في أحد الشقق الراقية في حي راقٍ، وقفت شابة في التاسعة والعشرين من عمرها، جميلة جمالاً راقياً، بشعر وعيون بلون القهوة وبشرة بيضاء رائعة. كانت في المطبخ تحضر وجبة الغداء، وعلى وجهها كل علامات الضيق والغضب، فقد أخبرها زوجها العزيز بأنه سيحضر معه "ياسمينته" العزيزة لتناول الغداء في بيتها. لا تعرف كيف يفكر زوجها؟
فهو لم يكتفِ بزيارته لها كل شهر في السجن، أو بالمال الذي يضعه لها في السجن، ليزيد الأمر بدعوتها لتناول الطعام في بيتها. تشعر بضيق شديد وبغضب أشد، فمن أجل رد السجون اضطرت أن تغيب عن عملها كطبيبة في المستشفى، واضطرت لتجهيز الطعام لها.
نعم، تشعر بالغضب والقليل من الغيرة، فاسم ياسمين لم ينقطع من بيتها أبداً منذ أن خطبها عبدالله، وقصته الأسطورية عن لقائه بأم ياسمين، وعن القضية الخاسرة التي كانت سبب شهرته وانتقاله من صف المحامين المجهولين إلى محامٍ معروف ومشهور. "لماذا ياسمين؟ لماذا؟ فأنا زوجته، حبيبته، أنا من يجب أن يقترن اسمي باسمه في قصة كفاحه، لا ياسمين." كدت أموت عندما أراد أن يسمي طفلتي بياسمين، ولم أرتح إلا عندما تأكدت من تسميتها (هنا)
نعم، عبدالله طيب وحنون وزوج رائع في كل شيء إلا ما يخص ياسمين. حتى عندما شكوت لأمي، كانت في صفي، لكن بعد جلوسها مع عبدالله، طلبت مني أن أتعايش مع زوجي وأتقبل وجود ياسمين في حياتنا، فقصه ياسمين تتشابه مع قصة عبدالله.
فبعد انفصال والديه وزواج كل منهما وانشغالهما عنه، وجد نفسه وحيدًا، منبوذاً من أهله، اضطر أن يعمل ليكسب لقمة عيشه، وكان من السهل عليه أن يضيع، لكنه حاول واجتهد حتى تخرج من الجامعة، لكنه عاش حياته وحيدًا، لم يعرف معنى الأهل أو العائلة. مثل ياسمين، فهي وحيدة بلا أهل وبلا عائلة، وهذا ما حرك بداخله رغبة قوية في حمايتها.
تأخر الوقت وأذنت العشاء، ولم يأتِ عبدالله حتى الآن. لقد برد الطعام ونامت هنا، والقلق سيقتلني. أتمنى أن يأتي مع هذه الفتاة لتتناول الطعام ثم ترحل عن حياتنا إلى الأبد. بعد لحظات، سمعت صوت الباب يفتح، ليدخل عبدالله وهو يرحب بياسمين ويقول بسعادة: "سلمي يا سارة على ياسمين."
نظرة متفحصة شاملة من عين سارة إلى ياسمين من البداية. جسدها نحيل وطويلة، لكن جسمي أحلى من جسمها. ثم شعر ذهبي طويل جداً، مجموع كضفيرة طويلة تصل إلى خصرها، لكن شعري أحلى من شعرها. وجه بريء خالٍ من أي مساحيق تجميل، وملامح هادئة لا تتناسب مع فتاة قضت أكثر من خمس سنوات في السجن، لكنني أيضاً أجمل منها. لكن عيونها، واه من عيونها الزرقاء، فيها نظرة حزن عميقة مختلطة بخوف، خليط مثالي يفجر داخل كل من يراها الرغبة الشديدة في الحماية. غلبتني نظرة عيونها، فقد أعطت عبدالله ما لم أعطه له. فقد عشت حياتي لي، استقلالي ولي كياني الخاص، حتى عبدالله كنت له كـ "ند".
نبهها من سرحانها صوت عبدالله وهو يعرفها على ياسمين: "دي سارة مراتي يا ياسمين." فاقتربت ياسمين بسعادة من سارة لتعانقها، لكن وقفتها يد سارة التي سلمت على ياسمين ببرود وجفاء، ولم تهتم لنظرة اللوم في عيون عبدالله. ويبدو أن ياسمين كانت متعبة، فلم تنتبه لأسلوب سارة لتقول بسعادة: "الدكتورة سارة أجمل بكتير من الصورة، وحتى بيتكم أجمل بكتير من وصفك يا أستاذ عبدالله."
فتشعر سارة بغضب أشد. لقد أراها صورتي وعرفها على بيتي، فماذا تبقى أن يحكي لها خصوصياتي وأسراري؟ لتنتبه لعبد الله وهو يحمل طفلته ذات العامين ويقدمها لياسمين. لتحملها ياسمين وتقبلها بعمق، ولم تمنع دموعها من النزول، لتتفاجأ بسارة تسحب هنا من يدي ياسمين بعنف، ولم تهتم بغضب عبدالله الذي سحبها لغرفتهم الخاصة، تاركًا ياسمين مع طفلته في الصالة. "ممكن أعرف إيه اللي بتعمليه ده يا سارة؟ "عملت إيه؟
مش ناقص إلا رد السجون تمسك بنتي كمان، مش كفاية جايبها من السجن على بيتي، دا كتير أوي، مش قادرة أستحمله." "مش قادرة تستحملي إيه؟ إن ضيفتي تدخل بيتي وتتعشى، دا صعب أوي عليكي لدرجة إنك تعامليها المعاملة دي؟ صعب عليكي أوي إنك ترحبى بيها، مش عاوز أكتر من كدا." "أرحب بأي حد إلا دي، مش خايف يا أستاذ يا محامي على سمعتك؟ لما تعرف الناس إنك جايب رد السجون في بيتك وسمعتي في المستشفى، هيقول الناس عني إيه؟
"كل اللي هامك كلام الناس، ومين هيعرفهم غيرك؟ ما أظنش ياسمين مكتوب على وشها مسجونة." "يهمني طبعاً كلام الناس، ناسى إنك محامي وسمعتك بين الناس هي راس مالك، يا أستاذ يا محامي، هيقولوا عنا إيه." "هيقولوا إننا بشر يا دكتورة يا إنسانه." ثم تركها وخرج من الغرفة، ولحقته سارة ليجدوا ياسمين نائمة على الكنبة وهي تحتضن هنا الصغيرة النائمة. ليقول عبدالله:
"حتى أكلك يا سارة، ياسمين مش عاوزاه منك. تصبحي على خير يا دكتورة، ويا ريت تغطي ياسمين." فتلتفت إليه سارة وتقول بغضب: "عاوزني أنا أغطيها بإيدي؟ فيرد عليها بضيق: "وهل هتقبلي إني أنا اللي أغطيها؟
ويتركها ويدخل غرفته. لتأخذ سارة، وهي مضطرة، مخدة لتريح رقبة ياسمين عليها، وبطانية وتغطيها، ثم تحمل ابنتها وتدخل الغرفة، فهي تعلم أن عبدالله غاضب بشدة، لكنها معذورة، فقد شعرت بغيرة شديدة من ياسمين بسبب اهتمام عبدالله المبالغ فيه. وهكذا قضت ياسمين أول ليلة لها خارج السجن، غريبة في بيت غريب.
في اليوم التالي، في الساعة الثانية ظهراً، استيقظت ياسمين مستغربة مكانها، فعقلها غير مستوعب أنها أصبحت حرة خارج السجن. وبعد لحظات، تجد الدكتورة سارة خارجة من غرفتها تحمل هنا الصغيرة، فتقول ياسمين في خجل: "أسفة يا دكتورة، مش حسيت بنفسي ونمت." فتقول الدكتورة سارة: "حصل خير، فيه فطور على السفرة، افطري." فتقول ياسمين في خجل: "كتر خيرك، بس أنا عاوزة أصلي."
فتشير لها الدكتورة عن مكان الحمام، ثم تأتي بسجادة الصلاة وتفرشها. فتخرج ياسمين من حقيبتها حجاب فترتديه على ملابسها، وتبدأ في صلاة كل ما فاتها من فروض. ويدخل عبدالله فيرى ياسمين وقد أنهت صلاتها، فيقول بلطف: "حرما." فتبتسم وترد: "جمعاً إن شاء الله." "كويس إنك صحيتي، يلا معايا." فتقول سارة بسرعة: "هتروحوا فين؟ فيلتفت لها عبدالله، فتقول مبررة: "ياسمين لسه ما فطرتش." فيرد عبدالله: "مش مهم، يلا يا ياسمين." فتقوم ياسمين من
مكانها وتبتسم لسارة وتقول: "كتر خيرك يا دكتورة، وأسفة لو أزعجتك بأي شيء، عن إذنك." ليخرجا معاً، تاركين سارة تحترق من الغيظ. في السيارة، تقول ياسمين: "كتر خيرك يا أستاذ عبدالله، سبني في الحارة وجزاك الله كل خير." فيقول عبدالله: "مستحيل أسيبك هناك، انتي مسؤولة مني." "مش عاوزة أسبب لك أي مشاكل." "ما فيش أي مشاكل، انتي واثقة فيا." "أكيد، ربنا يعلم أد إيه." "يبقى تسمعي كلامي." "إحنا هنروح فين؟ "بيتك." "بيتي؟
يدهشة. فتدخل السيارة أحد الحارات الشعبية وتقف أمام عمارة قديمة، لكنها بحالة جيدة جداً. لينزل عبدالله ويطلب منها النزول، ويصعد معها للطابق الثاني، ويخرج من جيبه مفتاح الشقة ويفتحها. فتدخل ياسمين في شقة صغيرة، مؤسسة بأثاث بسيط، لكنه جميل ونظيف، عبارة عن غرفتين وصالة ومطبخ وحمام. فتقول ياسمين: "بيت مين دا يا أستاذ عبدالله؟
"ده كان بيتي زمان، وكمان كان مكتبي الأول. من هنا بدأت حياتي، من هنا، وفي الغرفة دي كنت مع أمك بدرس أول قضية ليا." فتلتفت ياسمين ناحية الغرفة بشوق لأمها، وكأنها تراها. فيكمل عبدالله: "بعد ما ربنا فتح عليا، رفضت أبيع الشقة دي." فتقول ياسمين: "وأنا مستحيل آخد بيتك، إن شاء الله هبحث عن أي غرفة أعيش فيها، أما شقتك فحرام عليا آخدها." فيقاطعها عبدالله:
"قلت لك قبل كدا، انتي مسؤولة مني، وكنت عارف إنك ترفضي تعيشي في الشقة وتقولي كلامك الفارغ ده." ليخرج من جيبه عقد ويقدمه لها ويقول: "ده عقد إيجار الشقة باسمك بقيمة مائتين جنيه في الشهر." (الأحداث في عام ٢٠٠٧، كانت الحياة في مصر رخيصة) "وفي العقد أنا حصلت على إيجار مدة خمس سنوات مقدماً، يعني ده بيتك مدة خمس سنين، ومش هقبل أي نقاش في الموضوع ده. وبعد الخمس سنين هاخد منك إيجار." ثم يخرج عدة نسخ من المفتاح وقال:
"دي كل النسخ الخاصة بالشقة حتى تتطمني، وحتى أنا مش هزورك إلا بعد ما أستأذن منك عشان أطمن عليكي. أما بالنسبة للشغل، فأنا هساعدك وهبحث معاكي عن عمل ملائم لك." "تعالي ناكل معا، عشان هموت من الجوع." ليضع على الطاولة لفتين كبيرتين فيهما كباب وكفتة مع السلطة الخضراء وسلطة الطحينة والخبز الساخن، ليتناولا معاً أول وجبة لهما معاً من بعد أكثر من خمس سنوات كاملة من المعرفة.
بعد أن رحل عبدالله، بدأت ياسمين تستكشف المكان. غرفة نوم جميلة باللون البيج وأثاث باللون البني وستائر بنفس اللون، ودولاب متوسط الحجم بنفس اللون، بسيطة لكنها مرتبة ونظيفة ومريحة للعين والأعصاب. وأيضاً غرفة المكتب التي تحولت لغرفة استقبال يغلب عليها اللون الرمادي مع بعض اللوحات الفنية المعلقة على الحائط. أما الصالة، ففي منتصفها طاولة وأربع كراسي للطعام. انتبهت لوجود ظرف على الطاولة، فلما فتحته وجدت بداخله خمسمائة جنيه.
وورقة مكتوب فيها: "إذا احتجتي أي شيء، فأنا في الخدمة، وهذه هي أرقامي كلها." فشكرت الله أنه أرسل لها عبدالله ليكون عوضاً لها عن فقدانها أهلها. ثم تدخل المطبخ لتجد أن عبدالله قد ملأه عن آخره بكل احتياجاتها من أرز ومكرونة وسكر وشاي وقهوة وخضروات مثل البطاطس والبصل. وفتحت الثلاجة لتجدها مليئة باللحم والدجاج والفاكهة والأجبان وعلب الحلوى. لتقول: "مش عارفة إزاي أجازيك عن كل اللي بتعمله معايا يا أستاذ عبدالله."
"ماما يا ماما، استني يا ماما."
مازالت ياسمين تجري بسرعة حتى وصلت إلى المرأة المرتدية عباءة سوداء وتحمل طفلة صغيرة، ولكن حينما رأتها، حتى إنهارت على الأرض تبكي بكاءً هيستيرياً دون توقف. هذا هو حال ياسمين بعد خروجها من السجن، تخرج يومياً تبحث عن أمها وإخوتها في الحارات والشوارع المجاورة لحارتهم القديمة، ولا تملك إلا الصورة القديمة لها ولأخوتها. ولما فقدت الأمل، انتقلت بالبحث في الأماكن الأبعد وتسأل كل من يمر بجوارها، ربما رأى أي أحد من أهلها. ولكن ما أن ترى امرأة تحمل طفلها حتى تتخيل أنها أمها، فتجري عليها بسعادة لتنكسر فرحتها بعد لحظات عندما ترى وجه هذه المرأة وتعلم أنها ليست أمها، لتنهار في البكاء وتعود آخر اليوم إلى الشقة ضائعة، حزينة، مشتاقة، قتلها الشوق لأهلها.
زارها عبدالله مرتين. ودعاها لتناول الغداء مع زوجته مرة. أشعر بسعادة غامرة، فقد أخبرني الأستاذ عبدالله أنه وجد لي وظيفة جيدة، وأننا سنذهب معاً أول الأسبوع. بدأت في تجهيز الأوراق المطلوبة وشهادة التخرج وشهادة الميلاد وصور شخصية لي، وجلست أصلي وأدعو الله أن يوفقني في هذا العمل وأن يساعدني في العثور على أمي وأخواتي.
أشعر بغضب شديد من سارة. فبعد أن وجدت لياسمين عمل مناسب في مستوصف خاص لعمها، وقبل ميعادنا بساعات، يتصل بي عمها ليعتذر. أعلم أنها من طلبت منه ألا يوظفها عنده. وللأسف، تشاجرت معها شجاراً عنيفاً وكادت أن تترك البيت عندما علمت أنها ستعمل عندي في المكتب، فأصبحت في مأزق كبير، لا هي ستعمل عندي ولا عند قريبها في المستوصف.
جلست ياسمين إلى جانبي وهي متحمسة، وكل دقيقة تسألني عن الأوراق إن كانت كافية أم تحتاج إلى شيء آخر. لا أعلم كيف سأخبرها أن صاحب العمل اعتذر. فأصعب شيء في الدنيا أن تعطي أحداً الأمل ثم تسحبه منه. فعلاً صعب وقاتل.
أسير في الشوارع بلا أي هدف، عقلي متوقف عن التفكير، حتى أنني مررت بنفس الشارع خمس مرات، حتى انتبهت ياسمين، فاضطررت أن أغير اتجاهي. إلى أن ظهر أمامي هذا المبنى الضخم الأنيق، وكأن الله ألهمني، فتوقفت أمامه. فأخذت ياسمين وتوجهنا إلى الاستقبال أسأل عن صاحب الشركة، وأدعو الله في نفسي ألا يكون موجوداً حتى أعتذر لها بسبب غيابه وأعدها أن نعود مرة أخرى أو أبحث لها عن عمل غيره. لكنه كان موجوداً، بل ووافق على مقابلتي، فاضطررت أن أصعد بها إلى الطابق السادس. واستقبلتني السكرتيرة أمام المصعد حتى أدخلتني هذا المكتب الفخم الأنيق.
وأجده واقفاً يستقبلني بابتسامة: "أخيراً الأستاذ عبدالله المحامي المشهور، أعطفت وزارني في مكتبي. أكيد النهار يوم تاريخي." "إزيك يا أحمد، عامل إيه؟ واحشني والله." "يا بكاش، واحشك إيه؟ دي آخر مرة شفتك كان من أكتر من خمس شهور، وعدتني إنك هتزورني وما شفتش وشك من يومها." "مشاغل والله، لكن إنت على بالي وكل أخبارك عندي. وفرحت جداً لأخر مشروع لك، كانت القرية السياحية تجنن."
"الحمد لله يا عبد الله، ما فيش حاجة سهلة، كل شيء بيجي بتعب ومجهود." "كان الله في العون." "بصراحة يا أحمد، أنا كنت عايزك في طلب، أرجو إنك تنفذه لي." "اطلب يا عبد الله، أنا تحت أمرك." يتنحنح. عبد الله بخجل ثم يقول بصراحة: "أنا عندي واحدة تعتبر حالة إنسانية ومحتاجة." فيقاطعه أحمد ويقول: "محتاجة مساعدة؟ "لا طبعاً، أنا عايز أشغلها عندك، حتى لو أدفع لك مرتبها من جيبي كل شهر، بس المهم إنها تشتغل." "يبقى واضح إنها مهمة قوي."
ابتسامة وغمزة من عينيه ثم قال: "طيب، إيه مؤهلاتها؟ "معهد خدمة اجتماعية." "طيب، ودي أشغلها عندي إيه؟ "أي حاجة، أي شغل." فيضحك أحمد بصوت عالٍ ويقول: "تهمك قوي صح؟ "ما تفهمنيش غلط يا أحمد، دي حالة إنسانية وبس." فيصمت أحمد قليلاً ثم يقول: "شوف يا عبد الله، أنا هشغلها عندي في الأرشيف براتب 300 جنيه في الشهر." فيقول عبد الله: "بس ده راتب بسيط قوي." فيقول أحمد:
"شوف يا عبد الله، أنا أقدر أعين طالب حاصل على الدكتوراه في نفس الوظيفة ونفس الراتب، وهيكون سعيد لأن بمجهوده واجتهاده يقدر يثبت ذاته ويترقى ويتضاعف راتبه. وأنا اديتها فرصة مجانية إنها تثبت نفسها، إما تكون قد المسؤولية أو إنها تقعد في بيتها وتنتظر الإحسان منك كل شهر، والاختيار لها." عبد الله بإعجاب: "مش مصدق إن أحمد بتاع البنات والسهرات هو اللي بيتكلم قدامي."
"ما فيش حاجة بتيجي الساهل، وأنا اتعلمت ودفعت التمن، تعليمي غالي قوي." "المهم، قول للحالة الإنسانية إنها تجيب أوراقها بكرة عشان تستلم الشغل." فيقول عبد الله: "هي موجودة في مكتب السكرتيرة." فيضحك أحمد ويقول: "واضح إنك مستعجل قوي." يتحدث إلى السكرتيرة ويقول: "خذي الآنسة اللي عندك لمكتب شؤون العاملين، واطلبي منهم يعينوها في الشركة في الأرشيف بطلب خاص مني." فتقول له سكرتيرة: "حاضر يا فندم."
لتاخذ ياسمين إلى مكتب شؤون العاملين. أما أحمد، فيقول لعبد الله: "طيب، أنا عايز مقابل إني شغلتها عندي." فيقول عبد الله: "عايز فلوس؟ ويقول أحمد: "فلوس إيه يا شحاتين؟ أنا جعان، والمقابل إنك تعزمني على الغداء." فيقول عبد الله: "وأنا كنت بحسبك عقلت، أثاريك لسه مجنون." "أحمد هو أحمد، حتى لو أصبح صاحب شركة. على العموم، أنا جعان ويلا نتغدى سوا." فيضحك أحمد، وياخذ عبد الله أحمد ويتجهوا إلى أحد المطاعم لتناول الغداء. (ملحوظة
هامة: عبدالله وأحمد كانوا أصحاب في الماضي. بدأت الصداقة بمشاجرة وعراك بينهما، ثم تطور الأمر بصورة غريبة مرة فمرة حتى تحول الشجار بالأيدي إلى مجرد تبادل الشتائم، حال معظم الشباب. وبعد ليلة قضوها في الحجز، تم الصلح بينهما، وبعد فترة أصبحوا أصحاب، ليعرف عبدالله أحمد وقت طيشه وتهوره، ويعرف أحمد عبدالله وقت وحدته وفقره.)
من يصدق أن هذا هو أحمد، نفس الشاب المستهتر الذي كاد أن يضيع أموال والده وثروته وورط نفسه في جريمة قتل. هو نفس الشاب الذي يتحدث عن العمل بكل جدية واهتمام. فبعد أن هرب إلى أمريكا، تاركاً وراءه شركة تكاد تفلس وبيت مهجور، منتظراً أن تتصل به السكرتيرة تخبره باستدعاء نيابة له أو اتهامه في جريمة قتل أو أي شيء يتعلق بالجريمة. لكن ما حدث أن مرة شهر ولم يتم استدعائه، وعندما سأل، عرف أن القضية انتهت. فعلم أن هذه علامة من الله
أن يعطيه فرصة ثانية، فاستغلها وعاد إلى مصر ليبدأ حياة جديدة ويغير نفسه. فأول شيء، قاطع شلته الصايعة ودخل مصحة للعلاج من الإدمان، وبعدها تولى الشركة وعين قائمة من المستشارين العباقرة، والذي تعلم منهم كل ما يخص العمل، وبدأ بصفقات صغيرة ومشروعات محدودة، ثم تدرج بمساعدة أموال أمه المخبأة أن يكبر في عمله ويقوم بمشروعات كبيرة. أما أمنية هانم، فأصرت أن تأخذ مقابل المال نسبة من الأسهم، فرفعت نسبتها من الثمن إلى حوالي ٤٩٪،
وتركت لأحمد رئاسة الإدارة، لكنها بسطت نفوذها حتى أصبحت تتحكم في أعضاء مجلس الإدارة، كما أن جواسيسها في كل مكان وتحكماتها في كل شؤون العمل خانقة، وتحكماتها القاتلة في كل قرارات أحمد. هذا باختصار حال أحمد في الست سنوات الماضية. كانت ياسمين حبيسة السجن، أما أحمد فقد كان حبيس الكوابيس والأحلام المزعجة ليلاً وتحكمات أمه نهاراً.
بدأت ياسمين العمل بالأرشيف في مكتب كبير به ثلاثة موظفين غيرها. الحاج كامل رئيس المكتب ومدام سعاد، وهما متخصصان في الأعمال الكتابية في المكتب. أما الخاص بالتوثيق على الكمبيوتر فهو تخصص سلمى، الموظفة الأصغر من ياسمين بعامين،
وهي مجنونة بأمرين: أولهما الكمبيوتر، والثاني أحمد بيه صاحب الشركة. لا تترك فرصة أو مجال حتى تصعد الدور السادس، دور العظماء كما تسميه، ففيه مكتب أحمد بيه ومكاتب أعضاء مجلس الإدارة، وأيضاً مكتب المرعبة والمقصود بها الآنسة (هايدي) رئيسة العلاقات العامة بالشركة. لذلك، كان عمل ياسمين في كل أدوار ومكاتب الشركة ما عدا الدور السادس، وهذا ما ارتاحت له.
في المكتب، الكل يعرف عن الموظفة الجديدة التي تجتهد في عملها والتي تطيع الجميع ولا تقول لأحد "لا" أبداً. لذلك، استغلها الجميع في قضاء مشاويرهم بين المكاتب. فمر شهر كامل لا تكاد ياسمين تجلس على مكتبها خمس دقائق. "يا ياسمين، عايزك تروحي مكتب الأستاذ عادل في الدور العاشر يمضي على الورقة دي." "حاضر." "وانت في طريقك، عدي على الأستاذة هالة في الدور السابع، طلبت منا عقد الشركة الفرنسية." "حاضر."
"وانت نازلة في الدور الثالث، هاتي ملف العمال من الأستاذ محمد وصوريه." "حاضر." هذا حالها في العمل، الكل
يستغلها وهي على مبدأ واحد: الطاعة لكل الأوامر والصمت، وهو أمر اعتادت عليه في السجن، فقليل ما تشاركهم في الحوار. وإن كانت تحب الاستماع لهم، فسلمى مرحة والكل اعتاد على جنونها بأحمد بيه وبذلة أحمد بيه وسيارة وعطر ووسامة أحمد بيه وكل أخبار أحمد بيه، لكن الكل يحب مرحها وجنونها. ومدام سعاد طيبة جداً وحنونة، فهي كالأم للجميع. وحتى الأستاذ كامل، بالرغم من شدته وصرامته، إلا أنه طيب القلب متفاهم.
مضى أكثر من شهرين في العمل، وقد بدأت تندمج مع زملائها في المكتب، وإن كانت لا تزال تقضي لهم أعمالهم. واعتادت على زيارة الأستاذ عبدالله لها مرة في الشهر، يحمل فيها كل متطلبات المنزل من أرز ولحم وخضار وفاكهة وخلافه، ودعوته لها في بيته مرة كل فترة. وقد بدأت الدكتورة سارة الاعتياد على وجود ياسمين في حياتها.
أما ياسمين، فلا يكاد يمر يوم دون أن تسير في الشوارع حاملة صورة العائلة وتسأل عنهم. ولم تفقد الأمل أبداً، وإن كانت قد انهارت أكثر من مرة في الشارع. "إيه اللي أخرك دا كله يا ياسمين؟ "مجرد ما مضى الأستاذ حسان على الطلب جيت." "نص ساعة كاملة في طلب واحد." "إنتي عارفة إننه في الدور العاشر، يعني على ما طلعت ومضيت الطلب ونزلت العشر أدوار." فتقاطعها سلمى: "إنتي بتستخدمي السلم ليه يا مجنونة؟ مش بتستخدمي الأسانسير."
ياسمين بخجل: "أصلي مش بعرف." "يا مجنونة، ليه تعذبي نفسك طول الفترة اللي فاتت بتهلكي نفسك على السلم؟ لا يعلمون أنها تخاف من المصعد لأنها لا تجيد استخدامه وتخاف أن تحبس بداخله. "لو بتخافي من تشغيله، اطلبي من أي واحد راكب معاكي يحدد لك الطابق بسهولة لحد ما تتعودي عليه."
وبالفعل، أخذت سلمى ياسمين معها وصعدت الدور الثاني عشر في دقائق، كانت أنهت المهمة. وهذا ما شجع ياسمين على استخدامه لأول مرة وحدها، لذلك تجرأت عندما طلب منها إرسال ملفات لمدام رجاء في الدور الثاني عشر أن تضغط زر استدعاء المصعد ليفتح وتركب بسرعة وتقول للموجود معها: "الدور ١٢ من فضلك." لكنه نظر لها نظرة تفحصية من قدمها حتى رأسها دون أن يتحرك. فقالت مرة أخرى: "الدور ١٢ لو سمحت بسرعة، أنا مش فاضية."
فيرفع حاجبيه في دهشة، ثم ضغط على الطابق ومازال يتفحص الفتاة الواقفة أمامه بملابسها البسيطة التي لا تتناسب مع الشركة الملتزمة بدرجة رفيعة من الأناقة والجمال، ووجهها الخالي من مساحيق التجميل وشعرها المجموع في ضفيرة طويلة بسيطة. ثم قال: "إنت تبع مؤسسة خيرية؟ فقالت: "لا يا فندم." فقال: "عندك مصلحة هنا؟ فقالت: "لأ، أنا موظفة هنا." فأعاد النظرة التفحصية مرة أخرى وقال: "غريبة، أنا أول مرة أشوفك." ياسمين:
"حضرتك من شؤون العاملين؟ أحمد: "شؤون العاملين إيه؟ إنت مش عارفه أنا مين؟ ياسمين: "لأ يا فندم، أنا أصلي لسه جديدة هنا." أحمد: "جديدة؟ إنت هنا من إمتى؟ ياسمين: "تقريباً من ٣ شهور." أحمد بدهشة وقد بدأ يعلو صوته: "مستحيل! الشركة مانعة تعيين أي موظف لحين انتهاء السنة المالية، إزاي إنت هنا؟ ياسمين بخوف: "هو حضرتك من الشؤون القانونية في الشركة؟ "أصلي اشتغلت هنا بصورة خاصة." أحمد وقد زاد الغضب:
"إزاي يتم تعيينك بصفة خاصة بدون معرفتي؟ ياسمين برعب: "أنا اتعينت بأمر مباشر من أحمد بيه صاحب الشركة." هنا أحمد فقد أعصابه ومسكها من ملابسها: "إنت بتخرفي، بتقولي إيه؟ أمر مباشر من مين؟! "والله العظيم أنا مش بكذب، أنا هنا بأمر مباشر من أحمد بيه." وهنا فتح باب المصعد لتخرج ياسمين وهي مرتعبه ونادمة أنها ركبت المصعد، فالسلم أرحم بكثير.
دخل المكتب وقد أخذ منه الغضب، فقد كان يصرخ في كل من يقف أمامه. فما يحدث أكيد مؤامرة، هناك من يستغل اسمه ويوظف الناس بدون علمه، وهو لن يرتاح حتى يعرف هذا المتأمر ويرسله للسجن، هو وكل من ساعده، فهذا ما تعلمه من عماد ألا يعطي أحداً ثقته الكاملة. استدعى السكرتيرة فدخلت وهي ترتجف من الخوف. "يا نڤين، فيه أمر مهم وأنا عايز أعرف كل حاجة عنه بسرعة." "تحت أمرك يا أحمد بيه."
"عايز أعرف أسماء كل من عينته الشركة هنا من ٣ شهور فاتت." "إزاي يا أحمد بيه، الشركة ملتزمة بقانون عدم تعيين أي موظف لحين انتهاء السنة المالية." "إنت متأكدة؟ "أكيد." "عايزك تتأكدي من شؤون العاملين بسرعة." "تحت أمرك، النهار ده هيكون عندك الخبر النهائي." أما ياسمين، فعادت ترتجف ولونها مخطوف. ولما سألتها سلمى كالعادة، لم تجد إجابة. لذلك رحمتها وأصرت على تركها اليوم بأي مصالح جديدة. بعد ساعة، دخلت نڤين مكتب أحمد بيه.
"أيوة يا نڤين، فيه إيه؟ "حضرتك، ده جواب من البنك يخطرنا عن ميعاد القسط المستحق." "o.k، فيه شيء تاني؟ "الباشمهندس مدحت اتصل من الموقع الجديد بيسأل عن دفعة الحديد." "هسيب لك شيك بمبلغ مليون جنيه لمصنع الحديد وابعتيه مع مندوبنا. فيه شيء تاني؟ "بصراحة، حاجة واحدة." "حضرتك سألت عن الموظفين الجدد." انتبه أحمد لها: "فعلاً يا فندم، التزمنا بالنظام، فلم يتم تعيين أي موظفين إلا حالة واحدة." "مين الحالة دي ومين اللي عينها؟
"بصراحة حضرتك." "أنا إزاي؟ "حضرتك أمرت بصورة مباشرة بتعيين موظفة في الأرشيف، ولما درست ميعاد التعيين، اكتشفت يومها زارنا الأستاذ عبدالله المحامي وا... فقاطعها أحمد: "بس بس، افتكرت. اخرجي إنت." بعدما خرجت، ابتسم أحمد وقال: "الحالة الإنسانية... بعد أسبوع، أثناء خروج أحمد من المبنى، اصطدم بياسمين التي كانت في مكتب التصوير الخاص بالشركة. لما رأته، خافت واحمر وجهها وقالت بخوف: "والله العظيم أنا ما بكذبش على حضرتك."
أحمد بابتسامة: "خلاص، إنت خائفة ليه؟ خلاص أنا عرفت واتأكدت كمان." ياسمين براحة: "طيب الحمد لله، أكيد حضرتك رئيس شؤون العاملين، صح؟ فيضحك أحمد بصوت عالٍ وقال بدهشة: "إنت بجد مش عارفة أنا مين؟ أجابت ببراءة: "لأ والله." قال بثقة: "أنا أحمد صا... ردت بسرعة وهي تتخطاه: "وأنا ياسمين، اتشرفت بمعرفتك." لتتركه وترحل بدون أن تسمع باقي كلامه، وهذا ما أثار دهشته، ليضحك ويرحل.
مضى شهران، مازالت ياسمين في عملها. تقابلت مع أحمد أكثر من سبع مرات بالصدفة. كل مرة ينتهي اللقاء بتعليق من أحمد وابتسامة من ياسمين. والغريب أنها لم تعرف أنه صاحب الشركة، وهذا طبيعي، فهي لم تحتك بأي من أعضاء مجلس الإدارة أو رؤساء الشركة. محتضنة الملفات بيديها ومتجهة بسرعة ناحية المصعد لتصتدم به. "نفسي أشوفك قاعدة في مكتبك مرة." "صباح الخير يا أستاذ أحمد، أعمل إيه؟ ده شغلي." "شغل إيه؟ إنتِ عارفة إنهم بيستغلوكي."
"عارفة، بس يعتبر نفسي بتعلم منهم." "طيب يا تلميذة، على فين المرة دي؟ "الدور التاسع عند مدام رحاب." "أظن دي علاقات عامة." "الوفد الروسي هيبدأ زيارته للقاهرة، وهيا منسقة برنامج سياحي لهم." (ثم تقول وهي سرحانة) "تعرف يا بخت الوفد الروسي." "ليه؟ "هيزوروا الأهرامات وأبو الهول." أحمد بدهشة: "إنتِ عمرك ما زرتي الأهرامات؟ فتهز رأسها: "لأ." "ولا مرة؟ (فتهز رأسها نفس الرد) "ولا حتى في رحلة مدرسية؟
"مستحيل، ده أنا زرت الأهرامات ولا مليون مرة، حتى في مرة كنت مع أصحابي هناك و... بينما يحكي أحمد، تاهت ياسمين في ذكرياتها لذكرى قريبة إلى قلبها، عندما دخلت فوجدت أخيها محمد جالس حزين. فسألته: "مالك يا محمد زعلان ليه؟ الأم: "عايز يطلع رحلة في المدرسة." محمد: "دي رحلة لزيارة الأهرامات والقلعة وجنينة الحيوانات، وبعشرة جنيه بس يا أبله، عشان خاطري نفسي أروح مع أصحابي، عشان خاطري."
فتخرج ياسمين من جيبها عشرين جنيهاً، ثمن أحد الكتب الجامعية، وتقول: "خد يا سيدي عشرة جنيه اشترك في الرحلة وعشرة اصرف منها كمان، ولا تزعل، أنا عندي كام محمد." توقف المصعد وانتبه أحمد أن ياسمين في دنيا تانية، ولم تسمع أي كلمة من كلامه السابق. وقبل أن يتكلم، لاحظ خطين من الدموع ينزلان من عيونها ليغرقا خدودها. لتعود مرة أخرى لذكرياتها عندما عاد محمد من الرحلة وهو يقفز من الفرح ليتعلق برقبة ياسمين ويغرقها بقبلاته ويقول:
"أنا فرحان أوى يا أبله، النهار ده أحلى يوم في حياتي، زرنا الأهرام وشفنا السياح وهم راكبين الجمال والخيول و... زاد صمت أحمد وهو يراقب ياسمين، ليجدها قد ابتسمت أجمل ابتسامة رأتها عيناه. ثم بعد لحظات، انتبهت ياسمين لما حولها، فمسحت دموعها وخرجت من المصعد، ولم تنتبه لمن كان معها في المصعد، وقد شغلته بابتسامة من عيون مليئة بالدموع.
في أحد النوادي الشهيرة، وقف يرتشف كوباً من العصير مع صديقه العزيز هاني. كان رفيقه أيام الشقاوة والضياع، والآن هو رفيقه أيضاً، ولكن سبحان من يغير ولا يتغير. بعد إصابة والد هاني إصابة شديدة ألزمته التقاعد، وجد هاني نفسه مسؤولاً عن أمه وزوجات أبيه الاثنتين وجيش من الإخوة والأخوات. فقرر هو الآخر إعادة تنظيم حياته، ليرافق أحمد في جلسات العلاج، وبعدها اهتم بأخواته وعمل في معرض السيارات التي يملكه أبيه، ليصبح هو الآخر رجلاً مسؤولاً. يجتمع مع أحمد كل أسبوع في النادي لممارسة لعبتهم المفضلة
(البلياردو) ويتشاركان الذكريات والضحك، وأيضاً الهموم. والأغرب أن هذان الأعزبان قد تركا كل لهو الماضي بما فيه الفتيات، فطاولتهم التي كانت دائماً عامرة بالفتيات أصبحت خالية، وتمر عليهم الحسناوات وكل وتحاول جذب انتباههم، لكنهن يفشلن دائماً، فأحمد وهاني قد اكتفيا. أو ربما أرادا تغيير كل شيء من الماضي. هانى وهو يضرب الكرة بالعصا: "مالك يا أحمد مش مركز ليه؟ هيا طنط أمنية مضيقاك في الشغل؟
"لا، دا العادي من أمنية هانم، حتى خلاص اتعودت على سخافة هايدي كمان." "مش مصدق، كنت هتموت على هايدي، مش عارف إيه اللي اتغير." "كل شيء اتغير، وأوله نظرتي للكل، فشفت هايدي على حقيقتها، إنسانة سخيفة بدرجة تخنق ومتسلطة." "طيب، إيه الجديد في الشغل؟ يضرب أحمد الكرة لتسقط في الجحر، ثم بعدها يعتدل ويقول:
"ولا حاجة، بس بصراحة، فيه حاجة شغلتني يا هاني. عمرك شفت واحدة تبتسم لك أحلى ابتسامة تشوفها وعيونها مليانة بالدموع، وبعدها تكتشف إنك مش سبب دموعها ولا إنت سر ابتسامتها؟ "ده لغز وإلا إيه؟ على العموم، هقولك دي عرفت الطريقة اللي تشغلك بيها." أحمد باستنكار: "لا لا، مش دي. هيا أصلاً مش عارفة إني صاحب الشركة دي، بتظن إني موظف عادي." "وإنت صدقت إنها ما تعرفش أحمد صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها؟
"تصدق، دي بتحسبني موظف في شؤون العاملين، تصدق دي؟ "في رأيي، خد بالك منها، ولا هيا عجباك؟ فيضحك أحمد ويقول: "لا، دي مش زي البنات التانية، لا في لبسها ولا في شكلها. دي على رأي عبدالله، حالة إنسانية وبس." بعد أسبوع، تم توزيع نشرة بين المكاتب والعاملين، وكل من يقرأها يستعجب منها، حتى وصلت ليد ياسمين لتستعجب هي الأخرى،
فمكتوب في النشرة: "تعلن إدارة الشركة عن رحلة عائلية مجانية للموظفين في الشركة لزيارة معالم القاهرة الأثرية، وتتضمن زيارة الأهرامات والمتحف المصري، وتختتم الرحلة برحلة نيلية على إحدى السفن السياحية." كل العاملين يؤكدون أنها المرة الأولى التي تقوم بها الشركة هذه الرحلات، فرحلاتها السابقة كانت من نوع خاص لكبار الموظفين ورؤساء مجلس الإدارة، وتكون رحلات خارج البلاد وباشتراكات ضخمة. أما رحلات عائلية ومجانية، فهذا أمر جديد.
كان شعور ياسمين بسعادة غريبة، لا تعرف سببها، لكن إحساسها بأن هذه الرحلة من أجلها جعلها تكاد تطير من الفرحة، لكنها أجبرت نفسها أن تفيق ولا تتوهم، فما حدث مجرد صدفة. فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولن تبني أحلاماً على أوهام.
بعد يومين، جالس على البيانو الأثري الفخم، يعزف ألحاناً لا معنى لها، لكنها مجرد رغبة في الهدوء والراحة، وأمنية داخلية في أن يظل هذا الصفاء النفسي لساعات. وأمنية أخرى تدفعه أن يذهب إلى الأهرامات ليرى ما تفعله ياسمين وما ردة فعلها بعدما حقق لها أمنيتها البسيطة. ليقطع عليه صفاءه صوتها المستفز. "واضح إن دروس البيانو اللي أخدتها زمان كانت بلا فائدة، فعزفك سخيف وبلا معنى." "مش مجبورة تسمعي لعزفي."
"والله قرارك الغريب بالرحلة السخيفة هو السبب، فمضطرة أقعد في البيت وأسمع عزفك النشاز." "والله أنا حر في قراراتي." "لو تخصك وحدك، إنت حر، لكن دي تخص طنط معاك، وإلا إنت نسيت إنها شريكة معاك في الشركة." "طنط دي تبقى أمي، وعلى العموم، الرحلة السخيفة دي تبقى على حسابي الخاص، مش هتأثر على حساب طنط." "عن إذنك."
ليأخذ مفاتيح إحدى سياراته القديمة ويخرج. أما هايدي، فتشعر بحزن، فكلما بدأت حواراً مع أحمد ينتهي بصراع بينهما. نعم، تحب أحمد الجديد، تعشق جديته في العمل، لكن بها رغبة شديدة وحنين لأحمد القديم وشقاوته وحبه الملتهب الذي كان يغمرها به كل الوقت. أمنية هانم: "فين أحمد يا هايدي؟ "خرج يا طنط، حتى ما اتغداش معانا." "مش تزعلي يا هايدي، إنتِ عارفة أحمد بيحبك قد إيه، بس محتاج معاملة مختلفة." "أعمل إيه أكتر من كدا؟
سبت أهلي وعشت معاكم واشتغل معاه في نفس الشركة، يعني معاه ٢٤ ساعة في اليوم. أعمل إيه تاني؟ فين أحمد اللي كان بيتمنى مني نظرة واحدة؟ "كل شيء اتغير يا هايدي، وأحمد مش أحمد بتاع زمان." في منطقة الأهرامات، وقف بسيارته بعيداً يراقب الموظفين عند الأهرامات، وعيونه تبحث عنها. يريد أن يراها تضحك وتلعب، يريد أن يراها منطلقة مثل باقي الموظفين، حتى يشعر بأن قراره كان صحيحاً.
لكنه رآها جالسة على أحد الأحجار الضخمة، وظهرها للأهرامات، وتائهه في دنيا غير الدنيا، فشعر بضيق أكثر وأكثر ورحل مسرعاً من المكان. ولو انتظر عشر دقائق، لرأى سلمى تسحبها لتجلس مع الفتيات اللائي يضحكن ويغنين، ولرأى ياسمين تصفق معهم وتضحك. عائد من عمله، فلمحها تسير وحدها وهي شاردة. لا يعلم لماذا يهتم بها، ربما لأنها من ناحية عبدالله، صديقه، ويشعر بالشفقة عليها. فأوقف السيارة بجوارها وناداها: "ياسمين."
فالتفتت إليه لتفتح عيونها عن آخرها وهي تنظر لسيارته بإنبهار: "دي عربيتك؟ فابتسم بهدوء وقال: "إيه رأيك؟ حلوة؟ فتقول باندفاع: "دي أحلى عربية شفتها في حياتي." فيضحك ويقول: "مش للدرجة دي. المهم، إنتِ ماشية على فين؟ "على بيتي، بس بمشي لحد محطة المترو." أحمد: "ياسمين، المترو على بعد ثلاثة كيلو، هتمشي ثلاثة كيلو؟ يا ياسمين، مستحيل! "عادي، أنا اتعودت." أحمد بدهشة: "يعني إنت بتمشي كل يوم تلاته كيلو؟ ليه التعب ده؟
غير إنك طول اليوم بين المكاتب، دا عذاب." فتقول ببساطة: "أكل العيش، وأنا قلت اتعودت خلاص." "ممكن أسألك سؤال؟ "أكيد." "إنتِ مرتبك كام في الشهر؟ ياسمين ببساطة: "٣٠٠ جنيه." أحمد: "مستحيل! دا الفراش راتبه أكبر منك. مين الغبي اللي حدد لك الراتب ده؟ ياسمين بغضب: "لو سمحت، ما تشتموش، حضرتك مش فاهم حاجة." أحمد بغضب: "مش فاهم إيه؟ إنك بتشتغلي في الشركة من أكتر من ست شهور ببلاش تقريباً؟ قول لي مين الغبي اللي حدد لك الراتب ده؟
"أحمد بيه صاحب الشركة." فينظر لها أحمد بذهول وقد عجز عن الكلام. فتكمل ياسمين: "بس مش تظلموا أحمد بيه، قال إني لو أثبت كفاءتي في الشغل، هيتم تثبيتي وزيادة الراتب." أحمد بسخرية من نفسه: "وإنتِ لسه ما أثبتيش الكفاءة؟ واضح إنه نسيِك خالص." فتندفع ياسمين بغضب: "حضرتك مش فاهم حاجة ومش عارف أحمد بيه زي ما أنا عارفاه، فلو سمحت كفاية كده." ليفتح عينيه عن آخره في زهول شديد ويسألها بفضول: "إنتِ تعرفي إيه عن أحمد بيه؟
أنا مش عارفه؟ فتجيب بثقة: "أحمد بيه أكتر شخص طيب وشهم قابلته في حياتي، وإن شاء الله ربنا هيفتح له أبواب الرزق والخير." لم يقاوم أحمد ابتسامته، ليبتسم ويقول: "إنتِ بتدعي له." "يستاهل أحمد بيه إني أدعي له كل صلاة. مش تستغرب، أنا ظروفي كانت صعبة جداً، وحسيت بإحراج الأستاذ عبدالله وهو بيسأل عن أحمد بيه أول مرة، وده أكد ليا إن ما فيش شغل ليا من الأساس، وإن الأستاذ
عبدالله هيخرج ويقول: أنا أسف يا ياسمين، المرة الجاية هتشتغلي. لكن ده ما حصلش. بعد خمس دقائق بالضبط اشتغلت في الشركة، عارف يعني إيه واحدة زيي تشتغل بعد خمس دقائق؟ أشار لها أحمد بعينيه، فقد عجز عن الرد. فتكمل:
"كل سنة بيتخرج الملايين وفيه غيري آلاف مش لاقيين شغل، ولو حصل وإتقدموا بيتذلوا في تجهيز أوراق وتدريب ومقابلات، وبعدها تتقتل كل أحلامهم ويخرجوا زي ما دخلوا، ما ياخدوش إلا الذل والإحباط. ربنا ما يوريك كسرة النفس أد إيه بتوجع، واسألني لأني أكتر واحدة اتكسرت نفسها. وأنا عارفة ومتأكدة إن أحمد بيه لا يمكن ينساني." ليقول أحمد في نفسه: "آه لو تعرفي إن أحمد ما كانش فاكرك من أساسه." لينتبه أن ياسمين قد رحلت، فيلحق بها بسرعة:
"إنتِ زعلتي؟ "لأ أبداً، ما فيش سبب الزعل." "عشان أتأكد إنك مش زعلانة، اسمحي لي أوصلك بالعربية." ياسمين بخجل: "ما فيش داعي يا أستاذ أحمد، المترو قريب، مش تعطل نفسك." لكنه أصر، فإضطرت ياسمين أن توافق لتركب سيارة أحمد الفارهة، لكنها أصرت أن يقف أمام محطة المترو لتخرج وتلوح له، ثم ترحل بدون أن تنظر ورائها. ولو نظرت، لرأت
أحمد يلوم نفسه بسببها: "إنت مش عاجبك لبسها ولا شكلها، وبغبائك محدد لها مرتب ما يكفيش العيش الحاف. الحمد لله إنها ما ماتت، كان ذنبها هيبقى في رقبتك."
بعد أسبوعين، حرص أحمد ألا يرى ياسمين فيهم، حتى أتى اليوم الموعود الذي يحبه ويكرهه كل الموظفين، وهو أول يوم في الشهر. فقد توجهت ياسمين إلى الخزينة حتى تتقاضى راتبها، فيطلب منها المحاسب الذهاب لشؤون العاملين، وهناك مضت على بعض الأوراق وعادت إلى الخزينة ليقدم لها المحاسب مبلغ ٨٥٠ جنيهاً.
(الأحداث في عام ٢٠٠٧، كانت الرواتب قليلة، لكن الحياة كانت رخيصة جداً، فقد كان كيلو اللحم بأقل من خمسين جنيهاً وجرام الذهب بحوالي سبعين جنيهاً)
. وعندما سألته، أجابها بأنها مضت عقد التعيين والتثبيت في الشركة، وهذا راتبها، وأن أمر التثبيت في الشركة صدر من شهر وسيتم إضافة الفترة السابقة إلى ملفها حتى تستفيد من الحوافز السنوية. وبالرغم من أنها لم تفهم نصف ما قاله، إلا أنها كانت شديدة السعادة لتجد أحمد في وجهها، لتعرض أمامه راتبها في سعادة وتقول: "شفت يا أستاذ أحمد؟ مش قلت لك أنا واثقة في أحمد بيه؟ النهارده تم تثبيتي بصورة رسمية ومرتبي زاد كمان، شايف؟
فيهنئها أحمد: "ألف مبروك، واضح إن وشي حلو عليكي." فتجيب ببراءة: "حلو أوي أوي." فيضحك أحمد ويقول: "طيب فين الحلاوة بتاعتي بمناسبة زيادة الراتب؟ فتقول ببساطة: "اللي هتأمر بيه، هجيبه لك. تحب تشرب إيه؟ فيرد ممازحاً: "أشرب إيه يا بخيلة؟ إحنا قربنا من البريك وهموت من الجوع." فتقول: "خلاص، هعزمك والغداء النهاردة على حسابي." أحمد: "خلاص موافق، الغداء النهاردة على حسابك. هستناكي على أول الشارع وقت البريك، سلام."
وقت البريك في فترة الغداء. وقفت ياسمين أول الشارع أمام المطعم البسيط القريب من الشركة، لتتفاجئ بأحمد في سيارته يطلب منها الركوب، فهو لا يأكل في هذه الأماكن. لتركب معه، فيأخذها إلى مطعم شديد الرقي، والذي لا يتناسب مع بساطة مظهرها. كان يسير بغرور وثقة، بينما كانت تتلفت مبهورة بكل ما تراه، فلم تحلم أبداً أن تدخل مكان بهذا الرقي والجمال. حتى أجلسهم الويتر على طاولة راقية، فجلس أحمد يراقبها بتسلية على سذاجتها الشديدة، فقد قرر أحمد أن يعرفها حقيقته وأنه صاحب الشركة بعد الغداء، ليجعل لها ذكرى حلوة في هذا اليوم.
أتى الويتر يحمل المنيو الخاص بالطعام، لينفجر أحمد بالضحك عليها وهي تقرأ أصناف الطعام بطريقة ساذجة ومضحكة، وواضح أنها فاشلة في اللغة الإنجليزية، لكنه صمت حينما رأى وجهها الذي تحول للأحمر القاني بسبب شدة إحراجها، فأشفق عليها وقال: "تحبي أختار لك على ذوقي؟ فتجيب برأسها، فقد أنقذها من هذه الورطة. فتسمع له بإنبهار، يقول: "مقبلات (راڤيولى بالزبدة البنية مع البندق) (طبق إيطالي) . طبق رئيسي
(ستيك مشوي بصلصة البستو مع الروزيتو طبق إيطالي) . والحلو مولتن كيك الشوكولا مع آيس كريم الفانيليا." فتحت فمها على الآخر. هل ما يقوله طعام يؤكل في مصر؟ أين الطواجن وأين المحاشي؟ وهل سمع عن اختراع اسمه (الملوخية) ليقطع أفكارها الويتر وهو يضع الطبق الأول.
"يا أهل مصر، لقد هبط الراڤيولي من كوكب المريخ." هذا ما قالته وهي ترى طبق بداخله قطعتين دائرتين لونهما أبيض. ولأنها ياسمين، فقد ربطت بين الرافيولي والرقاق المصري، فكلاهما معجنات ولونهما أبيض، لكنها لم تستوعب حشو الرافيولي بالجبن، فلخصت كل هذا الإبداع بساندوتش جبنة. فلتستعد الجيوش للطبق الرئيسي، استيك مشوي مع الروزيتو. لتنظر إلى الطعام بضيق، فمن المجنون الذي يأكل أرز معجن؟
فقد عملت في المسمط لسنوات، لم ترَ فيهم أرز معجن أبداً. والأعجب اللحم المغطى بطبقة خضراء من الثوم والريحان. أما أحمد، فقد استغرب أنها لم تأكل من المقبلات ولا الطبق الرئيسي، فسألها: "الأكل مش عاجبك؟ فتقول بدهشة: "مين في الدنيا دي بياكل لحمه خضرا ورز معجن؟ ليخفي وجهه بكفيه، وقد انهار من شدة الضحك، حتى أن كل الموجودين انتبهوا لضحكاته الشديدة. ليعرض عليها طعاماً آخر، لكنها ترفض بشدة.
ليأتي بعدها الحلو مولتن شوكولا وأيس كريم فانيليا. ما إن لمست الكيك حتى ذابت مع الشوكولا الذائبة، فمن منا لا يعشق الشوكولاتة؟ فقد أعجبها بشدة، وأسعده أنها تأكل بإستمتاع.
بعد لحظات، بدأ عقلها في تجميع حساب الوجبة، فبعد ساندويتش الجبنة واللحمة الخضراء والأرز المعجن، فأكيد الوجبة كلها لن تزيد عن خمسين جنيهاً، وعلى الأكثر سبعين جنيهاً. فقد أصرت أن تدفع هي لأنها من عزمته. عندما أحضر الويتر الفاتورة، تفاجأت بمبلغ ٥٠٠ جنيه. أما أحمد، فقد انتظر دقيقة ليستمتع برد فعلها، فقد توقع فضيحة في المحل، لكنه تفاجأ بها تخرج راتبها من حقيبتها وتقدم للويتر المبلغ. لينتفض بسرعة حتى يدفع الحساب، قد ضاعت نظرة التسلية من عينيه، لكنها تصر، فهي صاحبة الاحتفال وهي من ستدفع، ليرى في عينيها نظرة ألمته بقوة، نظرة من سرقت منه فرحته، فقد زاد راتبها من ساعة ليجعلها تدفع كل الزيادة في وجبة لم تتناولها.
لذا، فقد أخرج حافظة نقوده وسحب منها ألف جنيه وقدمه لها، لتنظر للمال وتقول: "عيب يا أستاذ أحمد، أنا اللي عزمتك وعيب ترد ليّا تمن العزومة، خلي فلوسك في جيبك." لتقوم وتسبقه للخارج، لتسقط من عينيها دمعة وحيدة وتمسحها بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!