ترك منزلها والعمل به أصبح روتيني لأبعد حد ممكن. أصبح قلبه أجوف، فقد لقنته درسًا، وما شاء الله أن تلقنه هوت بقلبه إلى قاع الجحيم، جعلته في نظر نفسه المغفل الأكبر. بل لا يؤلمه هذا كمثل الألم الأكبر الذي حل على قلبه باسم لعنات الحب الواهية. الحب ليس النيران، إذا لقنتها المزيد من الاهتمام ستشتعل.
وأول ما تطح به صاحبها، لذا كان بد أن تطفأ في أول مهدها. هذا ما عاهد نفسه عليه، البقاء على قلبه منفردًا بذاته، وأن يلملم شتات ما تبقى منه، ولا يدع للحب طريقًا يسلكه. فويح للحب واللعنة عليه، أصبح "فهد" جاد قليل الكلام، مرهف المشاعر، قانط على النساء، يسبهم في ذاته ويلعنهم بالصباح والمساء. يأوي إلى نومه تساوره صورتها، فيغمض جفونه بإرهاق، يرغم عقله ألا يفكر بها مجددًا. ولكن اللعنة على القلب والعقل حينما يتفقان على أمر يسبب هلاك صاحبه!
في الصباح، طرق "رسلان" الباب بهدوء، فاستجابت له وفتحت، ورسمت بسمة سمجة للغاية. عطر: نعم يا سي رسلان، خير؟ بادله نظرات العشق. رسلان: كيف حالك الآن؟ أراكِ بخير! عطر بسماجة: وهو اللي يشوفك يشوف خير! حاول التهام غضبه، فنظر لها ببرود، وبكلمة واحدة تحمل الجدال والأمر. رسلان: لدينا موعد للخروج أنا وأنتِ عزيزتي، أنا في انتظارك، هيا استعدي! لم يترك لها مجالًا للنقاش وهم بالانصراف، فنفخت في ضيق وصفعت الباب بغضب.
يقف وسيم، يجعل أي فتاة تهيم به، عطره الجذاب، شعره اللامع، جسده المعضل، شموخ وفخامة حلته. بل فخامته التي تعطي لمسة للأشياء. كادت عطر أن تفقد حواسها. توترت، أيعقل أن هذا اللعين الوسيم أصبح زوجها؟ يالله يا خالق الجمال، لم هو جميل هكذا! أردفت بنبرة متوترة: أنا جهزت! أردف ببرود: حسنًا، هيا. عطر: طب إحنا رايحين فين؟
نظر مباشرة إلى عينيها وكأنه يخترقها. توترت وشعرت "عطر" بمزيد من الخجل، الذي أخذ دوره. وبادر بالصعود إلى وجنتيها، فصارت كثمرة تفاح ناضجة مغرية للغاية. أردف رسلان ومازال يخترقها بنظراته: رسلان: عزيزتي، سنقضي يومًا جميلًا في حضن البحر. عقدت جبينها، فبدت لطيفة للغاية. عطر: أنت عاوز تغرقني، أنا مش بعرف أعوم! قهقه حتى أدمعت عيناه، فنظر لها بصوت مبحوح، متحشرج أثر ضحكاته.
رسلان: لا يمكنك الغرق وأنا معك، كيف تغرقين وأنتِ داخل قلبي وعيوني، وبالأخص وأنا معك! أخذ يتلاعب بهمسه الطاغي، ثم لمس كفيها، فتوترت. فلم يدع مجالًا لهذا وخرج من المنزل بها. خرجت "سما" من غرفتها بزهق وبرود. أصبح الجو مملًا لها، ولا جديد يذكر. تقدمت من والدتها التي كانت تحتسي الشاي باستمتاع. سما: هو محمد اتأخر ليه؟ مش عوايده يعني. وجهت لها والدتها نظرة بقلة حيلة، فهما يومًا سيكونان السبب الرئيسي لهلاكها.
الأم: أكيد بيعمل مصيبة، مهو زي القط يحب خناقه. تلقيه جاري ولا خبر في قسم ولا تحقيق في أي شبهة. قنطت ملامح وجه "سما"، فأردفت بهدوء. سما: ماما، ده شغله. ادعي له أنتِ بس ربنا يوفقه. تذمرت الأم ونظرت لها بغيظ. الأم: بت، أنتِ أنتِ اللي مشجعة أخوكي على كدا. أنتِ إيه، ما فيش عندك اسمه. يبدو كوصلة ضيق كالمعتاد، فبدأ وجهها حانقًا، خاصة حينما أردفت الأم بسخط وتحذير.
الأم: أخوكي مالكيش دعوة بيه، هو ماشي لعش الطنابير برجله، مش ناقص تفردي عضلاتك عليه وتقويه على كدا. ياما بالله العظيم حسابك هيبقى تقيل معايا. لم تنتظر منها أي رد، وتركتها مغادرة إلى غرفتها. منظر مبهج وجميل، مركبة ضخمة تعوم وسط البحر، وطاولة تضم أشهى أنواع الطعام. حقًا الماء والبحر والوجه الحسن. جلست بعيدة عنه، ولكنه نظر لها دون أن ينطق بمعنى "اقتربي".
وجوده خطر، وسامته أخطر، وأشد هيبته وعيونه، كل شيء به وفيه هدوءه. تكاد تنصهر من خجلها منه. هو خطر عليها وعلى أمثالها. أردف يقطع الصمت: رسلان: عجبك هذا المنظر! نظرت له بغيظ وأردفت: عطر: دي بلدنا، تكونش فاكر إنك جايبني في بلد اللي خلفوك. اغتاظ من ردها هذا، عنيفة، متحدة، غبية! نظر لها بغيظ وأردف بصوت هادئ متزن: رسلان: أجل، بلد أمي وبلدي. ردت بوقاحة: مو يخضك. لم يفهم شيئًا، فأردف رسلان: رسلان: عذرًا، ما هو الـ "مو"؟
ابتسمت وردت بخبث: دي حاجة جميلة بتعبر عن الحب. ارتسمت بسمة رائعة على وجهه واقترب منها، فتوترت. ولكنها أردفت: حقا الـ "مو" يعني التعبير عن الحب، وأنا أيضًا أحبك يا جميلة. عطر ببرود: بس أنا عطر مش جميلة. نظر إلى عينيها وأردف: أنتِ عطري وجميلتي. قلبت عينيها بملل، وأردفت بسخط: أنا زهقت، عاوزة أروح. بمحافظة القاهرة بشقة ميسورة الحال.
دخل رب الأسرة في الخمسين من عمره، يعمل موظفًا في التربية والتعليم، يدعى "منصور"، حاملاً في يده ثمرة بطيخ وهو يكافح، فالجو حار للغاية. منصور بزهق: والنبي يا أم زين حضري لي الحمام بسرعة. ردت حنان، وهي امرأة مصرية وروتينية كحال الأمهات: حنان: جاهز يا خويا، روح استحمى وتعال، أنا النهارده عاملالك حلة محشي وجوزين حمام. منصور وهو يجفف عرقه: محشي يا ولية في الحر ده؟ هو حد ناقصه كتمة نفس! ثم زين كلمك ولا لسه؟
بنبرة مبتسمة ردت: لا يا خويا، بقاله مدة. تنهد بضيق وأردف: ربنا يعينه، الصعيد مش سهل بردو! ثم نظر لها متسائلًا: أمال فين رامي؟ أجابته بنبرة عادية: آه، لسه جاي من المدرسة ودخل يذاكر. ربنا يعينه بيا. أجابها بهدوء: على الله يا أختي، يكش يفلح. اعملي له أنتِ كحك، بس وديه، يكش البعيد يحس.
بداخل غرفة "رامي"، كان يرتدي السماعات الأذنية، يسمع إحدى الأغاني الصاخبة. فتحت والدته الباب بسرعة البرق، ثم انتشلت حذائها وألقته عليه بدون انتباهه، فخبطه برأسه وأعاد توازنه. رامي: إيه ياماما دا؟ هو فيه كدا! خلعت الثانية وألقتها عليه مجددًا. حنان: وفيه كدا كمان، وفيه كل الألوان. رامي بضيق: عاوز أفهم، أنتِ لقيتيني على باب جامع؟ محسساني إني من يهود بني قريظة. ده أنا لو منهم، هتعامل أحسن من كدا.
حنان: اكتم يا وله، فين المذاكرة، ولا ناوي تجيب لنا طبق كحك؟ رامي بتهرب: ياماما، مانا كنت بذاكر. أنا مسجل صوت المستر وبذاكر منه. اتفضلي بقا يا است الكل عشان أكمل مراجعة، يلا. ويا ريت كوباية شاي، ولا أقولك، كوباية عصير مانجا عشان الجو ملزق على الآخر. حنان بغيظ: تصدق، ما فيه حد ملزق إلا أنت. وفي تلك الأثناء، دخل "منصور" الغرفة وهو يمسك فاتورة بين يديه، ويبدو عليه الصدمة. لاحظته حنان، فأسرت مردفة:
حنان: فيه إيه يا أبو زين؟ مالك؟ ثم انتشلت الفاتورة من يده وقرأتها: ألف جنيه! ليه كتير أوي! منصور: ألف جنيه، فاتورة التليفون الأرضي! الله يحرقكم، ليه كنتم بتكلموا مين؟ انطقوا! حنان بتوتر: لا أبدًا، مفيش. منصور بغضب: وهو أنا قاعد لكم على تكية يا شيخة؟ ده أنا موظف، موظف، افهموا. ده كنتم بتكلموا مين؟ رامي بدراما وكأنه في عمل درامي اندمج به:
رامي: بابا، ماما ملهاش ذنب. ده أنا اللي كنت بكلم الشيف الشربيني كل يوم، وكنت بتصل على برنامج "جمالك معنا" اللي بتقدمه البت المزة. آآآه عليها! اقترب منه الأب بهدوء: لا يا حبيبي، فداك مية ألف. المهم إنك تنبسط، إحنا أهم حاجة عندنا انبساطك. نظر له رامي بثقة: فالصدق أول طريق النجاح. منصور بهدوء: هو سؤال بس، طيب برنامج الجمال عرفنا إنك اتصلت عليه عشان المزة، طبعًا ليك حق تجاوب، بس الشيف شربيني بتكلمه ليه؟
أوعى تقول إنك نفسك تبقى شيف. أجاب بثقة: كنت بسأله عن طريقة عمل البسبوسة. حك منصور ذقنه بهدوء وتمتم: عارف لو كنت سألتني، كنت جبت لك على طريقتها. نظر له رامي وأجاب بهدوء: هي إيه؟ وبهدوء قاتل قال: البسبوسة سميد وزبادي ونضربهم في بعض، ثم انهال عليه ضربًا مبرحًا ليؤدبه. ثم نظر له قائلًا: وبعد كدا نضيف الشربات، يابن الكلب، بتتكلم بالف جنيه! ده أنا هعمل لك بسبوسة سوري بتمنهم.
دخلت المنزل وهي لا تطيق النظر إلى وجهه. أحست أنها تخون ثقة فهد حينما تتعجب به أو تنظر له، رغم أنه زوجها، لكنها أحست بهذا. نيران تأكلها وقلبها يعتصر حينما تتذكر نظرات "فهد" اللائمة لها. افتقدت اهتمامه، لو الأمور حالت دون ذلك لكانت تيمت به. اللعنة على هذا التركي أيضًا. تتوتر بشدة حينما ينظر لها. من أين له أن يأتي بكل هذا السحر والوسامة؟ عيناه جنة، لا تنكرها. وجوده يوترها. ساحق الوسامة، لكنه غبي.
سمعت صوته يدندن بالتركي. اللعنة عليه، حقًا لديه صوت رائع كصوت الملاك. ودت رؤية تعابير وجهه، خاصة حينما أخذها صوته الجذاب. ففتحت الباب بهدوء لتتلصص عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!