الساعة تخطت الثانية بعد منتصف الليل والقلق قد استبد بحبيبه. ياسمين لا تتأخر في العمل حتى هذا الوقت أبداً، لذا خرجت مسرعة من البيت تبحث عن بنتها. حتى وصلت إلى المطعم، فوجئت بالعمال ينظفون المكان استعداداً لغلقه، وهذا ما جعل قلبها يخفق برعب شديد على بنتها. فسألت عن حسن ليخبرها العمال أنه رحل من أكثر من ساعة، فتوجهت مسرعة إلى بيت حسن.
وبيد مرتعشة ضغطت على الجرس ليفتح لها حسن الباب ويتفاجأ برؤية الخالة حبيبه تبكي. فظن أن عمه سعد زاد عليه المرض ويحتاج إلى دخول المستشفى. لكنه صدم عندما سألته: "بنتي فين يا أستاذ حسن؟ فقال بدهشة: "إنتي بتسألي عن ياسمين؟ هيا لسه ما روحتش؟ الخالة روحية: "لا لسه ما جتش، هيا فين؟ فيقول حسن بقلق: "المفروض تكون في البيت من ساعتين أو أكثر. أنا طلبت منها توصل الفلوس للمعلم... "يا خبر أسود." فترتجف الأم من شدة الخوف: "فيه إيه؟
إيه اللي حصل؟ بنتي حصل لها حاجة؟ أنا كان قلبي حاسس طول اليوم مقبوض وبيوجعني، طمنّي يابني أبوس إيدك." فتقول الخالة روحية: "ما تخافيش يا حبيبه، هاتبقى بخير إن شاء الله." فيجرى حسن إلى الهاتف ويتصل بالمعلم قدري، الذي أخبره أنها خرجت منذ أكثر من ساعتين بعد أن أوصلت المبلغ كاملاً.
ليصمت المعلم قليلا ثم أخبره أنه سمع بعد خروجها بقليل أصوات الشرطة والإسعاف. يبدو أن هناك مشاجرة كبيرة، لذا فمن الأفضل أن يذهب إلى قسم الشرطة ويسأل عنها. فأخذ حسن الخالة حبيبه واتجه إلى قسم الشرطة، وقلوبهم تقول ربنا يستر. في الحجز الاحتياطي تجلس ياسمين على الأرض بشعر مغبر ودموع متحجرة في مقلتيها. أما ملابسها فتفوح منها رائحة الدماء المقززة، حتى أن المسجونات شعرن بالقرف والتقزز منها ومن شكلها، فقد كانت كمن خرجت من قبر.
لم تتحرك من مكانها حتى عندما سمعت صوت قريب من القلب ينادي عليها، صوت أمها. ثم بعدها سمعت صوت الأستاذ حسن يستفسر عن سبب حبسها، لتسمع صرخة أمها، ليليها أصوات تتداخل مع بعضها، لتسمع من يقول: "كوبايه ميه، الست داخت ووقعت على الأرض." بالرغم من ذلك لم تتحرك من مكانها، بل لم تغير من جلستها على الأرض، إلا أن خطين من الدموع انحدرا من مقلتيها المتعبتين. ***
أما في الناحية الأخرى، فقد دخل أحمد بيته مسرعاً ليسأل عن أمه. فتخبره الخادمة أنها خرجت بعده بعشر دقائق، فهي مدعوة لحفل زفاف ابن الوزير.
فشعر بالأسى، فأمه كعادتها تركته من أجل واجهتها الاجتماعية. لكنه لن ينتظر، فالوقت ضيق، وكل لحظة تمر فيها خطورة عليه. فأسرع بحجز تذكرتين سفر لأمريكا له ولأمه. فلم يجد إلا رحلة متجهة إلى المكسيك ومن المكسيك إلى نيويورك بأمريكا، فوافق عليها. ثم أعطى كل الخدم والعاملين بالقصر إجازة مفتوحة، ليخرج الجميع من القصر. ليسرع بالتخلص من ملابسه وحرقها. بعد ذلك أسرع بتجهيز حقيبة ملابسه وملابس أمه، وجمع كل ما له قيمة له ولأمه.
بعد فترة دخلت أمنية هانم القصر، فوجدته خالياً ومظلماً، لتطلق صرخة عالية حينما رأتـه جالساً في الظلام، ليسرع إليها. ليطمئنها. ثم يخبرها بضرورة السفر وأن رحلتهم بعد ساعة، لتصعد لغرفتها لتستعد للسفر. في الساعة الرابعة فجراً، تعلن الإذاعة الداخلية لمطار القاهرة عن انطلاق رحلتها المتجهة إلى المكسيك. بوجود بين المسافرين رجل ترك خلفه قصراً مظلماً وشركات مفلسة وضحية بريئة ستدفع ثمن أخطائه. ***
في الصباح، أمر المحقق بإحضار الفتاة المتهمة بقضية القتل. فخرجت من محبسها جسد بلا روح. لتدخل غرفة التحقيق، فيدير وكيل النيابة وجهه ويغلق أنفه بتقزز، ليأمر بتحويلها إلى الطبيب الشرعي ليفحصها ويفحص الدماء الموجودة على ملابسها وجسدها ويحدد إن كانت لها أم للقتيل. فوضع الشاويش القيد الحديدي (الكلبشات) في يدها وربط نفسه في الطرف الآخر، ثم سحبها وهي بلا حول ولا قوة، جسد بلا روح.
فأوقفته أمها وهي تترجاه أن تكلم بنتها وتطمئن عليها، لكنه رفض وقال: "يا ست، أنا كده هانضر. لكن اسمعي نصيحتي، هاتى هدوم لبنتك وحصلينا على المستشفى الحكومي عشان هياخدوا الهدوم اللي عليها."
في المستشفى الحكومي، تعرضت ياسمين لكل أنواع الإهانات، فلم يكن الأمر مجرد فحص، بل كان هدر للكرامة. فقد سمعت أحقر الألفاظ وهي تتنقل بين أيدي الممرضات، حتى دخلت غرفة الطبيبة التي أمرتها بخلع ملابسها حتى ترسلها للمعمل الجنائي. وبعدها فحصتها الطبيبة فحصاً شاملاً حتى تكتب تقريرها.. عن شكل الدم في ملابسها والأماكن التي تلوثت من جسدها مثل وجهها وساقيها وذراعها، وأماكن قد تلوثت مثل مقدمة صدرها ونحرها.
ثم فتحت الطبيبة الباب وأعطت الشاويش التقرير، ثم سألته: "مين اللي مع المتهمة؟ فأشار الشاويش إلى أم ياسمين الجالسة على الأرض بجانب الباب. فنادتها: "تعالي يا أمي، ادخلي." فقال الشاويش بصرامة: "ممنوع يا دكتورة، مش عندي أوامر أدخل حد على المتهمة." فتقول الطبيبة بغضب: "أوامر إيه دي؟ فيه حاجة اسمها إنسانية، اسمها رحمة. خشي يا ست وابقي أقف أحرس الباب." لتغلق الطبيبة الباب بقوة. فتبكي حبيبه وتقول:
"أنا بنتي بريئة، والله العظيم بنتي بريئة." فتقول الطبيبة: "ياست يارب تطلع بريئة. بس أنا مش وكيل نيابة، أنا دكتورة مهمتي أكشف وأكتب تقرير وبس." ثم أشارت ناحية باب وقالت: "ده الحمام، خدي بنتك. ونظفيها وغيري لها لبسها."
فاقتربت حبيبه لتجد ياسمين نائمة على سرير الكشف بملابسها الداخلية. فأخذتها إلى الحمام. لتخرج بعد فترة وقد اغتسلت وبدلت ملابسها، لتجلس ياسمين وظهـرها لأمها التي فرقت شعرها لثلاث مجموعات لتبدأ بجمع شعرها في ضفيرة طويلة. أما ياسمين فقد كانت مغيبة عن الدنيا، لتشعر باليد الحانية التي تسحبها لحضنها، وكأن هذا الحضن هو الشرارة التي أخرجت ياسمين من كهفها المظلم، فظلت تصرخ وتبكي بصوت عالي، وشاركتها أمها بالبكاء، حتى أن الطبيبة بكت معهم.
*** الشعب المصري فريد في نوعه وجنسه وصفاته. نملك من الطيبة والحنان قدر ما نملك من القسوة، ونوزعهما بالتساوي في موقف واحد. فقد التف الجيران حول حبيبه ليواسوها، والكل يشهد على براءة ياسمين وحسن خلقها. حتى أن إمام الجامع دعا لها في صلاة الجمعة وردد المصلون من ورائه آمين. وجمع البعض مبلغاً من المال لمساعدة هذه العائلة، حتى الجارات اتفقن أن تتكفل كل واحدة بإرسال الطعام لهم كل يوم.
في نفس الوقت، انتشرت بينهم الشائعات حول ياسمين، ليصبحوا القاضي والجلاد في نفس الوقت لنفس الشخص. فقد انتشر أن ياسمين سرقت خمسين ألف جنيه من خزينة الحاج مرزوق. لتكبر الإشاعة بأنها تعمل بسرقة الزبائن في المطعم. لتكبر الشائعة بأنها تعمل مع عصابة لاستدراج السائحين وسرقتهم وقتلهم في الخرابة. والشرطة عثرت على جثتين لاثنين من الأجانب.
لتأخذ الشائعات منحنى أصعب، فقد انتشرت شائعة أن ياسمين ساقطة تستدرج الرجل لقضاء المتعة المحرمة في هذه الأماكن، وأنها قتلت الرجل لأنه لم يعطها أجرتها. لتأتي واحدة تقسم أنها رأت ياسمين في إحدى العيادات النسائية، وأن الطبيبة طردتها وفضحتها لأنها لا تقوم بعمليات مشبوهة. الكل يتحدث وكأنهم لا يعرفون عظم الخوض في أعراض الناس، ولا يعرفون عقوبة قذف المحصنات. ولو قال أحد: "حرام عليكم الكلام ده، أنتم بتخوضوا في عرضها."
تسمع الإجابة النموذجية: "إحنا مالنا، دي الناس كلها بتتكلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." وهكذا أصبحت أعراض الناس وسيلة للترفيه وفاكهة المجالس، ولأنهم فقراء ضعاف لا يملكون القوة للدفاع عن أنفسهم. فحبيبة تسمع قذف الناس بعرض ابنتها، فتقتلها الدموع ولا تملك إلا الدعاء. أما محمد، فتوقف عن الذهاب إلى المدرسة بسبب معايرة الأولاد له، فيسبهم مرة ويتعارك معهم مرات.
وكعادتنا أيضاً، بعد مرور الوقت برد حماس الناس وتخلى الجميع عنها، وخاصة بعد انتشار الإشاعات، فأصبحت ياسمين شبهة يتنصل عنها الجميع. فتوقفت الجارات عن إرسال الطعام، وتوقف إمام المسجد عن الدعاء لها بعد الصلاة. أما حبيبه، فقد انشطر قلبها إلى نصفين. نصف مع زوجها الذي يحتاج إلى رعاية خاصة، فبسبب حالته أخفت عليه وضع ياسمين وبررت غيابها أنها في معسكر تابع للجامعة. أما نصفها الآخر مع ابنتها المسكينة.
أما ياسمين، فبعد عودتها من المستشفى، فقد تم استدعاؤها للتحقيق ولمدة ثلاث ساعات متتالية، انتهى بصراخها وانهيارها. وتكرر التحقيق معها مدة أسبوع كامل، وانتهى بنفس النهاية. فعقلها رافض أن يستوعب كل ما مرت به، ونتج عن ذلك عدم تذكرها لمعظم الأحداث. فهي للأسف لا تذكر إلا أنها تسير في طريق مظلم، وفجأة شعرت بمن يسحب ملابسها وصوت يترجاها. أما باقي الأحداث فلا تذكرها.
فأضطر وكيل النيابة مد فترة الحبس مع إرسال من يتحرى عنها في المنطقة لمعرفة حالتها وظروفها الاجتماعية، وبالتأكيد سيتحرى عن سمعتها. بعد أسبوع، خرج للنور التقرير الخاص بالطب الشرعي والمعمل الجنائي، لتُوجه النيابة رسمياً تهمة القتل العمد لياسمين. في حين كانت أمها بالخارج تحلم بخبر البراءة، لكنها صدمت بالشاويش يقول لها: "شوفي محامي لبنتك، البنت تهمتها خطيرة وآخرها حبل المشنقة، فالـحقي ببنتك."
لم تتمالك الأم من الصراخ والصراخ والاستجداء بالناس، ولكن الكل مشغول بحاله. أما الأستاذ حسن، فعندما علم بالتهمة الموجهة لياسمين وما انتشر من اتهامات مست شرفها، فما كان منه إلا أن أخرج رزمة بألف جنيه ووضعها في يد أم ياسمين، ثم طلب منها أن تبتعد عنه هي وابنتها ويكفيهم ما مس المحل بسببهم، وتركها لتظلم الدنيا من حولهم أكثر وأكثر. ***
سائر في أروقة القسم، وهو ممسك ببعض الأوراق لا يصدق ما آل عليه الحال. فبعد أن ترك المحامي الشهير الذي يعمل معه وقرر فتح مكتب خاص به، ظاناً أن القضايا ستنهال عليه ليصبح من أشهر المحامين في البلد. لكن ما حدث غير ذلك. فلم تصله أي قضية حتى الآن، ستة أشهر كاملة لم يصله فيها أي قضية، وكأن العالم يعيش في سلام ومحبة.
وها هو يسير في القسم لينهي بعض الأوراق لأحد المحلات مقابل خمسين جنيهاً. ابتسم بسخرية على حاله، ويحمد الله أنه فتح مكتبه في شقته الصغيرة، فهو عاجز عن دفع الإيجار أو حتى دفع راتب السكرتير. بعد أن أنهى معاملته، سمع بكاء هستيري وصوت امرأة تستجير بالله، وقد اجتمع حولها عدد من الموجودين بالقسم. فسأل الموظف عنها، فقال الموظف:
"دي يا أستاذ عبدالله واحدة بنتها محبوسة في جريمة قتل، والنهار ده هتترحل للحجز الاحتياطي حتى موعد محاكمتها." فشعر بالأسى على هذه الأم، والضيق من هذه الفتاة المستهترة. ويدفعه الفضول، أقترب، فسمع الأم تبكي وتقول: "البنت هتروح مني ومافيش حد في قلبه رحمة يعطف علينا. البت في الحبس وأبوها هيروح مني، أعمل إيه بس يا ربي." فسألها أحد العساكر: "ليه ما شفتيش محامي لبنتك يا حاجة؟ حبيبه:
"ما فيش حد راضي يساعدنا. وكل واحد عاوز عشرة آلاف جنيه قبل ما أستلم القضية، أجيبهم منين يابني." فابتسم عبدالله بسخرية، فما قالته المرأة حقيقي، فكل محامي يحتاج على الأقل خمسة آلاف جنيه تحت الحساب. وقبل أن يغادر، ناداه الموظف: "يا متر عبدالله، أنا خلصت لك الأوراق." فارتفعت عيون المرأة إليه، ليلمح في عيونها نظرة متوهجة بالأمل للحظة. وفي اللحظة التالية، كانت أم ياسمين عند قدميه تتوسل إليه وتقول:
"إلحق بنتي وأنا أخدمك طول عمري." فينحني عبدالله ليوقف هذه المرأة على قدميها ويقول: "أستغفر الله يا أمي، ما يصحش ده." فاستمرت أم ياسمين في توسلها بدون كلل، حتى شعر عبدالله بالخجل منها، فقال: "خلاص، هاتى ملف القضية وأنا ها شوف... قبل أن يكمل، كانت حبيبه (أم ياسمين) تسحبه معها إلى غرفة وكيل النيابة، ليقف أمام وكيل النيابة، ليكتشف أنها لم تجهز أي أوراق للقضية.
طلب من وكيل النيابة رؤية المتهمة. ليرى ابتسامة ساخرة من وكيل النيابة، قبل أن يعطيه الإذن بنصف ساعة فقط. في المكتب، جلس عبدالله ينتظر المتهمة، وفي عقله صور سيئة عنها. لكنه عاهد الله أن يساعدها قدر المال الذي سيأخذه من أمها، ثم يترك القضية. ليفتح الباب ويدخل العسكري وهو يجر فتاة، ما أن وقفت أمامه حتى ارتـعش كيان عبدالله كله. فأمامه شابة صغيرة تكاد تكون طفلة، بعيون زرقاء مليئة بالدموع، وجسد ضئيل يرتعش.
ما رآه نسف كل ما كان في مخيلته. وقبل أن يتحدث معها، وجدها تقول بصوت خائف مرتعش: "والله العظيم أنا ما قتلت حد، والله العظيم أنا بريئة، والله بريئة. والله أنا ما قتلت حد." أفقدته كلماتها الخائفة القدرة على الكلام، فقد كانت صادقة لدرجة شديدة. وأشعلت بداخله رغبة عجيبة أن يضمها إلى صدره حتى يوقف ارتجافها. فبدون شعور، مسك يدها الباردة وقال: "آنا مصدقك، بس عايز أعرف إيه اللي حصل بالظبط." لم تعرف لما توقفت الدموع في عينيها،
وهي تقول: "مش فاكرة، والله العظيم مش فاكرة. إلا إني كنت في مشوار عند المعلم قدري وأنا مروحة، الدنيا كانت ضلمة قوي، بس مش فاكرة حاجة، والله العظيم ما فاكرة حاجة تاني." وأجهشت في البكاء. فابتسم لها ابتسامة مطمئنة ليهدئ من روعها مع وعد بالمساعدة. وفي نفس الوقت، دخل عليهم الشاويش يحمل نسخة من أوراق القضية، ففتحه عبدالله بدافع الفضول، ولكنه صعق ودارت الدنيا من حوله عندما قرأ اسم القتيل. ***
في الغرفة المجاورة، جلس المحقق المسؤول عن القضية وهو مبتسم، يرتشف من قهوته يتلذذ، ويضيف إلى متعته بعض أنفاس سيجارته. فما حققه اليوم يعد إنجازاً. فقد أنهى القضية في وقت قياسي، وسيسهل الأمر هذا المحامي، فهو قليل الخبرة ومبتدأ.
لم يمنع ابتسامته وهو يتوقع ترقية أو حتى مكافأة استثنائية، فالقضية منتهية. فتقرير الطبيب الشرعي أوضح أن البصمة الكاملة على السكين هي بصمة المتهمة. لكن المحقق أخفى أن هناك بصمات أخرى مجهولة، ومنها بصمة القتيل نفسه. كما همش أيضاً أن المكان الذي وجدوا فيه القتيل لم يكن الموقع الأساسي للجريمة، وأن الطب الشرعي والجنائي تتبعوا مسار الدم حتى وصلوا إلى عمارة تحت الإنشاء يمتلكها القتيل. كما همش وجود آثار لمعركة.
كما تعمد تشكيك المعلم قدري في موعد خروج المتهمة من عنده، وكتب ميعاد مختلف، لأن المدة التي ذكرها المعلم قدري لا تكفي للقيام بالجريمة. كما أكد وبشدة اعترافها في مسرح الجريمة أنها السبب في موت القتيل. كما أصر على أن يشهد كل الموجودين في مكان الجريمة على اعترافها والتأكيد بأنها اعترفت بدون أي ضغط أو إكراه.
كما أبرز وأكد ما قاله الجيران عن سوء سمعة الفتاة، وهو يعلم جيداً كمية الشائعات التي تنتشر بعد كل جريمة، لتصبح الصورة النهائية مجرد ساقطة سيئة السمعة تستدرج الرجال من أجل المتعة المحرمة، ولما اختلفت معه في أجرتها قتلته. *** بعد ثلاثة أشهر. جالس في مكتبه وقد افترش أمامه أوراق القضية، والخوف مسيطر عليه. فالقضية كبيرة وصعبة، لا ينكر، والخوف أن يخسرها فيكون السبب في هلاك ياسمين.
هو واثق في براءتها بنسبة مائة في المائة، حتى قبل أن يدرس القضية. فبمجرد أن قرأ اسم القتيل (عماد الهادي)
المحامي، لم يصدق أن تكون نهاية عماد الهادي أسطورة القانون، الحلم الأول لكل محامي أن يكون مثله. كل طالب يتمنى أن يتدرب تحت يديه، يأخذ من خبرته ويشرب سر الصناعة منه، ويبني اسماً كاسمه. فعماد هو الوحيد القادر على قتل القتيل والسير في جنازته بدم بارد، بل ويطالب من أهل القتيل التعويض. لا يعرف الرحمة، لا يعرف العدالة والحق، لا يعرف إلا المال. لكن ما فائدة المال وقد قتلته فتاة صغيرة.
لكن لا مستحيل في ياسمين، ضئيلة وضعيفة، كيف تقتله بدون أي مقاومة من عماد، وخاصة أنه عملاق بالنسبة لياسمين، فهو ضخم جداً وممتلئ وقوي البنيان، حتى ولو كانت تمسك السكين، فمعروف عن عماد مهارته الشديدة في قتال الشوارع، فهو قادر أن يقسمها نصفين بيديه العاريتين. فكيف تقتله ياسمين بدون أي خدش في جسدها، وهذا ما أكده الطب الشرعي. الأمر فيه سر غريب.
آه لو وافقته هذه الفتاة، لكانت انتهت القضية. فما عليها إلا أن تدعي أن عماد خطفها وحاول الاعتداء عليها، وأنها قتلته للدفاع عن شرفها، لأخذت براءة فوراً، وخاصة أن معظم المنطقة ملك لعماد الهادي، أي أنه خطفها في أملاكه. وما سيساعد أيضاً أنها لم تدلِ بأقوالها عما تذكرته، لكنها رفضت وأصرت أنها لن تتهم هذا الرجل بهذه التهمة البشعة، فهو بريء منها، وهو بين يدي الله الآن.
مسكينة، لا تعلم من هو عماد الهادي. فلو كان حياً وطلب منه الدفاع عنها، لكان هذا الاتهام هو أول أفكاره، وتليها أفكار أخرى تنتهي بالبراءة الأكيدة مع التعويض. لكن ياسمين محقة، فلن أدنس سمعتها بهذه الوصمة، يكفيها ما نالها. ***
خرجت حبيبه مسرعة من البيت، فقد اقتربت جلسة محاكمة ياسمين، تاركة أبنائها يرعون أباهم. ولأنهم أطفال، فقد انشغلوا باللعب ونسوا طلب أمهم ألا يزور أحد أباهم. فقد شغلهم اللعب ولم ينتبهوا للضيف الكريم، صابر الحلاق، الذي دخل ليطمئن على عم سعيد، وبالمرة يسأله عن القضية. ولم يعلم أنه سيذبح عم سعيد. فقد سمع أهل الحارة صوت صرخات عالية تأتي من السطح، ليجتمع الجيران وهم يشاهدون عم سعيد وهو يصرخ ويقول:
"هاتولي بنتي، أنا عاوز بنتي. كان قلبي حاسس، بيقولوا ليا في معسكر وأنا قلبي كان حاسس إنها في مصيبة." فحاول البعض تهدئته: "وحد الله يا عم سعيد، بنتك إن شاء الله هتخرج براءة." لكنه كان كالأسد الذبيح، يحرك يديه في كل مكان ويتلفت بوجهه في كل اتجاه. أما عينيه غير المبصرة، فقد كانت تفيض بالدموع على ابنته وعلى عجزه. نظر الجميع باللوم لصابر، الذي قال: "وأنا مالي؟
إيه عرفني إنهم مخبيين على الراجل فضايح بنته." ليهيج سعيد أكثر ويدفع بنفسه من على السرير ليسقط على الأرض وهو يصرخ وينادي على حبيبه زوجته وياسمين ابنته. وكلما اقترب منه أحد ليساعده، دفعه بيديه، ليزحف بيديه ويجر جسده ليحاول فتح الباب وهو يقول: "أنا اللي هجيب بنتي... أنا اللي هاحميها من الناس كلها... بنتي مش بتعمل فضايح... كتر خيركم كلكم." ليؤلمه جسده المتعب، فالمجهود والحركة ممنوعة عليه،
لينهار جسده ويقول: "يارب"، ليفقد الوعي ويسرع الناس باستدعاء الإسعاف. فتدخل حبيبه الحارة لتجد أبناءها يبكون بانهيار ورجال الإسعاف يحملون جسد زوجها للمستشفى، وتدور الدنيا من حولها. *** بعد فترة، وفي المحكمة.
وقفت ياسمين في قفص الاتهام بعيون زائفة. لم تهتم لوكيل النيابة الذي وقف يتحدث عن القضية واتهمها بأسوأ الاتهامات، ولا بوصفه لها بالفجر وسوء الخلق، وهو يؤكد اعترافها بالقتل بدون أي ضغوط، فهي اعترفت بنفسها. كما أكد الشهود اعترافها. لم تنتبه لنص القانون ولا لطلبه بتطبيق أقصى عقوبة وهي الإعدام شنقاً بسبب القتل العمد.
فعيونها كانت تدور بين وجوه الناس. لم تبحث عن حسن، ولا حتى عم مرزوق والده، أو حتى زملاؤها في العمل. فهي لا تتذكرهم، لأن الأهم الآن أمها، أين هي؟ لم ترها منذ وقت طويل، منذ أكثر من أربعة أشهر كاملة. قلبها يؤلمها بشدة. كانت تجيب على أسئلة القاضي وممثل الادعاء بصوت مرتجف، لا يقويها إلا عيون عبدالله الحانية ونظراته المشجعة لها، حتى تذكر أدق التفاصيل. وتحكي كل شيء للقاضي.
في الجلسة التالية، عادت عيونها تبحث عن أمها بخوف أشد، فأمها لن تغيب عنها إلا لسبب قوي. لم تركز بدفاع عبدالله المستميت عنها، وهو يشكك في شهادة الشهود ويؤكد أنها لم تكن في وعيها عندما اعترفت. جرحتها نبرة الفخر وهو ينفي عنها صفة الانحلال والفجور، وهو يرفع بفخر شهادة الطبيب الشرعي الذي أكد أنها لا تزال عذراء. هل شرفها يحتاج إلى شهادة؟ هل لأخلاقها أوراق رسمية مختومة؟ ما عرضه ليس براءتها، ولكنه تدنيس لبراءتها.
لكن ليقول ما يريد. فكل ما تحتاج إليه هو أمها. هل هذا مطلب صعب لهذه الدرجة؟ أما عبدالله، فما زال في دفاعه المستميت عنها، مؤكداً وجود بصمات مجهولة، وأن هناك دليل قوي. فالسكين ملك للقتيل. والدليل الأقوى أنها من استنجدت بالناس حتى ينقذوا الضحية، فكيف تقتله وتحاول إنقاذه. أما هي، فاختفت الأصوات من حولها،
إلا صوت يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله. البت مات أبوها وأمها وإخوتها ضايعين." ويتزامن ما سمعته مع صوت القاضي الذي يعلن الحكم النهائي على المتهمة ياسمين سعيد بالحبس لمدة عشر سنوات بتهمة القتل الخطأ. لتغلق القضية وتسقط ياسمين مغشياً عليها. *** قالوا أن أيام السجن كلها متشابهة، فالنهار واحد والليل واحد. لكن السجين لا يتذكر إلا يومان هما الأطول في حياته: أول يوم حبس، واليوم الأخير قبل الإفراج.
أما ياسمين، فأول يوم كان الأصعب على الإطلاق. ففي هذا اليوم خسرت القضية وخسرت حريتها وخسرت عائلتها، ومات أبوها وحبست ظلماً. وما أطول ليل المظلومين. فكانت كالجثة الهامدة، تدفعها السجانات حتى وصلت لعنبرها في السجن، والذي ستقضي فيه فترة العقوبة. ولأن الضرب في الميت حرام، فقد تنازلت المسجونات عن إقامة حفلة الاستقبال الشهيرة، وتركوها. فما أن وجدت سريرها حتى انفجرت بالبكاء وظلت تنتحب وتصرخ، فلم تشعر إلا وهي تُسحب من على فراشها وتُلقى على الأرض، ويد قوية تسحبها من شعرها بقوة، وتوالت الصفعات على وجهها حتى دارت بها الدنيا، وسالت الدماء من أنفها وفمها،
ثم سمعت صوت قوي خشن يقول: "شوفي يابنت الكلب، إن سمعت لكِ نفس واحد هامسح بيكِ أرض العنبر، فهماني يا بت. يالا اتخمدي، وحسك عينك أسمعلك نفس واحد، ومن بكرة هتقومي تنضفي العنبر كله وتمسحي الحمامات، سمعاني يا روح أمك، يالا اتخمدي."
هكذا قضت ياسمين أول لياليها في السجن. ليأتيها الصباح وقد تعلمت أول درس لها في السجن، فإما أن تكوني قوية شديدة سليطة اللسان، فتصبحي من الكبار أصحاب الكلمة المسموعة، أو ضعيفة رقيقة، فتكوني من الخدم. ولأن ياسمين هشة رقيقة، فقد صنفت من الخدم، تنظف الحمامات وتمسح الأرض وتغسل الملابس.
في الماضي، كانت تقوم بنفس الأعمال، لكنها كانت ترى نظرة الامتنان من أمها وتسمع دعوات أبيها. أما الآن، لا ترى أي امتنان، ولم تسمع أي دعوات، بل شتائم وإهانات. لتعلم ثاني درس لها في السجن، فما يحدث داخل العنبر لا يخرج منه أبداً، وكل شيء بيد الريسة، فلا تنتظر من سجانة مساعدتها، ولا من مأمور السجن حمايتها. ***
لقد رحلت ياسمين. ركبت سيارة الترحيلات ورحلت بعد أن ألقت لي نظرة وداع أخيرة. لتُهيّج بداخلي نفس الرغبة الشديدة في أن أضمها إلى صدري، لكنها رحلت ورحل معها آخر أمل لي في مهنتي. كانت أول قضية، وآخر قضية. من سيوكل محامي فاشل خسر أول قضية له، وموكلته محكوم عليها بالسجن عشر سنوات كاملة.
هذا ما اعتقده عبدالله وهو يودع ياسمين. لكن المفاجأة التي حدثت له بعد عودته بيوم واحد، حينما زاره من يوكله في قضية ضرائب. وبعدها بيومين، يجد من وكله في قضية مخالفة بناء، وفي نفس اليوم تأتيه قضية الدفاع عن سائق في حادث تصادم.
ثم تأتيه المفاجأة الكبرى، عندما وكله أكثر من مائة وخمسين عاملاً في إحدى الشركات التي بيعت حسب قانون الخصخصة، وقد تم تسريحهم من العمل. ويبدو أن صاحب الشركة كان على استعداد للتفاوض، فتم الاتفاق من أول جلسة، ليحصل العمال على التعويض المناسب، ويحصل عبدالله على مبلغ مالي كبير هو نسبته في القضية، ليتحول من محامي معدم إلى محامي مشهور، وخاصة أن وكله عمال آخرين من أجل الحصول على تعويض لهم.
ولما تعمد الحديث معهم بصورة ودية واستدرجهم، وجد أن إجابة الكل تقريباً واحدة. عندما سألهم لماذا اختاروه بالذات للدفاع عنهم، كانت الإجابة أنه أنقذ الفتاة من الإعدام المؤكد، وحول القضية من القتل العمد إلى القتل الخطأ، لتنتهي بالسجن عشر سنوات فقط. الكل يراه رابحاً في هذه القضية، إلا هو، ليعرف أن السبب الرئيسي لتحسن وضعه هو القضية الأولى، وأن لياسمين دور كبير ومهم في حياته. ***
السجن عالم خاص بذاته، تحكمه قوانين عامة، وهو ما يطبقه مأمور السجن والحراس. أما القوانين الحقيقية التي تطبق داخل العنابر المغلقة، فهي قوانين يصدرها القوي ليطبقها الضعيف، وعلى قدر مكانتك في السجن، تضع قوانينك الخاصة. ففي عنبر (٣١) توجد ياسمين، ضعيفة، فعليها الطاعة. وهناك (سوكه)
زعيمة العنبر، وهي من تشرفت بتلقين ياسمين أول دروسها في أول ساعاتها في السجن، ولم تتركها إلا وقد امتلأ جسدها بالكدمات، وشفاهها وارمة بعد أن نزفت وسال الدم منها. *** بعد ثمانية أشهر. وصل الأستاذ عبدالله اتصال خاص من مأمور السجن، يطلب منه بصورة ودية زيارة ياسمين، بناءً على طلب منها.
في اليوم التالي، كان عبدالله جالساً في مكتب مدير السجن ينتظر دخول ياسمين. يعلم أنه قصر في حقها، وأنها ستلومه بشدة، فقد نسيها. ستلومه بالتأكيد على خيانته لوعده، فقد وعدها ألا يتركها أبداً، لكنه انشغل بالقضايا والموكلين، وقد نسي أن كل ما وصل إليه بسببها. بعد دقائق، فتحت السجانه الباب لتدخل ياسمين بملابس السجن البيضاء، وتضع على رأسها شال أبيض. ليتركهم المدير. فنظر إلى وجهها مطولاً، ثم سألها: "إيه أخبارك إيه يا ياسمين؟
عاملة إيه هنا؟ فتقترب منه وتنزل على ركبها أمامه، وتقول بصوت باكي متوسل: "أبوس إيدك، نفسي أشوف أمي. أنا بموت والله بموت، ومش عايزة أي حاجة غير إني أشوفها، ولو لمرة واحدة. وجميلك هيكون على راسي طول عمري، بس أشوفها ولو لمرة واحدة." ليفوق من صدمته، ويمسكها من ذراعيها ويجلسها على الكرسي، ويقدم لها كوب ماء لتشرب وتهدأ. ولم يتركها إلا بعد أن وعدها أنه سيأتي بأمها.
جالس في مكتبه، وأمامه بعض الأوراق والمتعلقات الشخصية، وهو يتذكر زيارته البائسة إلى الحارة، حتى يسأل عن والدة ياسمين ويطلب منها زيارة ابنتها. ليتفاجأ أن صاحب البيت طرد العائلة من الشقة البائسة بعد موت عم سعيد بأسبوع واحد. هل تتخيل عائلة حزينة مات رجلها؟ وأرملة فقدت زوجها وابنتها في السجن، وتطرد من البيت الذي يأويهم.
إن اعتبرناه بيتاً، بل مكان متهالك، عشّة الفراخ أفضل منه. وبالرغم من ذلك، طردوا منه هي وأطفالها الصغار في الشارع. كاد أن يجن، وهو يصرخ في صاحب البيت: "إزاي جالك قلب ترمي عيلة كاملة في الشارع؟ مش كفاية الراجل اللي مات والبنت اللي انحبست؟ هو ما فيش في قلبك رحمة؟ فيرد الرجل بصوت عالٍ لا يخلو من السخرية:
"سبتهم شهرين ما دفعوش الإيجار، وكفاية لحد كده، وأنا أولى بالبيت. ولو صعبانين عليك قوي وقلبك كبير، روح دور عليهم في الشوارع. ولما تلاقيهم، ابقى اصرف عليهم إنت يا حنين." ليرد عليه عبد الله بألم: "ياريت ألاقيهم، بس ربنا أحن عليهم منك، هو اللي هيتولاهم برحمته مادام الرحمة اتشالت من قلوب الناس." فيقول الرجل باستخفاف: "طيب يا بتاع الرحمة، استنى خد شوية الزبالة اللي سابوهم."
يتنهد بحزن وهو يقلب في الأوراق التي أخذها من صاحب البيت. بعض الوصفات الطبية والشهادات المرضية والفواتير وصور لشهادات الميلاد. لكنه وجد من بين الأوراق صورة عائلية. ظل يتأمل الصورة. الكل فيها الأب بعيونه الزرقاء وشاربه الأشقر، أكيد ورثت ياسمين ملامحها من أبيها، لأن أمها ملامحها عادية بعيون سوداء وبشرة بيضاء.
ثم ينتقل بنظره إلى ياسمين. يبدو أن الصورة قديمة، لأنها كانت صغيرة تقريباً في الخامسة عشر من عمرها، ذات ملامح طفولية، تبتسم ابتسامة جميلة. أما شعرها فهو كالعادة مجموع في ضفيرة كعادتها. ترتدي فستاناً أحمر بسيطاً. وأخوها الصغير في الثامنة بملامح تشبه أمه. وأختها الصغيرة في الخامسة أو أصغر تحملها الأم على ذراعها. صورة ظريفة لعائلة بسيطة. أظنهم التقطوها في أحد الأعياد. مسكينة ياسمين، لا أعرف كيف سأبلغها بهذه الكارثة. ***
تحتضن الصورة بكلتا يديها ودموعها تسيل في صمت. فهذا ما تعلمته في السجن: الصمت وعدم الاعتراض. ثم أمطرت الصورة بمئات من القبلات. فتنظر إلى صورة أبيها ووسامته وقوته قبل أن يهده المرض، وعيونه الجميلة قبل أن تسرق الحادثة نورهما. ثم إلى وجه أمها البشوش. وأخيها الصغير. والبرائة الشديدة في عيون أختها الذهبية وشعرها الأسود الجميل، فقد كانت مها مزيجاً لطيفاً بين أمها وأبيها. ثم تقول بين دموعها:
"كنا صغيرين قوي في الصورة دي، كانت ماما لسه في أول حملها بآية." فيصدم عبدالله ويسألها: "عندك أخت تالتة؟ فتهز رأسها وتقول مبتسمة: "بيقولوا نسخة مصغرة مني. لكن كنت بشوفها أجمل بنت في الدنيا. وبدعي ربنا إن يكون حظها أحسن من حظي." عبدالله: "يا ياسمين، كل شيء بأمر الله. عارف إنك في حالة من الحزن والألم، ولكن الصور وأخبار العائلة ليست كل ما تريد أن أحدثك عنه." ياسمين: "هو فيه حاجة تانية؟ عبدالله:
"طبعاً يا ياسمين، فيه دراستك ومستقبلك." ياسمين: "مستقبل إيه يا أستاذ عبد الله؟ أنا خلاص انتهيت." عبدالله: "لأ يا ياسمين، ما انتهتيش. لازم تنهي دراستك عشان نفسك وحياتك. إنت مش هتبقي في السجن طول عمرك. على العموم، أنا قدمت طلب لمدير السجن إنك تكملي دراستك هنا." ياسمين بحماس: "بجد ينفع إني أكمل؟ بجد؟ عبدالله:
"أكيد، وخاصة إنك في خدمة اجتماعية، يعني دراسة نظرية. ومدير السجن وعدني إنه يساعدك في الكتب والمراجع المتوفرة في مكتبة السجن. أما الدراسة الميدانية، فا هتكون هنا في المؤسسات التابعة للسجن." ***
قالوا إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب. لكنهم لم يذكروا أن الإنصات فن وموهبة نادرة. أن تجد من يستمع إليك، يترك لك المجال بأن تخرج ما في قلبك دون احتقارك أو تهميش كلامك، دون محاولة فرض السيطرة عليك أو المقاطعة لإظهار مدى جهلك. فن وموهبة فذة اكتشفتها ياسمين في السجن.
أعطت لكل سجينة المجال أن تتحدث. فمسموح الكلام، مسموح البكاء. وإن كان في الصراخ راحة، فمسموح الصراخ. قد أتقبل أيضاً القليل من السباب، مادامت النتيجة النهائية هي الراحة. من يظن أن وراء هؤلاء المسجونات المتحجرات قصصاً حزينة تدمي القلب. كانت تستمع إليهم في إطار دراستها، ولكنها تجاوزت مرحلة الدراسة، فقد نجحت في الصف الثالث بتقدير جيد، وفي الصف الرابع بتقدير جيد جداً.
لم تصدق عبدالله عندما أخبرها بالنتيجة، فقد كانت تنجح وهي راسبة في مادة أو مادتين. الأعوام تمر، وقد تخرجت من الجامعة وحصلت على شهادة التخرج. وفرحت جداً عندما لم يذكر السجن في شهادتها، فقد حرص مدير السجن بلمسة إنسانية ألا يذكر السجن إلا كمؤسسة تدريب فقط، حتى يعطي لها الفرصة الحقيقية في العمل والبدء من جديد.
بالرغم من انتهاء دراستها، إلا أنها ظلت تعمل كأخصائية اجتماعية ومساعدة أطفال المسجونات في دور الحضانة التابعة للسجن. وهذا من حسن حظها، فقد توقفت المسجونات من مضايقتها، بل وأحببنها. ومن حسن حظها أنها تبقى في هذه المؤسسات طول اليوم، فلا تدخل العنبر إلا للنوم، ولا تلتقي بالمسجونات إلا في حصص الطعام، أو يأتون إليها ليتحدثوا وهي تسمع لهن. ابتسمت بسخرية عند ذكر أغرب من زارتها في عملها، أكيد (سوكه الجبارة)
، كما يطلق عليها. من يصدق أن هذه المتوحشة المحكوم عليها بالمؤبد وأكثر، امرأة أهانتها وضربتها ودائماً ما تترك علامات زرقاء في وجهها. هذه الجبارة يكون في حياتها جانب حزين مؤلم. فقد سجنت في قضية اتجار بالمخدرات، وقضت حتى الآن سبع سنوات كاملة.
فقد بكت سوكه من شدة شوقها لأبنائها الستة، فآخر مرة زاروها من حوالي أربعة أعوام. وتحدثت عن الفقر واليتم، وعن الليالي التي قضتها تعتصر من شدة الجوع، قبل أن يصطادها أحد المروجين ليغريها بالمال والطعام، لتصبح مروجة معه، ثم تتزوجه بعد فترة، لتصبح تاجرة ومروجة لهذا السم.
استمعت لها ياسمين بانتباه، ولم تمنع دموعها من النزول وهي تسمع من سوكه مقدار اشتياقها لأبنائها. فقد اشتاقت بشدة لأمها وأخوتها. لكن بعد لحظة، تلقت صفعة قوية على وجهها كادت أن تخلع فكها من قوة الصفعة. فقد سالت الدماء من شفاها. فقد تحولت سوكه إلى وحش وهي تقول:
"أوعى، وحسك عينك أصعب عليكي، وإياك أشوف دموعك دي. أنا مش مسكينة محتاجة شفقتك. إنت مجرد خدامة في السجن ده، حتى لو اترقيتي، ففي النهاية إنت مجرد خدامة. كنتي بتغسلي لي لبسي وتمسحي الأرض، فاهمة." ثم تتركها لتعود لعنبرها بكل قوة وتجبر. ابتسمت ياسمين في أسى، فلم يزرها في السجن إلا عبدالله. هو الوحيد الذي يزورها بصورة متكررة، مرة كل شهر يأتي لها بالضروريات ويترك أموال في (كانتين) السجن.
تغير كثيراً عن أول مرة رآه فيه، فقد أصبح أنيقاً، شديد الوسامة بملامحه المصرية السمراء، وقد زادته النظارة الطبية وسامة وهيبة. هو الوحيد الباقي لها. سبحان الله، هذا الغريب يحن عليها ويزورها. أما جيرانها ومن عاشت وتربت بينهم، فلم يسأل عنها أحد منهم، حتى من ظنت أنها تحبه وبكت عليه ليالي طويلة، لم يسأل عنها أبداً. وحتى أبوه عم مرزوق أيضاً. *** دخلت غرفة مدير السجن، فاليوم موعد الزيارة الشهرية.
ليستقبلها عبدالله كالعادة بالابتسام، لكن هذه المرة ابتسامته مختلفة جداً، كانت واسعة وعيونه لامعة بشدة، والحماس واضح في وجهه، ليقول بفرحة: "عندي لك خبر بمليون جنيه." ياسمين بفرحة: "أكيد عرفت مكان أمي وإخواتي صح؟ فتختفي ابتسامة عبدالله للحظة. "للأسف لا." لكن الابتسامة تعود وهو يقول بحماس: "خلاص يا ياسمين، هتخرجي من السجن." فتنظر له بدهشة واضحة وتقول: "إزاي؟ مستحيل، أنا محكوم عليا بعشر سنين، لسه كتير قوي."
فيجيبها بابتسامة: "أصدر الوزير العفو عن ألف مسجون بمناسبة الاحتفالات بعيد التحرير، بشرط حسن السير والسلوك وأن يكون قضى ثلاثة أرباع مدة الحبس." فتفكر قليلاً وهي تحسب، ثم تقول: "أنا هنا من خمس سنين، لسه كتير على سبع سنين ونص مدة ثلاثة أرباع مدة الحبس." فيجيب عليها شارحاً:
"يا ياسمين، السنة في السجن 9 شهور مش 12. مدة العشر سنوات تسعين شهر مش مائة وعشرين شهر. ولو حسبنا ثلاثة أرباع التسعين، حوالي ستة وستين شهر، يعني حوالي خمس سنوات ونصف تقريباً. وأنت اتحبستِ خمس سنوات هنا وحوالي سبع أشهر في الحبس الاحتياطي، وتم دمج المدتين، فأصبحت حوالي... فتقول مقاطعة: "مش فاهمة أي حاجة." فيضحك عبدالله:
"مش مهم، المهم إني اتأكدت إن اسمك ضمن المسجونات الحاصلات على العفو، وبمجرد الانتهاء من الإجراءات ستخرجين. يعني بعد عشرة أيام أو خمسة عشر يوم." كانت تستمع له وهي تبكي، لكن هذه المرة كانت دموع مختلفة، كانت دموع فرح وسعادة. أخيراً هذا العذاب سينتهي. *** في العنبر، الكل يحتفل بخبر الإفراج عن ياسمين بالغناء والرقص، وسلسلة من التوصيات من المسجونات لياسمين: "أوعى تنسينا يا ياسمين." "زورينا دايماً يا ياسمين."
والبعض الآخر حملها رسائل إلى أهلهم، ومنهن من طلب منها زيارة أبنائهم أو أزواجهم. وهناك من طلب منها زيارة زوجها في سجن آخر وتعطيه رسالة خاصة. أما ياسمين، فقد كانت تعد الكل بتلبية طلباتهم. لم يوقفها إلا نداء من سوكه لها. فعرفت ياسمين أن سوكه ستطلب منها معرفة أخبار أولادها.
لكن ما أن اقتربت من سوكه، حتى تلقت كالعادة صفعة قوية جداً من سوكه، ربما كانت أقوى صفعاتها. وبعدها أخذت الرسائل والعناوين ومزقتهم جميعاً، ثم ترمي بالرسائل الممزقة في وجه ياسمين وقالت: "يا مرة منك ليها، كل واحدة عايزة تبعت رسالة تبعتها عن طريق إدارة السجن. البت دي مش هتودي لحد حاجة، وإللي عايزة تعارضني تقوم توريني وشها عشان يبقى آخر يوم في عمرها." "فهماني يا مرة منك لها." الكل صمت وخاف. ثم وجهت كلامها لياسمين:
"إحنا مش أهلك وإنتي عمرك ما كنتي واحدة مننا. إنتي مجرد خدامة هنا، أوعى تنسي ده. بس انسـينا، اخرجـي من هنا وابعدي، دوري على أمك وعيشي خدامة تحت رجليها، ولو جالك واحد (بيمسح الجزم) اتجوزيه وبوسي إيديه كل يوم إنه اتستر على واحدة زيك. رد سجون." "سمعانى." فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب. فتكمل سوكه بتهديد: "ولو عرفت بس إنك عتبتي باب قسم أو قضيتي يوم واحد في السجن تاني، هجيبك وساعتها مش هرحمك، فهماني يا بت."
فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب. فتتركها سوكه وتوجه حديثها للكل: "يالا اتخمدي منك لها، ومش عايزة أسمع حس أي واحدة فيكوا." وهكذا أنهت ياسمين آخر يوم في السجن كما بدأته، مضروبة بوجه وارم وكدمة زرقاء على خدها. *** اقتربت إحدى المسجونات منها وقالت بهمس: "أنا عارفة إنك لسه صاحية. ليه عملتي معاها كده؟ أنا عارفة إنك بتحبيها. ليه بتقسي عليها وتخليها تكرهك؟ فاعتدلت سوكه ونظرت في عيون صاحبتها وقالت بصدق:
"مش عاوزاها تتعلق بنا. لو ما عملت كدا كانت هتضيع. إنت مش عارفه نوايا كل واحدة من المسجونات حوالينا. لو سبتها لهم كانوا ضيعوها من زمان. كنت بضربها وجعلتها خدامة هنا، لكن كانت عيني عليها طول الوقت. دي طيبة وعلى نياتها ومش لها حد، وبتوع المخدرات وبتوع الآداب يحبوا النوع ده، سهل يورطوها وسهل ياخدوها في سكنهم. لكن طول ما هي تبعي كانوا بيخافوا يقربوا منها." فتكمل زميلتها:
"عشان كده طلبتي من مدير السجن إنها تستمر في عملها مع أولاد المسجونات عشان يقل احتكاكها بيهم؟ فترد سوكه: "أنا حميتها هنا وانتهى دوري خلاص. لكن بره السجن، هيا حرة، تحافظ على نفسها أو حتى تضيع." فتسألها زميلتها: "طيب ليه مش بتحكي ليها كل ده؟ ليه سبتيها تكرهك؟ فتستلقي سوكه على فراشها وتقول منهية الحديث: "ده اللي أنا عاوزاه، تكره كل حاجة هنا عشان ما تفكرش ترجع تاني، لا زائرة ولا مسجونة."
بعد عشرين يوم من العذاب قضتهم ياسمين في حجز القسم التابع لها حتى تتم إجراءات الإفراج عنها، لتخرج أخيراً من القسم مع رفيقها الذي لم يتركها. هو طبعاً الأستاذ عبدالله المحامي، بالتأكيد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!