الفصل 2 | من 8 فصل

رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الثاني 2 - بقلم حياة محمد الجدوى

المشاهدات
21
كلمة
6,025
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

أما في الناحية المقابلة، وبعد السهرة الطويلة التي ظلت حتى الفجر، انتهى به نائمًا في مكان غريب، غير مرتب، وشعر أشعث، ورائحة كريهة من الخمر. وعلى جواره نائمة إحدى صديقاته شبه عارية. فقد نام الجميع في صالة الشقة، وقد امتلأ المكان بزجاجات البيرة وأطباق، بعضها مهشم والآخر عليه بقايا الطعام، وكاسات زجاجية في كل مكان.

هذا ما تبقى من الليلة الصاخبة من احتفالهم بعام 2000، فقد ظلوا يرقصون ويسكرون حتى هدهم التعب، فناموا جميعًا من شدة التعب. ليستيقظ أحمد وهو يمسك رأسه من شدة الصداع، ليجد نفسه في هذه الصورة القذرة. وينظر إلى ساعته ليجدها تشير إلى السابعة مساءً، فقد ظل نائمًا طول اليوم في هذا البيت الغريب. فقام يبحث عن جاكيت بدلته ويتجه إلى الباب وهو يترنح من الصداع وبقايا الخمر، ليركب سيارته ويتجه إلى الفيلا.

ويتفاجأ بوجود خالته قسمت هانم وابنتيها. الكبيرة هايدي الحسناء، كثيرة الشبه بأمه، فهي ذات ملامح أرستقراطية، عيون ذهبية واسعة، وشعر أسود طويل، وبشرة بيضاء نقية، ونظرة غرور نابعة من طبيعة حياتها. فهي وعلى اقتدار من استحقت لقب حفيدة إبراهيم باشا توفيق، وهي في الواحد والعشرين من عمرها. أما الثانية فهي ميار في الثانوية، جميلة الملامح، ولكنها -وللأسف الشديد -تلميذة أحمد في التشرد.

ما أن دخل أحمد حتى نظرت له هايدي باشمئزاز، فملامحه قذرة وملابسه أكثر قذارة وملوثة من الخمر. فنظر له أبوه سامي بيه في غضب، ثم أشار إليه، فصعد أحمد مسرعًا إلى غرفته ليأخذ شاور سريع ويبدل ملابسه، ثم ينزل بسرعة ليجد العائلة على السفرة يتناولون وجبة العشاء. فيسحب الكرسي بجوار هايدي ويتناول العشاء بسرعة وبدون الاهتمام بآداب الطعام. فقالت أمنية هانم بغضب: "عيب يا أحمد، كل بهدوء لو سمحت." فيجيبها بدون اهتمام:

"سوري يا مامي، بس ما أكلتش من امبارح." فيرد أبوه بصرامة: "ماهو لو تبطل صرمحة مع شلتك الصايعة دي كان انصلح حالك. عاجبك شكلك وانت داخل الفيلا؟ يقول الناس عنا إيه؟ فترد أمنية هانم بضيق: "أف يا سامي، كل يوم نفس الكلام. قلت لك أحمد شاب ولازم يعيش سنه زي الشباب اللي زيه. وكل الشباب كانوا بيحتفلوا امبارح، مش عارفة ليه انت عصبي." فيقوم سامي بيه من على طاولة الطعام ويقول بغضب:

"خلاص يا هانم، ابنك عندك. أنا خلاص شلت إيدي من تربيته. وشوفي انت نتيجة تربيتك له إيه؟ فيقول خالد بيه والد هايدي: "يا سامي بيه، ما تزعلش من أمنية هانم، واقعد كمل عشاك." فيجيب سامي بغضب: "شبعت الحمد لله. عن إذنكم." ثم يتجه إلى غرفة المكتب ليجلس وحيدًا وهو يفكر في حالة ابنه. فتقول هايدي: "بصراحة يا طنط (أونكل) سامي عنده حق." فتنظر لها أمها بغضب وتشير بعينيها حتى تصمت، لكن هايدي تكمل ببرود:

"إنت مش شفتي شكله يا مامي. كل يوم في النادي أسمع حكايات عنه وعن شلته." فيقول أحمد بغزل: "كل ده لعب عيال. إنت اللي في القلب يا جميل." فتقول هايدي بغرور وبصوت خافت: "إحلم على قدك." فيقترب منها أحمد ويقول: "ماهو إنت حلمي." فترد بقوة: "وانت عمرك ما كنت حلمي." وتقوم مسرعة من على طاولة الطعام. فيقول أحمد: "هنشوف يا هايدي، يا أنا يا إنت." ***

أما في الناحية الأخرى، عادت ياسمين إلى العمل، نفس العمل ونفس الحوض ونفس الأطباق، لكن ياسمين ليست ياسمين، فهي شاردة الذهن وحزينة. حتى اقترب منها نفس الصوت وهو مبتسم كالعادة: "مساء الخير يا ياسمين." فتلتفت إليه وتجيب: "مساء النور يا أستاذ حسن." فيمد حسن يده ليسلم عليها، فلأول مرة يبدأ هو بالسلام، ولأول مرة تنتبه ياسمين إلى يديها القذرتين، فتخبئها خلف ظهرها وتقول باعتذار: "أسفة، إيديا مش نظيفة." فيبتسم ويقول:

"على طول بسلم عليك وإيديك مش نظيفة، فعادي." لكنها تهز رأسها بالرفض، فيبتسم بإحراج لأنها ردت يده بدون أن تسلم عليه. فحاول أن يمتص هذا الإحراج، فطلب كالعادة صنع فنجان شاي كالعادة.

واتجه إلى صالة المطعم. نفس الفنجان ونفس الصينية، ونفس مقدار الشاي والسكر، ونفس الماء. لكن طعم الشاي مختلف جدًا. فالشاي ينقصه شيء لا يعرفه، ولن يعرفه أبدًا، ألا وهو قلب ياسمين. فشايها لم يكن بطعم الحب، بل كان بطعم الألم والخيبة مخلوطًا مع السكر، مما جعل حسن غير قادر على إكمال كوبه لأول مرة منذ أعوام. في الساعة الواحدة ظهرًا، كان أحمد جالسًا على ظهر سيارته البيضاء الجديدة وهو يشعر بالملل. فاقترب

منه صديقه وائل وهو يقول: "مالك يا بوص؟ مش في المود النهارده." أحمد: "ملل يا وائل، كله ملل. الجامعة ملل، والنادي ملل، والديسكو ملل. أف." وائل: "طيب أنا عندي اقتراح، إيه رأيك نغير الملل ده ونقضيها اليوم كله شعبي؟ تجيبه إحدى الفتيات بدلع مبالغ فيه: "ياي، شعبي؟ فين الشعبي ده؟ فيكمل وائل وقد بدا عليه الحماسة: "دي فكرة هائلة. نروح قهوة بلدي ناخد حجرين وندخل المطاعم دي اللي أسماءها تضحك. فاكر يا أحمد (كل واشكر)

(كشري أبو رزة) فيضحك أحمد مع الجميع، وقد لاقت الفكرة استحسان الكل. وبالفعل ركب الجميع السيارة، وارتفع صوت المسجل إعلانًا ببدء مغامرتهم الشعبية. ***

في الناحية الأخرى، كانت ياسمين تعمل في صمت حزين. وقد قررت أن تنسى حسن، وكيف لا تنساه وقد أعلن خطوبته على ابنة عمه هبه، وحددوا ميعاد حفلة الخطوبة بعد شهر، والفرح بعد خمسة أشهر. لتعيش حالة من الألم المضاعف. وتغيب عن العمل. ولم تفوق لنفسها إلا عندما رأت إخوتها والجوع ينهش في أمعائهم. فالعائلة كلها تعتمد على بقايا الطعام الذي تحضره كل يوم من المطعم. لذا تخلت عن غبائها وعن فكرة ترك العمل. فمن في ظروفها الحب بالنسبة لها كماليات مثل الزينة. فعدت إلى العمل.

لم يخرجها من سرحانها إلا الأصوات العالية والصرخات والضحكات التي ملأت المكان. وسمعت أحد الجرسونات يقول بضيق: "مجموعة من الشباب دخلوا المحل وواضح أنهم في حالة غير طبيعية." فلم تهتم وعادت إلى عملها. أما في المطعم، فقد انزعج كل الموجودين من هؤلاء الشباب وصوت ضحكاتهم العالي، حتى أتى لهم الجرسون وسألهم: "طلباتكم إيه يا كباتن؟ فضحك الجميع عليه، ثم سألت إحدى الفتيات بدلع: "عندكم إيه يتاكل يا عسل؟ فيضحك الكل عليها،

وكثرت التعليقات السخيفة: "إديه رقم تليفونك." "... لا ميعاد أحسن." فيقرأ عليهم الجرسون لائحة الطعام دون النظر لتعليقاتهم السخيفة على كل ما يعرضه الجرسون. "لحمة راس." "يع! إيه الكوارع دي؟ يعني إيه ممبار؟ كرشة؟ إيه القرف ده." بالرغم من ضيق الكل منهم، إلا أن الجرسون كان هادئًا وحاول أن يسيطر على أصواتهم، إلى أن خرج لهم حسن وهو غاضب: "إيه الصوت العالي ده؟ أنتم في مكان محترم. لو مش هتقعدوا بأدبكم، فلو سمحتم اخرجوا." فينتفض

أحمد وهو غاضب ويقول بغرور: "إنت بتطردنا؟ إحنا من هنا؟ دا أنا أشتريك انت ومطعمك وشارعك وفوقهم البهايم بتاعتك كمان." فينفجر زملاؤه بالضحك. أما حسن فيرد بكبرياء: "لا انت ولا فلوسك يهمني، فإما تقعد بأدب أو فارق." فيجلس أحمد ويضع ساق فوق الأخرى ويجيب: "أنا قاعد بفلوسي. إنت يا... ويشير إلى الجرسون: "هات كل الأصناف اللي عندك."

فيذهب الجرسون إلى المطبخ ويطلب من الطهاة التركيز في عملهم ووضع الطعام في أطباق مزخرفة راقية، فالزبائن هذه المرة من الطبقة العليا، ولابد من تشريف صورة المحل. وبعد قليل، وضع الطعام على الطاولة وقد امتلأت بالأصناف المتنوعة وانتشرت رائحة الطعام الشهية. لكن الفتيات ينظرن إلى الطعام بقرف، وقالت ميساء: "مش ممكن. مستحيل آكل من القرف ده." فيأخذ هاني إحدى قطع الكوارع ويقربها من فمها ويقول: "ليه يا ميسو؟ يالا دوقي. هم يالا."

فتصرخ وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي مغلقة فمها بقوة، ثم تصرخ: "شفت يا حيوان؟ بهدلت لبسي." وتملأ الملعقة بالأرز وتلقيها في وجه هاني، فيقول له. أحمد: "إمسكها، وأنا هاكلها منه غصب عنها." فيمسكها هاني، ويحمل أحمد قطعة من طاجن العكاوي ويضعها في فمها بالقوة. فتحمل رنا طبق التورلي وتلقيه في وجه هاني، الذي يحمل طبق الفتة ويلقيه في وجهها. ويتحول المكان إلى ساحة معركة بين الشباب، وقد تعالت صراخهم وضحكاتهم المجنونة.

ليخرج حسن بسرعة، فيجد الأطباق المهشمة والأكواب المحطمة والطعام المنتشر، وباقي الزبائن تركوا المكان ووقفوا بعيدًا يراقبون الوضع بغضب، وقد تلوثت ملابسهم من هذه المهزلة. فيصرخ حسن: "إيه قلة الأدب دي؟ أنا لازم أطلب الشرطة لأشكالكم. انتوا كسرتوا المحل ولازم أحبسكم كلكم." فيخرج هاني رزمه من المال ويلقيها في وجه حسن ويقول باستهزاء:

"مش إنت اللي تودينا السجن. احمد ربنا إننا فكرنا ندخل محلك المقرف ده. وأظن المبلغ ده أكتر من تمن الأكل والأطباق، وخلي الباقي عشانك. هههههههه." فيخرج هاني والبنات، ويكمل أحمد: "شرف ليك إننا كنا هنا. غيرك بيحلم إننا بس نعدي من جنب محله. ثم بشير باستهزاء: سلام." فيخرجوا من المحل، فيقول وائل: "إيه رأيكم فيه قهوة بلدي هناك؟ يالا نقعد فيها بشكلنا المبهدل ده. حقيقي فكرة تحفة." فتجيب رنا بدلع:

"لا مش ممكن. أنا عايزة آخد شاور دافئ وأغسل القرف ده. حرمت أسمع كلامك وأدخل مكان شعبي تاني." ليركبوا في سيارة أحمد. *** أما حسن، فبمجرد أن خرجوا، حتي صرخ على ياسمين، فخرجت بسرعة ووقفت تشاهد الكارثة. ليصرخ عليها حسن: "إنتي لسه هتتفرجي؟ يالا بسرعة نظفي المكان." فتدخل بسرعة وتعود وهي حاملة سلة المهملات وأدوات النظافة لتبدأ في جمع الأطباق المحطمة. ولكنها لاحظت وجود نظارة شمسية على الأرض، فحملتها بسرعة وهي تسأل: "نظارة؟

مين دي؟ فيجيبها أحد الزبائن: "أكيد نظارة واحد من الشباب الصايع اللي كانوا هنا." فتأخذها ياسمين وتتجه إلى الخارج حتى تعيد النظارة. فيقول الرجل في احتجاج: "الشباب ده ما يستاهلش. خديها ليكي أحسن، وإلا بيعيها." فترد عليه: "لا طبعًا، دي أمانة." في الخارج، يتلفت أحمد وهو يفتش في السيارة. فتقول ميساء: "واقف ليه يا أحمد؟ فيه حاجة؟ فيجيبها: "مش لاقي نظارتي." فتقول: "مش مهم، يالا بسرعة. مش طايقة هدومي." فيجيبها ببرود:

"عندك حق." ويدير السيارة لتنطلق، ولم ينتبه لتلك الفتاة التي تركض متجهة إليه وهي تحمل النظارة في يدها. لتعود إلى المطعم، ليناديها حسن في عصبية: "يالا يا ياسمين بسرعة نظفي المكان." لم تنتبه أن كل العيون تنظر لها وهي تقارن بينها وبين أولئك الشباب. فهي أصغر منهم في العمر، ولكن هناك فرق كبير بين من يبحث عن لقمة العيش ومن ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.

بدأت ياسمين في تنظيف الأرض وهي تتحسر على كل هذا الطعام. فالطواجن كاملة لم تمس، لكنها لن تأخذها إلى أهلها، فهي ملقاة على الأرض ومختلطة بالزجاج المكسور. لكنها لم تنتبه أن عيون الزبائن مسلطة عليها وهم ينظرون إليها في شفقة. ولم تنتبه إلى قطعة الزجاج الكبيرة التي جرحت يدها، فخرجت منها صرخة مكتومة. فينتفض أحد الزبائن ويتجه إليها بسرعة ويمسك يدها المصابة بيده، وبيده الأخرى يضغط على الجرح حتى يوقف نزيف الدم ويسألها:

"إنتي منيحة؟ فتنظر إلى عيون السائح الخضراء، وقد وترها قربه واحمر وجهها بشدة، فهزت رأسها بخجل. لتنتفض من صرخة حسن الذي رآها مع هذا السائح الغريب. "انتي عجبك القرف ده؟ يالا بسرعة وبلاش دلع."

لتنتبه فتجد يدها ما زالت في يد هذا السائح الذي أخرج منديلًا ووضعه على جرحها. فسحبت يدها من يده وأسرعت إلى المطبخ وهي تحمل سلة المهملات، وتعود مرة أخرى بسرعة ومعها مفرش جديد للطاولة وفوطة لتمسح ما تبقى من الأوساخ عن الحائط، ليعود المكان نظيفًا. أما أحمد، فقد عاد إلى منزله وهو منعش بعد هذا اليوم الغريب. فيصله خبر دخول والده المستشفى مرة أخرى.

انتهى العام الدراسي أخيرًا، لينجح أحمد ويتخرج من الجامعة بتقدير مقبول. أما ياسمين فتنجح، لكنها راسبة في مادتين، لكنها لم تهتم، فيكفيها أنها انتقلت للصف التالي.

أما أحمد، فاشتد عليه المرض، لتخرج الجرائد في اليوم التالي بالمقالات التي تنعى وفاة رجل الأعمال سامي عبد الله، وعن الخسارة الكبيرة التي خسرها قطاع رجال الأعمال بوفاة العقلية الاقتصادية الفذة سامي عبد الله، ومقالات أخرى عن الحزن الشديد الذي أصاب عائلته، وخاصة أرملته أمنية هانم حفيدة إبراهيم باشا توفيق.

لتعود الجرائد مرة أخرى للتحدث عن أحمد سامي بيه، رجل الأعمال الشاب الذي سيتولى رئاسة شركات والده، وعن المؤتمر الصحفي الكبير الذي سيقيمه في مقر الشركة الرئيسي ليتحدث عن مستقبل الشركات.

وطبعًا، كل ما نشر ما هو إلا إعلانات مدفوعة الأجر تعمدت أمنية هانم على نشرها. فقد دفعت مبالغ ليست هينة حتى تقدم ولدها بصورة تليق بحفيدة إبراهيم باشا توفيق. لأنها تعلم جيدًا حقيقة أحمد، أنه لا يعرف أي شيء عن العمل. فكان الاتفاق مع الصحفيين ألا يسألوه عن أي شيء يخص طبيعة العمل. فخرج المؤتمر بصورة شديدة السذاجة، وخاصة أن الأسئلة كانت من شاكلة: ما مواصفات فتاة أحلامك؟ أو الأماكن السياحية التي زرتها؟ وعن ماركات سيارته؟

والسؤال الأهم عن الإشاعة الخاصة بارتباطه بمغنية مشهورة، وإن كان سيظهر معها في الفيديو كليب القادم. أما أحمد، فقد استلم شركات والده ليجد نفسه في ورطة حقيقية. فهو لا يعرف أي شيء في أي شيء. لذا فقد قامت أمنية هانم بالبحث عن من يساعد أحمد في العمل وإدارة الشركات. فاتفقت مع عبقري القانون الأستاذ (عماد الهادي)

المحامي الشهير. محامي بدأها من تحت الصفر، فقد ولد في منطقة عشوائية بيوتها من الصفيح بلا أي مرافق. فعاش حياة الفقر والذل، لكنه كان شديد الذكاء، فدرس في كلية الحقوق وأحب القانون وعشقه. ولكنه درس أيضًا ثغرات القانون وأجاد استغلالها في مصلحته. لذا فهو معروف بأنه "ديب القانون". اتفق معه أمنية هانم على أن يكون المستشار الخاص بأحمد مقابل راتب خيالي لم يحصل عليه وزير.

وبالفعل، بدأ "ديب القانون" بممارسة عمله، وقد استغل غباء أحمد وثقته اللامتناهية أسوأ استغلال. فالقانون ببساطة لا يحمي المغفلين. فكلما سأله أحمد عن الأوراق التي يمضي عليها، يجيبه ببساطة: "اطمن، إنت كدا تمام وكل شيء هتعرفه بالتدريج، بس إمضي على الأوراق دي عشان الشغل ما يتعطل." فيوقع أحمد كالعادة.

وبعد عشرة أيام، ربح أحمد صفقة تجارية كسب منها مائة ألف جنيه. فأقامت أمنية هانم حفلة كبيرة احتفالًا بنجاح ابنها الباهر. ليخسر بعدها بشهر مناقصة كبيرة خسر فيها مليون جنيه. وبعدها وقع عقد استيراد ليتفاجأ بأن البضاعة كانت تالفة، فخسر أربعة ملايين. ثم خسر بعدها قضية تعويض مهمة، فاضطر إلى دفع تعويضات مالية بمبلغ عشرة ملايين. وكلما سأل عماد، أجابه بأن حال السوق متقلب، وأن هذه خسارة طبيعية. ليظهر اختلاسات في الشركة وضاع مبلغ كبير جدًا.

مما دفع الشركاء ببيع أصول أسهمهم بالخسارة، ليجد أحمد نفسه في ورطة كبيرة. فالشركة تنهار وأمواله تختفي. وزاد الأمر حينما انسحب عماد من العمل وقدم استقالته. ليجلس أحمد على أطلال شركات كان لها شأن عظيم في يوم ما.

أما أمنية هانم، كانت شاهدة على خسارات ابنها المتتالية، لكنها لا تريد أن تشمت بها سيدات المجتمع الراقي. فظلت تقيم احتفالاتها الصاخبة وتحضر السهرات اللامعة، وظلت تطلب من أحمد مبالغ طائلة، فهي تعلم أن أموال زوجها طائلة ولن يضرها هذه الخسائر. أما أحمد، فقد كبر مائة عام. فهو مهدد بالإفلاس، وقد تخلى الجميع عنه. ***

سبحان الله، فقد تكشف الصخرة سر الجبل، لأن موظفًا صغيرًا في الشركة استطاع أن يكشف بالصدفة الاختلاس الذي أضاع خمسة ملايين جنيه. فأسرع لأحمد وقدم له الأوراق كاملة، فاكتشف أحمد أن الملايين الخمسة تم إدخالها في بنك (... باسم شركة غير معروفة. وبالبحث عن أصل هذه الشركة كانت الصدمة، فهي مسجلة باسم عماد الهادي، أي أن من سرقه هو محاميه. لتنكشف الحقائق تِباعًا. فقضية التعويض التي خسرها، اكتشف أنه خسرها مقابل نسبة من المال.

أما الكارثة الكبرى، حينما بان تم بيع عمارتان كبيرتان في البساتين عن طريق توكيل عام بالبيع والشراء من أحمد لعماد الهادي، في حين أن أحمد واثق أنه لم يقم بأي توكيل. فنصحه أحد المقربين بأن يلغي التوكيل بسرعة قبل أن يخسر العديد من ممتلكاته. فأسرع بإلغائه، ليتصل به بعد فترة موظف الشهر العقاري ليخبره أن عماد الهادي قد أحضر عقودًا ليبيع الفيلا لنفسه، وأنه كاد أن يجن عندما علم بإلغاء التوكيل.

فقرر الفارس المغوار أن يواجه الشرير، فيواجهه، لينهار الشرير ويبكي ويعترف بخطئه بعد أن يعده بأن يتوقف عن الشر ويعيد إليه ما سرقه. فارتدى حلة الأبطال واتجه إلى مكتب عماد الهادي ليواجهه. لكنه تفاجأ بضحكات عماد العالية المليئة بالسخرية، فقال: "برافو عليك، وعرفتها لوحدك يا شاطر. لا والله، ذكي. وانت مستني إيه؟ وأنا شايف واحد غبي مش مقدر النعمة اللي هو فيها، عنده ملايين تحت رجليه ومش عارف يحافظ عليها. ده حتى المثل بيقول

(المال السايب بيعلم الـ....... . وانت فاهم طبعًا." وغمز له بعينيه. أحمد بصراخ: "لكن انت المحامي بتاعي والمفروض إنك تحافظ على مالي وشركاتي." عماد: "وانت غبي. المفروض دارس في الجامعة ودارس إدارة الأعمال، يعني المفروض إنك تحافظ على فلوسك يا غبي." أحمد: "وأنا مش هسكت وهقدم بلاغ للنائب العام وهاتهمك بالنصب والاحتيال." عماد بسخرية:

"ربنا يعينك، بس قبل ما تقدم البلاغ، شوف دول الأول." ويقوم من مكانه ويفتح خزنته الخاصة به ويخرج منها بعض الأوراق. ما إن قرأها أحمد إلا ودارت به الدنيا من حوله. فقال عماد بسخرية: "أوضح لك، يمكن ما فهمتش يا غبي. دي أوراق تثبت إنك صاحب صفقة الأسلحة المهربة اللي الحكومة مسكتها من شهر. يعني أقدر أوديك في ستين داهية." أحمد: "دي أوراق مزورة." عماد:

"أكيد مزورة، بس الدليل الوحيد على إنها مزورة إنك تقدم أوراق الصفقة الحقيقية. وعلى فكرة، مش هتلاقيها لأن كل الأوراق الحقيقية عندي. وحتى لو قدرت تثبت إنك بريء، هتكون اتسجنت وسمعتك وسمعة شركتك هتبقى في الوحل. وعندي أوراق تانية تثبت تورطك في بلاوي تانية، وكلها موقعة بإمضاءك الكريم. يعني رايح في ستين داهية، رايح في ستين داهية." أحمد: "انت هتستفيد إيه من دا كله؟ عماد: "أنا ما يهمنيش إنك تتحبس، لكن يهمني شيء تاني." أحمد:

"عايز إيه؟ عماد: "عشرة مليون بس، وكدا كلنا هنستفيد." أحمد بصدمة: "مستحيل. أنا مش معايا المبلغ ده كله. انت عارف وضع الشركات وإنها تقريبًا مفلسة بعد ما باع المودعين حصصهم بسبب انخفاض قيمة الأسهم في البورصة، غير ديون البنوك اللي ممكن يحجزوا على الشركة بسببك." (ليضعف ويقول بنبرة مكسورة) "حرام عليك، خربت بيتي وسرقت فلوسي وعايز كمان عشرة مليون." عماد ببرود مستفز:

"القرار في إيدك. اختار إما السجن أو عشرة مليون. وعندك فرصة لحد بكرة الساعة 9 صباحًا. يا إما الفلوس، يا أو تسعة وخمسة هيكون الورق كله عند النائب العام. الزيارة انتهت، مع السلامة." خرج أحمد من عند عماد وهو يجر أذيال الخيبة. فقد فهم كل كلمة قالها والده في الماضي حينما كان يقول: (لو مت وابنك في الحالة دي، كلاب السكك هتاكلكوا) . فلم يستطع أن يمنع دموعه وهو يقول:

"الله يرحمك يا بابا. يا ريتني سمعت كلامك من زمان. كلاب السكك بتاكلني وبتنهش في لحمي. مش عارف أعمل إيه. ساعدني يا ربي." عاد أحمد للقصر، فوجد أمه تستعد لإحدى حفلاتها الصاخبة. فنظرت إليه بقلق. أمنية: "فيه إيه يا أحمد؟ مال وشك كده تعبان." فيرتمي أحمد على الكرسي بتعب: "خلاص يا ماما، أنا ضعت واتخرب بيتي. ويا ريت كدا وبس، دا أنا مهدد بالسجن كمان بقضايا توديني في ستين داهية." أمنية: "إيه الكلام الفارغ ده كله؟

دا أنا معينًا معاك أحسن فريق يساعدك في الشغل." أحمد: "قولي أحسن عصابة سرقتني بالاتفاق مع رئيس العصابة، المحامي اللي جبتيه." أمنية: "مستحيل. الأستاذ عماد عمل إيه؟ أحمد بقلة حيلة: "عمل إيه... سرقني وسرق فلوسي.. وفلس الشركة ودلوقتي بيهددني يا الحبس يا عشرة مليون." تغير وجه أمنية هانم وهي تقول: "إديله كل اللي يطلبه." أحمد: "يا ماما، أنا على وشك الإفلاس ومش عندي أي سيولة والشركات بتنهار." فتجلس أمنية هانم بانهيار وتقول:

"والحل." فيقول أحمد بقلة حيلة: "ساعديني يا ماما، أنا بنهار. أنا بضيع." في اليوم التالي، اتصل أحمد بعماد ليوافق على دفع الأموال مقابل الأوراق التي يهدده بها. وتوسل عماد أن يمنحه الوقت حتى يدبر له الأموال. فأعطاه عماد فقط أسبوع مهلة. بعد أسبوع. أمنية هانم: "أحمد، أنا مش مرتاحة. أنا هاجي معاك." أحمد: "لا يا ماما، هو طلبني وحدي والمكان بعيد وأنا خايف عليكي." أمنية: "هو فين المكان بالضبط؟ أحمد:

"في عمارة تحت الإنشاء في منطقة غريبة اسمها (الجيارة) بعد المدابغ." أمنية باشمئزاز: "إيه الأماكن دي؟ أنا قلبي مش مرتاح وخايفة عليك. طب خد بودي جارد معاك يحرسك ويحميك." أحمد: "هو اشترط أكون لوحدي." أمنية: "طب هتعمل إيه؟ أنا خايفة إنه يعمل فيك حاجة لأننا مش عرفنا نجمع المبلغ المطلوب كله." أحمد: "أنا خايف أكتر منك، بس هحاول أقنعه يقبل السبع ملايين دول والباقي بعدين." أمنية:

"يارب. أنا خايفة قوي ونفسي الكابوس ده ينتهي وأصحى الصبح ألاقي كل حاجة انتهت على خير." أحمد: "وأنا كمان نفسي الكابوس ده ينتهي." نظر في ساعته وقال: "أنا هامشي. باقي ساعة ونصف على الميعاد، يا دوب أوصل هناك."

نظرت أمنية هانم في ساعتها التي تشير إلى التاسعة والنصف، فترى أحمد يحمل حقيبة سفر ضخمة وضع فيها السبع ملايين، وهي كل ما استطاع تجميعه في أسبوع. وهي تدعو الله أن يقبل به عماد ويمهلهم بعض الوقت حتى يدبروا له باقي المبلغ. *** في المطعم، أغلق حسن الهاتف مع المعلم قدري الفيومي. وبعدها نادى ياسمين. حسن: "ياسمين، انتي عارفة بيت المعلم قدري؟ ياسمين: "تقصد المعلم قدري بتاع اللحمة اللي في الجيارة؟ حسن: "أيوه، تعرفي بيته؟

ياسمين: "طبعًا، عمي الحاج مرزوق بعتني عنده أكتر من مرة." حسن: "كويس. خدي يا ياسمين." ومد إليها ظرف كبير. "دا مبلغ أحد عشر ألف جنيه. وديّهم عند المعلم قدري." وفتح الدرج وأخرج ورقة بعشرين جنيه وقدمها لها: "اركبى تاكسي من هنا لباب البيت وارجعي بتاكسي. والباقي ليكي." (ملحوظة هامة: أحداث الرواية عام 2000، أي من أكثر من 22 عامًا. كانت الأسعار بسيطة ورخيصة، فكانت تذكرة المترو بجنيه واحد فقط. الله يرحم أيام زمان)

نظرت ياسمين للعشرين جنيه بسعادة. فقطرة العين الخاصة بأبيها منتهية من ثلاثة أيام وقد اشتكى من الصداع الشديد. فما يبقى من العشرين جنيه يكفي لشراء زجاجة قطرة للعين بسبعة جنيهات، وقد يتبقى لها بعض الجنيهات. وضعت ياسمين الظرف في كيس أسود وركبت التاكسي.

ركبت ياسمين التاكسي وهي حزينة، فالتاكسي سيأخذ خمسة جنيهات كاملة، أما المواصلات العامة ستكلفها جنيه واحد فقط. لكنها لن تخاطر بركوب المواصلات العامة ومعها هذا المبلغ الضخم، لذا ستذهب بالتاكسي. ولكن العودة بالتأكيد ستكون بالمواصلات. ***

في الساعة الحادية عشر، كان أحمد واقفًا أمام عماد داخل العمارة. كان المكان مظلمًا ومخيفًا، أما أحمد فكان يرتجف، فهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها هذه المناطق، بعكس عماد الهادي جدًا والواثق من نفسه. أضاء عماد أحد المصابيح، فأنار المكان بضوء أصفر شاحب أضاف للمكان كآبة. ليسحب عماد أحمد إلى إحدى الغرف موجود بها ما يشبه المكتب القديم. فجلس على الكرسي وقال بهدوء: "جبت الفلوس معاك؟ فأشار أحمد بخوف وقال:

"معرفتش أدبر إلا سبعة ونص مليون." صرخ عماد: "إيه؟ كام؟ سبعة ونص؟ أعمل بيهم إيه؟ أنا عاوز العشرة كاملين." أحمد: "انت عارف وضع الشركة كويس." عماد: "ما يهمنيش وضع شركتك. أنا عاوز فلوسي." أحمد: "دي مش فلوسك، دي فلوسي أنا. إنت عارف إني بريء وإنك بتبتزني." عماد بابتسامة سمجة: "انت عارف أنا ليه أصرت إننا نتقابل هنا؟ شفت المنطقة دي؟

أنا اتولدت هنا وعشت حياتي كلها هنا في عشة صفيح، يا دوب أكبر من القبر بمتر. عشت ما بين المجرمين وتجار المخدرات. كان سهل عليا إني أضيع وأبقى واحد منهم، لكن كان عندي هدف وطموح. والنتيجة قدامك. أنا أشهر محامي في مصر. أما إنت بالنسبة ليا مش أكتر من مجرد (فرخة) بتبيض ليا بيضة دهب. وأنا مش غبي عشان أضيع الفرصة دي. فاختار، إما تدفعلي اللي أنا عاوزه أو السجن." أحمد: "كنت عارف إنك هتعمل كده وإنك هتغدر بيا." فيخرج من جيبه

(مسدس) (سلاح أبيه المرخص) ويشهره في وجه عماد. ويصرخ: "هقتلك يا عماد! نهايتك على إيدي النهارده." فينظر إليه عماد، فيرى يد أحمد ترتعش والعرق يتساقط من جبينه من شدة التوتر وأصابعه غير المتمكنة من مسك السلاح واضطراب حركة مقلتي العين. فعلم أن أحمد أجبن من أن يطلق النار عليه، حتى أنه لم يفتح زر الأمان من السلاح. فابتسم بهدوء، ثم قام ببطء شديد واقترب من أحمد وقال له باستفزاز:

"انت جبان، مجرد طفل في إيده لعبة وياريت بيعرف يلعبها." فيرتعد أحمد وهو يتصنع القوة، ولكن في حركة سريعة ومدروسة، ضربه عماد بقدمه، فسقط السلاح بعيدًا من يد أحمد. ويحركه أسرع، سحب عماد سكينًا كان مخبأها بين الأوراق على المكتب، ليضعها على عنق أحمد وقال بشر:

"مش بقولك غبي. عارف بفلوسك اللي فاتت اشتريت المنطقة دي، وبفلوسك دي هأبني هنا أكبر مجمع سكني في المنطقة كلها. يعني انت دلوقتي في أملاكي، وأقدر أسجنك بتهمة التعدي عليا في أملاكي. وشوف المفاجأة، لو قتلتك دلوقتي مش هدخل السجن ساعة واحدة. يعني في كل الأحوال إنت اللي خسران. وعقابًا لك هتجبلي كمان عشرة مليون غير دول، وإلا هتكون نهايتك على إيدي. فاهم؟

هز أحمد رأسه بضعف، ليستغل الفرصة ويضرب عماد بساقه في بطن عماد، فتسقط السكين من يد عماد. فيسرع أحمد بأخذها. فيسحبه عماد من ملابسه بسرعة محاولًا أخذ السكين منه، لكن أحمد كان متمسكًا بالسكين بشدة. ليشتد بينهما الصراع والتدافع، وفجأة تحدث طعنة، بعدها صرخة وتخرج تخرج الدماء. ***

أما في الناحية الأخرى القريبة منهم، تجلس ياسمين في بيت المعلم قدري تشرب الشاي الذي أعدته زوجة المعلم، بينما المعلم ينتهي من عد المال والتأكد من أن المبلغ سليم وكامل. ثم يخرج من جيبه ورقة بعشرين جنيه وأعطاها لياسمين، والتي كادت أن تقفز فرحًا وهي تأخذها من المعلم قدري وتشكرهم بشدة. لكن سعادتها تضاعفت عندما أمر المعلم زوجته، فأحضرت لياسمين كيسًا به كيلو من اللحم. فأخذته في سعادة وهي تدعو بالخير للمعلم وزوجته، فاليوم هو يوم سعدها، بالتأكيد ستعود إلى البيت ومعها أكثر من ثلاثين جنيهًا وكيلو لحم أيضًا، فأخيرًا ستتناول عائلتها وجبة حقيقية. شيء لا يحدث إلا في الأعياد.

خرجت من منزل المعلم قدري وهي لا تعرف الاتجاه الصحيح، فالشارع مظلم والوقت متأخر. لذا قررت أن تتشجع وتمشي من المنطقة الخالية، فهي تسمع أصوات السيارات من بعدها وترى أنوار السيارات من بعيد. كانت خائفة، فبدأت تقرأ ما تحفظه من القرآن في سرها، فالمكان مخيف. لكنها بدأت تطمئن عندما رأت السيارات بصورة أوضح، وما تبقى ليس كثيرًا. وفجأة شعرت بشيء يمسك في ملابسها، لتطلق صرخة عالية وقد ارتعد جسدها، لتسمع صوتًا ضعيفًا مهزوزًا يقول:

"أنا بموت... إلحقوني... قتلوني... موتوني." ويسقط على الأرض. فتنهمر الدموع من عينيها، وقد سقط كيس اللحم على الأرض. وعلى نور السيارة المارة، رأت وجه الرجل الخمسيني المصاب بطعنات كبيرة، وقد غرست سكينًا كبيرة في ظهره والدماء تسيل منه. فقالت بخوف وجسدها يرتجف: "ما تخافش يا عم، أنا ها أحاول أساعدك." فتحاول سحب السكين من ظهره، فيصرخ الرجل صرخة عالية من شدة تألمه. فتقول ببكاء:

"إنت بتنزف جامد والسكينة مش عايزة تخرج منك، استحمل بس ثانية." فحاولت كتم الدماء والضغط عليها، لكن الدماء تسيل بشدة. وهو يهذي ويغمغم بكلامات لم تفهم إلا: "قتلوني... مش عاوز أموت." فقالت بدموع: "كده هتموت مني. أنا هاروح أتصل بالإسعاف." فيمسكها (عماد) بضعف من يدها ويقول بضعف: "أوعى تمشي وتسبيني... أموت لوحدي... أنا خايف... أنا خايف." فقالت محاولة طمأنته:

"ما تخافش، أنا هأجري بسرعة وهاجي أجيب أي حد يساعدني. أرجوك استحمل." أما عماد، فقد اشتد النزيف عليه، فبدأ يغيب عن الوعي، إلا أنه يغمغم بعبارات غير مفهومة. لتسرع ياسمين تجري وتصرخ بشدة: "إلحقوني! إلحقوني! الراجل بيموت." فيسمعها الناس، ليقترب حشد من الناس منها ليروا فتاة في حالة ذعر، كأنها خارجة من قبر، ملابسها غارقة بالدماء، تبكي وتصرخ وتشير ناحية المنطقة الخالية.

بعد نصف ساعة، كان المكان ممتلئًا بسيارات الإسعاف والشرطة. لتفقد وعيها عندما أخبرهم الطبيب أن الرجل قد فارق الحياة. وبعد فترة، حاول الطبيب إفاقتها، لتصرخ وتبكي بهستيريا وتقول بدون وعي: "أنا اللي موتُّه، أنا السبب في موتك، أنا السبب." كانت تهذي بسبب الصدمة، لكن رجال الشرطة لا يعترفون بشيء اسمه انهيار عصبي أو صدمة أو هذيان، فما قالته هو اعتراف كامل بدون أي ضغوط. كما أن ملابسها غارقة في الدماء، فالقضية بالنسبة إليهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...