار هتمشوه على مزجكم." أردفت حنان بغضب: "إيه ياعني؟ لما الابن يسمع كلام أبوه أو أمه؟

فين الغلط في ده؟ زين بغضب: "كل الكلام غلط. كلووووو غلط. وفين قلبي اللي هتلبسوه واحدة ولا يعرفها ولا بطيقها أصلًا." أردفت حنان بهدوء: "مش يمكن تحبها؟ أردف باستفزاز: "حتميات هيا؟ لسه هستنى ويا أحبها يا ألقحها من البلكونة. لا يا ماما أنا مش هتجوز البت دي على جثتي." حنان برجاء: "طب وأنا؟ أنا كده هطلق؟ يخرب بيتك يا بعيد." رد زين باستفزاز: "أهو ترتاحي منه. لمي هدومك وانزلي معايا الصعيد." فتح "منصور" الباب واندفع

إلى الداخل بغضب وأردف: "حتى أنت يازين الكلب هتعصي كلامي؟ أنت وأخوك أولاد كلب أصلًا ومشفتوش تربية. أنا معرفتش أربي. عوضي على ربي." زين بهدوء: "اهدأ يا حاج عشان ضغطك دا. أنا هريحك من الحاجة وشوف لك شقراء ثلاثينية تدلعك." منصور بغيظ: "والد كان لازم أعرف إنك أخو الكلب وطالع زيه." دخل رامي على آخر الكلمات: "مين بيجيب سيرتي يا جدعان؟ حدفه زين بنعليه فاصطدم به ووقع في الحال. منصور بنبرة مغتاظة:

"وكمان بتمد إيدك على أخوك الصغير وأنا واقف؟ ماهي سايبة سايبة. جدع مد إيدك بالمرة عليا كمان. ولا أقولك اطردنا من البيت أنا وأمي وأخوك الغلبان بالمرة." زين بنبرة متعجبة أردف: "إيه اللي بتقوله دا يا حاج؟ منصور بتعصب: "مجنون صح؟ بقول كلام جنان. آه أصل أنا مجنون. احجر عليا يلا. روح احجر عليا." زين بضحك: "أحجر إيه يا حاج؟ بعد الشر عنك والعمر الطويل المديد لك. ثم إننا حيلتنا حاجة عشان أحجر عليك." منصور بنبرة متلككة:

"يعني النية موجودة أهي والله عال يامنصور وعرفت تربي يامنصور. ربيت اتنين زي نعال الجزم." زين مهدئًا إياه: "اهدأ يا حاج. أنت عاوز إيه دلوقتي؟ منصور وقد ضاقت عيناه: "عاوز أمك." زين بضحك: "نعم؟ ما هي جنبك أهي." وعى "منصور" لما قال وحاول تصليح الأمر: "ولددددد! أنت فهمت إيه؟ أقصد عاوزك تتجوز اللي أنا راضي عليها."

ثم لاعب حاجبيه وهو ينظر لحنان برومانسية التي اشتعل وجهها بالاحمرار. بينما رامي وزين يتابعون بذهول. والآخران قد تناسوا أنهم وسط أولادهم. اقترب منصور من حنان وأردف حينما قبل أعلى رأسها: "حقك عليا ياحنون. دول أولاد كلب. عاوزين ضربهم بالجزمة. حقك عليا ياست البنات." وهنا انفجر رامي وزين من الضحك. ففصل الآخران عما هم عليه. وأردف منصور بنبرة حازمة: "ولد منك ليه؟ إيه اللي موقفكم هنا؟ اطلعوا برررررره." زين بتعجب:

"دي أوضتي يا أحاج." أما في إسطنبول، فيتراس "أركان" الطاولة المديدة في غرفة يكسوها اللون الأسود. حينما أردف مراد له بنبرة خبيثة: "رسلان أصبح معتم كثيرًا بتلك المصرية التي عما قريب سوف تشغله عن أعماله ولربما عنك سيدي." نظر له أركان بشرًا وأردف:

"تكلم بأدب في حضرة ذكر مولاك وسيدك رسلان أركان أغا. أعلم. لسوف تأتكل روحك من الحقد والغيرة. ورغم كوني مختلف معه الآن، إلا أنه سيدك ومولاك ورئيسك الأعظم. فإن علمت لاحقًا بأنك تدبر له من الأمر شرًا، لاضعك لأسود الغابات ينهشون لحمك كما ينهش الجائع الدجاج." حاول مراد تصليح الأمر وأردف: "سيدي لم أقصد شيئًا. فقط أطلب السماح والمغفرة." أركان بنبرة خبيثة:

"كل ما يهمني هو ولدي فقط. أما تلك المصرية. أخبره بالحرف بأن والده ورئيسه يخبره بأن ينهي حياتها للأبد." مراد بنبرة مستفسرة: "عذرًا سيدي. أخبر من بإنهاء حياة من؟ أركان بنبرة مغتاظة: "أخبر رسلان بأمر واجب التنفيذ. بإنهاء حياة تلك المصرية في أقرب وقت. وهو يعلم وجهي الآخر وسينفذ هذا في الحال."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...