الجزء أم النساك: استجدي، اسأل الناس، إما يعطوك أو يمنعون. طارق: أنت اتجننتي، عايزاني أشحت؟ أم النساك بغضب: اخفض بصرك وتأدب في قولك عندما تكلمني يا هذا، وإلا ضربتك بالعصا عشر ضربات. طارق: نعم؟ أم النساك: لم تعد ضيفًا لأتحمل إساءتك وأمنع عقابك. طارق: أتقصدين أن اللي بيغلط في حد هنا بينضرب عشر عصيان؟ إيه الهبل ده؟ هو أنا لسه في المدرسة؟ فتتركه أم النساك وتدخل، فيوقفها بسرعة.
طارق: خلاص خلاص أنا آسف، طب أنا هعمل إيه دلوقتي؟ أم النساك: احصد ما زرعته يداك. طارق: يعني إيه؟ مش فاهم. أم النساك: رفضت أن أرسلك لتعمل وتكسب رزقك، حتى المرة الوحيدة التي عملت وحدك مع أيوب أسأت إليه. وطلبت ألا أرسلك لأحد، فأعطيتك ما تريد ولن يطلبك أحد. ورفضت أن تجمع حجارة لتبني مأوى لك وأصريت على الرفض بلا سبب، فأعطيتك ما تريد. والآن أنت بلا عمل وبلا مأوى. طارق بانكسار: طيب مش كنتِ تفهميني يا أم النساك؟
أعيش أنا كده إزاي دلوقتي؟ ينظر لأم النساك بتوسل ويقول: طب ينفع تمدي الوقت كمان شهر ولا حاجة على ما أعرف العيشة هنا. أم النساك: استنكرت أن النساك رضوا بأن تحكمهم امرأة، فكيف ترضى أنت أن تنفق عليك امرأة؟ ابحث لنفسك عن طعام تأكله ومأوى تعيش فيه. ثم دخلت وأغلقت الباب. ميساء: قسوتِ عليه بشدة يا أم النساك، لقد أشفقت عليه، فهل تقبلين أن أقدم له الطعام هذه المرة؟ فقالت أم النساك بحزم: لا، بل اتركيه وانظري ما يصنع.
لتمر بضع ساعات وهو جالس في مكانه بقلة حيلة، ليقوم بعدها بالطرق على الباب، لكن هذه المرة طرقات خجلة مترددة. ففتحت له أم النساك ونظرت له ولم تتكلم. طارق برجاء: عشان خاطري أسبوع واحد بس أدبر حالي، أنا تعبان وجعان أوي، هو أسبوع واحد بس وأوعدك هعمل كل اللي تقوليه. ميساء: أستحلفك بالله أم النساك اسمحي له. فتنظر أم النساك لميساء قليلًا ثم لطارق وتقول: لو جائع، احلب العنزه واشرب اللبن. فقدمت له ميساء الوعاء الفخاري بتشجيع.
فأخذ الوعاء وذهب للحظيرة ليجد العنزه التي حلبتها له أم النساك. طارق لنفسه: اشرب بقى يا حلو اللي أكلتهولك أم النساك بط بط هتطفحه لك وز وز، وأولها أحلب المعزة وأنا اللي كنت بقول هبلة ووقعت فيا وماتقدرش على زعلي أتاريها كانت بترقد لي المقلب الجامد ده، ده ألعن من مقالب رامز جلال. فيسحب المعزة ويقول: تعالي أما أشوف بتتحلبي إزاي.
وكلما اقترب من ضرع العنزه كانت ترفسه برجلها أو تبعد وتقفز أو تحاول نطحه. وبينما هو في حربه مع العنزه كانت ميساء تراقبه. لتدخل على أم النساك تضحك بشدة وتقول: لم يقدر على العنزه. أم النساك: ألم يحلبها بعد؟ ميساء: بلى، لم يحلبها، يكاد يقبل حافرها حتى تسمح له. فابتسمت لها أم النساك. أم النساك: ثم قالت: اذهبي وعلميه. فعادت له ميساء لتجده يحاول مع العنزه. طارق: يعني أعمل لك إيه؟
عشان خاطري يا أستاذة معزة، هما شوية لبن بس، هو أنت ما فيش في قلبك رحمة؟ ليسمع صوت ضحكات ميساء. ميساء: تتوسل العنزه. طارق: أعمل إيه؟ هموت من الجوع ومش عارف أحلبها. تقترب منه ميساء وتهدئ العنزه ثم تبدأ في حلبها وتعلمه كيف يمسك الضرع وكيف يحلب، ليحاول مرة فمرة حتى نجح ففرح بشدة. وبعدما امتلأ الإناء قال: أعمل إيه دلوقتي؟ أشربه كده؟ قالت ميساء: انتظر آتيك بخبز وعسل التمر حتى تشبع. وبينما هو
يأكل خرجت أم النساك لتقول: تأكل الخبز؟ وهل صنعت الخبز لتأكله يا ميساء؟ فتقول ميساء: بأمرك أم النساك. أم النساك: أحضري له الرحاية والشعير ليطحن لنا مقابل ما أكله. ثم خرجت.
لتحمل له ميساء الرحاية الصخرية والشعير وتريه أين يضع الشعير وكيف يدير الرحاية حتى يتحول الشعير لدقيق. وبينما يعمل في ضيق ليتغير كل شيء حينما دخلت أم النساك ومعها خيوط من الصوف الملون وتجلس على نول كبير لتدمج الألوان وتغزل على النول مفرش صوفي بألوان مشرقة. كانت في لحظة صفاء ذهني عميق فظلت تعمل وتعمل لساعات ولم تتوقف ولم تنتبه لمن سحره المنظر فظل يطحن لساعات. طارق: قولي لي أعمل إيه يا أم النساك؟ مش عارف أتصرف أعمل إيه؟
أم النساك: أمرك وشأنك. طارق: خلاص عرفت إني غبي وحمار، بس هعمل إيه؟ أم النساك: اذهب للمسجد وبعد الصلاة قف وقل سلكت درب نبينا الحبيب وأطلب الحلال. طارق: طيب وبعدين؟ أم النساك: افعل وسترى. في المسجد وبعد الصلاة وقف طارق بخجل ليردد
ما قالته أم النساك فقال: مشيت في سكة رسول الله سيدنا محمد وعايز الحلال. ووقف بعدها بخجل فلم يعلم ما يفعل، لكن بعد دقائق عاد رجل يمسك في يده عنزه وآخر يجر خروف ومن بعيد رجل يسحب جدي صغير، وكل من يأتي يقدمها لطارق ويقول: بارك الله فيك وفي دربك وأطعمك الحلال. ليرجع طارق لأم النساك يسحب في يديه أربع عنزات صغيرات وخروفين. ليقول بدهشة: إيه دول؟ أعمل بيهم إيه؟ ويعني إيه الكلام اللي قلته؟
أم النساك: سلكت درب نبينا الكريم فاخترت رعي الغنم. طارق: بس مش فاهم هما ليه جابوا لي من عندهم؟ أم النساك: هم سالكوا الدرب قبلك، طلبوا فأعطوهم الناس، وأنت طلبت فأخذت، وسيأتي غيرك يطلبون فستعطيهم من عندك، هكذا الدنيا خذ وأعطِ. طارق: بس هحطهم فين دلوقتي؟ أم النساك: سأبقيهم عندي في حظيرتي حتى تبني بيتًا لك. طارق: يا بختهم لقوا حتة يباتوا فيها وأنا مش لاقي. أم النساك: لم تأخذ عطيتك مني يا غريب. طارق: هتديني إيه؟
أم النساك: العنزه التي حلبتها حلالك. طارق: طب خليني في البيت شهر بدل المعزة. فابتسمت أم النساك قائلة: تجيد الاستجداء فاستمر. فيقول طارق بغضب: يا ستار منك، محدش يعرف ياخد منك حق ولا باطل. أم النساك: ماذا تقصد؟ طارق بتراجع: ما أقصدش، بس أنا هعمل إيه دلوقتي؟ أم النساك: ابنِ كوخًا من أفرع الشجر واجمع الصبية والشباب ليساعدوك حتى تفرغ قبل الظلام، وبعدها ابدأ بجمع الحجارة لتبني بيتك.
طارق: ده أنا من النجمة هجمع حجارة عشان الذلة دي. أم النساك: لا تنس أن تصوم ثلاثة أيام، فقد أقسمت ألا تجمع الحجارة. أعطيك نصيحة يا غريب: لا تقف على رعي الغنم بل اعمل، اذهب لكل من يطلبك وارضَ بأي أجر حتى ولو كان الأجر طعامك ولا تكثر في الجدال. طارق: إزاي هيشغلوني وأنت قلتِ إنهم مش هيطلبوني؟ أم النساك: لن يطلبوك لكنك ستذهب إليهم. فليس عيبًا أن تسأل الناس العمل ولكن عيب وعار أن تسألهم طعامًا.
مضى على طارق شهران يمر على الناس يسألهم العمل صباحًا ويأخذ غنماته ترعى وتلهو في حين يجمع هو الحجارة. رأى عبيد يحمل في يده أرنبًا فنادى. طارق: يا عبيد تعالى عايزك. فأقبل عليه عبيد ذو الثلاثة عشر عامًا: بأمرك يا غريب. ينظر طارق للأرنب الذي اصطاده ويقول: جبت ده منين؟ عبيد: اصطدته وسأبيعه لأم النساك فهي تعشق الطرائد. طارق: استنى هاجي معاك. فذهبا فقد اشتاق طارق لأم النساك لأنه لم يرها منذ شهر.
فأقبلوا عليها ووقف طارق يراقب الوضع فقد قدم لها الصغير طريدته: انظري ما حصلت عليه. فنظرت للأرنب وقالت: نِعْمَ ما حصلت، بكم تبيعها؟ فقال الصغير: سأبيعها بثلاث. فأخرجت أم النساك من صرة المال وأعطته ثلاث عملات ذهبية. ففرح بها الصغير وقال: لو تزيديني اثنين سأطهوه لك. أم النساك: وهل ستعرف؟ عبيد: سأطيبه بالزعفران والثمار الحارة وأضيف جذور الأرض الأبيض والأصفر الحلو ولن تجدي أشهى منه أبدًا. فابتسمت أم النساك
وأخرجت قطعتين وقالت: لك ما قلت وستشاركنني وميساء الطعام وسأعد لك خبيصة التمر المحلى بالعسل. فابتسم عبيد وقال: هل لي أن أدعو الغريب معي؟ فضحكت أم النساك وقالت: ضيفك ضيفي يا عبيد. لتتركه ليقول له طارق: لا ده أنت لازم تعلمني أمسكه زيك. عبيد: قنص أم فخ؟ طارق: مش فاهم إيه الفرق. عبيد: قنص نضربه بالسهم أما الفخ ننصب له ليقع فيه. طارق: الاثنين.
بحث عنها طويلًا حتى علم أنها عند البحيرة فذهب لها مسرعًا ووجهه أحمر من شدة الغضب فوجدها جالسة تستظل بشجرة مغمضة العينين تميل برأسها للخلف، فاقترب منها بغضب وجلس بجوارها وقال: أنا بقى لي أكثر من شهرين بسمع كلامك وبشتغل في كل حاجة وما بقولش لا وبرضى بأي أجر وما بعترضش، بس كده كتير أوي وحرام أوي كمان. ففتحت عينيها ومالت برأسها له وقالت: ما بك يا غريب؟ ما الأمر؟
طارق: يعني يشغلني طول اليوم من بعد الفجر لحد دلوقتي قرب المغرب وما آخدش أي أجر، ده حرام. أم النساك بهدوء: من الذي طلبك؟ طارق بغضب: الشيخ حسان طلبني وهد حيلي في حتة مقطوعة قرب الجبل أنا وواحد تاني، هو يملي وأنا أشيل في التراب لحد ما ظهري اتقطم وفي الآخر ما يدينيش أي حاجة. أم النساك: ألم يطعمك؟ طارق: ماشي ما قلتش حاجة، بس كده شوية أوي. أم النساك: ألم يعطك أي شيء؟ طارق: إداني حتة جلد معزة بس. أعمل بيها إيه ما أعرفش.
أم النساك: هل معك هذه القطعة؟ فيقدمها طارق لها بغضب. فنظرت لها أم النساك فوجدتها جرابًا ففتحته أمام طارق ثم أدخلت يدها فيه لتخرجها. لينظر طارق لما في يدها ويقول: حاطط زلط أصفر. فابتسمت أم النساك وقالت: ألا تعلم هذا ذهب؟ فقال طارق بعيون واسعة: تقصدي إنه مديني أجرتي ذهب؟ فهزت أم النساك رأسها بالإيجاب.
فأخذهم طارق ليعدهم وقال: خمسة عشر حتة ذهب شغل يوم واحد، ده كنز دول يجوا حوالي عشرة جرام ذهب خالص. أنتِ عارفة دول عندنا في مصر بكام؟ هزت رأسها بالنفي. طارق: دول ثروة أكثر من خمسة وعشرين ألف جنيه. شغل يوم واحد. أم النساك: عندنا يساوي فقط عمله ذهبية واحدة. ليفتح عيونه على أوسع ما فيها ويقول: العملات اللي عمالة تفرقيها هنا وهناك دهب خالص. فتهز رأسها بالإيجاب دون اهتمام. فيقول: ده أنتوا أغنيا قوي. طب أعمل بيهم إيه؟
أم النساك: احتفظ بهم فقد تحتاجهم. ليقول: طب ممكن تخليهم عندك ووقت ما أعوزهم آخدهم. فوضعتهم في جرابهم وقالت: لك ما شئت. لترجع رأسها وتسرح فينتبه أنها ليست طبيعية ويبدو عليها الحزن فقال: مالك يا أم النساك؟ شكلك زعلانة ومهمومة. أم النساك: صدقت يا غريب، همي كبير. طارق: احكي لي يمكن أساعدك.
ثم ينظر لها ويقول بثقة: ما تستقليش بيا، عندنا بنقول أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة، قولي يمكن تلاقي الحل عندي ولو ما لقتيش تبقى فضفضتي وارتاحتي. فنظرت أم النساك للبحيرة قليلًا ثم قالت: نفذ ماء البئر السادس ويكاد أن يجف الباقين. طارق: مش فاهم قصدك إيه؟
لتقول بشرح: كانت أرض النساك أرض خير بها عشرة آبار لا تنضب منها الماء أبدًا، فقد كانت تفيض السماء بالماء فتمتلئ الآبار ونسقي الزرع وتنبت الأشجار والحشائش فنأكل ويأكل الحيوان والطير حتى السبع والوحش. أشارت له: هل ترى هذه البحيرة؟ فنظر طارق للبحيرة وقال: مالها؟ فقالت: هي الآن أقل من نصف ما كانت عليه، لم يتجدد ماؤها من أكثر من ثلاث أعوام. طارق: طب ليه؟ أم النساك: ماؤها يأتي من نبع في باطن هذا الجبل.
وأشارت لجبل ضخم جدًا شاهق الارتفاع. ومنذ ثلاث أعوام سقطت صخور في الجبل فسدت النبع وانقطع الماء. طارق: طب ليه ما بعتوش رجالة تسلك الطريق وتشيل الصخور؟ ابتسمت أم النساك على فكرته الساذجة وقالت: من سيدخل باطن الجبل ويرفع صخور لا يقوى عليها مائة رجل ويضمن ألا ينهار الجبل عليه فيهلكه؟ فقال طارق: صح عندك حق. أم النساك: أبقينا البحيرة للحيوانات وجعلنا الآبار لنا نشرب ونعيش. طارق: طب إيه المشكلة؟
أم النساك: على مدى عامين جف خمسة آبار والآن جف السادس أوشك الباقي على النفاذ. طارق: دي مصيبة سودة، طب وإنتِ هتعملي إيه؟ أم النساك: لله الأمر من قبل ومن بعد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!