حصل الأخير على فرحه وطوّق بها، نظر بشماتة لـ "زين" الواقف بجانبه، ثم هم بالنظر إليها ولكنه لم يجدها. لكن لا يهم هذا، فهو حصل عليها حتى ولو بخطبتها، فهذا كل ما يهمه، فهي معشوقته الجميلة التي يكن لها الحب في ثنايا فؤاده، وأخيرًا من الله عليه. باحدى المنازل متوسطة الحال لأسرة لابأس بها، يجلس "محمد" بهدوء وروية يحتسي فنجان القهوة باستمتاع ويسمع موسيقى كلاسيكية مفضلة إليه.
دلفت أخته ذات العشرين ربيعًا بوجه صارم عابس، فهي تلك طبيعتها، تخاف أن تكلمها لأنها سريعة الغضب وأحيانًا تتواقح. امتلكت "سما" ملامح مصرية خالصة وكأنها حفيدة ملوك الفراعنة. وقفت أمام أخاها ونطقت بضيق وهي تعدل من نظارتها الطبية بطريقة معتادة. "هو فيه إيه يا محمد؟ ساعة بننده عليك ولا هي الصحافة حبكت هنا يعني؟
رفع نظره لها ببرود ورد قائلاً: "ثانية واحدة وجاي، وبلاش القمصة اللي على الفاضي والمليان دي، انتِ بنت ولازم تتكلمي مع أخوكي الكبير باحترام. ثم أشار بإصبعه: مش كل مرة هفهمك ده." يبدو أنها اعتادت على عملها كمعلمة ومارسته في المنزل أيضًا، لكن لا أظن هذا، فهذه طبيعتها من قبل. نفخت في ضيق وقلبت عيناها وعدلت من نظارتها وخرجت للتو.
أما محمد، فهو يعمل كصحفي بارع يهتم بالقضايا الشائكة وكأنه يجد فيها ملذته، يتفانى في عمله لأقصى حد ممكن، يعتبر القلم الحر لسانًا ناطقًا لا يخاف. عادت من المقابر بعد أن زارت من فارقوها، لاتهتم بأمر خطبتها ولا يعني لها شيئًا، هي فقط تحس بتشوش عقلها. صعدت منزلها بهدوء، ارتدت ملابسها البيتية، انتبهت لرنين الهاتف الذي لا ينقطع. حسنًا، لتفتحه، أجابت بهدوء. "أيوه مين؟ عرفت صوته فردت: "أيوه يا حضابط."
ثم أنصت لحديثه الموبخ لها، فنفخت وغلقت الهاتف وذهبت لتنام، فاليوم ممل بدرجة لا تطاق. وكانت خطبتها في هذا المساء، حيث جاءت عائلة "فهد" وبرعوا في إنشاد الأغاني والرقص، أما هو فتوسعت بسمته، كادت أن تصل لأذنه. رقص فهد رقصة صعيدية مهيبة وهو ينظر لها بفرحة. تقدمت إحدى أخواته ذات الثالثة والعشرين ربيعًا تدعى "نورا"، تقدمت ومسكت بقبضة "عطر". قائلة بفرحة ومرح: "يلا قومي ارقصي وافرحي، النهارده خطوبتك ويوم مميز."
أعطاها أخاها نظرة غاضبة للحظة، خافت ولكنه أردف بغضب: "مين اللي ترقص دي بنت، انتِ اتلمي يا قسما بالله أخلي نهارك أسود." تدخلت والدته، منهية هذا الجدال، فهي أعلم بابنها، تعرفه حق المعرفة، غيور، عصبي، متهور. عاد التصفيق والغناء من جديد، أما "فهد" فهو لا يحيد بنظره عنها، كم بات يعشقها، أخذ يتهامس في أذنها بنبرة حنونة. "إيه القمر ده، عليا النعمة يا جدعان ما فيه كدا، أنا أمي دعيالي ليلة القدر."
اكتسى وجهها الخجل، لاحظه هو فأكمل هامسًا: "يالهوووي يا ما على خدود التفاح، جمر والله." كادت تنصهر خجلًا من هذا اللطيف الوسيم. رفعت وجهها فرأت وجهًا قريبًا منها، فطأطأت رأسها في خجل، الآن تعترف أنه وسيم للغاية. أكمل همسه بنبرة تحمل دفء العالم: "أنتِ جميلة جدًا ومميزة." ثم عاود همسه مجددًا: "كلميني طيب، إيه رأيك فيا؟ انتظر إجابته لتروي فضوله. ردت بخجل: "كويس." همس لها بنبرة مرحة: "كويس بس من غير إضافة."
انصهرت خجلًا مجددًا، الأمر ليس بالسهل، خاصة بهمسته الحنونة. "وحلو." انفجر ضاحكًا على خجلها، فنظر له الجميع، خاصة البنات اللاتي يتابعونهم بعيون الحاقد المتسلط. أكمل همسه بود: "هعيشك ملكة متوّجة يا عطر." ردت بنفس النبرة الخجولة لكنها تهتهت في كلماتها: "ربنا يحفظك." هذه المرة انفجر ضاحكًا مجددًا، تمالك ضحكاته رويدًا. "فيه واحدة تقول لخطيبها اللي بيحبها وبيموت فيها ربنا يحفظك، لا أنا كده هزعل."
نظرت له هذه المرة، فتعلقت زرقاوياتها بعسليته، فتوقف الزمن لها، وعقد اللسان، أمن لغة العيون أحيانًا، كم يبدو الصمت الملك الجميل الطاغي. أمن الممكن أن يكون الصمت جنة أبلغ من الكلام. انتهت الليلة بسلام، قبل فهد أعلى رأسها متمنيًا لها ليلة سعيدة، غمز لها قائلاً: "وأكون في أحلامك." يبدو أن الليلة شعارها الخجل، سيد الموقف.
أصبح الشر والغضب هو سيد الموقف، أصبحت عيونه الجميلة ووجهه الوسيم متشنقًا بالغضب العصيب. الغضب فقط هو سيد موقفه الآن، لا يعلم لماذا أصبح هكذا! لكنه يعلم بمدى الألم الذي ألم بقلبه! قرر عدم انتهاء أمره هكذا، تمتم بين أنفاسه بغضب وقسوة: "أنتِ لي عزيزتي حتى لو لم تعلمي هذا، لم تسببين الآلام لي، ما ذنبي أنني أحببتك، حسنًا، لن أتركك وسأجعلك تتوقين لي عشقًا، سأعيش معك، أنتِ لي وأنا لك."
عزم على إنهاء ألمه وألم قلبه، وقف ببنيته الصلبة ووجهه الوسيم حد اللعنة، أصبحت أنفاسه سريعة، ساخنة، وكأنه في سباق شاق. "انت هتموتني ناقصة عمر." زمجرت لها والدة محمد في سخط وعيون مشتعلة. فرد عليها بنبرة حنونة: "ليه ده كله يا ست الكل؟ ردت عليه وعقدت جبينها: "وانت مالك تكتب عن الدهشان اللي ليهم في كل بلد مغارة وواغش؟ دول من أيام جد جد جدك ومحدش قادر عليهم وبينهوا حياة أي حد كانه فروجه في إيدهم."
يعلم أنها تخاف عليه بشدة، لكنه حاول أن يصل لها الأمر بأسلوب لطيف. "أمي ده شغلي، ولا انتِ عاوزاني أكتب عن الفنانين وأي أخبار تافهة وخلاص؟ ضحكت باستهزاء: "لا يا شيخ، وانت بقى هتعدل المايل؟ نظر لها وتكلم بضيق: "مش بالضبط بس، على الأقل بحاول. عارف إنهم أخطر ما فيا في العالم العربي ومنتشرين زي السرطان. بس أنا وأمثالي هننهي عليهم." ردت عليه أمه منهية الموضوع: "ابقى قابلني." في تلك الأثناء دخلت "سما". "السلام عليكم."
ثم لم تنتظر الرد ودخلت إلى غرفتها في الحال. أما الأم، نظرت إلى الأعلى ولا يعجبها حال أي من أولادها. أردفت بقلة حيلة: "صبرني يا رب."
فالاثنان بنظرها بائسين، فالأخرى باردة، صارمة، انطوائية على غير البنات العاشقة التي كل أمانيها الزواج والأسرة والحصول على عريس. أما تلك البلوة التي حلت على رأسها، لم يحبذ أحد التقرب منها. هي تعترف أن ابنتها ليست بارعة الجمال، لكنها عادية، جميلة، تمتلك ملامح مصرية بحتة ببشرة حنطية وعيون عسلية تخفيها بنظارتها الطبية وقامتها المتوسطة وجسدها العادي كحال بنات الشعب المصري. كم ودت أن تراها متزوجة، متعززة في بيت زوجها لتطمئن، لكن كيف بهذا الوجه الذي يشبه شاويش بالجيش وكتلة البرود المتحركة واللامبالاة الزائدة.
خرجت لتتسوق أشياءها، لم يتركها "فهد" بل ذهب معها، تجولوا في الأسواق، كم أبدى إعجابه بلبسها وشكلها الأنيق، كأنها أميرة خرجت من رواية أسطورية. لم يرد اقتحامهم في تلك المرة، ولكنه ترك أعماله وكل شيء وأخذ يتربص بها، بدا حانقًا لأقصى حد ممكن، ود لو يسحقه، ولكنه لا يحب التهور. قبض على يده حتى هربت الدماء منها وأصبحت بيضاء كالحليب.
حسنًا، أكلته الغيرة من هذا الأحمق، كيف لها هي الأخرى، تلك الحمقاء، أن تبتسم على مزحاته الفارغة. سوف يأخذها منها عنوة حتى لو لم ترغبه، ولكن ود أن يعيش معها قصة حب أسطورية، وأقسم في داخله أن هذا سيكون يومًا ما، بل هي قدره وعشقه وسيجعلها تهيم به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!