الفصل 5 | من 8 فصل

رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الخامس 5 - بقلم حياة محمد الجدوى

المشاهدات
20
كلمة
6,881
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

عشرون جنيه فقط. عشرون جنيه مبلغ تافه لا يساوي شيئًا. قد يدفعه للسايس في الجراج مقابل ركن سيارته، أو ربما كبقشيش لأحد عمال المطاعم بعد تناول وجبة راقية. لكن من يصدق أن هذا المبلغ البسيط يساوي عنده متعة وراحة وسعادة يشعر بها أحمد كل يوم.

فبعد موقف الغداء السخيف جدًا، فكر أحمد كثيرًا في طريقة يعوض بها ياسمين عن المبلغ الذي دفعته مقابل الغداء. ولو صرف لها مكافأة في العمل، لأصبح مكشوفًا جدًا. لذلك قرر أن يعوضها بأن يدعوها لتناول الغداء معه لأسبوع كامل. وهذا الأسبوع كافٍ جدًا، وبعدها ينهي هذه اللعبة السخيفة ويعرفها أنه صاحب العمل وأنها موظفة في شركته. وبالفعل، في اليوم التالي لحقها وقت البريك ليدعوها لتناول الغداء معه. لكنها اعتذرت وقالت:

"أسفه أوى يا أستاذ أحمد، بس بصراحة أنا ما حبيتش المطعم امبارح والأكل كمان غريب. إنتوا بتاكلوا الحاجات دي إزاي." فتفاجأ برفضها: "طيب لو مش عاجبك نروح مكان تاني." ياسمين: "روح إنت بالهنا والشفا وماتعطلش نفسك عشاني. أنا عارفة إنك بتعمل كده عشان عزومة امبارح، بس أنا مش زعلانه والله."

لتتركه وترحل، في حين عقله لم يستوعب أنها رفضت دعوته لها. ولأول مرة في حياته، يدعو فتاة وترفض دعوته. ليكتشف أنه يراقبها وهي تدخل أحد المحلات الشعبية وتخرج حاملة كيسًا فيه الطعام. لتتجه لأحد الحدائق العامة المطلة على النيل، لتجلس على منضدة تحت شجرة كبيرة وتفتح الكيس وتخرج شطيرة الفول. ليتحرك بصورة آلية ويجلس بجوارها. لتبتسم وتمد له بشطيرة، فيبتسم ويأخذها منها.

لكن الأسبوع أصبح أسبوعين، فشهر، فشهرين. وحتى الآن لم يكتفِ أحمد. لم يصدق أنه سيجد كل هذه المتعة مع هذه الساذجة البسيطة. حتى أنه أصبح عاشقًا لساعة البريك، ينتظرها بفارغ الصبر ليتجها معًا إلى أحد المطاعم الشعبية ليشتروا عددًا كبيرًا من شطائر الفول والفلافل اللذيذة. ويتجها معًا لأحد الحدائق العامة المطلة على النيل. من يصدق أن أحمد بيه، حفيد إبراهيم باشا توفيق، يصبح عاشقًا للفول والفلافل؟

يجلس بجوار فتاة بسيطة الملابس، هادئة الملامح، في حديقة عامة. متخليًا عن جاكت البدلة وربطة العنق، وحتى عن سيارته الفارهة. ربما لم يعلم أن ياسمين قد استخدمت سحرها معه، مستغلة موهبتها الخارقة في الإنصات إليه. فيحكي ويحكي دون أن تمل من سماعه. يحكي عن شقاوته في طفولته، وعن مرحه في شبابه، ومغامراته التي لا تنتهي. وهي تسمع له بعيون مفتوحة براقة، مبهورة بكل ما تسمعه. تبتسم مع ابتسامته، تضحك لمواقفه المجنونة، وتكاد تجن من طيشه وتهوره.

تمنى أنها تعرف حقيقته، حتى يحكي لها عن ما في قلبه من آلام وهموم. يحكي لها عن غبائه وعن وحدته. ويحكي عن أمه وهايدي، النسخة المصغرة عن أمه. وكيف تحول الحب في قلبه لكراهية. لأن قلبه لم يبقَ على حاله. لا يعلم لماذا يشعر بالراحة مع هذه الفتاة بالذات دون غيرها. ربما لأنها أعادت له شيئًا من الطفولة، عندما كان يهرب من المدرسة ليتجول في الشوارع بدون حراسة أو سيارة كشخص عادي.

فهو يجلس كأحمد فقط، بدون شركة أو أموال أو ألقاب. لم يتمالك نفسه من الضحك عندما تذكر أول طبق من الكشري المصري الشهير. عندما أصر على تغيير الشطائر لتدعوه لتناول هذه الكارثة الحارقة اللذيذة. فقد كادت أن تموت من الضحك عليه وهو ينفخ من الشطة. لينهار من الضحك وهو يذكر دخولهم المسمط لتناول فتة وكوارع. فبعد تناوله هذه الوجبة الرائعة، كاد أن يموت عندما عرف أن الكوارع هي أقدام الحيوان.

وبعد لحظات من الضحك المتواصل على هذه الذكريات، انتبه للعيون التي تراقبه بدهشة. فقد غرق في بحر الذكريات ونسي أنه في اجتماع مجلس الإدارة يناقش مع أمه وهايدي المشروعات الجديدة. ليقول في نفسه: "شكلي اتجننت من أكل الفول، منك لله يا ياسمين." ليقول بجدية: "آسف يا جماعة، نكمل اجتماعنا." *** "ماما يا ماما، استني يا ماما ما تروحيش بعيد."

يسمع الناس في الشارع هذه الصرخات ويرون فتاة تجري بسرعة وتحاول اللحاق بأتوبيس مسرع. تحاول اللحاق به، لكنها تفشل فتقع على الأرض وتصرخ بصوت عالٍ وعيونها متعلقة بالأتوبيس البعيد: "يا ماما استني... يا ماما ما تبعديش." ثم بصوت باكي مخنوق ضعيف: "يا أمي بموت... والله بموت من غيرك." ثم بألم وصوت متعذب: "أبوس إيدك نفسي أشوفك ولو لمرة واحدة."

لتنهار بالبكاء بصوت عالٍ. فيتجمع الناس من حولها، من يشفق عليها ومن يريد مساعدتها. وأيضًا، وللأسف، من ينتهز الفرصة في التلامس القذر. فحاول البعض مساعدتها على الوقوف، لكنها بلا أي قدرة على المقاومة. فسندها البعض حتى ترتاح على أحد الكراسي بجانب الطريق.

كانت تناظر الجميع بعيون باكية وجسد منهار. فما أن رأت تلك المرأة التي ترتدي عباءة سوداء وتحمل طفلًا صغيرًا على كتفها، حتى ظنتها أمها وجرت حتى تلحق بها. لكن المرأة ركبت الأتوبيس ورحلت. ليضيع الأمل من ياسمين وتنهار كالعادة. ليخترق الجميع صوت رجل يقترب منها ويقول بحنو وعطف: "انتظروها شوي، راح ترتاح وتصير منيحة." وبدأ في تفريق الناس من حولها. ثم اقترب منها وقال: "كيفك؟ هلا صرت منيحة؟

فنظرت إلى عينيه الخضراوين وهزت رأسها بالإيجاب دون أن تتكلم. فقال: "انتظريني هون شوي، راح آتي بـ (إنينه مي) . سمعاني؟ ما راح أتأخر دقيقة واحدة. اوكي." فتهز رأسها. ليتجه لأحد المحلات. بينها بدأت هي تستوعب وتستعيد وعيها وتسترجع ما حدث. لتقوم بخطوات مهزوزة وهي تستند على واجهة المحلات. لتشير لإحدى سيارات الأجرة لتركبها وتعود لمنزلها حزينة ومحطمة كعادتها كل مرة تخرج فيها للبحث عن أمها وإخوتها. ***

تجلس إلى جواره في ركن بعيد في الحديقة العامة تتناول الطعام في شرود. على غير العادة، عيونها حزينة أكثر من العادة. بسيطة، لكنها مميزة جدًا في بساطتها. تمنى للحظة أن يدخل عقلها ويعرف سر حزنها الشديد. فبالرغم من مرور أكثر من شهرين يتشاركا فيه ساعة يوميًا يتناولان الغداء معًا، وقد يزيد الوقت فيوصلها حتى محطة المترو، إلا أنه لا يعرف عنها أي شيء. تتحدث دائمًا عن عبد الله باحترام وتقدير شديد، وعن زوجة عبد الله وابنته. وكأنها لا ترى في الدنيا إلا عبد الله وبس. وقليل ما تتحدث عن أهلها. وإن ذكرتهم، تذكر اشتياقها لهم. وكل كلامها بصيغة الماضي البعيد. هذه الفتاة سر.

فحاول استدراجها بالكلام، لكنها كعادتها تهربت منه وقالت: "تعرف إن فيه حرب كبيرة هتقوم في الشركة؟ فسألها مستفسرًا: "حرب... حرب إيه؟ فتقول: "هايدي هانم هتقتل أحمد بيه." فيرفع حاجبيه بدهشة: "مش فاهم! فتقول: "ظهرت صورة له في مجلة مع ممثلة مشهورة وهما في حفلة. وكل الموظفين بيقولوا الحرب هتكون شديدة والضحية أكيد الممثلة، لأن هايدي هانم هتقتلها وترمي جثتها في النيل."

فنظرت أحمد بوجوم شديد. فما قالته ياسمين صحيح. فهايدي تتعمد إثارة المشاكل مع كل امرأة يتعرف عليها وتفرض عليه حصارًا خانقًا. وربما كان هذا أحد الأسباب، إخفاء حقيقته عن ياسمين حتى يهرب من حصار هايدي السخيف. فقال بفضول: "وإنتي عرفتي من مين؟ فترد ببساطة: "من سلمى. دي مجنونة بحاجتين: الكمبيوتر وأحمد بيه. تقريبًا كل أخباره بنعرفها منها." -وإنت شفتي صورة أحمد بيه في المجلة؟ فأجابها ببساطة:

"طبعًا لأ. الله الغني. أنا عمري ما دخلت مكاتب المديرين أو حتى طلعت الدور السابع. وبصراحة أنا مرتاحة كده." فابتسم أحمد بسخرية: "فهذا سبب عدم معرفتها له حتى الآن. في البداية تمنى أن تعرف حقيقته، لكنه الآن يخاف من هذه اللحظة. يخاف أن يضيع السحر الذي يشعر به معه."

يكره أن يرى الخوف منه في عينيها. يريدها أن تتحدث معه بنفس بساطتها، بلا تكلف أو عقد أو رسميات. تناديه باسمه بدون ألقاب. تنتقده على أخطائه بلا خوف. تبتسم في وجهه بلا رياء ولا نفاق. يريد أن يكون أحمد فقط، بدون رسميات. ليسألها سؤالًا يلح عليه: "ياسمين، إنت مرتبطة؟

لتنظر له في ذهول. لتكتشف أنها لم ترتبط أبدًا. حتى المرة الوحيدة التي ظنت أنها أحبت، أحبت الأستاذ حسن. كان بالنسبة لها الأستاذ حسن حتى في أحلامها الساذجة. تناديه بالأستاذ حسن. وأقصى أحلامها عن الرومانسية أن تعد له كوبًا من الشاي، ويبادلها الرومانسية بـ "سلامة عليها"، ويدها مملوءة برغوة الصابون. فضحكت على سذاجتها الطفولية، وخاصة إنتهت أحلامها الساذجة وهي تقدم المشروبات للضيوف في حفل خطوبته.

يبدو أن أحمد يئس من إجابتها. لكنها انتبهت لكلامه فقالت بدهشة: "هتسافر؟! أحمد: "أيوه، بعد ثلاثة أيام." لتسأله بسرعة: "ليه... ثم انتبهت فقالت: "... أقصد فين؟ أحمد: "باريس في فرنسا." فلمح نظرة حزن في عينيها. فقال: "عشرة أيام بس. إنت عارفه أحمد بيه هيسافر لعقد صفقة شغل هناك، ولازم أكون معاه." فقالت: "ربنا يوفقه ويكتب له الخير ويحقق له كل أحلامه." فيبتسم ويقول: "أيوه، يا بختك يا أحمد بيه بتاخد أحلى الدعوات من ياسمين."

فتقول: "ربنا يوفقك إنت كمان ويفتح لك كل أبواب الخير وترجع لنا بالسلامة." فيبتسم لها ويقول: "دعواتك حلوة أوي. ممكن تدعي ليا كتير." فهزت رأسها موافقة. فقال: "تحبي أجيب لكِ إيه من فرنسا؟ لتقول: "أنا مش عاوزة حاجة." أحمد: "إزاي؟ باريس أرض الجمال والسحر والموضة. أكيد عاوزة مكياج أو عطور أو حتى فستان." لينتبه أنها لا تضع أي مكياج ولا عطر ولا ترتدي ملابس فاخرة. فهي كتلة من البساطة. فابتسم لها وقال:

"هختار أنا هديتك بنفسي وعلى ذوقي." *** بعد أسبوع. في قسم الأطفال، بعد أن انتهت من الكشف على المرضى ومرت على قسم الجراحات للاطمئنان على حالة طفلة صغيرة أجرت جراحة صغيرة في القلب. دخلت الدكتورة سارة (زوجة عبد الله) غرفة الأطباء أخيرًا لترتاح قليلاً. فدخلت عليها العاملة لتخبرها أن هناك من يسأل عليها. وعندما سمحت لها بالدخول، وجدتها ياسمين.

تأففت سارة بضيق، فحتى الآن لم تتقبل وجود ياسمين في حياتها، ولكنها حاولت التعايش مع وجودها المفروض في حياتها. أما ياسمين، فقد جلست في خجل وتوتر. فهذه أول مرة تجلس مع الدكتورة سارة لوحدها. تتعامل معها بصورة مباشرة. قطعت سارة حبل أفكارها بضيق وهي تقول: "خير يا ياسمين، في حاجة؟ ياسمين وقد احمر وجهها: "آسفة يا دكتورة إني جيت الشغل. وأسفة إني جيت من غير ميعاد." سارة بتافف: "من غير مقدمات. خير، أنا مش فاضية ليكي." ياسمين

وقد احمر وجهها بشدة: "كنت محتاجة مساعدتك." سارة بدهشة: "مساعدة مني أنا؟ وأنا هساعدك في إيه؟ فتخرج ياسمين من حقيبتها مبلغ 900 جنيه وتضعه أمام سارة. فتقول سارة: "إيه الفلوس دي؟ أعمل بيهم إيه؟ فتجيبها ياسمين: "يا دكتورة، أنا عايزة أشتري لبس." سارة بغضب: "إنتي عاوزة تشتري لبس! وأنا مالي؟ ليه جايه عندي في الشغل؟ دي حاجة تخصك، ما يهمنيش." ياسمين بصوت ضعيف: "أنا عايزك تشتري ليا اللبس." سارة بغضب أشد: "إنتي اتجننتي؟

عاوزاني أنا أخرج أشتري لك لبس؟ ما تشتري لنفسك! ياسمين بحزن: "أنا عمري ما اشتريت لبس في حياتي كلها." (فـ نظرت لها سارة بدهشة مع شفقة) لتكمل ياسمين:

"ماما كانت بتشتري ليا لبسي وأنا صغيرة. ولما كبرت شوية حصل لأبويا الحادثة وفقد بصره وفقدنا مورد رزقنا. فكانت جمعية خيرية بتقدم لنا اللبس، والجيران كانوا بيعطونا اللي بيستغنوا عنه ليا ولأخواتي. بس أنا معايا فلوس بحوش فيهم من خمس شهور وبمشي كل يوم أشوف في المحلات حاجات حلوة، بس مش عارفة أشتري أو أختار." سارة وقد هدأ غضبها وحل محله الحزن والشفقة: "وليه جايه عندي؟ ليه ما اخترتيش حد من زمايلك في الشغل." ياسمين:

"أنا ما أعرفش حد غيرك أطمن له. عمري ما خرجت مع زمايلي في الشغل." (ليكمل عقلها: ما عدا أحمد) "لكن إنتِ حاجة تانية." سارة: "مش فاهمه. حاجة تانية إزاي؟ ياسمين:

"عمري ما شفت حد في طيبة قلبك. إنتِ أول واحدة فتحت ليّا باب بيتها بعد ما خرجت من السجن. عطفتي عليا. عمري ما هنسى إني نمت أول يوم ليا في بيتك. إنتِ والأستاذ عبد الله عوض ربنا ليا عن أهلي. وبحمد ربنا كل يوم إنكم في حياتي. تعرفي نفسي أكون زيك في جمالك وشياكتك. شعرك جميل، عينيكي جميلة، لبسك جميل، كل حاجة فيكي حلوة أوي. أنا عارفة إني مش حلوة، بس نفسي أكون حلوة زيك."

نظرت لها سارة بدهشة. هل تراني هذه الفتاة بهذه الصورة المثالية أم تلعب لعبة ماكرة؟ لكن أي مكر؟ فعينها صادقة جدًا ونبرة صوتها كلها صدق. من يصدق أن هذه الفتاة قضت ما يقرب من ست سنوات في السجن ولم تلوث؟ وكأنها سجنت على جزيرة وحدها لتخرج كما دخلت، بريئة لحد السذاجة. من يصدق أنها عاشت مع القتلة وتجار المخدرات. لترفع سارة سماعة الهاتف وتتصل بمدير المستشفى وتستأذن بأخذ باقي اليوم إجازة. ثم تقول:

"قومي بسرعة، نلحق المحلات قبل ما تقفل." *** وبعد قضاء عدة ساعات بين المحلات، اختارت لها سارة ملابس بألوان هادئة تناسب شخصيتها الرقيقة. محتشم، عدة أطقم للعمل. وفستان رقيق باللون الوردي له حزام جلدي باللون الأبيض يظهر خصرها الدقيق، وبنصف كم. بدت فرحت به ياسمين بشدة، بدت كطفلة صغيرة ترتدي فستان العيد. واختارت لها فستان آخر لونه أسود ضيق وجريء جعلها أنثى حقيقية.

ثم سحبتها إلى أحد مراكز التجميل. فبعد جلسات مكثفة للشعر وجلسة تقشير وتنظيف للبشرة، أصبح وجهها رائعًا ومشعًا. ولأن ياسمين أصرت ألا تقص شعرها، متعللة بنصيحة أمها أن جمال المرأة في شعرها الطويل. فطلبت سارة من أخصائية التجميل أن تساوي أطرافه وتجعد خصلاته في قصة بسيطة. لتصبح ياسمين قطعة من القمر. وقد أظهر المكياج جمال عينيها الزرقاء وشعرها الذهبي اللامع.

لكنها شعرت ببعض الغيرة. فعبد الله مجنون بياسمين بشدة، وهي بملابس رثة ووجه مطفئ. فماذا سيفعل عندما يراها وهي على هذا القدر من الجمال.

لكن الغريب أنها استمتعت جدًا مع ياسمين وهي تختار لها ملابسها ومكياجها، كأخت كبيرة تختار لأختها الصغيرة. وبعد هذه الجولة، اصطحبت ياسمين لأحد المطاعم ليتناولا الطعام. فقد اكتشفت أنها، كـ ياسمين، تفتقد الصديقات وتفتقد الخروج مع صحباتها بدون زوجها وابنتها. في يوم إجازة من مسؤولياتها كزوجة وأم. فقد شعرت بتجدد نشاطها وهدوء أعصابها. وعادت إلى المنزل قد اشترت لها ملابس جديدة أيضًا.

عادت ياسمين إلى البيت وهي طايرة من السعادة. فتحت الأكياس الكثيرة وأخرجت الملابس الجديدة الرائعة. تنظر لكل قطعة بشوق أن تجربها وترتديها. نظرت إلى علبة المكياج وإكسسوارات الشعر والفستان الأسود القصير، والذي لن ترتديه أبدًا خارج المنزل. ولكن لا يهم، يكفي أنها سترتديه. ليقف عقلها فجأة وتختفي ابتسامتها وهي تتخيل أمها تتسول من الناس طعامها وإخوتها يعتصون من شدة الجوع وهم نائمون على أحد الأرصفة. لتنظر لها أمها بلوم وتقول:

"إحنا هنموت من الجوع والبرد وإنتي بتشتري هدوم بـ 900 جنيه يا ياسمين." لترمى ياسمين الأكياس في الأرض وكأنها أفعى سامة وهي تصرخ: "مش عاوزاهم يا أمي، مش عاوزاهم! بس تعالي يا ماما، تعالي لأختك يا محمد. أنا بحبك أوي يا مها، يا إيه. تعالوا لأختكم. أنا بموت من غيركم."

أما الصورة البائسة لعائلتها بدأت تصغر وتصغر حتى اختفت. لترمى نفسها على الأرض وهي تبكي بشدة وتضرب الأرض بيديها حتى احمرت. ثم بدأت في جذب شعرها حتى أفسدته. وشعرها وتلطخ وجهها باللون الأسود من عينيها. وهي تقول ببكاء: "ليه اشتريت ده كله؟ عشان أكون حلوة في عينيه؟ ليه؟ فكراه هيبصلك؟

فوقي يا ياسمين حسن، وهو مش غني كان بيعطف عليكي. عاوزة اللي أغنى بكتير من حسن يبصلك. فوقي لنفسك عشان ماتضيعيش. شوفي اليوم التالي عادت ياسمين إلى عملها بملابسها القديمة وشعرها المجموع كـ (صفيرة) . وجهها الخالي من الزينة." ولكنها لم تقدر أن تمنع نفسها السؤال عن أحمد بيه، هل عاد؟

فعـودته تعني عودة أحمد. لتكتشف أنها بالرغم من معرفتها بأحمد من مدة طويلة ومشاركته الغداء يوميًا تقريبًا لمدة شهرين، إلا أنها لا تعرف اسمه بالكامل ولا وظيفته. إلا أنه مستشار أحمد بيه، صاحب الشركة. لكنها لا تعرف في أي قسم ولا أين مكتبه. ولم تسأله أبدًا. ليأتي وقت الغداء، طويل وممل. لنتأكد أنها تفتقد أحمد فعلاً وتشتاق إلى مشاركته وجبة الغداء.

بعد خمسة أيام طويلة ومملة، كانت عائدة من مكتب التصوير ومعها بعض الأوراق. لاحظت حركة سريعة من حولها وعمال النظافة يوزعون الزهور في كل ركن. ثم انتبهت لخروج أحد المديرين وهو يعدل من ملابسه ويربط زر الجاكيت. ثم يقف ويقول بترحاب شديد: "حمدًا لله على السلامة، نورت الشركة يا أحمد بيه. نورتي الشركة يا هايدي هانم." لتصطدم أذنيها بصوت مألوف يقول: "شكرًا يا أستاذ صلاح."

ليمر جانبها حشد من خمسة رجال وامرأة. لترفع عينيها بفضول وهي ترى صورة جانبية للشخص المسمى بأحمد بيه يمر بسرعة. يرتدي نظارة شمسية تخفي عينيه، لكن الوجه تعرفه. قضت شهرين متتابعين تأكل معه وتستمع له. لا يمكن، هذا جنون. فتبعتهم لعلها تكذب عينيها. إلا أنها توقفت وهي ترى هذا الشخص يدخل المصعد. وفتحت عينيها عن آخرها وهي تراه يلتفت بوجهه كاملاً. "هذا جنون أحمد بيه! أحمد...

عادت لمكتبها، عقلها مشوش وفكرها ضائع. حتى أنها نسيت أن تقدم الأوراق للحسابات. جلست على كرسيها، عقلها يدور والدنيا تدور من حولها. لتلمح سلمى تعمل على الحاسوب. فتسحب كرسيها وتجلس بجوارها. فتقول سلمى وعينيها على الحاسوب: "عايزة حاجة يا ياسمين." فتفكر ياسمين قليلاً ثم تقول: "كنت عايزة أعرف حاجة، بس مش عارفة تقدري عليها إلا لو." فأجابت سلمى بتحدي: "قولي، وما تستهونيش بيا." فتقول ياسمين:

"من ثلاث شهور قالوا تم تعييني في الشركة بصفة دائمة. لكن كنت عايزة أشوف الملف بتاعي وأتأكد." فتقول سلمى: "سهلة جدًا. أنا بعون الله أقدر أفتح أي ملف لأي حد في الشركة. من أحمد بيه لحد رمزي الفراش." كانت تتحدث وأصابعها تلعب على الأزرار بسرعة فائقة. ثم أدارت الشاشة وتقول: "شوفي ده ملفك. ياااااه، صورتك وحشة أوي. إنتي أحلى على الطبيعة من الصورة." فابتسمت ياسمين وهي تشاهد الملف. لتقول: "بس مستحيل تفتحي أي ملف بالبساطة دي."

قالت سلمى: "ما فيش مستحيل، وأنا موجودة. أتحداك تحبي أفتح ملف مين." فقالت ياسمين: "أحمد بيه صاحب الشركة." بعد ثوانٍ، نظرت ياسمين إلى الملف وقد ضغطت سلمى على الصورة لتصبح أكبر وأوضح. وهي تتغزل في وسامته وشياكته ورجولته الشديدة. ثم في مدح سيارته الفارهة. لتسألها ياسمين عن لونها. فقالت: "سيارة فضية من ماركة (....... وبدأت في وصفها ووصف لون الكراسي والفخامة. لتقول:

"العربية دي ركبت فيها أجمل جميلات البلد، من ممثلات ومغنيات وسيدات المجتمع الراقي. أما بالنسبة للي زيي وزيك، يا دوب يحلموا بس يتصوروا جنبها." فتقول ياسمين في نفسها: "لو تعرفي إني ركبت العربية دي أكتر من مرة." لاحظ الأستاذ كامل شحوب وجه ياسمين. فسألها: "مالك يا ياسمين؟ حاسة بحاجة؟ فتزيد مدام سعاد: "وشك أصفر زي الليمونة ولونك مخطوف. إنتِ عيانة." فتقول ياسمين: "حاسة إني تعبانة شوية." فيقول الحاج كامل:

"لو تعبانة، تقدري تروحي." وكأن ما قاله نجده من السماء. فتقول: "لو سمحت يا حاج، ينفع أمشي لأني حاسة إن التعب بيزيد." فيأذن لها الحاج. وما إن خرجت من الشركة حتى تنفست الصعداء. بدأت تسير بسرعة كأنها لص يهرب من الشرطة. إلى أن وصلت لمحطة المترو وركبت القطار. وعقلها يرسم لها صورًا متسارعة. أحمد هو نفسه أحمد بيه صاحب الشركة. طيب، ليه ما قالش؟

أكيد كان بيتسلى. كل يوم يحكي لأصحابه عن الموظفة الهبلة اللي ما تعرفش صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها. بيحكي عن مغامراته ويضحك ويضحكهم عليا. كنت مجرد تسلية. لعبة بيضحك وبيضيع وقته معاها. أعمل إيه يا رب؟ دخلت بيتها وهي لا تزال تهلوس بالكلام: "أسيب الشغل؟ ولو سبته أشتغل فين؟ ومين هيرضى بيا ويشغلني؟ أعيش إزاي؟ مش كفاية مساعدة الأستاذ عبد الله ليا كل شهر؟ أشحت من الناس مصاريفي؟

وإلا أطلب من الأستاذ عبد الله فلوس أصرف بيها على نفسي؟ يا رب تعبت، أعمل إيه؟ أما أحمد، فأصر على إنهاء أعماله بسرعة وخرج مسرعًا في موعد الغداء للحديقة العامة وهو سعيد للغاية. يحمل معه صندوقًا به الهدية الخاصة لياسمين. يعلم جيدًا أنها ستحبها وستفهم قيمتها. سيخبرها بالحقيقة ويطلب منها أن تبقي معه، لا يعلم بأي صفة، ولكنه يريدها معه. ولو حتى ساعة الغذاء. يكفي وجودها لمدة ساعة. فقد شعر حقًا باشتياق رهيب لها.

لكنه وجد مكانها خاليًا وشعر بضيق. لكنه اتجه إلى محل الفول والفلافل، ربما يجدها تشتري الطعام. لكنه لم يجدها. فشعر بالإحباط. فعاد إلى الشركة، ربما يجدها هناك أو يقابلها عند المصعد أو في أحد الممرات. لكن خاب أمله. ومر اليوم كاملاً دون أن يراها. وانتظر خروج الموظفين ليسير في طريقها المعتاد حتى محطة المترو. لكنه لم يراها. فنظر إلى صندوق الهدية ويقول: "مش مكتوب لك إن صاحبتك تشوفك النهاردة."

مر يومان وياسمين مختبئة في بيتها تفكر في حل لوضعها. فالإختباء لا يفيد، لا بد من حل. قررت العودة إلى العمل، ولكنها ستختفي. نعم، لقد عاشت حياتها كلها في الظل. ولن يصعب عليها الإختفاء حتى يعثر على لعبة جديدة يتسلى بها. تعلم أنه لن يقابلها إلا وهي وحيدة. لذلك لن تكون وحدها أبدًا. في وقت للراحة، وأثناء العودة من العمل. وبالتأكيد ستعود إلى صعود السلم مرة أخرى.

عادت ياسمين إلى العمل وقد طبقت حرفيًا كل قراراتها. تحاول البقاء في مكتبها دائمًا. لم تركب المصعد أبدًا. تسير مثل اللصوص، متلصصة حتى لا ترى أحمد أبدًا. في وقت الغداء تلتصق بسلمى ورفيقاتها وتجلس معهم في مطعم. تستمع إلى حواراتهم السخيفة الساذجة وكلها عن الموضة والجمال، والطبخ. ثم ينتقل الكلام إلى الثرثرة المملة عن خطوبة فلانة وطلاق فلان. أما العودة من العمل، فتركب أول سيارة تقف أمامها بسرعة وتقف عند محطة المترو. وبعد ركوبها القطار تتنفس الصعداء أن اليوم انتهى. فآخر علاقة أحمد بها محطة المترو.

*** أما أحمد، فيشعر بالغيظ الشديد. فقد مرت خمسة أيام كاملة لم يرى فيها ياسمين أبدًا. ثم بعدها لمحها تدخل الشركة مسرعة. قبل أن يلحق بها، فانتظر قليلًا ربما تخرج لأي مكتب. لكنها لم تترك مكتبها حتى كاد أن يقتحم المكان. إلا أنه رجع في تهوره. لتمر أربعة أيام أخرى يلمحها مع زميلاتها وتختفي بسرعة مذهلة. لكنه لن يبقى على هذا الحال، لا بد من إنهائه. ***

دخلت محطة المترو وهي تشعر بالراحة لانتهاء اليوم. لتقطع التذكرة وتتجه للمترو. لتجد يدًا قوية تسحبها من مكانها. فتطلق صرخة صغيرة من الخوف والمفاجأة. لكنها عندما استدارت حتى رأت عينيه غاضبة. ليقول بغضب: "بتهربي مني ليه يا ياسمين؟ فتنظر لعينيه بحزن وتقول: "أحمد بيه، عايز مني إيه؟ فنظرت له بذهول: "بتقولي أحمد بيه؟ إنتي عرفتي؟ لم تنطق، لكن عيونها أجابت عليه. ليسحبها من ذراعها بعيدًا عن الزحام. ليجلسا على أحد المقاعد وينظر

لعيونها الزرقاء ويقول: "إمتى عرفتي؟ فتجيب بهدوء: "نفس اليوم اللي رجعت فيه من السفر." أحمد: "ياسمين، أنا ما حبيتش إنك تعرفي بالطريقة دي، لكن... فتقاطعه ببكاء: "حرام عليك! أنا عملت فيك إيه عشان تلعب بيا بالصورة دي؟ فيقول بدهشة: "ألعب بيكي؟ أنا عمري ما لعبت بيكي." فتنفجر في وجهه وهي تبكي: "كنت بتلعب بيا؟ كل يوم تضحك على البنت الهبلة اللي ما تعرفش صاحب الشركة؟ صح؟ كنت بتضحك أصحابك عليا وإنت بتحكي لهم عني؟ صح؟ حرام عليك!

فيهزها من أكتافها بشدة. وقد لفت صوتها ودموعها انتباه الواقفين. فقال بصوت منخفض: "عمري ما ضحكت عليكي، بالعكس كنت بضحك على حالي معاكي. وعمري ما سخرت منك ولا من حالك. لأني كنت بستغرب من كمية البراءة اللي عندك. بس في الحقيقة، حكيت عنك لصاحب واحد وهو صاحبي الوحيد. كنت بحكي على مواقفي معاكي لدرجة إنه غار منك." "ياسمين، يمكن كنت في البداية عايز أعرفك بالحقيقة، لكن بعد فترة أتمنيت إنك ما تعرفيش الحقيقة أبدًا. عارفه ليه؟

فتهز رأسها بلا. فيجيب: "عشان نظرة الخوف دي اللي شايفها في عينيكي. أكتر حاجة بكرهها إنك تخافي مني. كنت سعيد إنك بتكلميني ببساطة بدون نفاق. بتضحكي على حكاياتي لأن أحمد اللي بيحكيها مش صاحب الشركة. كنت بتزعلي مني من غير خوف. لكن أنا حاسس إنك عايزة تقولي كلام كتير بس خايفة، صح؟ فـ تهز رأسها بالإيجاب. فيقول: "اتكلمي يا ياسمين، قولي كل اللي عاوزاه. أنا سامعك." فتصمت ياسمين وكل الكلام اللي عايزة تقوله اتبخر.

فـ يتنهد بصوت عالٍ: "عرفت ليه أنا خبيت عليكي حقيقتي." ياسمين: "الناس كلها بتضحك في وشي، لكن عمري ما حسيت بضحكة حقيقية إلا منك. الناس كلها بتكلمني كـ أحمد بيه. ما حسيت إني أحمد الإنسان إلا معاكي. وناس كتير بتدعيلى، لكن عمري ما حسيت بصدق الدعوة إلا منك. حتى دفاعك عني كان بيفرح قلبي أوي." فيبتسم ويقول:

"كنت بتعمد أغلط في نفسي عشان أسمعك وإنتِ بتدافعي عني وتختمي دفاعك بدعوة حلوة من القلب، من غير أي هدف. مش عايزة ترقية، مش عايزة فلوس، مش عايزة منصب. بتدعي من قلبك وبس." ثم نظر لها وقال: "هسيبك براحتك وهبعد ومش هحاول أقرب منك إلا لما تقتنعي بكلامي وتصدقيني وتوافقي نرجع أصحاب تاني. بس ياريت يكون بسرعة، لأن ياسمين اللي قضيت معاها شهرين نتغدى سوا ونتمشى سوا وحشتني أوي. أما اللي قدامي واقفة بترتعش."

وقف لتقف هي الأخرى بصمت. لتتجه إلى قطار المترو لتركبه. ثم تستدير لتجده واقفًا يراقبها ولم يتحرك. لينغلق الباب ويسير قطار المترو وعيونهم مازالت متعلقة ببعض. تصدقه. نعم تصدقه وتشتاق لوجوده بشدة.

تريد أن تقول: "أصدقائك وأتمنى أن ترجع صداقتنا." لكن خجلها يمنعها. لا تجد عندها القوة والشجاعة لتقف أمامه وتقول موافقة أن نرجع صديقين. تجدها صعبة جدًا. لكنها توقفت تمامًا عن الهروب. تسير في طرقات الشركة تتنقل بين المكاتب. وطبعًا عادت لركوب المصعد. وبالتأكيد تركت شلة سلمى المجنونة وأحاديثهم المملة.

حتى أنها عادت لتجلس في مكانها المعتاد في الحديقة العامة تتناول الشطائر وتنظر للنيل. فشعرت بمن يجلس بجوارها. لم تنظر له، لكنها عرفته. وهو لم يتكلم. إلا أنها مدت يديها إليه بلفافة بها بعض الشطائر الساخنة. فأخذها وفتحها وبدأ يأكل في صمت. وكل منهما لم يرى ابتسامة الآخر على وجهه. عادت إلى البيت وهي تبتسم. فاليوم من أجمل الأيام التي مرت عليها. تحمل في يدها صندوق الهدية الغريب الذي أحضره لها أحمد. جلست على الطاولة وفتحته.

يظن أنها أحبته؟

لا يعلم أنها عشقته. كل قطعة في الصندوق. لأنه ببساطة قدم لها باريس في صندوق. كل مكان مر عليه إما التقط له صورة أو أخذ شيئًا منه كذكرى. فهذه الزهرة قطفها من حديقة متحف اللوفر. وهذه صورة قوس النصر. وتلك تذكرة عرض شاهده في المولان روچ. وهذه المحرمة الصغيرة أخذها من فندق الفور سيزون بباريس. وصورة رائعة له وهو فوق برج إيفل. وصورة أخرى للبرج نفسه. وهذا القلم ما استخدمه في توقيع الاتفاقيات والعقود. وآخر هدية كانت كرة زجاجية بداخلها مجسم لباريس. إذا هززتها تساقط بلورات الثلج داخل المجسم. هدايا ربما لا قيمة لها من الناحية المادية، لكنها لها قيمة كبيرة جدًا معنويًا.

إحساس جميل أن تجد من يهتم بك ويذكرك وكأن لك قيمة كبيرة عنده. ثم تختفي ابتسامتها وهي تنبه نفسها: "إياك والجنون يا ياسمين حسن. ما فكرش فيكِ من الأساس وهو محاسب في بنك. وأحمد كان من المستحيل يفكر فيكِ وإنتِ بتعتقدي إنه موظف في الشركة. يبقى من رابع المستحيلات إنه يفكر فيكِ وهو صاحب الشركة. إنتِ مجرد حد بيرتاح له. أوعى تتجنني ويسرح خيالك أكتر من كده."

سكون، راحة، سعادة، متعة جديدة يشعر بها أحمد ونشاط جديد عليه. أكيد هذا تأثير ياسمين عليه. مع رغبة شديدة في إخفائها عن الجميع. فهذه السعادة له وحده. فبعد عودة الصداقة مع ياسمين، أصبح يأخذها إلى أماكن أكثر رقي. فأصبح ركن هادئ في مطعم راقٍ مطل على النيل هو مكانهما المعتاد.

وبعد أن عرفت حقيقته، أصبح يحكي لها كل ما يريد. فحكى لها عن أحلامه وطموحاته وبعض المشكلات التي يواجهها في الشغل. وعن قراراته الخاطئة والقرارات الغبية. لكنه لم يجرؤ على أن يحكي لها عن قراره الأكثر غباءً والذي كاد أن يدمره. فهذا سره وحده. هل يجرؤ يوميًا أن يقول لها أنه بغبائه كاد أن يخسر ثروته كلها؟ هل يستطيع يومًا أن يخبرها أن يديه ملوثة بدماء رجل؟ هل يقول لها أنه رجل جبان هرب في أول فرصة دون أن يلتفت للوراء؟

هل يخبرها أنه لا ينام براحة أبدًا بسبب كثرة الكوابيس التي تخنقه ليلاً؟ أكيد لن يقول لها أي من هذا الكلام. فلن يشوه صورته أمامها أبدًا. فيكفي صورته المشوهة أمام نفسه. قاطعت أفكاره السوداء بسؤالها: "والمشروع ده مهم؟ نظر لها بدهشة: "يا ياسمين، ده أهم مشروع في حياتي كلها." ياسمين ببساطة: "مش فاهمه." فقال بتوضيح:

"شركتي قامت بمشاريع كبيرة كتير، لكن ده هيكون الأضخم والأكبر والأصعب. لأنه هيكون خاص بيا، يعني هنفذ المشروع ده بحسابي ولحسابي. عشان كده أنا بجهز له من حوالي سنة، من دراسة جدوى وحساب وميزانية ورسم تخطيطي لكل شيء." ياسمين بتعجب أشد: "سنة كاملة؟ هو كبير للدرجة دي؟ أحمد بشرح:

"طبعًا، دي مش مجرد قرية سياحية. ده مكان لصفوة الصفوة. مش هتكون شاليهات ولا فيلات، دي قصور كبيرة وعملاقة محاطة بحدائق على النظام الأوروبي وشلالات مياه صناعية. إلى جانب نظام التلفريك، وأكيد مطار خاص، ومدينة ملاهي على أحدث طراز فيها ألعاب مائية وهوائية، ومستشفى ضخمة على أحدث طراز ملحق بها طائرتين هليكوبتر لنقل المريض من المستشفى للقصر الخاص به." كانت ياسمين في حالة ذهول. هل ما يصفه موجود في مصر؟

مصر بتاعتنا، مصر الزحمة والعشوائيات والحواري الضيقة. فقالت بزهول: "مين يقدر يشتري قصور بالضخامة دي والمواصفات دي؟ فيضحك أحمد عاليًا:

"فهذه الفتاة لن تتخلى عن سذاجتها أبدًا. يا ياسمين، في مصر مليارديرات نفسهم في أماكن زي دي. وفيه ملوك وأمراء عرب يتمنوا يقضوا أجازتهم السنوية في قصر بالمواصفات دي. وفيه نجوم أجانب بيعشقوا مصر. بيحلموا بقصور زي دي. وفرق العملة هيجعل السعر بالنسبة لهم كلهم معقول جدًا جدًا، والبعض هيعتبره رخيص كمان. وخاصة إن المكان كبير جدًا في الساحل الشمالي." فقالت بعد تفكير: "مكان زي دا أكيد غالي جدًا وهيكلف الشركة فلوس كتير أوي."

أجابها ببساطة: "هيأ، دي المفاجأة. لأننا مش هندفع فيه جنيه واحد. يعني ببلاش." فنظرت بدهشة: "ببلاش إزاي؟ فأجابها بتوضيح: "من حوالي 30 سنة، كانت المنطقة في الساحل عبارة عن جبال وصحراء وبحر وبس. سألت بابا عن سعر المتر، فكان بحوالي 50 قرش. فاشترى بحوالي 50 ألف جنيه. يعني اشتري حوالي 100 ألف متر. يعني إحنا بنمتلك حوالي 10 كيلو متر مربع أرض في الساحل الشمالي. يعني أرض المشروع كلها ببلاش." ياسمين:

"باباك كان عبقري. يا ترى المتر حاليًا بكام؟ أحمد: "كانوا بيضحكوا على بابا لأنه اشتراها وكانوا بيقولوا رمى فلوسه في الهوا. بس بابا كان عنده بعد نظر. والدليل إن الـ 50 ألف دول يا دوب يشتري 5 متر حاليًا." فضحكت ياسمين: "مش بقول عبقري. طيب المكان موجود والدراسة جاهزة، ليه مش بتبني القرية؟ تغيرت ملامح أحمد للوجوم والضيق وقال: "مش بالبساطة دي. الشركة مش كلها باسمي." قال أحمد بوجوم شديد:

"مش بالبساطة دي. الشركة مش كلها ملكي أنا وأمي شركاء بنسبة متساوية. وتركت إدارة الشركة ليا، لكن لابد من موافقتها على أي مشروع عشان يتم تنفيذه. هيا ومجلس الإدارة." فقالت ياسمين: "وليه مامتك ما توافقش؟ إنت ابنها، وأكيد يهمها مصلحتك." فضحك أحمد بسخرية وقال بألم: "مش أمنية هانم، حفيدة إبراهيم باشا توفيق. دي أهم حاجة مصلحتها وبس، حتى ولو على حسابي أنا شخصيًا." ياغ:

"مستحيل. مامتك أكتر حد في الدنيا كلها يحبك. إزاي تقول عنها كده؟ أحمد: "لأن هيا دي الحقيقة، وللأسف." "أمي من سنين وهي فرضت وجودها في الشركة. كانت نسبتها الثمن ودي حقها الشرعي. لكنها وقت كان فيه أزمة زمان دفعت ليا فلوس وأخذت في المقابل نسبة من الشركة. وبالرغم إن اللي دفعته لا يساوي 10% من قيمة الأسهم، إلا إنها أصرت إن تكون نسبتها 50% من الشركة. يعني تقريبًا سرقتني." ياسمين بغضب: "عيب عليك الكلام ده. دي أمك.

والرسول بيقول: إنت ومالك لأبيك. فما بالك بأمك اللي الجنة تحت أقدامها. دي لها كل حاجة، مش الفلوس بس. أنا أعرف غيرك ناس نفسهم يبيعوا عمرهم كله عشان يشوفوا أمهم مرة واحدة بس، حتى ولو هيموتوا بعدها. هيموتوا وهم سعداء إن آخر حاجة شافوها كانت أمهم. احمد ربنا إن أمك معاك، دي نعمة كبيرة." ليمد أحمد يديه ليمسح الدموع المتساقطة من عينيها وقال: "ليه الدموع دي؟ إنتِ متخيلة أمي زي كل الأمهات اللي بتسهر على راحة أولادها؟

وكلام الأغاني دا طبعًا لا. دي هانم عايشة حياتها كلها كهانم من سلالة البشوات. مش بيهمها إلا صورتها في مجتمع السيدات الراقية وبس. تعرفي أمي مسيطرة على أعضاء مجلس الإدارة. إذا هي وافقت يوافقوا، وإذا رفضت الكل بيرفض. حتى ولو كان في غير مصلحة الشركة، بس عشان تفرض رأيها عليا. يا ريت الأمر كله فلوس. يا ياسمين، أنا عمري ما حسيت باهتمامها أو خوفها عليا. عمري في حياتي كلها سألتني إن كنت سعيد أو حزين، أو حتى اهتمت إني بخير. ولا مرة في طفولتي أخذتني للمدرسة مثلًا، أو حتى فسحتني زي أي أم. والأصعب، عمرها ما أخذتني في حضنها."

ياسمين: "إنت بتبالغ يا أحمد." أحمد بألم: "أنا بقول الحقيقة. عمري ما حسيت بحضن أمي الحقيقي. عمرها ضمتني لصدرها وحاوطتني بإيديها، حضن الأمان والراحة. عمري ما نمت على رجلها ولعبت ليّا في شعري زي أي أم طبيعية. لأنها ببساطة، حفيدة إبراهيم باشا توفيق." "نظهر في الأماكن العامة بكل أناقة في أي مناسبة أو حفل توقيع عقد مع شركة تانية. تضمني لحظة وتبعد عني بسرعة، خايفة لتظهر صورتها مش واضحة ومهزوزة بسبب الحضن دا. وبتقولي ببالغ."

نظر أحمد للنيل وهو يشعر ببعض الراحة. فقد كشف لياسمين عن هم كبير كان مخبأ في صدره. ويشعر أيضًا بالخجل من نفسه لأنه عرّى نفسه وكشف حقيقته أمامها. فهو شخص محروم من حنان أمه. أما ياسمين، فقد تركته قليلًا مع نفسه، فهو يحتاج لهذا الوقت حتى يستعيد رباطة جأشه ثانية. ثم قالت بعد مدة بشيء من المرح: "يا خبر! فاضل خمس دقائق وتخلص ساعة الغداء. قوم بسرعة ليخصم عليا الأستاذ كامل اليوم."

وقامت مسرعة. ليبتسم هو الآخر ويدفع الحساب ليلحق بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...