تحسس موضع الصفعة وبدا أكثر شراسة من ذي قبل، أما هي فتملكها الخوف من نظراته الشرسة، ولكن بالنهاية هذا الوغد يستحق هذا وبجدارة، أجل طمأنت نفسها بحديثها مشجعة روحها، أكملت مردفة: ..... أنت تستحق كدا وأكتر كمان. نظر لها في سخط بنظرات شرسة لا ترحم ونطق بطريقة مبتذلة: ..... أإييه ده! هو عشان أنا راجل وابن راجل وأنتِ عارفة إني مش هُمُد إيدي عليكي سِقِتِ فيها؟ يا حلاوتها! بس أنتِ متعرفيش فهد العُوي.
تجمع كثير من الناس والتفوا حول هذا الصوت الساخط الغاضب، قال أحد المتجمعين: ..... ده الدكتور والبت إياها، يا عم تعالى نشوف. انتفض جسدها في ريبة وإحراج من أمرها، فالمصائب أصبحت تصطادها يوم تلو الآخر، لم تفق من ما فعله بها هذا الشنيع قريبها، عرفت وتأكدت الآن أنه لا يمكن إصلاح حظها مرة أخرى. أما فهد، نظر للجميع بغضب حينما شاهد نظرة الترجّي التي تجتاح عيونها طالبة منه الستر في شيء لم تفعله.
كاد قلبه أن يرق لها، ولاكن تذكر هي من تكون، يجب عليه أن يفضحها ويلوث سمعتها، فتح فمه ليتفوه بما لا يرضي ربه في حقها، لاكنه من يكون ليلوث سمعتها، بالنهاية هذا بينها وبين خالقها. نظر للجميع بغضب جامح وأردف في غيظ: ..... إإييه ياخويا أنت وهو؟ فرح أمكم ولا إيه؟ تموتوا في الفرجة؟ أنا وهي بنتخانق على الإيجار، يلا يخويا هش يا با، كله على عشة. جاتكم البلا، ناس رزلة صحيح. عاوزين جنازة تشبعوا فيها لطم. ثم رفع صوته مجدداً:
..... يلااااااا! نظر لها بغضب مجدداً: ..... كوني مقلتش لحد عشان أخلاقي كدا. نظرت بانكسار: ..... ولأني مش كدا. أردف بنبرة هادئة تحمل في طياتها الشراسة: ..... مبقاش ده يهمني. أردفت بضيق: ..... وأنا مقلتش يهمك، ولا عاوزاه يهمك، ولا عاوزة أتحاسب عليك، بس كفاية ربنا شايف أنا إيه. أردف بغيظ: ..... وكمان ممثلة؟ برافو عليكي، تستاهلي الأوسكار، أنتِ اكتشاف يا بت.
عادت إلى الداخل مجدداً، إلى الداخل، تحلت بالقوة، فهي ليست هشة للانكسار، بل اتخذت القوة شعاراً لها. أوقفها صوته الساخر، فاهتز كتفها بارتعاش لكلماته الكاذبة المسمومة. ..... لأ مؤاخذة بقى يا آنسة عطر، عطلنا عليكي شغلك. المهم. ثم أطلق ضحكة ساخرة، ولكنها حملت قليل من القهر. لم تأبه لحديثه وافتراءته، يكفي هذا القدر من المشاكسة والظلم، وكان لتلك الصغيرة اكتفت بهذا، فصعدت بهدوء.
أما هو، وقف في ثبات، وكان قلبه يخبره أنها بريئة، فكل إنسان يظهر عليه طبعه، وهي لا يظهر عليها هذا، أقنع روحه المتناقضة أنها تجيد التمثيل فقط. يجلس بحيرة من أمره، متردد، لا يركز حتى في عمله. اشتاق لتلك الحورية الصغيرة، اشتاق لكنة صوتها الصعيدي الحاد، اشتاق لهدوء نبرتها، اشتاق لكل شيء يخصها. قرر اختلاق أي حجة لمقابلتها مرة أخرى. أخذ يقطم في أظافره في حركة تردد.
تذكر حينما سخط وغضب بسبب نقله للصعيد، لعن الحظ ولعن من نقله أيضاً، فهو الذي اعتاد على عيشته ما بين عمله والخروج، فهو من المحروسة القاهرة، حيث لا ليل، حيث حياة الصخب والفرح والبهجة. لكنه الآن، كانه وقع في جنة الله على الأرض. استغرب أصدقاؤه حاله حينما يحدثهم ويمدح في الصعيد بشدة، جعلتهم يستغربون أحواله الآن عكس ما كان. أما بالجهة الأخرى، جلس على كرسيه، شمر كميصه إلى ما بعد كوعه وفتح زر بدلته الكحلية.
فكر بهدوء وروية، نظراته الهادئة دلت على تفكيره. يكفي هذا على تلك الصغيرة البائسة، فلما يعاقبها؟ هي تذكر حينما رآها أول مرة، ياللهي على كمية اللطافة التي أحسها تجاهها، ولكنه سيطر على مشاعره التي يتحكم بها بسهولة، تذكر مأساة والدته. هو لا يحبها ولا يطيق النظر لها، إنها مجرد استلطاف فقط ليس إلا، أوهم نفسه بهذا، ويجب عليه أن يسافر، فهذه ليست أرضه، مع أنه يذكر نفسه دائمًا أنه مصري عربي ويحب بلده.
لكنه قرر قطع الأمر قبل أن يبدأ، قرر أن يسافر، أجل هذا قراره الأخير، يجب عليه قطع الأمر وإنهاء شيء علم بداخله أنه في بدايته. مرت الأيام عليها بهدوء، ولأول مرة ترى أن في اعتزال الناس راحة لها، أصبحت انطوائية، لا ترغب في مقابلة أحد، شعرت باليتم، أجل، فوجود جدها في حياتها عوضها كثيراً. تذكرت فرحتها السابقة، كم حسدت نفسها كثيراً على ما كانت عليه. مرت أيامه روتينية بحتة، كانت لا تخرج إلا قليلاً.
كان يترقب خروجها، كم ود الاعتذار لها، لكن حينما يتذكر من هي وما هو ماضيها، يلعن نفسه ويسبها في سره. يقنع نفسه دائماً أنها خبيثة وتجيد التمثيل لتخبئ حقيقتها النكرة الشائنة، ولكن لم كل الاهتمام بها؟ لما تشغل جزء كبير من تفكيره؟ تدرب كثيراً لينتشلها من تفكيره، ولكن بالخير غلب عليه أمره. يعلم فهد جيداً شعوره نحوها، وهذا ما أراق نفسه وجعله غاضباً طوال الوقت.
ود لو يستطيع أن يواد مشاعره، ود لو ينهي ماضيها، بل ينهي حياتها بالمرة، وهذا أفضل له، لاكن سأل نفسه سؤال أفاقه: ..... من هو ليحاكمها؟ خجل من نفسه، فهو يعلم الإجابة المحقة والحقيقة، بل وحقيقتها، فهي ليست الشخص الجيد والمناسب له بل ولغيره! تدهور حال والدها كثيراً وأصبحت في ريبة من هذا، فلم يجدي الدواء نفعاً، عرضتها على أكثر من طبيب. كل ما عليهم فعله أن يكتبوا دواء يفوق ثمنه قدرتها.
عرض عليها فهد المساعدة، ولكنها رفضتها بشدة. سمع صراخها بعد أذان المغرب، فأباح لنفسه مساعدتها، ترك مرضاه وصعد، وجدها منكفئة على صدر والدها تبكي بشدة. فهد بنبرة حزن: ..... البقاء لله. كانت تعلم أنه توفى، لكن غلبها أمرها. صعد حشد من الناس لمواساتها. تمت مراسم العزاء، أصبحت الآن وحيدة بلا أهل. انشق قلبه لحزنها، أصبحت لا تخرج. أردف فهد بأسى: ..... وبعدين بقى البت دي؟ الدنيا ظالمها وش كدا.
أما زين، لم يترك العزاء إلى حينما انتهى كل شيء. مرت الأيام ببطء، سافر رسلان وأصبحت أيامه مملة، ولاحظ والده تبدل أحواله وتغيرها كثيراً. أهلك نفسه في عمله وتابع أعماله في مصر عبر إيميله الخاص. علم بوفاة والدها، أجل، لا يهمه وفاته، ولاكن الأغرب أنه لم يفرح بهذا. انشغل فقط بدوامة تفكيره عن حالها. ألم يكفِ عليها هذا؟ بل يكفي، يكفي. أردف محدثاً ذاته بالتركي: ..... إلى هنا يكفي، أجل، كل شيء انتهى.
اعتزلت الجميع مجدداً، أهملت كثيراً صحتها، لم ترَ بشرياً بعد اليوم، فالجميع سبب تعاستها، وهذا صحيح. أما فهد، كان قرر أن يرسل لها طفلة جميلة بنت أخاه في الثامنة من عمرها، ضغط على أخاه وزوجته لأخذها معه بعد أن استعطفهم أنها ستؤنس تلك المسكينة البائسة، خاصة أن شمس طفلة خفيفة الظل. سمعت طرقات صغيرة وصوت طفولي عذب. شمس ببراءة: ..... افتحي الباب يا أبلة.
استغربت الصوت، ولاكن على أي حال قامت فتحت الباب، تفاجأت بطفلة كتلة من اللطافة. شمس ببراءة ولطافة: ..... إيه كل دا؟ أنا جيت أقعد معاكي، الله! أنتِ قمورة أوي زي ما إنكل فهد بيقولي بالظبط. ظهرت شبه ابتسامة رائعة على وجهها، فردفت الصغيرة قائلة: ..... الله! ضحكتك جميلة أوي يا طنط، ممكن أقولك كدا؟ عطر بابتسامة رائعة: ..... ممكن أكيد، بقولك إيه تعالي نعمل كيك، إيه رأيك؟ شمس بفرحة: ..... الله! بحبها أوي، يلا.
رائحة زكية اخترقت أنفه هو والمرضى، رائحة الفانيليا، ما أروعها، ابتسم لنفسه قائلاً: ..... آه يا بت يا محظوظة يا شمس، ياريتني مكانك، هايصة يا بت الإيه. ترى هل تستمر اللحظات الحلوة أم للأقدار ميعاد يتجدد؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!