الجزء الرابع جلس طارق بين الرجال، بينما يطوف الصغار الخمسة بينهم باللحم المشوي والخبز، وكلما مروا على رجل وقدموا له الطعام إلا وأخرج من جيبه عملة ذهبية قدمها لهم، وهناك من يدعو لهم، والكل يأكل.
وضع الطفل أمامه طبقًا به كبد الشيهانة مطهو بالزيت، مطيب بالأعشاب، تفوح منه رائحة زكية. وقبل أن يأكل، لاحظ طارق أن العيون كلها عليه، فشعر بحالة أمير وحوله الرعية، فبدأ يأكل بغرور ويلقي إلى الجميع نظرة متعالية، إلى أن لمح أم النساك تستعد للعودة إلى البيت، فقام مسرعًا يلحق بها وبخادمتها.
في هذه الليلة، لم يشعر طارق بضيق بسبب انطفاء المشعل؛ لأنه ببساطة كان متعبًا من العمل في النخل مع عبد الرحمن، ومتخمًا من أكل كبد الشيهانة. فما أن وضع جسده على الفراش حتى راح في نوم عميق. *** بعد عدة ساعات، استيقظ على صوت طرقات على الباب، فقام متكاسلًا ليجد الدنيا مظلمة جدًا، ولكنه تحسس حتى فتح الباب ليجد رجلًا واقفًا ومعه مشعل فقال: "إنت مين؟ وعايز إيه؟
الرجل: "يا غريب، أنا عبد الله، من استأذنتك صباحًا أن أكون أنيسك لصلاة الفجر." طارق: "صح افتكرتك، بس هو الفجر أذن؟ عبد الله: "ليس بعد، فهيا أقبل يا غريب." لينفخ طارق متذمرًا: "طيب بيصحيني ليه ولسه الفجر ما أذنش؟ ليسيرَا معًا في طرقات أرض النساك، والدنيا هادئة ومظلمة، لا ينير طريقهما إلا مشعل عبد الله، والذي دفع باب المسجد ليدخلا معًا، فيمر عبد الله بمشعله على أركان المسجد ينير المشاعل المطفأة، فينظر
طارق حوله في خوف ويقول: "هو إحنا هنصلي الفجر لوحدنا؟ فيبتسم عبد الله: "لا، سنصلي جماعة مع النساك." طارق: "هما فين النساك دول؟ ده إحنا لوحدنا خالص، وتلاقي الفجر أذن." عبد الله: "باقي وقت قبل الأذان." طارق بصوت عالٍ: "طيب ما دام بدري بتصحيني ليه؟ عبد الله: "في هذا الوقت، ينزل ربك للسماء الدنيا ويقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟
فأحببت أن أكون هذا السائل وأقف بين يدي ربي ساعة، أدعوه وأرجوه وأناجيه بالدعاء، فيفيض عليّ برحماته، ورأيت في ذلك خيرًا، فأردت أن أذيقك منه. فهل أنت متوضئ؟ يهز طارق رأسه. عبد الله: "تعال سأملأ الإبريق وأوضئك."
مضى بعض الوقت وعبد الله يصلي ويناجي ربه، أما طارق فصلى ركعتين فركعتين ثم اكتفى وجلس يراقب المصلين الذين يدخلون تباعًا، كل رجل معه أبناؤه، حتى امتلأ بالمصلين، وبعدها صعد شاب ظهر المسجد ليرفع الأذان بصوته القوي الخاشع. وبعد الصلاة، وقبل أن يهم طارق للوقوف، وجد كل المصلين جالسين مكانهم لأن أصواتهم ارتفعت بالتسبيح والتحميد والتكبير في صوت واحد،
وبعدها أدعية الصباح: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك"، "حسبي الله لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم". واستمروا في الذكر حتى انقشع الظلام وأشرقت الشمس، فقاموا كل منهم يصلي الضحى، وبعدها بدأ الجميع في الخروج لكسب عيشهم. *** عاد طارق بعد الصلاة متعبًا، فنام إلى أن استيقظ على صوت الخادمة تناديه، ففتح الباب متكاسلًا لتستقبله
مبتسمة وتقدم له الطعام: "تقول أم النساك هذا طعامك يا غريب، افطر واذهب للشيخ صالح فإنه يطلبك." طارق: "هيّا فين أم النساك؟ ميساء: "ذهبت لتجمع طعام الغنمات." طارق: "يعني هيّا تجيب أكل الغنم وإنتي اللي تقعدي؟ دي مدلعاكي أوي، طيب هو عاوزني في إيه؟ ميساء: "لا أعلم." طارق: "طبعًا هو إنتي بتعرفي حاجة؟ وطبعًا أسأل عليه عند الجامع صح. هاتي هاتي أما نشوف آخرتها إيه." وفي الطريق للمسجد، قابل أيوب فناداه. أيوب: "أهلًا يا غريب."
طارق: "إنت كمان بتقولي يا غريب؟ قلت لك طارق." أيوب: "نادتك أم النساك بالغريب فأصبحت غريب، أين تذهب؟ طارق: "مش عارف، أم النساك بتقول الشيخ صالح عايزني عند الجامع. إنت رايح فين؟ أيوب: "أجمع الزيتون من حقلي." طارق: "طب استنى أجي معاك." أيوب: "حسنًا، انتظر أستأذن من الشيخ صالح وآخذك معي." طارق: "ليه تستأذنه؟ أيوب: "حتى لا يظل ينتظرك اليوم. انتظرني برهة." بينما يقف طارق، أتاه صبي يسأله: "أين ستذهب يا غريب؟
طارق: "هروح مع أيوب ليه؟ الصبي: "ستجمع الحجارة؟ طارق: "لأ." الصبي: "إذًا ستجمع الحجارة غدًا." طارق: "لأ، أعمل إيه بالحجارة؟ مش عايز حجارة." الصبي باستنكار: "أيوب يقول الغريب أنه لن يجمع الحجارة." أيوب بدهشة: "حقًا يا غريب لن تجمع الحجارة؟ طارق: "إنتوا مجانين يا سيدي، مش عايز حجارة، ما باحبش الحجارة خلاص، والله العظيم ما هاجمع حجارة، ارتحتوا؟ يالا بقى نمشي عشان اتخنقت." *** عاد طارق للبيت وقد غربت
الشمس يجر قدميه ويقول: "منك لله يا أيوب، هديت حيلي وقطعت نفسي، لا وأنا بأحسبه صاحبي، أثاريه بيستغلني، أل وفي الآخر بيملي لي سبت زيتون أخضر وبيدهولي! خليه له يشبع بيه." فرأته أم النساك فقالت: "مع من تتحدث يا غريب؟ طارق: "مع نفسي، أصلي اتهبلت." أم النساك: "ما بك؟ طارق: "شوفتي أيوب الكلب؟ أروح معاه الغيط يشغلني ويقطع نفسي معاه." أم النساك: "ولما ذهبت مع أيوب وقد طلبك الشيخ صالح؟
طارق: "ما هو أنا قلت له هاجي معاك فاستأذن من الشيخ صالح." أم النساك: "إذن وما المشكلة؟ طارق: "ما أنا بأقول لك قطع نفسي معاه، أل وفي الآخر بيديني سبت مليان زيتون." أم النساك: "وأين هذا السبت؟ طارق: "رميته له في وشه بعد ما إديته كلمتين في العضم، لو أعرف إنه كده ما كنتش رحت معاه." أم النساك: "لا أفهمك، ما الخطأ؟ طارق: "سيبك منه ده مجنون، لأ والولد كمان مستغرب إني مش هاجمع حجارة، شوفتي المجانين." أم النساك: "ماذا؟
ألن تجمع الحجارة؟ طارق: "هو إنتي هتتهبلي زيهم؟ أنا مش ناقص صداع، خلي الخدامة بتاعتك تجيب لي أكل وميه عشان أتشطف قبل ما يأذن المغرب ويعدي عليا عبد الله عشان أصلي." *** في اليوم التالي، فتحت أم النساك باب بيتها بسرعة بسبب الطرق الشديد على الباب لتجد طارق أمامها بوجه أحمر من شدة العصبية فقالت: "ما بك يا غريب؟ طارق: "شوفتي خدامتك عملت إيه؟ أرجع من بره ما ألاقيش أكل في البيت ولا ميه، وحتى جلابيتي لسه ما غسلتهاش." نظرت
الخادمة لأم النساك لتقول: "تعلمين أننا اليوم صائمون وباقي الكثير على أذان المغرب، كما أن الغريب عاد قبل ميعاده لذا لم أعد الطعام بعد." ليصرخ طارق بصوت عالٍ: "وأنا ذنبي إيه؟ جيت بدري جيت متأخر، أجي وما ألاقيش أكل، لو إنتي صايمة فعلى نفسك، مش فيه واحد مطلوب منك إنه يأكل؟ وإلا هتجوعيني عشان جنابك صايمة؟ فتقول لها أم النساك: "صدقًا عنده حق." ميساء: "لكن يا أم النساك تعلمين أني...
أم النساك: "لا عليكي يا ميساء، عودي وارتاحي بالداخل." طارق بصوت عالٍ: "آه، خشي ونامي وشخري، اقعدي اتدلعي وأنا أموت من الجوع." أم النساك: "اهدأ يا غريب، ماذا تريد؟ فيصرخ طارق: "عايز أطفح وأستحمى من القرف اللي فيا. أنا اللي غلطان إني بأروح مشاويرك الغبية دي." أم النساك: "اهدأ يا غريب وسأطعمك." ثم دخلت وعادت ومعها وعاء فخاري كبير، ليراها تسحب إحدى المعزات وتربطها أمامه. فيقول: "هتعملي إيه؟ أم النساك: "لا عليك سأطعمك."
ثم وضعت بعض الحشائش أمام العنزة، وبدأت تمرر يديها تمسح على رأس وجسد العنزة حتى هدأت، ثم بدأت في حلبها حتى ملأت نصف الوعاء، بعدها أشعلت النار ووضعت الحليب في وعاء آخر وتركته يغلي، ثم أخذت رغيفين من الخبز لتفركهما وتضيف عسل التمر ثم صبت عليه الحليب وقدمته لطارق. "خذ وسمِ بالله." فينظر طارق للطعام بقرف ويقول: "إيه العك ده؟ هو ده الأكل بقى؟ أروح للشيخ صالح وأرجع ألاقي ده؟
أم النساك: "تصبر بهذا يا غريب حتى نعد الإفطار فنحن صائمون." طارق: "طيب عايز ميه أتشطف وكمان هدوم نضيفة." ميساء: "لماذا تتركيه يرفع صو... أم النساك: "اصمتي يا ميساء، اصمتي." ثم التفتت لطارق وقالت: "لك ما تريد يا غريب. اذهبي يا ميساء لبيت إبراهيم وقولي: أم النساك تطلب منك ثوبًا نظيفًا للغريب. وأنا سآتيك بالماء من البئر."
ليقول طارق بأمر لميساء: "شوفي دلع الخدامين ده ما يعجبنيش، أنا عايزة كل يوم ألاقي مكاني نضيف ومترتب وهدومي نضيفة وأكلي جاهز، فاهمة؟ (لتنظر له ميساء بغيظ) ليكمل: "أنا مش أم النساك تستهبلي عليا." لتذهب ميساء وهي غاضبة. بينما هو جلس يأكل ويستمتع، فبالرغم من أن الطعام بسيط إلا أنه رائع، ربما لأن أم النساك من أعدته بيدها. لتعود أم النساك تحمل قربة فخارية مملوءة بالماء وتقول: "لما أنت غاضب؟
طارق: "ما هو يا أم النساك كل شوية تقولي روحي لفلان وتعالي من عند علان، ده ما ينفعش. لأ والشيخ بتاعك ده أل إيه عايزني أنا أمسك معاه الخرفان عشان يحلق لها، تخيلي أنا طارق أمسك خرفان؟ أم النساك: "ألم تساعده وتمسكها معه؟ طارق: "لأ طبعًا، إنتي اتجننتي؟ متخيلة إني أنا أعمل الهبل ده؟ لا طبعًا، أصلك ما تعرفيش أنا كنت إيه في مصر." فتقول أم النساك: "وما كنت في مصر؟
طارق: "كنت راجل أعمال كبير أوي، آمر والكل ينفذ، مش تقولي خرفان وهبل. أنا هاخش أستحمى على ما تجهزوا الأكل." ليدخل البيت أمام نظرات أم النساك المستنكرة. *** في اليوم التالي، بينما تطحن أم النساك الشعير باستخدام الرحاية، دخل عليها بغضب ودون استئذان طارق ليصرخ في وجهها: "شوفي أنا بأقول لك أهو، أنا مش هاروح لحد تاني، فاهمة؟ مش أنا اللي يتقل بقيمتي بالشكل ده، تخيلي أنا طارق عايزني أنا أعجن طينة وأعمل فخار!
أنا مش هاقبل بكده أبدًا، سمعاني؟ لتقول أم النساك بهدوء: "لك ما طلبت." ليهدأ طارق ويقول: "بالبساطة دي وافقتي؟ لتقول بهدوء: "نعم، هل من أمر آخر؟ فيبتسم ويرد بثقة: "لأ خلاص، بس ما تنسيش تبعتي لي الأكل." لتقول بهدوء: "لك ما طلبت. أمر آخر؟ فيبتسم ويقول: "لا خلاص شكرًا." ويخرج. فتقول ميساء: "كيف تسمحي له يا أم النساك؟ لتقول لها: "بلا اعتراض، اذهبي وقدمي للغريب طعامه." ***
وقد صدقت وأوفت أم النساك، فلم تطلب منه أي طلب، حتى أنها اهتمت بطعامه وثيابه بنفسها.
أما طارق فقد بدأ يستمتع بحياة النساك، يخرج يوميًا يتمشى في أرض النساك، كان يظنها بلدة صغيرة يخفيها الجبل، لكنه اكتشف أنها كبيرة جدًا، فهناك بحيرة واسعة وإن كانت قليلة الماء، وأراضٍ واسعة، ووادي كبير مملوء بأشجار الزيتون والرمان والنخيل. حتى أم النساك، كان يظن أنها تمتلك بعض الخراف والماعز الموجودين في الحظيرة الصغيرة خلف البيت، ليكتشف أنها تمتلك أكثر من ألف رأس غنم ومائة ناقة وخمسمائة بقرة وثور، هي وحدها يرعاهم عمال عندها، حالها حال الكثير من النساك، لكنها تتركها للرعيان يتولوا رعايتهم، وأن كل الأغنام والماعز التي تذبح في إكرام حفظة القرآن الكريم فمن مالها الخاص.
أحب مجلس النساك، فدائمًا يقضي فترة العصر هناك، أما المساء فأصبح أقل وقت يضايقه بعدما اعتاد الحياة البسيطة الهادئة، أصبح لا ينزعج من الظلام، فقد أحب الليل في أرض النساك بعدما رأى جمال الليالي المقمرة، وعشق نور القمر الفضي الذي ينير أرض النساك، وحتى أحب رفقة عبد الله وقت الفجر حتى أنه بدأ يحفظ بعض السور من القرآن. ***
في الصباح، استيقظ بعد صلاة الفجر، ومر بعض الوقت وبدأ يشعر بالغضب الشديد فلم تحضر الخادمة الطعام حتى الآن، فخرج غاضبًا واتجه لبيت أم النساك ينادي بصوت عالٍ: "ميساء، إنتي فين؟ ردي عليا يا بت." فخرجت ميساء مع أم النساك. لتقول له: "ما الأمر يا غريب؟ ليرفع صوته: "شوفي بقينا إمتى والهانم لسه ما جابتش الفطار." أم النساك بنبرة صوت حادة: "اخفض صوتك يا غريب، وقل ما عندك." طارق: "ما أنا بأقول لك فين أكلي؟ أم النساك: "ابحث عنه."
طارق بسخرية: "هاهاها دمك خفيف، أنا بأتكلم بجد. فيه إيه يا أم النساك؟ أم النساك: "يا غريب، ألا تفهم؟ مضى على وجودك هنا أربعين يومًا." طارق: "إيه يعني؟ أم النساك: "يا غريب، من عادات العرب أن الضيف له أربعون يومًا، وبعدها لا يصبح ضيفًا، وقد قضيت وقتك كاملًا." طارق بضيق: "خلصي مش فاضي لك. قصدك إيه؟ أم النساك: "حسنًا، لا طعام لك عندي فابحث عن طعامك، ولا بيت لك عندي فابحث عن مأوى لك." طارق: "طب وأنا هأعمل إيه دلوقتي؟
أم النساك بالاهتمام: "اذهب واستجدِ." طارق: "يعني إيه؟ أم النساك: "اسأل الناس فقد يعطوك أو يمنعوك." طارق بغضب شديد بعدما فهم قصدها: "إنتي اتجننتي؟ عايزاني أشحت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!