حين اقتربت من المنزل العتيق تثاقلت قدماها. ولكنها تحملت وبثت تلك الروح الضائعة منها وقالت لنفسها محاولة الصبر: "اجمدي كدا ياعطر، الدنيا مش بتبقى حلوة على طول. لازم لكل شئ وشين، حتى الإنسان برضه ليه وشين. لازم أدوق المر بعد حلاوة عيشتي، اهو دنيا والحمد لله." اقتربت وفتحت الباب الذي ملأه عمق الماضي البعيد. هذا المنزل لجدتها أم أمها، كانوا لا يحتاجون إليه. كانت والدتها تأتي إليه من حين لآخر، وبعد وفاة والدتها نست أمره.
تذكرت ذات مرة حينما أخبرها جدها: "عطر... بجولك إيه يا جدي، بيت والدتي ملوش لازمة، إيه رأيك لو نبيعه؟ جدها: "أوعي تبيعي الماضي الحلو يا عطر، أوعي تبيعي ذكريات والدتك، خليه يا بنتي، اهو كل شئ وله عوزة." عند ذلك فرت الدموع منها ومسحتها سريعاً. "دايماً يا جدي قلبك علينا، كان قلبك كان حاسس. يلا الحمد لله على كل شئ." بدأت عطر ترتيب وتنظيف غرف المنزل والمنزل بأكمله بعد أن أعطت لوالدها دوائه وأنهت بعد وقت ليس بقليل كل شيء.
وجلست تفكر كيف تدبر أحوالها. دواء والدها أوشك على الانتهاء. من يقول أن المليونيرة الصغيرة أصبحت بائسة وفقيرة؟ وكل هذا بسببه هو، هو من جعلها هكذا. من علية القوم لفتاة ليس معها حتى عشرة جنيه 😂. تمتمت عليه في سخط قائلة: "يا ابن التييييييت." في الجهة الأخرى، كان يجلس بفرحة تشع من عينيه. ها هو قد حقق أمنيته المستحيلة وانتقم ممن سببوا التعاسة لوالدته.
"أنت تعلم يا رسلان، لو أن والدتك على قيد الحياة لرفضت هذا الإجرام الذي ارتكبته في حق تلك العائلة البائسة. ففي الأول الأهل هي الحب والسند." كان رسلان في انتظار بيرن بلهفة، فهو قد اشتاق لها كثيراً. وبعد عدة ساعات، أتت تلك الماكرة بملابس خليعة قمة في الفجر والبذاءة. احتضنت بيرن ررسلان الذي بادلها هو الآخر. بيرن: "ياللهي كم كنت أشتاق لك وأتوق لرؤيتك." ثم استنشقت عطره في حركة خليعة وعيون كالثعلب.
رسلان: "لقد اشتقت لكِ كثيراً." بيرن: "أخبرني متى سنسافر؟ رسلان: "قريباً." توالت الأيام على عطر، كانت كل يوم تخرج تبحث عن عمل دون جدوى. فقد طفح بها الكيل ويئست، ولكن كان لديها القناعة الكاملة أن ربها هو من سينجيها من هذا كله. انتهى دواء والدها، فذهبت إلى الصيدلية التي أمام منزلها. كانت مترددة، محمرة الوجه، محرجة. لمعت دموع داخل عينيها، ولكنها تمالكت ألا تفر منها دمعة. فلم تقو على دخولها وذهبت للمنزل.
لكن وجدت والدها في حالة يرثى لها، فهو كالطفل الصغير ولكن بمرض. فما كان منها إلا أن كتبت ورقة وذهبت إلى الصيدلية. قرأها الصيدلي ونظر إلى وجهها الذي يشع إحراجاً ولمعان الدموع بعينيها. الصيدلي بنبرة عادية: "أنا هديكي الدواء، لكن وقت ما يكون معاكي فلوس تجيبيه." قالت بنبرة ممنونة: "أيوة والله العظيم." أخذت الدواء بفرحة عارمة وهي تدعو أن يتيسر الحال. فالصيدلية أمامها وستحرج من الخروج دون أن تقضي دينها.
عطر: "منك لله يا بعيد، أنت كنت فين؟ اللهي تتصك نملة عمية." أوقفها صوت رجولي بحت وهي تفتح باب منزلها. فنظرت له، رأت رجلاً في الستين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ويمسك عصاه في يده. "هو انتي صاحبة البيت ده؟ ومتتخضيش، لمؤاخذة نسيت أقولك أنا مين. أنا الحاج عبد القادر وعاوزك في سبوبة." عطر وقد ارتاحت لكلامه بعض الشيء: "سبوبة إيه لمؤاخذة كدا؟ عبد القادر ببسمة: "لا، كل خير يا ابنتي. طبعاً انتي عارفة أن الصيدالية قصاد بيتك."
عطر بسرعة: "أيوة، ودي فيها إيه؟ المفروض تكون فوق السطح ولا إيه؟ عبد القادر: "مش القصد يا بنتي. اسمعيني الله يرضى عنك، أنا عندي الضغط." عطر مقاطعة له: "وهو أنا جبتلك الضغط ولا إيه؟ عبد القادر بزهق: "أنا قصدي إن البيت يلزمني ده بعد إذنك." عطر بسخرية: "نعم، يلزمك؟ وكمان بعد إذني؟ ليه هو علبة مناديل؟ عبد القادر وقد طفح به الكيل من مقاطعتها لكلامه: "يا بنتي اسمعي للآخر." عطر: "ولا آخر ولا أول، اتكل على الله يا حاج."
تأفف عبد القادر وقال: "أنا عاوز أأجر منك البيت ده، ونتي شايفة إنه كبير ودورين." عطر: "ولما تأجر البيت، أقعد أنا في الكرتونة؟ عبد القادر: "انتي هتبقي زي ما انتي، انتي ووالدك في البيت واحنا هنشطبه. وأنا عارف إن البيت فيه باب خلفي، خليه للخروج ليكي. وإهو تطلعيلك بقرشين ينفعوكي بدل كل يوم بتدوري على شغل." في تلك المرة لم ترد سريعاً، وفكرت. يبدو أنها فكرة جيدة، تنقذها أو هدية من ربها. نظرت للحاج وقبل أن تنطق، قال:
عبد القادر: "تلات آلاف في الشهر، هاه، نقول مبروك؟ عطر لنفسها: "تلاتة حلوين ويقضونا." ثم نظرت له وقالت: "طب الإيجار يكون لأسرة متجوزة؟ لاكن عذاب وكده يبقى لا تلاتة ولا مية ألف حتى." هنا انفجر عبد القادر من الضحك
حتى أدمعت عيناه وقال: "يا ستي ولا أسيدك إلا أنا، ده لابني الدكتور فهد. دكتور جراح، فهمتي يعني عيانين. وأنا من فترة كنت عاوز أعرف أصحاب البيت المهجور ده عشان أأجره. ولله الحمد مكنتش متوقع إن صاحبته زي الأطفال. طلعت عيني." عطر وقد أحست أنه رجل به طيبة العالم كله: "خلاص، أنا موافقة." عبد القادر بجدية: "خلاص يا بنتي، بعد العصر نكتب العقد وأسلمك شهرين شهر وشهر تأمين." عطر ببسمة: "خلاص تمام."
عدت الأيام وكان العمل لا ينقطع من تشطيب لسباكة، وصنعوا سلم خلفي خاص بنزولها وخروجها بعيداً عن صالة المرضى وغرف أخرى خاصة. أما عطر كانت تخرج لتسوق الخضار. وفي يوم اشتاقت لمنزلها القديم بذكرياته، فذهبت وتخبأت في ركن بعيد تنظر للمنزل بشوق. حتى رأت ررسلان يقبل أحداهن، فسخطت على فعله قائلة: "تركي فاجر، عال البيت الطاهر نجسته. منك لله! " وغادرت في الحال. أما ررسلان فقد رآها فقبل بيرن في الحال حتى لا تضع قدمها هنا مرة أخرى.
بيرن: "رسلان، سوف أسافر غداً." رسلان ببرود: "حاضر." بيرن: "أراك سعيد لسفري." رسلان: "ليس صحيح، بل عقلي مشغول بافتتاح فرع لشركاتي هنا في مصر وسأكون دائم السفر بين إسطنبول ومصر." بيرن: "ولما كل هذا؟ رسلان: "أعجبتني الأجواء المصرية." بيرن: "كما تريد." انشغل ررسلان بافتتاح فرع لأكبر شركاتها بالصعيد. مرت الأيام عادية وروتينية. أما عطر كانت تتصفح الجوال وسمعت صوت صراخ وضجيج.
في الأول تجاهلت، ولكن تعالت الأصوات ولم تحتمل أكثر من هذا. فدفعها فضولها لترى. أما بالأسفل، كان يصرخ أحدهم بغضب: "ده انت دكتور بلطجي! عاد فهد: "نهار أمك أسود، انت تقصد مين بكلام أمك ده؟ ونغزة في صدره. الرجل: "أقصدك انت، لأ ياك هتخوفني ولا يهتز لي شعرة منك." فهد: "حسابك تقل يا ابن التييييت." تدخل أحدهم: "إيه اللي حصل لكل ده؟ فهد: "الواطي ده عاوز يدخل المرضى بمزاجه." عيادة أمه هي.
الرجل: "ده انت آخرك دكتووووور عجول، واحنا اللي عملنا لك لازمة." تقدم منه فهد بغضب، فالرجل بالنسبة له حشرة. فهو يمتلك طول فارع وعيون بنية حادة وأهداب طويلة وصوت صعيدي حاد. فهد وهو يخرج كلماته بهدوء: "انت قلت إيه؟ سمعني كدا." الرجل: "طب اسمع ياطرش، انت دكتور عجول." فهد: "طب أنا هوريك دكتور العجول هيعمل في خلقتك إيه يا عجلة." اقترب منه فهد ونطحه في مقدمة رأسه فنزف جبينه.
في تلك اللحظة، لم تتحمل عطر همجيته ونزلت في الحال ساخطة على هذا الدكتور المزعج. عطر: "انت عملت إيه في الراجل ياحيوان يادكتور الغبرة انت؟ فهد: "نعمممم، يا أم وحش سمعيني تاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!